ففي هذه الآيات معنى استجاب أجاب كما هو واضح (١).
الإجابة وأنواعها:
قد تقدم أن الدعاء ينقسم إلى نوعين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة.
وكذا الاستجابة تتنوع إلى نوعين: فلكل نوع من الدعاء نوع من الاستجابة يناسبه، فاستجابة دعاء العبادة بإعطاء الثواب والأجر، واستجابة دعاء المسألة بإعطاء المسؤول.
قال ابن القيم ﵀: "والاستجابة أيضاً نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله، واستجابة دعاء المثني بالثواب وبكل واحد من النوعين فسر قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. والصحيح أنه يعم النوعين" (٢). أي أنه يراد به القدر المشترك الذي يصدق على النوعين.
ومثل الاستجابة السماع، فإن السمع يطلق "ويراد به إدراك الصوت، ويراد به معرفة المعنى مع ذلك ويراد به القبول والاستجابة مع الفهم" (٣) كما يطلق على سماع القبول والانقياد (٤) فسماع الله تعالى للدعاء يشمل سماع العلم والإحاطة وسماع الإجابة والقبول فهو يسمع دعاء السائلين سمع إجابة ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل فإنه سبحانه هو الذي خلقهم كلهم ويرزقهم كلهم (٥).
وقد أمر الله تعالى عباده بدعائه ووعدهم بالإجابة تفضلاً منه وتكرماً
стр. 212
وامتناناً وإحساناً، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال عز من قائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وهذا الوعد من الله تعالى لا يتخلف قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران: ٩].
والاعتقاد بعدم خلف الله لوعده هو عقيدة المؤمن بربه وهو الذي تقتضيه النصوص الشرعية كما تقتضيه الفطر السليمة والعقول النيرة والعادات الجارية من الكرماء. فلله المثل الأعلى إذ الكريم إذا وعد لا بد أن يفي فكيف بأكرم الكرماء الذي رحمته وسعت كل شيء؟؟
فإذا ثبت هذا يأتي هنا سؤال جد مهم وهو أننا نرى بعض الناس يدعون فلا يستجاب لهم مع أن وعد الله محقق لا يتخلف (١).
وقبل الخوض في جوابه لا بد من معرفة أن حكمة الله تعالى اقتضت أن لا يجاب على كل أدعية الإنسان وأمنياته، لأنَّه قد يدعو بما فيه ضرر عليه أو بما لا مصلحة له فيه، وقد يدعو بما فيه ضرر على غيره، فالإنسان محدود المعرفة وقاصر العلم بمصالحه، فلو أن الله تعالى أجاب له كل ما يريده لأدى ذلك إلى مفاسد له ولغيره، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١].
стр. 213
وقد بيّن الله في كتابه العزيز الدعوات التي لم يستجبها بعين المطلوب مع أن الذين دعوه هم أنبياؤه ورسله الكرام ومع ذلك قد تتأخر الإجابة بعين المطلوب ويخبرهم الله تعالى أن ما سألوه لا تقتضيه الحكمة الإلهية فإذا كان هذا في الأنبياء والرسل مع ما أعطاهم الله من المنزلة والكرامة فكيف بمن دونهم؟
ومن الأمثلة التي بَيَّنَ اللهُ فيها ذلك: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
فقد نزلت في دعاء النبي ﷺ على الذين آذوه يوم أُحد وقتلوا أصحابه فدعا عليهم فنزلت (١).
وقوله تعالى في سؤال موسى رؤيةَ ربِّه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وقوله تعالى في سؤال نوح نجاةَ ابنه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٥، ٤٦].
ومن هنا ينبغي للعبد أن لا يعترض إذا تأخرت الإجابة لدعائه وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة السائل عليه بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه وشقوته، وقد يمنعه منها لكرامته عليه ومحبته له فيمنعه حماية وصيانة وحفظاً لا بخلًا (٢).
هذا وإذا عرفنا أن الإجابة قد تتأخر لحكم وأسرار يعلمها الله تعالى نبدأ في الجواب عن السؤال الماضي فنقول وبالله التوفيق:
стр. 214
قد أجاب العلماء عن هذا السؤال بوجوه:
الوجه الأول (١): أن الإجابة في الآيتين الماضيتين مطلقة لم تقيد، ولكنها جاءت مقيدة في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].
ففي هذه الآية قيدت إجابة الدعاء بالمشيئة، ومن القواعد المقررة المعلومة أن المطلق يحمل على المقيد، فتكون الإجابة مقيدة بالمشيئة.
هذا الجواب سديد إلا أنه يمكن أن يخدش فيه بأن يقال: إن التقييد بالمشيئة لم يكن لأن الإجابة غير موعود بها جزماً بل إنما قيدت الإجابة بالمشيئة لأن الأمور كلها بمشيئة الله تعالى (٢) كما قد قيل في نحو قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، مع أنه خبر محقق لا يمكن أن يتخلف.
لكن هذا الخدش ضعيف لأن سياق الآية يدل على أن التقييد بالمشيئة قصد به أن الله تعالى في بعض الأحيان ربما لا يكشف ما يدعون إليه، هذا هو الظاهر من السياق والله أعلم.
الوجه الثاني (٣): أن العموم في الآيتين الذي يفيد الإجابة في جميع الحالات وبدون شرط، هذا العموم خص بما إذا وافق القضاء أو إذا كانت الإجابة خيراً للداعي أو إذا استوفت الشروط فهو من العام المخصوص.
وهذا الوجه الثاني أعم من الوجه الأول ولا غبار عليه لأن كثيراً من
стр. 215
النصوص العامة قد جرى فيها التخصيص، ويدل له عدة أحاديث وردت تبين تخصيص هذا العموم بشروط، منها قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁:
"لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل. . ." (١).
فقد اشترط في هذا الحديث لإجابة الدعاء أمران: عدم الدعاء بالإثم أو قطيعة رحم، وعدم الاستعجال، فيستفاد منه تخصيص عموم الإجابة بهذين الشرطين.
قال ابن عبد البر ﵀: "في هذا الحديث دليل على خصوص قول الله : ادعوني استجب لكم وإن الآية ليست على عمومها ألا ترى أن هذه السنة الثابتة خصت منها الداعي إذا عجل فقال: قد دعوت فلم يستجب لي، والدليل على صحة هذا التأويل قول الله ، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء" (٢) ولكن ابن عبد البر ﵀ بعد هذا الكلام رجع فاختار الوجه الثالث الآتي.
ومنها حديث الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له (٣).
ففي هذا الحديث اشترط لقبول الدعاء عدم التلبس بالحرام فيخص به أيضاً عموم الإجابة. ومنها حديث: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه" (٤).
ففي هذا اشترط للإجابة حضور القلب وعدم الغفلة وصرح بعدم الاستجابة لدعاء الغافل اللاهي.
стр. 216
ومنها حديث دعاء النبي ﷺ لأمته فدعا لها في ثلاث فأجيب في اثنتين ومنع الثالثة وفيه: "يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد" (١).
فهذا نص واضح جلي بأن الإجابة مقيدة بعدم سبق القضاء.
وحاصل هذا الوجه أن يقال: إن ما تدل عليه الآيتان من إجابة الله للدعاء من باب الوعد والوعيد، وقد قرر العلماء أن نصوص الوعد والوعيد المطلقة مقيدة بوجود المقتضي وعدم المانع المنافي.
فعلى هذا إن الإجابة إنما تحصل إذا استوفت الشروط المقتضية لها وانعدمت الموانع.
قال الحليمي: إن معنى قوله جل ثناؤه ادعوني أستجب لكم أي بحسب نظري لكم ورحمتي لكم لا بحسب أهوائكم وأمانيكم صحت أو فسدت لأن هذه الآية غير مفردة في القرآن عن أخرى لكن بينتها آيات أخرى منها قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١].
وقوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].
فدل هذا على أن الله تعالى إنما يستجيب الدعاء المستجمع شرائطه إذا علم للداعي فيما سأل خيراً، فأما إذا علم أن له فساداً أو شراً فإنه لا ستجيب له دعاءه إكراماً وثواباً له بدعائه (٢).
فعلى هذا القول إن الدعاء مع استيفائه لآدابه وشروطه قد لا يستجاب إذا لم يكن في مصلحة الداعي.
стр. 217
والحاصل أن الآيتين على هذا الوجه الثاني قد دخلهما التخصيص وليستا باقيتين على العموم، فعلى هذا يوجد من الدعاء ما لا يجيبه الله تعالى.
الوجه الثالث (١): إن الوعد بالإجابة باق على عمومه فما من رجل يدعو إلا ويجيب الله له ولكن الإجابة تتنوع، والداعي لا بد أن يعوض من دعائه عوضاً ما وليس شرطاً أن تكون بعين المطلوب وربما تكون بمثل المطلوب أو ادخار الأجر له أو دفع البلاء عنه، أو بشرح صدره لتحمل البلاء والصبر على ذلك، فالإجابة حاصلة لا محالة وذلك لأن الله سبحانه قد أخبر بها عن نفسه والخبر لا ينسخ لئلا يوصف المخبر بالكذب، والله عندما وعد بالإجابة لم يقل أجيب في الحال، فإذا استجاب ولو في الآخرة كان الوعد صادقاً.
وقد يعتقد الداعي المصلحة في المعين ولا مصلحة له في ذلك فيجاب إلى مقصوده الأصلي وهو طلب المصلحة، وقد تكون المصلحة في التأخير أو المنع وادخار الأجر له أو صرف البلاء عنه إلى غير ذلك، ويدل لهذا الوجه حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم ينصب وجهه الله في مسألة إلا أعطاه إياها، إما أن يعجلها له وإما أن يدخرها له" (٢).
وحديث عبادة بن الصامت رفعه: "ما على الأرض مسلم يدعو الله
стр. 218
بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" (١).
وحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يدعو دعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يكف عنه من الشر مثلها، قالوا: إذًا نكثر، قال: الله أكثر" (٢).
قال ابن عبد البر ﵀: "فعلى هذا يكون تأويل قول الله والله أعلم -: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ أنه يشاء وأنَّه لا مكره، ويكون قوله : ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ على ظاهره وعمومه بتأويل حديث أبي سعيد" (٣).
وقال ابن عبد البر أيضاً في موضع آخر تعقيباً على حديث أبي سعيد المتقدم: "هذا الحديث يخرج في التفسير المسند لقول الله : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهذا كله من الاستجابة، وقد قالوا: كرم الله لا تنقضي حكمته، ولذلك لا تقع الإجابة في كل دعوة قال الله : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (٤) [المؤمنون: ٧١].
стр. 219
وهذا الوجه قد يعترض عليه بأن الوعد وإن كان عاماً لكنه وردت نصوص أخرى تخصه، فلا بد من الأخذ بها، وأما تنوع الإجابة فصحيح ولكن هذا التنوع للدعاء الذي استوفى الشروط وأما إذا لم يستوف الشروط فقد لا يجاب عليه أصلاً.
وقال الباجي المالكي شارح الموطأ عند ذكر حديث: ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث .. قال: "هذا إنما يكون للداعي من المسلمين إذا دعا فيما يجوز له أن يدعو فيه فذلك الذي لا يخلو من أن يستجاب له فيما دعا فيه أو يدخر له أجر بدعائه وإخلاصه وذكره الله، وإقراره له بالربوبية، وإما أن يكفر له بعض ما سلف من ذنوبه" (١).
ثم إن هذا ليس خاصاً بالدعاء بل الأعمال الصالحات جميعها يشترط في قبولها أمور من وجود المقتضي وعدم المانع فإذا لم يوجد المقتضي كأن لم تستوف الشروط أو وجد المانع فإنها لا تقبل.
والدعاء من جملة الأعمال الصالحات، فإذا لم يستوف الشروط أو وجد المانع فإنه لا يقبل لعموم الأدلة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧].
ثم إن هناك أدلة تدل على عدم قبول بعض الأدعية نحو دعاء المتلبس بالحرام، والدعاء بالإثم أو قطيعة الرحم، أو الذي يستعجل صاحبه أو دعاء الغافل اللاهي غير المتضرع، وأما الادعاء بأن هذا خبر، والنسخ لا يدخل في الأخبار، فيقال: إن هذا ليس من باب النسخ بل هذا من باب أن الوعد نفسه الذي هو الخبر لا يقتضي أنه يحصل بدون مقتض ولا مانع.
ثم إن الحديث الذين استدلوا به في بعض طرقه وهو حديث أبي سعيد في آخره ما يدل على الشرط وهو: "ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم
стр. 220
ما لم يستعجل" فهذان الشرطان معتبران لأن المطلق يحمل على المقيد.
الوجه الرابع (١): إن الوعد على الدعاء الذي هو بمعنى العبادة والطاعة، والإجابة بمعنى الثواب والأجر فقد صح ما ورد من قول النبي ﷺ : "الدعاء العبادة" (٢).
فالدعاء الموعود عليه بالإجابة هو العبادة، فلا يأتي الاعتراض بتخلف إجابة الدعاء في بعض الأحيان.
فهذا الوجه يعترض عليه بأنا إذا فسرنا الدعاء بدعاء المسألة فماذا تكون الإجابة؟، لأن الدعاء يطلق على دعاء المسألة اتفاقاً فهذا الجواب لا يتمشى إلا على تفسير الدعاء بدعاء العبادة أن تفسير الدعاء بدعاء مع المسألة أيضاً أمر متفق عليه في الجملة فلا يزال الاعتراض وارداً كما أن هناك نصوصاً أخرى غير الآيتين بعضها لا يمكن حملها على دعاء العبادة فماذا يكون الجواب عنها؟
الوجه الخامس (٣): إن معنى أجيب أسمع، ويقال: ليس في الآية أكثر من إجابة الدعاء، فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها، وقد يجيب الوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله، فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة.
وهذا الوجه يقال فيه: إن الإجابة بالسماع فقط بدون إعطاء الأماني لا تسمى إجابة الدعاء لأننا قدمنا أن الإجابة نوعان: فإجابة دعاء المسألة تكون بالنوال، لا بالسماع والمقال لأن هذه الإجابة إنما تكون في سؤال الاستفهام (٤) فلا يتبادر من سياق الآية هذا المعنى وإنما سياق الآية في
стр. 221
الإجابة بالنوال، ثم إن ما يفعله الوالد مع ولده من إجابته سؤاله ثم منعه، لا يليق بالله تعالى لما في ذلك من الخلف بالوعد أو الكذب والخداع والله سبحانه منزه عن ذلك.
الوجه السادس (١): إن الوعد المذكور خاص بالمؤمنين الصادقين المخلصين وأن الكمل من المؤمنين لا ترد دعوتهم.
واستدل أصحاب هذا الوجه بحديث الولي المشهور: "لئن استعاذني لأعيذنه ولئن سألني لأعطينه" (٢) وقالوا: إن من بلغ رتبة المحبة وكان الله سمعه وبصره يجاب له كل دعاء ويحصل بغيته على حسب إرادته (٣).
وقالت المعتزلة: إن الإجابة خاصة بالمؤمنين ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] وذلك لأن وصف الإنسان بأن الله قد أجاب دعوته -هذا الوصف صفة مدح وتعظيم ألا ترى أنا إذا أردنا المبالغة في تعظيم حال إنسان في الدين قلنا: إنه مستجاب الدعوة، وإذا كان هذا من أعظم المناصب في الدين، والفاسق واجب الإهانة في الدين -ثبت أن هذا الوصف لا يثبت إلا لمن لا يتلوث إيمانه بالفسق، بل الفاسق قد يفعل الله ما يطلبه إلا أن ذلك لا يسمى إجابة الدعوة (٤) وإنما يسمى قضاء الحاجة.
وهذا الفرق بين المؤمن الصالح والفاسق في إجابة الدعاء غير صحيح لأمور:
١ - إن الله قد امتن على المشركين بأنه هو الذي
стр. 222
يجيبهم عند الاضطرار ولم يقل يقضي حاجتهم. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]، وسياق الآيات يدل على أن الخطاب موجه إلى المشركين لأنهم يعترفون بهذه الأمور ومع ذلك لا يفردون الله تعالى بتوحيد العبادة.
٢ - إن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية وهي شاملة للخلق مؤمنهم وكافرهم فهو يربيهم بالنعم ومنها إجابة الدعاء وإغاثة الملهوف وإعانة المكروب وإزالة الشدائد وكشف الكربات. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].
٣ - ثم إن الله تعالى قد أجاب دعوة شر خلقه وهو إبليس، قال سفيان بن عيينة ﵀: لا يمنعن أحداً ما يعرفه من نفسه من الدعاء فإن الله قد أجاب دعوة شر خلقه إبليس.
٤ - ثم إنه ليس هناك فرق لغوي أو شرعي بين إجابة الدعاء، وقضاء الحاجة فالمآل واحد.
٥ - ثم إن هذا تقييد لما أطلقه الله تعالى وتخصيص لعموم ما لم يخصه الله فيكون من باب التأويل المذموم.
٦ - ثم إن القول بأن دعاء الكمل يجاب بعينه منقوض لمخالفته لما هو مقطوع به من رد الله تعالى لبعض دعوات رسله حتى أولي العزم منهم:
أ - من ذلك أن الله سبحانه لم يجب دعوة نوح في ابنه بل عاتبه على ذلك: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦].
ب - ومن ذلك أن الله لم يجب دعوة إبراهيم في أبيه: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾ [الشعراء: ٨٦].
ج - ومن ذلك أن الله ﵎ لم يقبل استغفار النبي ﷺ لأبي طالب وصلاته على عبد الله بن أبي ابن سلول.
стр. 223
د -وقد صرح النبي ﷺ أنه دعا لأمته بثلاث فأجاب الله له في اثنتين ومنعه الثالثة.
فعلى هذا نقول: فأي محبة الله تعالى فوق محبة هؤلاء أولي العزم وأي كمال فوقهم؟
فثبت بهذا أن الله يفعل ما يشاء يجيب من يشاء متى ما شاء فهو يجيب بعين المطلوب وهذا هو الغالب الكثير تفضلاً منه وإحساناً وكرماً.
وقد لا يجيب بعين المطلوب لحكم وأسرار يعلمها الله تعالى فقد تكون هناك مصلحة للداعي أو لغيره تمنع من إجابة الدعاء، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
هذا وقد اعترض الحافظ ابن حجر ﵀ على من قال: "إن جميع دعوات الأنبياء مستجابة، فقال: وما جزمه بأن جميع أدعيتهم مستجابة ففيه غفلة عن الحديث الصحيح: سألت الله ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة" (١).
هذا آخر الأجوبة عما يرد من السؤال عن عدم الاستجابة لكل دعاء، وبهذا ننتهي من الباب الأول وبالله التوفيق وعليه التكلان.
стр. 224
الباب الثاني في منزلة الدعاء من العقيدة، وعدم تنافيه مع القدر، وحكمه الشرعي
ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في منزلة الدعاء ومكانته من العقيدة وأهميته من بين سائر العبادات.
الفصل الثاني: في عدم تنافي الدعاء والقدر.
الفصل الثالث: في حكم الدعاء الشرعي.
стр. 225
الفصل الأول في منزلة الدعاء ومكانته من العقيدة وأهميته من بين سائر العبادات
ويحتوي على مبحثين:
المبحث الأول: في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد ودلالته على وجود الله تعالى.
المبحث الثاني: في علاقته بالتوحيد بأنواعه الثلاثة.
стр. 226
المبحث الأول في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد ودلالته على وجود الله جل وعلا
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد:
الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد والمعرفة وحياة القلب ويقوي الفطرة، وهذا الأمر مجرب يعرفه من وقع في مشكلة فاضطره ذلك إلى الالتجاء إلى الله والرغبة إليه والانطراح بين يدي الله تعالى والتملق له.
فجعل له هذا "من الإيمان بالله ومحبته ومعرفته وتوحيده ورجائه وحياة قلبه، واستنارته بنور الإيمان ما قد يكون أنفع له من ذلك المطلوب" (١).
وقد دلت الأدلة القاطعة على زيادة الإيمان بالطاعات عموماً وللدعاء خصوصية في زيادة الإيمان، إذ الداعي ولا سيما المضطر تلجئه الحاجة الملحة والفقر الشديد إلى من يقضي حاجته ويكشف كربه وحينئذ يجد الفطرة ترشده وتهديه إلى الله ﵎ ويصل الأمر إلى أن تكون معرفته بخالقه وصفاته ضرورية فيزداد يقيناً وإيماناً وإخلاصاً كما يزداد
стр. 227
معرفة بحاجته وضعفه وعجزه وأن الذي يدعوه عالم بحاله وقادر على قضاء حوائجه.
فإكثار الدعاء الله تعالى والتوجه إليه كل وقت يزيد الإيمان ويقويه وينمي الفطرة ويصقلها ويجليها مما شابها، ويجعل القلب متعلقاً بالله تعالى محباً له راغباً راهباً، ويفتح له هذا باباً عظيماً من لذيذ المناجاة وحلاوة الإيمان وبشاشته وبرد اليقين وراحة البال وطمأنينة النفس: "مما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولاً، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولاً حتى يطلبه ويشتاق إليه" (١).
ومما يدل على أن الدعاء يزيد في الإيمان والمعرفة لصفات الرب من القدرة والعلم .. إلخ. كما أنه يزيد في معرفة الإنسان لنفسه بالعجز، أن الداعي لا يُقْدِم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب وأنَّه عاجز عن تحصيله.
وعرف أن ربه ﵎ يسمع الدعاء ويعلم الحاجة وهو قادر على إيصالها إليه، وعرف أن ربه رحيم تقتضي رحمته قضاء تلك الحاجة.
ولا شك أن معرفة العبد نفسه بالعجز والنقص، ومعرفته ربه بالقدرة والعلم والرحمة وسائر صفات الكمال من أعظم المعارف وفي هذا معرفة ذل العبودية، وعز الربوبية (٢).
فهاتان المعرفتان من أهم أساسيات العقيدة، فإن اعتراف العبد بعجزه ونقصه يستوجب له الالتجاء إلى من يقوي عجزه، ويكمل نقصه، ولن يجد أحداً يستطيع ذلك إلا الله تعالى فحينئذ يجد نفسه أنه لا بد له من الالتجاء إلى القوي العزيز وهو عندما يلتجئ لا بد أن يعرف صفات الله تعالى التي من أجلها التجأ إليها من قدرته على قضاء حوائجه،
стр. 228
واستغاثته، وكشف كرباته، ومن علمه بحاله ومكانه ومصلحته في الحال والمستقبل، ومن رحمته بعبده وجوده وكرمه.
وبهذا يتبين أن الدعاء يتضمن الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته …
وقد ذكر ابن القيم أن الصلاة على النبي ﷺ والتي هي نوع من أنواع الدعاء كما تقدم (١): "متضمنة لكل الإيمان، بل هي متضمنة للإقرار بوجود الرب المدعو، وعلمه، وسمعه، وقدرته، وإرادته، وصفاته، وكلامه، … ولا ريب ولا ريب أن هذه أصول الإيمان والصلاة عليه ﷺ هي متضمنة لعلم العبد ذلك وتصديقه به" (٢).
وهكذا سائر الأدعية فهي مشتملة على أصول الإيمان، بل أغلب الأدعية المأثورة إذا تأملناها نجدها تشتمل على أصول الإيمان بطريق المطابقة، وقليل منها هو الذي يدل على ذلك بطريق التضمن أو الالتزام.
ثم إن الداعي لو فرض أنه قد لا يستحضر هذه المعاني التي يتضمنها الدعاء فإن هذا لا ينافي ما يقتضيه حقيقة معنى الدعاء.
فالذي ينبغي له أن يستشعر ذلك ويجتهد في إحضار قلبه وتوجهه إلى الباري سبحانه واعتقاد تلك الصفات التي يدل عليها الدعاء الذي يدعو به إما مطابقة أو تضمنًا أو التزامًا.
قال ابن القيم: "وحق الداعي أن يستشعر عند دعائها -أي الفاتحة- ما يجب عليه اعتقاده مما لا يتم الإيمان إلا به، إذ الدعاء مخ العبادة، والمخ لا يكون إلا في عظم، والعظم لا يكون إلا في لحم ودم، فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء وجب أن يكون الطلب ممزوجًا بالثناء، فمن ثم جاء لفظ الطلب للهداية والرغبة فيها مشوبًا بالخبر تصريحًا من الداعي بمعتقده وتوسلًا منه بذلك الاعتقاد الصحيح إلى ربه،
стр. 229
فكأنه متوسل إليه بإيمانه واعتقاده أن صراط الحق هو الصراط المستقيم وأنه صراط الذين اختصهم بنعمته وحباهم بكرامته … " (١).
وقد صرح العلماء باشتمال الدعاء على التوحيد ودلالته المتنوعة العقدية والعلمية، ومن هؤلاء الذين صرحوا القاضي عياض فإنه قال: "أذن الله في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة" (٢).
وقال الزركشي في معنى كون الدعاء مخ العبادة: "إنما كان مخًا لتضمنه التوحيد إذ الداعي لا يدعو الله إلا وهو يوحده، ويعتقد أنه لا معطي غيره" (٣) وذكر ابن عقيل الحنبلي أن في الدعاء معنى الوجود والغنى والسمع والكرم والرحمة والقدرة فإن من ليس كذلك لا يدعى (٤).
فتبين بهذا أن الدعاء يزيد في إيمان الداعي ومعرفته وتوحيده، ويتضمن اعتقاد الداعي بوجود الرب المدعو، وعلمه وسمعه وقدرته وسائر صفاته، فالواجب على الداعي استشعار هذه المعاني وهذه الصفات.
المطلب الثاني: في دلالة الدعاء على وجود الله تعالى:
إن الاعتراف بوجود الله تعالى أمر فطري ضروري لا يحتاج إلى إقامة برهان ولا سوق أدلة ولا ذكر حجج لأن الفطر البشرية مقرة بذلك، ومعرفته أمر ضروري لولا أن شياطين الإنس والجن تلقي بعض الأوهام بين ضعفاء العقول فتشوش عليهم، فلهذا لا نرى القرآن الكريم يكثر من إقامة البراهين الجدلية في هذا الموضوع ولكنه يشير إلى ذلك بأدلة كافية مقنعة ملزمة.
стр. 230
وإذا رجعنا إلى موضوعنا وهو دلالة الدعاء على وجود الله تعالى نجد الله تعالى ذكر ذلك في كتابه الحكيم، فقد ذكر أدلة وجوده وبراهين وحدانيته وحجج تفرده بالربوبية والألوهية، ومن ضمن تلك الحجج إجابة المضطرين وإغاثة الملهوفين وإنقاذ المكروبين.
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]، وقد ذكر قبل ذلك الآيات الكونية الكبرى من خلق السموات والأرض وإنزال المطر وإنبات الحدائق والأشجار وجعل الأرض مستقرة وخلق الأنهار والجبال والبحار، فهذه آيات كونية كبرى، ثم ذكر أدلة فطرية ضرورية وهي آية إجابة الدعاء.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
فقد وصف الله نفسه في هذه الآيات بتفرده بخلق الكون وتصريفه بإنزال المطر وإخراج الثمرات والرزق وتسخير الفلك والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار.
فهذه الأمور هي الأدلة الكونية الكبرى ثم قرن بهذه الأدلة الكبرى دليلًا آخر ألا وهو إجابة الدعاء، فدلت هذه المقارنة بالأدلة الكونية على عظمة دلالة إجابة الدعاء فهي من أعظم الأدلة الدالة على وجود الله تعالى، يعرف ذلك من وقع في خطر شديد وكرب عظيم فاستغاث بربه فأجابه وأنقذه مما وقع فيه فيحصل له علم ضروري بوجود الله تعالى.
ومن الأدلة على دلالة الدعاء على وجود الله وصفاته:
стр. 231
أن الداعي يريد حصول مطلوبه وغرضه على وجه معين، وفي الغالب الغرض الذي يريده الداعي الأسباب الظاهرة العادية لا تقتضي وجوده مطلقًا، أو على الوجه الذي يريده بل ربما الأسباب الظاهرة تقتضي عدم وجوده أو وجوده على وجه آخر يخالف ما يريده الداعي.
ومع هذه التوقعات والاحتمالات التي على ضد مراد الداعي يقوم الداعي بالتوجه إلى الله تعالى والإقبال على ربه ويستغيث به فيحصل المطلوب وفق غرضه وعلى الوجه الذي يريده، وقد كان قبل ذلك يعد وقوعه شبه المستحيل على الصفة المطلوبة. أترى ما الذي غيَّر الأسباب الظاهرة عن مجراها وعاداتها إلى ما يريده الداعي؟ مثال ذلك ما يقع للمسلمين في الاستسقاء حيث يجدون تأخر المطر وليس هناك سبب يقتضيه من غيم أو ريح أو تغير طقس، ومع ذلك يخرجون إلى الفلاة متضرعين مبتهلين خاشعين فيصلون صلاة الاستسقاء فيدعون الله تعالى، فيغيثهم الله في اليوم نفسه أو قريبًا منه.
وهذا أمر مشاهد واقع إلى الآن في بلاد المسلمين لاسيما في البلاد المتمسكة بدينها، وقد وردت الأحاديث الصحاح بأن النبي ﷺ يدخل عليه رجل وهو يخطب فيطلب منه الدعاء بالسقيا فما ينزل عن المنبر حتى يجيش المسجد وقد كان قبل الدعاء لا يرى في المدينة سحابة ولا قزعة.
فمن الذي حرك السحاب والرياح وأتى بالمطر في لحظات معدودة؟؟
كل ذلك دليل قاطع على وجود الله تعالى وتفرده بالربوبية والألوهية وأنه متصف بصفات الجلال والجمال من السمع والعلم والرحمة والكرم والجود والقدرة وغير ذلك.
قال بعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]: الآية تدل على أنه إنما يعرف بحدوث تلك الأشياء على وفق غرض الداعي، فدل على أنه لولا مدبر لهذا العالم
стр. 232
يسمع دعاءه ولا يخيب رجاءه، وإلا لما حصل ذلك المقصود في ذلك الوقت (١).
وقال ابن القيم: "وحصول الإجابة عقيب سؤال الطالب على الوجه المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات، وعلى سمعه لسؤال عبيده، وعلى قدرته على قضاء حوائجهم وعلى رأفته ورحمته بهم" (٢).
فإجابة الدعاء على وفق مراد الداعي مع عدم الأسباب الظاهرة المقتضية لذلك تدل دلالة واضحة على أن هناك مدبرًا لهذا الكون يغيره حسب ما يشاء.
وذكر الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى بعض البراهين العقلية الفطرية على ربوبية الله وإلاهيته ثم قال: "ومن براهين وحدانية الباري وربوبيته، إجابته للدعوات في جميع الأوقات فلا يحصي الخلق ما يعطيه للسائلين وما يجيب به أدعية الداعين من بر وفاجر، ومسلم وكافر، تحصل المطالب الكثيرة، ولا يعرفون لها شيئًا من الأسباب سوى الدعاء والطمع في فضل الله والرجاء لرحمته، وهذا برهان مشاهد محسوس لا ينكره إلا مباهت مكابر" (٣).
دلالة الدعاء على وجود الله تعالى من ناحية الافتقار والحاجة والضرورة الفطرية:
إن الافتقار والاحتياج من لوازم الإنسان وضرورياته، فهو دائمًا يحتاج إلى نيل مراده من عزيز قوي يبلغه مراده وفي هذا اعتراف منه بالرب القوي الذي يبلغه مراده.
والفطرة السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على رب حكيم قادر عليم قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]
стр. 233
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
وهذه الفطرة راسخة في أعماقهم ووجدانهم ومشاعرهم، فهم وإن غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها في حال الضراء. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].
والاستدلال بالفطرة هو المنهج القرآني، وقد حاد عنه المتكلمون حيث يهتمون بإثبات الصانع بأدلة جدلية وآراء منطقية، وأدلتهم الجدلية هي "دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج ذاته إلى مدبر هو منتهى مطلب الحاجات، فيرغب إليه ولا يرغب عنه، ويستغني به ولا يستغني عنه، ويتوجه إليه ولا يعرض عنه، ويتضرع إليه في الشدائد والمهمات" وذلك لأن الإنسان يعرف احتياج نفسه وافتقارها أكثر من معرفته احتياج الممكن إلى الواجب والحادث إلى المحدث.
وهذه الطريقة هي سنّة الله وطريقته في كتابه فإنه يحتج عليهم بحاجتهم وافتقارهم إليه. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]، ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣].
والاستدلال الأحسن والموصل إلى المعرفة هو الاستشهاد بأفعال الله تعالى عليه وأنه لا شهادة للفعل إلا من حيث احتياج الفطرة واضطرار الخلقة، فحيثما كان الاضطرار والعجز أشد، كان اليقين أوفر وآكد: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢].
والمعارف التي تحصل من تعريفات أحوال الاضطرار أشد رسوخًا في القلب من المعارف التي هي نتائج الأفكار في حال الاختيار (١).
стр. 234
هذا وافتقار العبد إلى الله تعالى من جهتين: من جهة العبادة وجهة الاستعانة، قال شيخ الإسلام ﵀: والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل وهي العلة الفاعلة فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه وهذا لا يحصل له إلا بإعانة الله له فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فهو مفتقر إلى الله من حيث المطلوب المحبوب المراد المعبود ومن حيث هو المسؤول المستعان به المتوكل عليه، فهو إلهه الذي لا إله له غيره وهو ربه الذي لا رب له سواه (١).
стр. 235
المبحث الثاني
في علاقة الدعاء بالتوحيد بأنواعه الثلاثة
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في علاقة الدعاء بتوحيد الربوبية:
إن الدعاء له علاقة وثيقة وارتباط قوي بالتوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية والعبادة، وإليك بيان ذلك:
١ - علاقة الدعاء بتوحيد الربوبية:
فتوحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بأفعاله، ومن جملة أفعال الله تعالى إجابة الداعي وإغاثة المستغيث.
لأن من معاني توحيد الربوبية الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء وأنه النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ (١) [النمل: ٦٢].
فالإقرار بتفرد الله بإجابة الدعاء من توحيده في ربوبيته، لأن من
стр. 236
مقتضى الربوبية أن يربيهم بالنعم وبما يحتاجون إليه، ومن ذلك إجابة المضطر وإغاثة الملهوف، وكشف الكرب وإزالة الضر، فهو يربي عباده بهذه النعم، فالربوبية تتضمن "خلقهم وتدبيرهم وتربيتهم وإصلاحهم وجلب مصالحهم وما يحتاجون إليه ودفع الشر عنهم وحفظهم مما يفسدهم، هذا معنى ربوبيته لهم، وذلك يتضمن قدرته التامة ورحمته الواسعة وإحسانه وعلمه بتفاصيل أحوالهم، وإجابة دعواتهم وكشف كرباتهم" (١).
فتوحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بأفعاله هو التي منها إجابة الدعاء، فهو الذي يستحق طلبها منه وحده وهو الذي يجب إخلاص نوعي الدعاء له. قال شيخ الإسلام ﵀: "فهو سبحانه مستحق التوحيد، الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين له: دعاء العبادة بالمحبة والإنابة والطاعة والإجلال والإكرام والخشية والرجاء ونحو ذلك من معاني تألهه وعبادته، ودعاء المسألة والاستعانة بالتوكل عليه، والالتجاء إليه والسؤال له ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته.
ولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله، وفي السؤال باسم الرب، فيقول المصلي والذاكر: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وكلمات الأذان الله أكبر … إلى آخرها ونحو ذلك" (٢).
ومن هنا نستطيع أن نعرف سر كثرة ورود لفظ الرب في دعوات الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين دون اسم الجلالة، أو غيره من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد حكى الله لنا تلك الأدعية التي فيها النداء باسم الرب في آيات كثيرة، قال تعالى في دعاء آدم وحواء ﵉:
وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨].
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٥ - ٢٧].
ومن أدعية زكريا ﵇ ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩)﴾ [الأنبياء: ٨٩].
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٤].
وقد وصف الله تعالى في كتابه الرسول ﷺ والمؤمنين بأنهم يدعون بالدعاء الذي في آخر البقرة، وقد تكرر فيه اسم "الرب" أربع مرات:
﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥، ٢٨٦].
وكذلك وصف الله أولي الألباب الذاكرين الله في كل الأحوال بأنهم يدعون بدعاء ذكره في آخر سورة آل عمران، وقد تكرر فيه اسم "الرب" خمس مرات من آية ١٩١ إلى آية ١٩٤ ومثل ذلك ما وصف الله به عباده الذين قضوا أعمال الحج بأنهم يقولون ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
إلى غير ذلك من الأدعية الواردة المأثورة الكثيرة التي لو تتبعناها لطال بنا البحث.
وهذا الذي ذكر يكفي للدلالة على أن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية وأن ذلك هو الحكمة في تكرار لفظ "الرب" في الأدعية المأثورة دون باقي أسماء الله الحسنى ومن ذلك اسم الجلالة وبهذا يعرف ما في
стр. 239
قول الخطابي رحمه الله تعالى في اسم الجلالة "الله": "إنه أشهر أسماء الرب تعالى وأعلاها محلًا في الذكر والدعاء" (١).
فبالنسبة إلى كونه أعلاها في الذكر لا خلاف في ذلك وأما بالنسبة إلى الدعاء فيعكر عليه ما تقدم من أدعية الأنبياء مع ما في معنى الربوبية من مناسبة للإجابة، وقد قال شيخ الإسلام ﵀ مبينًا هذا المعنى:
"إن الإله هو المعبود الذي يستحق أن يعبد، والرب هو الذي يرب عبده فيدبره.
ولهذا كانت العبادة متعلقة باسمه "الله"، والسؤال متعلقًا باسمه "الرب" إلى أن قال: ولما كانت العبادة متعلقة باسمه "الله" تعالى جاءت الأذكار المشروعة بهذا الاسم مثل كلمات الآذان: الله أكبر الله أكبر، ومثل الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله، ومثل التشهد، التحيات لله، ومثل التسبيح، والتهليل، والتكبير: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله.
وأما السؤال فكثيرًا ما يجيء باسم الرب كقول آدم وحواء: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ … إلى أن قال:
وقد نقل عن مالك أنه قال: أكره للرجل أن يقول في دعائه يا سيدي يا سيدي يا حنان يا حنان، ولكن يدعو بما دعت به الأنبياء ربنا ربنا، نقله عنه العتبي (٢) في العتبية، فإذا سبق إلى قلب العبد قصد السؤال ناسب أن يسأله باسمه "الرب" وإن سأله باسمه "الله" لتضمنه اسم الرب
стр. 240
كان حسنًا، وأما إذا سبق إلى قلبه قصد العبادة فاسم "الله" أولى بذلك. إذا بدأ بالثناء ذكر اسم "الله" وإذا قصد الدعاء دعا باسم "الرب"" (١).
ومما سبق يتضح أن اسم "الرب" من مقتضى معناه إجابة الدعاء لأن الإجابة من جملة تربية العبد بما يصلحه وبما يحتاج إليه كما أنها من ناحية أخرى عطاء ونفع وتدبير من الله للعبد وهذه الصفات تختص باسم الرب، ومن مقتضى معناه.
قال ابن القيم ﵀: "وصفات الفعل والقدرة، والتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ونفوذ المشيئة، وكمال القوة، وتدبير الخليقة أخص باسم الرب" (٢).
ولهذه المعاني السابقة قال بعضهم: إنه الاسم الأعظم.
قال القرطبي ﵀: "قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو الاسم الأعظم لكثرة دعوة الداعين به، وتأمل ذلك في القرآن كما في آخر آل عمران وسورة إبراهيم وغيرهما، ولما يشعر به هذا الوصف من الصلة بين الرب والمربوب مع ما يتضمنه من العطف، والرحمة، والافتقار في كل حال" (٣).
وبما تقدم تبين لنا علاقة الدعاء بالربوبية، وأن إجابة الدعاء من مقتضاها وأن ذلك هو السر في تكرار اسم الرب في الأدعية المأثورة دون باقي أسماء الله الحسنى.
٢ - ومن الأدلة الدالة على علاقة الدعاء بالربوبية أن من معاني توحيد الربوبية الإقرار بتفرد الله تعالى بالتصرف المطلق في الملك
стр. 241
والملكوت وأنه القادر القدرة المطلقة، فالمدعو لا بد أن يكون قادرًا القدرة المطلقة، ومتصرفًا التصرف المطلق إذ لولا اعتقاد الداعي بأن المدعو يقدر على أن يتصرف في الكون، ويغير الأحداث من الصعب إلى السهل، ومن الضيق إلى السعة، ومن الشدة إلى اليسر، ومن الكرب إلى الفرج، لما وجه الداعي دعاءه وطلبه إلى المدعو، إذ العاجز عن التصرف وعن التغيير لا يوجه إليه طلب التصرف والتغيير عند من له عقل سليم. ولهذا عاب الله تعالى على المشركين فقال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٣].
وهذا التلازم بين الدعاء وبين كون المدعو متصرفًا التصرف المطلق وقادرًا القدرة المطلقة - يقتضيه وضع الدعاء وحقيقته.
ثم هاتان الصفتان اللتان هما التصرف المطلق والقدرة المطلقة - من خصائص الربوبية فلا يتصف بهما غير الله تعالى، فمن صرف الدعاء لغير الله تعالى فقد صرف له ما هو من خصائص الربوبية، فلذا وجب إخلاص الدعاء لله تعالى.
وربما يوجد بعض الأشخاص الذين لا يستحضرون عند الدعاء هذه التفاصيل لما يستلزمه معنى الدعاء ويقتضيه.
ولكن هذا لا يمنع أن الدعاء من شأنه وطبيعته اعتقاد الداعي تلك الخصائص للمدعو كما أنه لا يُجِيرُ للآخرين إنكار تلك الحقيقة الواقعة من الداعين الذين يستحضرون تلك المعاني والخصائص للمدعو.
٣ - ومن معاني توحيد الربوبية الاعتراف بأن الله هو النافع الضار إذ من شأن الدعاء أن يكون المدعو يستطيع أن ينفع داعيه أو يضره.
ولهذا عاب الله على المشركين الذين عبدوا ما لا ينفعهم ولا يضرهم، فقال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ [الحج: ١٢].
стр. 242
وقال ﵎: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨].
وقال تعالى حاكيًا توبيخ إبراهيم لقومه: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء: ٦٦، ٦٧].
وهذا التلازم أيضًا يقال فيه ما سبق في مثله من كون شأن الدعاء وحقيقته يقتضي ذلك.
والحاصل أن هذا التلازم الذي نقول به واضح في دعاء العبد لربه فإنه يعتقد هذه اللوازم.
كما أن هذا التلازم هو من مقتضى حقيقة الدعاء وطبيعته وشأنه. وأما في حالة دعاء الموتى والغائبين فهو كذلك أيضًا ويدل لذلك أمور:
١ - أقوال وتصرفات من يدعو الأموات والغائبين فقد صرح بعضهم باعتقادهم في المدعوين التصرف المطلق والقدرة على النفع والضر، وهو اعتراف منهم بالحقيقة، والاعترافُ هو أقوى برهان وأنصع حجة وأوضح دليل.
٢ - أقوال العلماء الذين صرحوا بهذا التلازم في مطلق الدعاء.
٣ - أقوال العلماء الذين صرحوا باعتقاد الداعين للأموات لمدعويهم هذه اللوازم وسيأتي هذان الأمران في آخر هذا البحث لتعلقه بموضوع البحث كله، وأما ما يتعلق بالأمر الأول فنذكره هنا .. وبالله التوفيق.
اعتقاد من يدعو غير الله تعالى لمدعوه التصرف والقدرة على النفع والضر:
وهذه نقول من كتبهم المعتبرة التي هي حجة بينهم وفيها ما ينادي باعتقادهم التصرف للأولياء وفي بعضها ادعاء من يزعم الولاية لنفسه أنه يتصرف في الكون ويجيب الداعي، وفي البعض الآخر ادعى له المريدون
стр. 243
وعَدَّوْه من كراماته، واعتقادهم التصرف له يدل على أنهم يعتقدون أنه ينفع ويضر، ومن أقاويلهم الباطلة في ذلك ما قاله بعضهم:
"لو تحركت نملة سوداء في ليلة ظلماء فوق صخرة صماء، ولم أسمعها لقلت: إني مخدوع أو ممكور بي".
فقال آخر مستدركًا عليه: "كيف أقول ذلك، وأنا محركها؟ " (١).
ففي هذا ادعى الأول السمع المحيط للكون، وذلك يستلزم العلم المحيط أيضًا وادعى الثاني زيادة على ذلك التصرف المطلق في الكون والقدرة على النفع والضر.
وقد ذكروا مراتب الأولياء وقسموهم إلى مجموعات تتصرف في الكون وتدبر أمره فهناك القطب أو الغوث الأعظم وهناك الإمامان وهناك البدلاء وهناك الأوتاد والنجباء والنقباء. فلكل هذه المجموعة مهمة أساسية تتصرف فيها حسب زعمهم.
فالقطب عندهم -وقد يسمى غوثًا باعتبار التجاء الملهوف إليه- "عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله في كل زمان أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد بيده قسطاس الفيض الأعظم … فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل. . ." (٢).
وأما الإمامان فأحدهما عن يمين القطب، ونظره في الملكوت وهو مرآة ما يتوجه من المركز القطبي إلى العالم الروحاني من الإمدادات والآخر عن يساره ونظره في الملك وهو مرآته في المحسوسات وهو أعلى من صاحبه ويخلف القطب إذا مات (٣).
стр. 244
وأما الأوتاد فهم أربعة رجال منازلهم على منازل الأربعة الأركان من العالم شرق وغرب وشمال وجنوب (١) فهؤلاء هم يثبتون الأرض ويحفظونها من الجهات الأربع.
وأما النجباء فهم مشغولون بحمل أثقال الخلق من الأشياء التي لا تفي القوة البشرية بحملها (٢).
وأما النقباء فهم المشرفون على بواطن الناس وخفايا الضمائر والسرائر (٣).
وهؤلاء الأولياء بهذه المراتب الست لهم ديوان خاص يجتمعون فيه كل ليلة لتدبير الكون علويه وسفليه، قالوا إنهم يجتمعون في غار حراء، ويتفقون على ما يكون من ذلك الوقت إلى مثله الغد من فهم يتكلمون في قضاء الله تعالى في اليوم المستقبل والليلة التي تليه ولهم التصرف في العوالم كلها السفلية والعلوية (٤).
فإذا كان هؤلاء اقتسموا التصرف في الكون فماذا بقي لله الواحد القهار؟
ثم إذا سمع العامي أن هؤلاء هم المتصرفون وأن الغوث معهم ورئيسهم فلماذا لا يستغيث بهم أو بالغوث وحده؟ ولماذا يبقى في الشدة وهؤلاء يجتمعون كل ليلة؟ فما عليه إلا أن يذكر حاجته لهم أو لأحدهم فما عليها إلا أن تقضى في تلك الليلة، ويُبْرِمَ الأمر فيها المجتمعون ويصدروا الأوامر النهائية لقضائها.
стр. 245
ومن هنا ندرك لماذا يدعي بعض هؤلاء القطبية أو البدلية إلى آخر تلك الألقاب.
فممن ادعى ذلك ابن الفارض، فقد قال في تائيته:
فبي دارت الأفلاك فاعجب لقطبها الـ … محيط بها والقطب مركز نقطتي (١)
وادعى ابن عربي تفويض العالم إليه (٢).
وقد ذكروا عن إبراهيم الدسوقي أنه سئل عن البدوي فقال: الدنيا مقسومة بيننا وبينه أربعة أقسام، ربع لي، وربع لأحمد الرفاعي، وربع للجيلاني، وربع لحضرة البدوي. وكل منهم يتصرف في ربعه إلا أن البدوي له خصيصة لم يخص بها أحد سواه وهو أن الله تعالى جعل له كرسيًا في مكان بين السماء والأرض يتصرف في أمور العالم العلوي والعالم السفلي (٣).
ومن ذلك ما نقله الشعراني عن البدوي من ادعائه أنه يحمي الوحوش والسمك في البحار بعضهم عن بعض فلهذا فهو غير عاجز عن حماية من يحضر مولده (٤).
كما ادعي له أنه يسلب الإيمان والعلم (٥).
ومن ذلك ما سمعه المقبلي (٦) من بعضهم أنه يقول: "لا يكون الولي وليًا عندنا أهل الحق حتى يكون الكون بأجمعه كحبة خردل في
стр. 246
كفه" يعني فيتصرف فيه كيف يشاء (١).
وبعض هؤلاء قصر التصرف في القبر لبعض كبار الأولياء ومثل لذلك البعض بالشافعي والليث والبدوي وأضرابهم، فهؤلاء لهم التصرف في قبورهم بحسب صدق من توجه إليهم، وأما النبي ﷺ فبابه مفتوح فما على من عنده حاجة إلا أن يصلي عليه ثم يسأله حاجته (٢)، قال الألوسي: "ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعًا في قبورهم لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة" (٣).
ومن ذلك ما قيل من أن الولي إذا تقرب إلى الله تعالى حتى يصير مقاربًا لله تعالى يحصل له أنه إذا تصرف على سبيل التمكين في الأمور لا يستعصي عليه شيء مما يطلبه فإذا تشوف للعلم علمه، ويفعل ما يريد إحداثه في العالم مثل إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك ..
وإذا اتصف بصفة الخلة تظهر في أجزاء جسده آثار التخلل بأن تنفعل الأشياء له بلفظة كن وأن يبرئ العلل والأمراض ويأتي بالمخترعات بيده، وأن يكون لرجله المشي في الهواء، وأن يقدر على التصور بكل صورة بتمام هيكله (٤).
فالولي إذا وصل إلى هذه الدرجة يفعل ما يشاء ويريد وينفع ويضر بيده كل شيء!! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
ويكفي لمعرفة مدى ادعاء هؤلاء التصرف وتصديق بعض الناس لهم قراءة بعض كتب هؤلاء التي احتوت على ما لا يتصور أن يصدقه عاقل
стр. 247
فضلًا عن مسلم قرأ كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وعرف الإسلام ومن تلك الكتب كتاب الطبقات الكبرى للشعراني وهو كتاب معتبر عندهم فقد حوى العجائب والغرائب من ادعاء تصريف الكون والحوادث الكثيرة، فالذين ترجم لهم نحو ثلثمائة إذا استثنينا الصحابة والتابعين وبعض كبار الصالحين، فكثير من هؤلاء المترجم لهم ذكر لهم الشعراني ما يدل على تصرفهم في الكون وعلمهم للغيب وغير ذلك مما لا يصدقه العقل.
ومثل كتاب الطبقات كتاب جواهر المعاني لعلي حرازم في ترجمة التيجاني ففي هذا الكتاب تصوير للتيجاني بأنه المدبر للكون والمتصرف في شؤون الناس، فمما ادعاه للتيجاني أنه نائب عن الله أو خليفته في جميع مملكته الإلهية بلا شذوذ متصفًا بجميع صفات الله وأسمائه حتى كأنه عينه (١).
ومن تلك الكتب كتب البريلويين الذين تجاوزوا المعقول والمنقول فيما زعموا للنبي ﷺ والصالحين.
ومن ذلك ما قالوه في الشيخ الجيلاني أنه هو الغوث الذي حصلت له قدرة كلمة "كن فيكون" وأن قلوب الناس في يده يصرفها كيف يشاء، وأن له حق التثبيت في اللوح المحفوظ وأنه يملك أن يجعل المرأة رجلًا (٢).
ومن تلك الكتب كتب الرافضة ففيها العجائب والطامات، ففيها ادعاء لأئمتهم التصرف في الكون وعلم الغيب وغير ذلك مما هو من خصائص الربوبية (٣).
стр. 248
والحاصل:
إن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية التي هي شاملة للخلق كلهم، ولهذا كانت إجابة الدعاء غير خاصة بالمؤمنين بل الله يسأله كل الخلائق فيجيبهم.
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩] يسأله المطيع والعاصي والكافر والمنافق، فهو كل يوم يجيب داعيًا ويكشف كربًا ويجيب مضطرًا ويغفر ذنبًا كما قاله مجاهد وغيره (١).
وهو يمد كلًا من العاصي والطائع بما يتكفل له حياته، قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ٢٠].
بل لما سأله إبليس اللعين بقوله: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر: ٣٦] أجابه الله إلى ما طلبه وأعطاه بغيته مع أنه أبغض خلق الله إلى الله، قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر: ٣٧ - ٣٨].
فاتضح مما سبق أن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية وأنها شاملة للخلق أجمع، وأنها فعل من أفعال الله تعالى وأن الإقرار بتفرده بها إقرار بتفرده بأفعاله وأن الإخلاص في الدعاء يستلزم الإخلاص في توحيد الربوبية وأن الشرك في الدعاء يستلزم الشرك في الربوبية، كما أنه يستلزم الاعتقاد بعلم الغيب والتصرف المطلق والقدرة المطلقة والنفع والضر للمدعو. وقد يقال: إن الداعي ربما لا يستحضر عند الدعاء تلك اللوازم للدعاء من كون المدعو قادرًا القدرة المطلقة ومتصرفًا ومالكًا للنفع والضر فلا يقال: إنه أشرك في الربوبية.
стр. 249
الجواب: إن من طبيعة الدعاء أن يستحضر الداعي تلك المعاني وهي لازمة له وإلا كان مثل كلام المجنون الذي لا يدري ما يقول، وأيضًا لا يشترط في الحكم بالشرك أن يستحضر المشرك جميع لوازمه وقبائحه ولو استحضر ذلك لما أشرك مع أن الأدلة السابقة وواقع هؤلاء يدلان على أن قسمًا منهم يعتقد بتلك اللوازم أيضًا.
المطلب الثاني: في علاقته بتوحيد الأسماء والصفات:
إن الدعاء له علاقة قوية وارتباط وثيق بتوحيد الأسماء والصفات لأن معنى توحيد الأسماء والصفات هو الإقرار بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله من الأسماء الحسنى والصفات العلى إثباتًا بدون تمثيل ولا تشبيه وتنزيهًا بدون تعطيل ولا تحريف ولا تأويل.
ومن عدم التشبيه والتمثيل اعتقاد أنَّ الله هو المتفرد بها لا يشركه فيها غيره وأسماء الله الحسنى وصفاته العليا الواردة في الكتاب والسنة كثيرة جدًّا نقتصر منها هنا على بعضها وهي العلم المحيط للغيب والشهادة، والسمع والبصر وصفة المعية، والإرادة والحياة، والقيومية، والجود والكرم والرحمة وصفة العلو.
ومن شأن الدعاء أن يعتقد الداعي اتصاف المدعو بهذه الصفات.
واعتقاد الداعي أن الله هو المتفرد بها وأنه وحده هو المستحق للاتصاف بهذه الصفات هو من توحيد الأسماء والصفات، كما أن اعتقاده أن غير الله تعالى متصف بها - كاتصاف الله تعالى - يكون إلحادًا فيها وشركًا.
صفة العلم:
إن من شأن الدعاء أن يعتقد الداعي أن مدعوه يعلم بدعائه وأحواله وما هو فيه من الكرب والشدة والفاقة والهم والغم.
стр. 250
وإلا لو كان المدعو يجهل بدعائه وأحواله ومكانه لم يكن هناك فائدة في دعائه والاستغاثة به، إذ الإجابة لدعاء الداعي فرع عن علم المدعو بحاجة الداعي.
فالداعي يعتقد أن المدعو عالم، وعلمه محيط بجميع الكائنات، وما تتحرك ذرة في السماء والأرض إلا وهو عالم بها ولا يخطر على البال خاطر إلا وهو يعلمه، ولا يختلج في النفس شيء إلا وهو مطلع عليه، ولا ينتاب الداعي، نائبة ولا تحدث له حادثة إلا وهو يعلمها، ولا عليه هم ولا غم ولا حزن إلا وهو مطلع عليه وعالم به وبأسبابه وبما يرفع ذلك أو يخففه، فهذا العلم المحيط (١) الشامل للغيب والحاضر صفة خاصة بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. وقال عز من قائل: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
وقال عز من قائل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦].
فالاعتقاد بالعلم المحيط الشامل للكون علويه وسفليه من مقتضيات معنى الدعاء ولوازمه فلو قلنا جدلًا: إنه لا يلزم منه اعتقاد الداعي بالعلم المحيط للكون فلا بد أن نقول: إنه يلزمه أن يعتقد أن المدعو علمه محيط بالداعي وبحاله وخواطره.