فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له" (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له". وفي لفظ لمسلم: "وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه". وفي لفظ آخر له أيضاً: "فإن الله صانع ما شاء لا مكره له" (٢) ففي هذه الأحاديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريماً، وقد قال ابن عيينة: "لا يمنعن أحدًا من الدعاء ما يعلم في نفسه -يعني من التقصير- فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ (٣).
وقد فسر بعضهم العزم الوارد في هذه الأحاديث بحسن الظن بالله تعالى في الإجابة (٤). وهو قريب من المعنى الأول، وحسن الظن مطلوب في الدعاء أيضاً لما ورد في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني" (٥).
ومما ينبغي أن يعلم أن النهي عن التعليق خاص بما هو خير محض من المطالب الدينية كسؤال الرحمة والمغفرة والمطالب الدنيوية المعينة على الدين كالعافية والرزق، وأما الأمور التي لا يتحقق العبد مصلحتها وعواقبها فيعلقها على اختيار ربه له الأصلح كما في دعاء الاستخارة الوارد (٦).
стр. 177
والسر في النهي عن التعليق هو أن عدم العزم في السؤال لا يليق بالبائس الفقير ذي الحاجة الشديدة وإنما يليق بمن يمكن الاستغناء له، ولا أحد يستغني عن فضل الله وجوده وكرمه، وأما المضطر فإنه يجزم ويسأل سؤال الفقير المضطر إلى ما سأله (١).
ثم إن الداعي إذا لم يكن جازماً لم يكن رجاؤه صادقاً قوياً لأن الباعث على الدعاء هو الرجاء فإذا كان الغالب على قلب الداعي أنه لا يجاب لم يكن رجاؤه صادقاً، فلا يخلص الدعاء ولا يتحقق منه الإلحاح في الطلب لأنَّه لم يتحقق الباعث عليه، والداعي إنما يجاب تصديقاً لرجائه فإذا لم يصدق رجاؤه لم يستوجب أن يجاب (٢).
وذلك لأن روح الدعاء وسره هو رغبة النفس في الشيء مع تطلعها إلى الملأ الأعلى والطلب بالشك يشتت العزيمة ويفتر الهمة (٣).
ثم إن عدم الجزم فيه سوء ظن بالله تعالى لأن الداعي إذا لم يدع ربه على يقين أنه يجيبه فعدم إجابته إما لعجز المدعو، أو بخله، أو عدم علمه بالابتهال، وكل هذا محال على الله تعالى (٤).
عدم الغفلة والتكاسل (٥):
فالدعاء دواء نافع مزيل للداء ولكن غفلة القلب تبطل قوته، ومن المعلوم أن مقصود مقصود الدعاء هو حضور القلب ولكن الغفلة وضعف حضور القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، هذه الأمور
стр. 178
تضعف قوة الدعاء وتبطل تأثيره فيكون بمنزلة القوس الرخو جداً فإن السهم يخرج منه خروجاً ضعيفاً (١). ولهذا حث الرسول ﷺ على حضور القلب وحذر من الغفلة وأخبر أنها مانعة من قبول الدعاء، فقال صلوات الله وسلامه عليه: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غَافِل لَاهٍ" (٢).
هذا إذا كان يمكن للداعي إحضار قلبه فأما إذا كان لا يمكنه ذلك وليس في وسعه إلا الدعاء وهو ساه فالدعاء أفضل من تركه (٣).
стр. 179
المبحث الثاني في آداب الدعاء الثبوتية
فالمراد من الثبوتية هي الآداب التي يطلب ثبوتها ووجودها، فلهذا يمكن تسميتها آداباً وجودية أو إيجابية، بمعنى الإيجاب ضد النفي والسلب، وهذه الآداب الثبوتية كثيرة نقتصر هنا على أهمها وأصحها دليلاً، وهي كالآتي:
١ - الإخلاص.
٢ - التوبة.
٣ - التضرع والخشوع.
٤ - الإلحاح والتكرار.
٥ - الإكثار من الدعاء في الرخاء.
٦ - خفض الصوت.
٧ - التوسل بأسماء الله الحسنى.
٨ - اختيار جوامع الكلم.
٩ - استقبال القبلة.
١٠ - الطهارة.
١١ - الافتتاح بالثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه محمد وعلى آله وصحبه ﷺ .
стр. 180
١٢ - رفع اليدين.
١٣ - تحري الأوقات الفاضلة.
١٤ - تحري الأماكن الفاضلة.
١٥ - تحري الأحوال الفاضلة.
فهذه هي بعض الآداب الثبوتية إجمالاً وإليك تفصيلها بإيجاز:
الإخلاص في الدعاء (١):
وهو أهم هذه الآداب وأوكدها لأن عدم إخلاص الدعاء الله تعالى تارة يكون شركاً صريحاً مخرجاً عن الملة، وقد يكون شركاً أصغر فيكون الدعاء محبطاً لا يمكن قبوله واستجابته.
وقد أمر الله تعالى بالإخلاص في الدعاء فقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٤].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥].
وقال عز من قائل: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩].
وقال الحافظ ابن حجر ﵀، وقد دلت الآية يعني بها قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] أن الإجابة مشترطة بالإخلاص (٢).
وقال ابن مسعود ﵁: "إن الله لا يقبل من مسمع، ولا
стр. 181
مراء، ولا لاعب، ولا داع إلا داعياً دعاء ثبتاً من قلبه" (١).
والإخلاص في الدعاء يستوجب الاعتقاد بأن المدعو هو القادر وحده على قضاء حاجته كما يستوجب دعاءه بنية صادقة وقد عبر القرطبي عن الإخلاص في الدعاء بقوله: "فمن شرط الداعي أن يكون عالماً بأن لا قادر على حاجته إلا الله، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة" (٢).
وقد تبين من هذا أن الإخلاص لله تعالى وصحة الاعتقاد له أثره الخاص في استجابة الدعاء ومن هنا قيل: "إجابة الدعاء تكون عن صحة الاعتقاد وعن كمال الطاعة لأنَّه عقب آية الدعاء بقوله: "فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي" (٣).
التوبة (٤) والرجوع إلى الله تعالى:
فإن المعاصي من الأسباب الرئيسية في منع قبول الدعاء، فينبغي للداعي أن يبادر إلى التوبة والاستغفار قبل دعائه ليكون مؤهلاً لقبول دعوته.
стр. 182
وقد كان الأنبياء يحثون أممهم على التوبة والاستغفار ويخبرونهم أن ذلك سبب لنزول المطر وإدرار السماء والإمداد بالأموال والبنين، وغير ذلك.
قال نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
وقال هود ﵇: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢].
وقال تعالى في هذه الأمة ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣].
ومما يدل على أن التوبة من الأسباب المهمة لقبول الدعاء ما ورد من الأحاديث التي تدل على أن المعاصي سبب لرد إجابة الدعاء وقد تقدم بعضها عند ذكر التلبس بالحرام.
التضرع (١) والخشوع والتذلل والرغبة والرهبة:
وهذا هو روح الدعاء ولبه ومقصوده (٢) فالله يحب عبده الذي إذا ابتلاه تضرع إليه وتملق له وتذلل وقرع بابه وأدام ذلك ولا يحب من لا يتضرع ولا يتذلل ويعتدي في الدعاء بعدم التضرع أو رفع الصوت أو غير ذلك.
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
стр. 183
فأمر الله تعالى بدعائه بتضرع وخفية وحذر من الاعتداء، قال شيخ الإسلام ﵀: "ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع، بل دعاء هذا كالمستغني المدل على ربه، وهذا من أعظم الاعتداء لمنافاته لدعاء الذليل، فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد" (١).
وقد وصف الله زكريا ﵇ وأهله بأنهم يدعون الله تعالى رغبة ورهبة فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]، هذا والتضرع هو حقيقة الدعاء ولا يخفى على العاقل ما فيه من أثر واضح في إجابة الدعاء ولهذا كان كل من يصدق في رغبته في الدعاء لا بد أن يتضرع حتى ولو كان مشركاً في غير وقت الرغبة الصادقة الملحة، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأنعام: ٦٣].
الإلحاح (٢) والتكرار وعدم الضجر والملل:
ويحصل الإلحاح بتكرار الدعاء مرتين وثلاثاً وأكثر لكن الاقتصار على الثلاث مرات أفضل اتباعاً (٣) للحديث حيث ورد ما يدل على تكريره للدعاء ثلاث مرات فقد روى ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه أن يدعو ثلاثاً ويستغفر ثلاثاً (٤).
стр. 184
ووقع في حديث عائشة ﵂ في قصة سحره ﷺ : "فدعا ثم دعا ثم دعا" (١).
وإذا بحثنا عن أدعية النبي ﷺ لا نجد كثيراً منها فيها التكرار والبسط والتطويل وذكر كل معنى بصريحه نحو قوله ﷺ : "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخّرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني" (٢).
ومعلوم أنه لو قيل اغفر لي كل ما صنعت لكان أوجز ولكن في مقام الدعاء والتضرع وإظهار العبودية والافتقار فالتفصيل والبسط أفضل من الإيجاز والاختصار وذلك أن الدعاء عبودية لله وافتقار إليه وتذلل بين يديه، فكل ما كثره العبد وطوله وأعاده وأبداه ونَوَّعَ جمله كان ذلك أبلغ لعبوديته وإظهار فقره وتذلله وكان ذلك أقرب له من ربه وأعظم لثوابه، هذا بخلاف المخلوق فإنك كلما كثرت سؤاله وكررت حوائجك إليه أبرمته وثقلت عليه وهنت عنده وكلما تركت سؤاله كنت أعظم عنده ولهذا قال بعضهم:
فالله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب (٣)
الدعاء (٤) في الرخاء والإكثار منه في وقت اليسر والسعة:
إن من شأن العبد الصالح أن يلازم الدعاء في حالتي الرخاء والشدة، وأما غير الصالح فإنه لا يلتجيء إلى الله تعالى إلا في وقت الشدة ثم ينساه، وهذا شأن أكثر الناس إلا من عصمه الله، فقد ذكر الله تعالى هذه الطبيعة البشرية في عدة آيات من كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ
стр. 185
الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
وقال عز من قائل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر: ٨].
وقال ﷻ ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ [الزمر: ٤٩].
وقال ﵎: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ [فصلت: ٥١].
فقد بيّن الله في هذه الآيات وأمثالها طبيعة ابن آدم في الالتجاء إلى الله في الشدائد ونسيانه في الرخاء.
كما بيّن في آيات أخر مثالاً واقعياً من تلك الطبيعة البشرية فذكر حالة الذين تضطرب بهم السفن وتتلاطم بهم الأمواج وأنهم يخلصون في هذه الحالة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ [لقمان: ٣٢].
والذي ينبغي أن يكون عليه المسلم أن يلازم الدعاء في الرخاء والشدة وذلك أسرع في إجابة دعائه، كما ورد في حديث ابن عباس المشهور: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" (١).
стр. 186
والمراد بالمعرفة المطلوبة من العبد في الحديث هي: "المعرفة الخاصة التي تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والانقطاع إليه والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه والهيبة له" (١)، ومن المعرفة أيضاً إخلاص الدعاء له في حالة الرخاء، وكذلك المراد بمعرفة الله لعبده هو المعرفة الخاصة التي تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابته لدعائه وإنجاءه من الشدائد وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يحكي عن ربه: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه وفي رواية ولئن دعاني لأجيبنه" (٢).
وفي الجملة فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته (٣).
ومن الأحاديث الدالة على سرعة إجابة دعاء من يلازم الدعاء في الرخاء ما رواه أبو هريرة ﵁ مرفوعاً: "من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكُرَب فليكثر الدعاء في الرخاء" (٤).
стр. 187
خفض الصوت بالدعاء (١):
من آداب الدعاء المهمة مخافتة الدعاء والإسرار به وعدم الجهر به، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
وروى أبو موسى الأشعري ﵁ أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي ﷺ :
"أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم" (٢). وقد فسرت عائشة ﵂ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] أي بدعائك (٣).
وقال الإمام أحمد ﵀: "ينبغي أن يسر دعاءه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال هذا في الدعاء"، وقال أيضاً: "كانوا يكرهون أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء" (٤).
وقال الحسن البصري ﵀: "إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يفعلوه في سر فيكون علانية أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم عز
стр. 188
وجل، ذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وذلك أن الله تعالى ذكر عبداً صالحاً ورضي قوله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣] ".
وقد وردت في بعض طرق هذا الأثر زيادة في أوله: "بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفاً" (١). ونقل نحو هذا عن ابن عباس في صدقة السر والعلانية ثم قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها (٢). وهذا الأثر الموقوف على ابن عباس له حكم الرفع.
قال القرطبي: "مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف" (٣).
وذكر شيخ الإسلام ﵀ عشرة فوائد في إخفاء الدعاء (٤) أذكرها مع طولها لنفاستها وكونها درراً من الحكم والأسرار العظيمة التي تضمنه كلامه ﵀.
أحدها: أنه أعظم إيماناً لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي.
وثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم لأن الملوك لا ترفع الأصوات عندهم ولله المثل الأعلى.
وثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه
стр. 189
ومقصوده، فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه، وذلت جوارحه، وخشع صوته، حتى إنه ليكاد تبلغ ذلته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق، وقلبه يسأل طالباً مبتهلاً، ولسانه لشدة ذلته ساكتاً، وهذه الحال لا تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلاً.
ورابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.
وخامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الله في الدعاء فإنَّ رفع الصوت يفرقه فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه.
وسادسها: أنه دال على قرب صاحبه إلى من يدعوه وهو الله القريب المجيب ولا يكون من نداء البعيد للبعيد حتى يحتاج إلى رفع الصوت.
ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله : ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣]، ففي ذلك استحضار القلب قرب الله ، وأنَّه أقرب إليه من كل قريب فلهذا يخفي دعاءه ما أمكن وإلى ذلك أشار ﷺ بقوله: "اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته".
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص، فهو قريب من داعيه وقريب من عابديه وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
وسابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما لو رفع فإنه يضعف.
وثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات فإنه إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد حتى يشوش عليه، وربما تعلقت نفس الداعي بمراقبتهم فتتفرق همته فيضعف أثر الدعاء.
وتاسعها: أن أعظم النعمة الإقبال على الله وعبادته، ولكل نعمة
стр. 190
حاسد ولا نعمة أعظم من هذه النعمة والأسلم له إخفاء نعمته عن الحاسد.
وقد قال يعقوب ليوسف ﵉ ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥].
وعاشرها: أن الدعاء هو ذكر للمدعو فهو ثناء على الله مع الطلب منه فهو ذكر وزيادة، وقد أمر الله تعالى بإخفاء الذكر مع في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
هذا آخر الفوائد التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى - وهو كما ترى - يذهب إلى عدم الفرق بين الذكر والدعاء وهذا هو الصواب.
وقد ذهب بعضهم إلى الفرق بين الذكر والدعاء:
فذهب إلى أن الأفضل في الدعاء السر دون الذكر وعلل ذلك بقوله: لأنَّه أقرب إلى الإجابة إلَّا عند الضرورة.
ونقل عن الفتاوى البزازية أن الواعظ إذا جهر بالدعاء لا بأس به نعم إذا تعلموا وجهر يكون جهرهم بدعة.
ثم علل ثانياً بقول الله تعالى في زكريا إذ نادى ربه نداء خفياً وأنَّه يستحب في الاستعاذة اتفاقاً لكونها دعاء (١).
وقد حكى بعض علماء الحنفية أن المستحب عندهم في الأذكار والأدعية الخفية إلا فيما تعلق بإعلانه مقصود كالأذان والخطبة وتكبيرات الصلاة (٢).
وفي هذا رد على بعض الحنفية الذين يميلون إلى استحباب الجهر
стр. 191
بالذكر مراعاة لما جرت عليه عادة المتصوفة من الجهر بالذكر والاجتماع عليه.
فتبيّن مما تقدم أن الأفضل هو خفض الصوت ولكن في بعض الأوقات يأتي عارض يجعل الجهر أولى مثل قصد تعليم جاهل أو طرد نحو نعاس أو كسل عن الداعي نفسه أو إدخال سرور على قلب مؤمن أو تنفير مبتدع عن بدعة أو نحو ذلك (١).
التوسل (٢) إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا إما في أول الدعاء أو آخره:
كما يقع كثيراً في الأدعية المأثورة فإنها إما تبتدئ بالتوسل باسم مناسب من أسماء الله الحسنى أو تختم به نحو ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. ونحو: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾ [آل عمران: ٣٨]. ونحو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾ [الأعراف: ١٥١]. ونحو: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ونحو: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨].
وقد أمرنا الله تعالى بالتوسل إليه في الدعاء بأسمائه الحسنى فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
والدعاء بالأسماء الحسنى له مرتبتان:
"إحداهما دعاء ثناء وعبادة، والثاني دعاء طلب ومسألة فلا يثني عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يسأل إلا بها، فلا يقال: يا
стр. 192
موجود أو يا شيء أو يا ذات اغفر لي وارحمني، بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضياً لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلاً إليه بذلك الاسم، ومن تأمل أدعية الرسل ولا سيما خاتمهم وإمامهم وجدها مطابقة لهذا" (١).
وقد فسر قوله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" (٢) فسر بالدعاء بها، وهو واحد من مراتب الإحصاء الثلاثة وهي:
الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها، والثانية: فهم معانيها ومدلولها، والثالثة: الدعاء بها. وقد رجح الخطابي هذا المعنى الأخير الذي هو عدُّها للدعاء بها (٣).
وأما التوسل بدعاء الغير فليس من آداب الدعاء وذلك أن السؤال من الغير فيه نوع افتقار إلى غير الله تعالى ولهذا لم ينقل عن كبار الصحابة أنهم سألوا النبي ﷺ الدعاء لأنفسهم وإنما سأله عمر الدعاء للمسلمين عندما أراد النبي ﷺ ذبح رواحل المسلمين عندما نفدت أزوادهم في غزوة تبوك (٤).
وأما التوسل بالغائب أو الميت فجدير بالمنع وأحرى. ومن هنا نعرف خطأ من عده من آداب الدعاء كابن الجزري في الحصن (٥) وسيأتي بيان ما في ذلك بتوسع بحول الله وقوته.
стр. 193
وأما التوسل بالأعمال الصالحة، فقد ورد بكثرة في القرآن الكريم التوسل بالإيمان والأعمال الصالحة، وهذا يدل على استحبابه وذلك نحو: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣].
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦].
ومن هذا الباب الحرص على الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنها مظنة للإجابة أو هي متضمنة للاسم الأعظم (١) ومن ذلك ما رواه بريدة بن الحصيب ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" فقال: "لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" (٢).
ومن ذلك ما رواه سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: "دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين إنه لم يدع بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" (٣).
ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يصلي ويقول: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلَّا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم" فقال
стр. 194
النبي ﷺ : "لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى" (١).
ومن ذلك ما رواه ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم" (٢).
اختيار (٣) جوامع الكلم وأحسن الكلام وأحسن الألفاظ وأنبلها وأجمعها للمعاني وأبينها:
قد حث رسول الله ﷺ ورغب في ذلك، قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك" (٤).
والسبب في ذلك ما ذكره الخطابي من أن الدعاء مناجاة العبد لسيد السادات الذي ليس له مثل ولا نظير ولو تقدم بعض خدم ملوك أهل الدنيا إلى صاحبه ورئيسه في حاجة يرفعها إليه لتخير له محاسن الكلام ولتخلص إليه بأجود ما يقدر عليه من البيان ولئن لم يستعمل هذا المذهب في مخاطبته ولم يسلك هذه الطريقة، أوشك أن ينبو سمعه عن كلامه وألا يحظى بطائل من حاجته من عنده هذا ولله المثل الأعلى، فما ظنك برب
стр. 195
العزة سبحانه وبمقام عبده الذليل بين يديه ومن عسى أن يبلغ بجهد بيانه كنه الثناء عليه، وهذا رسوله وصفيه ﷺ قد أظهر العجز والانقطاع دونه فقال في مناجاته: "وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (١).
ويدخل في هذا مراعاة الإعراب في الأدعية لأنَّه بالإعراب يستقيم المعنى وبعدمه يختل ويفسد وربما انقلب المعنى باللحن حتى يصير كالكفر إن اعتقد صاحبه، وقد أخرج الخطابي بإسناده عن الأصمعي أنه مر برجل يقول في دعائه يا ذو الجلال والإكرام فقال: ما اسمك؟ قال ليث، فأنشأ يقول:
ينادي ربه باللحن ليث … لذاك إذا دعاه لا يجيب (٢)
والحاصل أنه ينبغي التحفظ من الخطأ في في الدعاء لأن تعظيم الله تعالى واجب على العبد بكل حال وهو في حال مسألته والرغبة أوجب وألزم (٣).
ولكن هذا في القادر الذي يستطيع الإعراب والإفصاح وأما العاجز فلا بأس بأن يدعو بما يستطيع. قال ابن الصلاح ﵀: "ثم إن الدعاء الملحون ممن لا يستطيع غير الملحون لا يقدح في الدعاء ويعذر فيه" (٤).
استقبال القبلة (٥):
وذلك لأن القبلة هى الجهة الفاضلة التي ينبغي أن يتجه إليها في
стр. 196
العبادات وهي أيضاً قبلة للدعاء كما أنها قبلة للصلوات وليست السماء قبلة للدعاء كما زعم ذلك بعضهم وستأتي مناقشة ذلك في مبحث العلو إن شاء الله.
وقد ورد في ذلك عدة أحاديث من ذلك حديث ابن مسعود ﵁ في إلقاء قريش الأذى على ظهر رسول الله ﷺ وهو يصلي وفيه: "استقبل النبي ﷺ الكعبة فدعا على نفر من قريش" (١).
وحديث عمر ﵁: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه" (٢).
وحديث عبد الله بن زيد ﵁ في الاستسقاء قال: "إن النبي ﷺ خرج إلى المصلى يصلي وإنه لما دعا أو أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه" (٣).
ولكن مع ثبوت هذه الأحاديث التي تدل على مشروعية استقبال القبلة وأفضليته للدعاء فالذي ينبغي أن يعلم أنه ليس بلازم في الدعاء، فقد ورد ما يدل على أن النبي ﷺ دعا غير مستقبل القبلة في بعض الأحيان ولهذا عقد البخاري ﵀ في صحيحه باب (٤) الدعاء غير مستقبل القبلة وأورد فيه حديث الاستسقاء في خطبة الجمعة. ومن المعلوم أن الخطيب يكون مستدبراً للقبلة في حال الخطبة وذلك للإشارة إلى أن الاستقبال ليس بلازم وإن كان أفضل وأرجى للقبول.
الطهارة قبل الدعاء (٥):
وهذا من الآداب التي ينبغي للداعي أن يتصف بها فاللائق بمن يريد
стр. 197
خطاب الله ومناجاته أن يكون على أحسن الأحوال ومن ذلك الطهارة الظاهرة بالوضوء والطهارة الباطنة بالتوبة والاستغفار حتى يكون مؤهلاً لخطاب الله تعالى ومناجاته.
وقد ورد ما يدل على استحباب الوضوء للدعاء في حديث أبي موسى الأشعري في قصة استشهاد أبي عامر وطلبه من النبي ﷺ الاستغفار فلما وصل إلى النبي ﷺ وفاته وطلبه منه الاستغفار دعا بماء فتوضأ ثم دعا له (١).
وهذا الوضوء ليس بلازم إذ المضطر قد لا يسعفه الوقت للاستعداد بالوضوء فيتجه إلى الله تعالى بالسرعة فيجيبه الله على حسب قوة إخلاصه ورجائه وتضرعه وخشوعه.
ثم إن الوضوء للدعاء ليس صفة دائمة في جميع الدعوات التي نقلت عن النبي ﷺ فقد كان كما قالت عائشة ﵂: "يذكر الله في جميع أحيانه" (٢).
والدعاء نوع من الذكر كما تقدم وذلك كالدعاء عند الخروج من الخلاء فإنه لا يؤخره حتى يتوضأ بل يقوله مباشرة عند الخروج.
افتتاح الدعاء (٣) بالثناء على الله تعالى بالمحامد التي تليق بجلاله وبذكر جوده وكرمه ثم بالصلاة والسلام على نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه:
وذلك أن الأدب في خطاب العظماء أنه يقدم ثناؤهم وذكر جودهم وفضلهم على خطابهم بالحاجة وقد قال الشاعر:
стр. 198
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … ثناؤك إن شيمتك الوفاء
ولله المثل الأعلى فالذي يريد دعاءه عليه أن يقدم بين يدي حاجته الثناء وهذا من التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.
وإذا تأملنا الأدعية الواردة في القرآن والسنة نجد كثيراً منها تبتدئ بالثناء على الله تعالى بجميل أوصافه، فمن ذلك الدعاء الذي حكاه الله عن عباده أولي الألباب في آخر سورة آل عمران فقد بدئ بالثناء على الله بالتنزيه وعدم العبث: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ … ﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٤]، ومن ذلك دعاء الفاتحة الذي هو أفضل دعاء فقد بدئ بالثناء على الله، ومن ذلك دعاء يوسف الذي حكاه الله في آخر سورة يوسف آية ١٠١: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ … ﴾ ودعاء الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا … ﴾ [غافر: ٧].
ومن ذلك الدعاء الذي كان النبي ﷺ يقوله في قيام الليل: "اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض" … إلى أن قال بعد ثناء طويل: "فاغفر لي ما قدمت … " (١).
قال الحافظ في شرحه لهذا الحديث: وفيه استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب اقتداء بالنبي ﷺ (٢).
وأما الصلاة على النبي ﷺ فهي نوع من أنواع الدعاء إذ الدعاء نوعان:
أحدهما: سؤال العبد حوائجه ومهماته، وهذا إيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.
والثاني: سؤال العبد ربه أن يصلي على خليله وحبيبه ولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله يحب ذلك، فالمصلي عليه قد صرف
стр. 199
سؤاله ورغبته إلى محاب الله ورسوله وآثر ما يحبه الله ورسوله على محاب نفسه. فهذا جزاؤه من جنس عمله.
ومثال هذا ما يوجد عند الناس بما يفعلونه عند ملوكهم إذا أرادوا التقرب إليهم أثنوا على من يحبونه وسألوا منه أن ينعموا عليه وبذلك يتوسلون إلى القرب عندهم والحظو لديهم (١).
ثم إن الصلاة على النبي ﷺ هي دعاء له فكلما صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه عشراً: "وهو لو دعا لآحاد المؤمنين لقالت الملائكة: آمين ولك بمثله فدعاؤه للنبي ﷺ أولى بذلك" (٢).
فتبيّن بهذا أن الصلاة على النبي ﷺ فيها معنى الدعاء فكيف إذا تقدمت أمام الدعاء فصارت له كالمفتاح كما أن مفتاح الصلاة الطهور؟ (٣).
وقد اتفق العلماء على استحبابها في الدعاء حتى حكى الزمخشري أن بعض العلماء أوجبها في كل دعاء (٤).
وقد ورد الحث على تقديم الثناء والصلاة والسلام على النبي ﷺ في أحاديث متعددة، منها: حديث فضالة بن عبيد ﵁ قال: "سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو في صلاته فلم يصل على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "عجل هذا"، ثم دعاه فقال له ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بعد بما شاء" (٥).
стр. 200
وروي عنه ﷺ أنه قال: "كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي ﷺ " (١).
من آداب الدعاء (٢): رفع اليدين:
١ - ذهب أكثر العلماء إلى استحباب رفع اليدين في الدعاء ويدل لهم أحاديث كثيرة جداً أفردها المنذري في جزء (٣) وكذلك السيوطي في رسالة سماها "فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء"، وادعى في أولها تواترها وأنَّه وقعت له منها نيف وأربعون حديثاً (٤).
وذكر في تدريب الراوي أن من المتواتر ما تواتر معناه، ومثل له بأحاديث رفع اليدين في الدعاء ثم قال: "فقد ورد عنه ﷺ نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء وقد جمعتها في جزء لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع" (٥). وممن أقر بتواتره صاحب نظم المتناثر (٦).
стр. 201
وقال النووي: "قد ثبت رفع يديه ﷺ في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء وهي أكثر من أن تحصى، وقد جمعت منها نحواً من ثلاثين حديثاً من الصحيحين أو أحدهما" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما رفع النبي ﷺ بالدعاء فهو في الحديث أكثر من أن يبلغه الإحصاء" (٢) وذكر أيضاً أن الرفع تواترت به السنن (٣).
٢ - وقالت طائفة: يكره رفع اليدين في الدعاء وإنما يشير بأصبع واحدة.
٣ - وقيل: إن الرفع خاص بالاستسقاء.
٤ - وقيل: إنه خاص بالاستسقاء والنازلة (٤).
ويستدل لهذين المذهبين الأخيرين بحديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه" (٥).
ويقاس على الاستسقاء النازلة على رأي المذهب الأخير. واستدل (٦) للمذهب الثاني بما رواه مسلم عن عمارة بن رُؤَيْبَة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبحة (٧).
стр. 202
والصواب مذهب الجمهور لأن القاعدة المعروفة أنه عندما يظهر ما يشبه التعارض بين النصوص أن يجمع بينها أولاً إن أمكن، ثم يرجح بينها إن لم يمكن الجمع وقد أمكن هنا الأمران (١) الجمع والترجيح.
أ - فأما الجمع بينها فيمكن أن يقال فيه: إن حديث أنس في الاستسقاء يحمل على أن المنفي فيه صفة خاصة لا أصل الرفع وذلك لأن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلاً، وأما في غيره فإلى حذو المنكبين فقط أو أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي غيره يليان السماء لأنَّه ورد في مسلم: "عن أنس أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء" (٢).
وأما حديث عمارة بن رُؤَيبة فخاص برفع اليدين على المنبر في خطبة الجمعة كما هو ظاهر سياق الحديث فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيته (٣).
ب - وأما إذا قلنا: إن الجمع لا يمكن فننتقل إلى الترجيح، وجانب الإثبات أرجح لأمرين:
١ - إن أحاديث الإثبات متواترة وحديث النفي غير متواتر، فالمتواتر مقدم على غيره.
٢ - إن أحاديث الرفع مثبتة فالصحابة الذين رووها أخبروا عن شيء عاينوه وشاهدوه أو سمعوه من النبي ﷺ ، فالمثبت مقدم على النافي والحافظ حجة على من لم يحفظ لاسيما والمثبتون جماعة والنافي واحد، ولعله لم ير ذلك أو لم يحضره أو حضر ولم يتفطن.
стр. 203
مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء:
قد اختلف الفقهاء في ذلك فمنهم من استحب (١) ذلك ومنهم من كره ذلك (٢) وعده بدعة، واستدل القائلون بالاستحباب بأحاديث كلها واهية فلم يسلم طريق من تلك الطرق من ضعف شديد، بين ذلك الشيخ الألباني والشيخ بكر أبو زيد حفظهما الله تعالى (٣).
ولكن الحافظ ابن حجر حَسَّن إسناد حديث ابن عباس (٤) وقال في الأحاديث الواردة في مسح الوجه: إن مجموعها يقضي بأنه حسن (٥).
وهذا فيه نظر لأن تقويتها يمكن لو أن هناك طريقاً ليس فيه ضعف شديد وهذا الأمر لا يوجد هنا إذ الطرق كلها واهية إذ لم يسلم طريق من ضعف شديد.
واحتج القائلون بالبدعية بأمرين:
١ - إن المسح عبادة وهي توقيفية ولم يثبت بطريق يمكن الأخذ به.
٢ - إن أحاديث رفع الأيدي في الدعاء متواترة فلم يرد فيها أنه مسح الوجه بعد الرفع إلا في أحاديث ضعيفة جداً، فهذا يدل على نكارة تلك الأحاديث أو شذوذها.
стр. 204
ومن هنا قال العز ابن عبد السلام: لا يفعله إلا جاهل (١).
وقال النووي: لا يندب (٢).
وقال شيخ الإسلام: وأما رفع النبي ﷺ في الدعاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة، والله أعلم (٣) أي أن هذه الأحاديث التي فيها المسح تعد منكرة فلا تصلح دليلاً.
تحري الأوقات الفاضلة (٤):
قد فضّل الله الأوقاتَ بعضها على بعض فجعل بعضها نفحات لرحمته وجوده وكرمه فينبغي للإنسان أن يترصد تلك الأوقات الفاضلة فيدعو الله فيها فهي أرجى للإجابة من غيرها، ومن تلك الأوقات:
١ - الأسحار. فقد وردت أحاديث وآثار تدل على قبول الدعاء في جوف الليل عموماً وفي الأسحار خصوصاً، ووصف الله عباده المتقين بأنهم يستغفرون بالأسحار ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٧]، وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨] والاستغفار نوع من الدعاء كما تقدم.
ومن الأحاديث التي وردت في قبول الدعاء في الأسحار ما رواه أبو هريرة ﵁ وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني
стр. 205
فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (١).
٢ - يوم الجمعة:
ففي يوم الجمعة ساعة يستجاب فيها للعبد، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه" (٢).
وقد اختلف في تعيين هذه الساعة على نحو أربعين (٣) قولاً وأقوى هذه الأقوال قولان:
أحدهما: ما بين جلوس الإمام على المنبر إلى الفراغ الصلاة.
وثانيهما: ما بعد صلاة عصر يوم الجمعة إلى الغروب.
فهاتان الساعتان قد صح في كل منهما ما يدل على أنه يستجاب فيه الدعاء، وبذلك تنحصر ساعة الإجابة فيهما ولا تعارض بين ما ورد فيه لاحتمال أن يكون ﷺ دل على أحدهما في وقت وعلى الآخر في وقت آخر (٤).
٣ - شهر رمضان المبارك لا سيما العشر الأواخر ولا سيما ليلة القدر.
إن الله فضل الشهور بعضها على بعض، ومن الشهور الفاضلة شهر رمضان فهو موسم الخيرات وزيادة عطايا الرب وهباته ففيه تفتح أبواب الخيرات ويتعرض فيه لجود الرب وكرمه وفضله، ومما ورد مما يدل على فتح أبواب الرحمة والخيرات في شهر رمضان - ما رواه أبو هريرة مرفوعاً -: "إذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب
стр. 206
جهنم وسلسلت الشياطين" (١).
٤ - يوم عرفة. فهذا يوم عظيم تستجاب فيه الدعوات. قال النبي ﷺ : "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته: … " (٢).
قال ابن عبد البر: "وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره … وفي الحديث أيضاً دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب" (٣).
ثم بقي هنا سؤال هل قبول الدعاء يوم عرفة خاص بعرفة؟
الجواب: إن الحديث لم يقيد فضيلة الدعاء يوم عرفة بعرفة خاصة، وربما يمكن أن يكون هذا الدعاء أفضل حتى في غير عرفة ولكن الباجي المالكي قال: "ويحتمل أن يريد به الحاج خاصة لأن معني دعاء يوم عرفة في حقه يصح وبه يختص، وإن وصف اليوم في الجملة بيوم عرفة فإنه يوصف بفعل الحاج فيه" (٤).
وهذا الذي قاله الباجي هو الظاهر لأن السلف لم يشتهر عنهم الحرص على الدعاء في يوم عرفة بغير عرفة. ولكن يعكر على هذا ما أن روي ابن عباس وعمرو بن حريث من الصحابة وطائفة من البصريين والمدنيين كانوا يعرفون يوم عرفة في الأمصار وأنكره عليهم آخرون (٥).
стр. 207
٥ - ما بين الأذان والإقامة:
فعند الأذان تطرد الشياطين، وتتجه القلوب إلى الله تعالى تاركة هموم الدنيا مقبلة إلى الوقوف بين يدي الله تعالى، ففي هذا الوقت يرجى قبول الدعاء، فقد روى أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة فادعوا" (١).
أن يتحرى الأماكن الفاضلة (٢).
وذلك كالمساجد والمشاعر المقدسة كعرفة والمشعر الحرام والجمرتين الصغرى والوسطى دون الكبرى وجوف الكعبة والصفا والمروة وذلك لأن هذه المواضع قد شرفها الله تعالى وتعبدنا بتعظيمها وجعل العبادة فيها أفضل من العبادة في غيرها. وجعلها الله تعالى أماكن لقبول الدعاء فيها أكثر من غيرها وهذا الأمر معروف حتى عند الكفار في جاهليتهم، فقد كان مشركو قريش يرون أن الدعاء في مكة مستجاب.
قال عبد الله بن مسعود ﵁ في قصة طرح الكفار سلى جزور على ظهر رسول الله ﷺ وهو يصلي قال: "فشق عليهم إذ دعا عليهم وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة" (٣).
стр. 208
فينبغي للمسلم أن يتحرى الدعاء في هذه الأماكن الفاضلة التي الدعاء فيها أقرب للإجابة من غيرها لعل الله يمن عليه بجوده.
أن يتحرى الأحوال الفاضلة (١):
فالإنسان له أحوال يكون فيها خشوعه وتضرعه أكثر، وعند التأمل يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضاً. إذ وقت السحر وقت يحصل به تمام صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المشوشات. قال شيخ الإسلام: "والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه والتقرب والرقة ما لا يوجد في غير ذلك الوقت" (٢).
ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على ذكر الله تعالى وعبادته. قال شيخ الإسلام: "فإنه من المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه" (٣).
ولتداخل شرف الأوقات بشرف الحالات اختلفت اعتبارات العلماء فمنهم من يعتبر الحالات أوقاتاً وبالعكس فنجد ابن القيم يجعل أدبار الصلوات وبين الأذان والإقامة من الأوقات (٤).
ونجد الحليمي والغزالي يجعلان ذلك من الأحوال (٥).
والفرق بين الأحوال والأوقات واضح إذ أحوال الداعي مختلفة غير مستمرة في أزمنة وإن كانت لا تخلو عنها فالحال وصف للداعي وأما
стр. 209
الزمان والمكان فظرفان له (١).
ومن هذه الأحوال حال الاضطرار ففي الاضطرار تجتمع النية وتتوجه القلوب إلى الله تعالى ويقطع الرجاء عن غير الله تعالى ومن هنا تحصل سرعة الإجابة، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] ومن الأحوال حالة السجود ففي حالة السجود يتذلل العبد لربه ويتضرع ويضع أشرف موضع من جسده على مواطئ الأقدام فلهذا فالسجود مظنة لإجابة الدعاء.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء" (٢).
وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (٣).
وبهذا قد انتهينا من ذكر آداب الدعاء على وجه الإيجاز فنبدأ في الكلام على الإجابة وبالله التوفيق:
стр. 210
المبحث الثالث في الإجابة وأنواعها
تعريف الإجابة:
يقال: أجاب الله دعاءه إجابة، المصدر: الإجابة، والاسم الجابة: كالطاعة، واسم الفاعل المجيب، وهو في أسماء الله تعالى: الذي يقابل الدعاء والسؤال بالعطاء والقبول، ويقال أيضاً: استجاب الله دعاءه استجابة واستجاب له.
والإجابة والاستجابة بمعنى واحد، السين والتاء زائدتان، قال الشاعر:
وَدَاعٍ دَعا يا من يُجِيبُ إلَى الندى … فلم يستجبه عند ذاك مجيب (١)
أي فلم يجبه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦].
стр. 211
ففي هذه الآيات معنى استجاب أجاب كما هو واضح (١).
الإجابة وأنواعها:
قد تقدم أن الدعاء ينقسم إلى نوعين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة.
وكذا الاستجابة تتنوع إلى نوعين: فلكل نوع من الدعاء نوع من الاستجابة يناسبه، فاستجابة دعاء العبادة بإعطاء الثواب والأجر، واستجابة دعاء المسألة بإعطاء المسؤول.
قال ابن القيم ﵀: "والاستجابة أيضاً نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله، واستجابة دعاء المثني بالثواب وبكل واحد من النوعين فسر قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. والصحيح أنه يعم النوعين" (٢). أي أنه يراد به القدر المشترك الذي يصدق على النوعين.
ومثل الاستجابة السماع، فإن السمع يطلق "ويراد به إدراك الصوت، ويراد به معرفة المعنى مع ذلك ويراد به القبول والاستجابة مع الفهم" (٣) كما يطلق على سماع القبول والانقياد (٤) فسماع الله تعالى للدعاء يشمل سماع العلم والإحاطة وسماع الإجابة والقبول فهو يسمع دعاء السائلين سمع إجابة ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل فإنه سبحانه هو الذي خلقهم كلهم ويرزقهم كلهم (٥).
وقد أمر الله تعالى عباده بدعائه ووعدهم بالإجابة تفضلاً منه وتكرماً
стр. 212
وامتناناً وإحساناً، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال عز من قائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وهذا الوعد من الله تعالى لا يتخلف قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران: ٩].
والاعتقاد بعدم خلف الله لوعده هو عقيدة المؤمن بربه وهو الذي تقتضيه النصوص الشرعية كما تقتضيه الفطر السليمة والعقول النيرة والعادات الجارية من الكرماء. فلله المثل الأعلى إذ الكريم إذا وعد لا بد أن يفي فكيف بأكرم الكرماء الذي رحمته وسعت كل شيء؟؟
فإذا ثبت هذا يأتي هنا سؤال جد مهم وهو أننا نرى بعض الناس يدعون فلا يستجاب لهم مع أن وعد الله محقق لا يتخلف (١).
وقبل الخوض في جوابه لا بد من معرفة أن حكمة الله تعالى اقتضت أن لا يجاب على كل أدعية الإنسان وأمنياته، لأنَّه قد يدعو بما فيه ضرر عليه أو بما لا مصلحة له فيه، وقد يدعو بما فيه ضرر على غيره، فالإنسان محدود المعرفة وقاصر العلم بمصالحه، فلو أن الله تعالى أجاب له كل ما يريده لأدى ذلك إلى مفاسد له ولغيره، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١].
стр. 213
وقد بيّن الله في كتابه العزيز الدعوات التي لم يستجبها بعين المطلوب مع أن الذين دعوه هم أنبياؤه ورسله الكرام ومع ذلك قد تتأخر الإجابة بعين المطلوب ويخبرهم الله تعالى أن ما سألوه لا تقتضيه الحكمة الإلهية فإذا كان هذا في الأنبياء والرسل مع ما أعطاهم الله من المنزلة والكرامة فكيف بمن دونهم؟
ومن الأمثلة التي بَيَّنَ اللهُ فيها ذلك: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
فقد نزلت في دعاء النبي ﷺ على الذين آذوه يوم أُحد وقتلوا أصحابه فدعا عليهم فنزلت (١).
وقوله تعالى في سؤال موسى رؤيةَ ربِّه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وقوله تعالى في سؤال نوح نجاةَ ابنه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٥، ٤٦].
ومن هنا ينبغي للعبد أن لا يعترض إذا تأخرت الإجابة لدعائه وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة السائل عليه بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه وشقوته، وقد يمنعه منها لكرامته عليه ومحبته له فيمنعه حماية وصيانة وحفظاً لا بخلًا (٢).
هذا وإذا عرفنا أن الإجابة قد تتأخر لحكم وأسرار يعلمها الله تعالى نبدأ في الجواب عن السؤال الماضي فنقول وبالله التوفيق:
стр. 214
قد أجاب العلماء عن هذا السؤال بوجوه:
الوجه الأول (١): أن الإجابة في الآيتين الماضيتين مطلقة لم تقيد، ولكنها جاءت مقيدة في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].
ففي هذه الآية قيدت إجابة الدعاء بالمشيئة، ومن القواعد المقررة المعلومة أن المطلق يحمل على المقيد، فتكون الإجابة مقيدة بالمشيئة.
هذا الجواب سديد إلا أنه يمكن أن يخدش فيه بأن يقال: إن التقييد بالمشيئة لم يكن لأن الإجابة غير موعود بها جزماً بل إنما قيدت الإجابة بالمشيئة لأن الأمور كلها بمشيئة الله تعالى (٢) كما قد قيل في نحو قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، مع أنه خبر محقق لا يمكن أن يتخلف.
لكن هذا الخدش ضعيف لأن سياق الآية يدل على أن التقييد بالمشيئة قصد به أن الله تعالى في بعض الأحيان ربما لا يكشف ما يدعون إليه، هذا هو الظاهر من السياق والله أعلم.
الوجه الثاني (٣): أن العموم في الآيتين الذي يفيد الإجابة في جميع الحالات وبدون شرط، هذا العموم خص بما إذا وافق القضاء أو إذا كانت الإجابة خيراً للداعي أو إذا استوفت الشروط فهو من العام المخصوص.
وهذا الوجه الثاني أعم من الوجه الأول ولا غبار عليه لأن كثيراً من
стр. 215
النصوص العامة قد جرى فيها التخصيص، ويدل له عدة أحاديث وردت تبين تخصيص هذا العموم بشروط، منها قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁:
"لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل. . ." (١).
فقد اشترط في هذا الحديث لإجابة الدعاء أمران: عدم الدعاء بالإثم أو قطيعة رحم، وعدم الاستعجال، فيستفاد منه تخصيص عموم الإجابة بهذين الشرطين.
قال ابن عبد البر ﵀: "في هذا الحديث دليل على خصوص قول الله : ادعوني استجب لكم وإن الآية ليست على عمومها ألا ترى أن هذه السنة الثابتة خصت منها الداعي إذا عجل فقال: قد دعوت فلم يستجب لي، والدليل على صحة هذا التأويل قول الله ، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء" (٢) ولكن ابن عبد البر ﵀ بعد هذا الكلام رجع فاختار الوجه الثالث الآتي.
ومنها حديث الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له (٣).
ففي هذا الحديث اشترط لقبول الدعاء عدم التلبس بالحرام فيخص به أيضاً عموم الإجابة. ومنها حديث: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه" (٤).
ففي هذا اشترط للإجابة حضور القلب وعدم الغفلة وصرح بعدم الاستجابة لدعاء الغافل اللاهي.