بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك، فقل نصيبهم من ذلك ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن عندهم من العلم ما يبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل … " (١).
والسبب في ذلك قلة انتشار العلم الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بسبب إعراض الناس عن تعلم العلم الصحيح، حيث قَلَّتْ دراسةُ القرآن الكريم بتدبر وتعقل وفهم بحجة أن فهم القرآن صعب على أفهام الناس، ولا يستطيعه إلا من درس كل العلوم من نحو وصرف وبيان ومعان ولغة والفقه وأصوله والمنطق والفلسفة، ولهذا قل في بعض الأقطار الإسلامية دراسة تفسير القرآن الكريم بتدبر وفهم، وقلّ تفسيره بما يطابق ما انتشر في المجتمع بل صاروا يفسرون الآيات المتعلقة بالشرك بما يفهم أنها خاصة بكفار قريش ولا يدخل فيها ما يفعله الناس اليوم فصاروا كما قال الله تعالى في اليهود ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، وقال عز من قائل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، واقتصروا على تلاوته على الأموات وعند المقابر والمشاهد، وكتابته للتمائم والحجب أو زخرفته بالذهب، وحفظه للتبرك، وقراءته في افتتاح الحفلات وأدى كل هذا إلى الجهل بالقرآن الكريم، ثم إلى عدم تطبيقه الاعتقادات والأعمال والتشريعات.
قال الشيخ أبو بكر الجزائري في وصف أحوال المسلمين في القرون الأخيرة كان القرآن يقرأ على الأموات دون الأحياء ويعتبر تفسيره خطيئة من الخطايا وذنبًا من الذنوب إذ ساد بين المسلمين القول بأن تفسير القرآن صوابه خطأ وخطأه كفر فلذا القارئ يقرأ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ والناس حول ضريح الولي المدفون في ناحية المسجد
стр. 422
يدعون بأعلى أصواتهم يا سيدي يا سيدي كذا وكذا ولا يجرؤ أحد أن يقول: يا إخواننا لا تدعوا السيد فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا … ﴾ (١).
وهؤلاء لم يكتفوا بأن امتنعوا بأنفسهم عن تفسير القرآن وتدبره بل راحوا يحذرون غيرهم إذ قالوا: إن الغضب ينزل على أهل البلد إذا حصل خطأ في التفسير، وهذا كلام باطل لا أصل له، وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان ليصدهم به عن سبيل الله (٢).
وقد وصف الله كتابه بالبيان والوضوح قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩].
والأنبياء لم يبعثوا إلا لهداية الضلال وتعليم الجهال، والقول بصعوبة القرآن يتنافى مع مقتضى البيان والوضوح وغرض الإرسال (٣).
وقد وصل الأمر في إهمال الاعتناء بالكتاب إلى ما ذكره أحد العلماء المعاصرين أنه وزملاءه تحصلوا على شهادة العالمية من إحدى المراكز الدينية الكبرى ولم يدرسوا آية واحدة من كتاب الله تعالى (٤).
وكذلك أصاب السنة (٥) مثل ما أصاب القرآن الكريم فقد تركوا الاعتناء بالسنة وتركت دراستها في أغلب المعاهد الإسلامية، وإنما كانوا يقرأونها للتبرك بها والصلاة على النبي ﷺ عند ذكره، وكانوا يقرأون
стр. 423
البخاري في وقت الشدائد والمحن، ويطلبون بقراءته النصر على الأعداء وتفريج الكرب (١).
ولم يقتصر الأمر على صحيح البخاري بل اعتقدوا ذلك في غيره من بعض كتب الفقه (٢)، وهؤلاء الذين يدرسون البخاري للتبرك لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مبادئ التوحيد والشرك ووصل الأمر ببعضهم إلى ما ذكره حسين بن مهدي النعمي ﵀ من أن قومًا يقرأون صحيح البخاري بمدينة زبيد فإذا فرغوا - إما أحيانًا أو مطلقًا - ذهبوا إلى مشهد هناك، فيظلون عاكفين هنالك ما شاء الله، وعليهم السكينة والوقار وضروب من الخضوع والتأدب لنازل الحفرة، ثم قال: وهل هذا عمل بشيء وجدوه في كتاب البخاري أو غيره أما هو؟ " (٣)
والسبب في هذا أن أغلبيتهم لا يفقهون في الحديث ولا همة لهم في معرفته ولا في التدين به بل الصحيح والموضوع عندهم بنسبة واحدة، إنما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ وتكثير العدد من الأجزاء والرواة لا
стр. 424
يتأدبون بآداب الحديث (١).
وليس معنى هذا الذي ذكرناه من قلة الاعتناء بدراسة السنة وتدريسها أنه لا يوجد من يعتني بالسنة وتدريسها ودراستها حاشا وكلا، بل لا يزال (٢) في الأمة الإسلامية جهابذة يعتنون بالحديث وعلومه وإن كانوا قلة بل المقصود أن الفهم الصحيح لها والاعتناء بتطبيقها عمليًا من جمهور طلبة العلم هو الذي قل وأدى إلى انتشار الجهل بها، ثم إلى انتشار الخرافات والبدع والشركيات في العالم الإسلامي.
فقد انتشر جهل حقيقة الدين الإسلامي وما بعث الله به نبيه ﷺ وجميع الرسل من حقيقة التوحيد وإخلاص الدعاء له وصار الناس يظنون الشرك أنه هو التوحيد الخالص وأنه مما يتقرب به إلى الله تعالى، وصاروا يتهمون من دعا إلى التوحيد الخالص بأنه جاء بما يخالف الإسلام.
ووصل الأمر إلى أن اعتقد جماهير من المسلمين أن دعاء الموتى ونداء من تحت الأجداث واستغاثة من في القبور من الطاعات وأن ذلك مما يقرب إلى الله تعالى وأنه من دين الإسلام.
ثم هؤلاء الذين تركوا الاعتناء بالكتاب والسنة اعتاضوا عن ذلك بالاعتناء بالفلسفة والمنطق والتعمق في المسائل الغريبة نادرة الوقوع من المسائل الفقهية مع الجمود والتعصب، وترك السنة الصحيحة لمراعاة المذهب.
كما أنهم أفنوا أعمارهم في دراسة غوامض اللغة وغرائبها وشواذها.
فهذه العلوم لا تشفي عليلًا ولا تهدي السبيل المستقيم، والدارسُ المعتني بها بعيدٌ عن واقع الأمة وآلامها وعلاج عقيدة المجتمع ومشاكله.
стр. 425
فحصل من هذا كله انتشار الجهل بالكتاب والسنّة.
وهذا الانتشار للجهل ورفع العلم مما أخبر به الرسول ﷺ في قوله: "يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن" (١). وهذا هو مصداق ما أخبر به الرسول ﷺ في هذا الحديث، فقد انتشر الجهل بحقيقة التوحيد وما يضاده أو ينافي كماله وتسبب هذا في انتشار الشرك والبدع فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا.
قال ابن القيم ﵀: "قد غلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء، ولكن مع هذا لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين" (٢).
وذكر ابن القيم أيضًا أن الجهل هو السبب الرئيسي في المنع من قبول الحق فالجهل هو السبب الغالب على أكثر النفوس فإن من جهل شيئًا عاداه وعادي أهله (٣).
ومما ينبغي أن يعلم أن هذا الجهل المنتشر حصل للناس لسببين:
أحدهما: هذا الذي تقدم من عدم الاعتناء بدراسة القرآن الكريم وتدبره وفهمه.
وثانيهما: أنهم حملوه على قوم مضوا وأن الواقع لا يدخل تحته،
стр. 426
فقد ذكر ابن القيم أن القرآن مملوء بالآيات التي تقطع أصول الشرك ومواده ثم قال: "ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه" (١).
وبسبب الجهل بحقيقة دين الإسلام وحقيقة التوحيد والشرك تمكن الشيطان من التلبيس على كثير من الناس في دعاء غير الله تعالى بأن زين لهم ذلك باسم التوسل تارة وباسم الشفاعة تارة وباسم محبة الصالحين تارة أخرى، إلى غير ذلك من تلبيسات الشيطان لأن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهال بأمان، وأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة" (٢).
وقد صرح القرافي المالكي يكون الجهل هو السبب للأدعية الشركية فقد ذكر الأدعية المحرمة والأدعية المكفرة وبين خطورتها ثم قال: "وأصل كل فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت كما أن أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استطعت والله تعالى هو المعين على الخير كله" (٣).
стр. 427
السبب الثاني (١): الشبهات التي يتشبثون بها في جواز دعاء غير الله تعالى:
ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى بعض الشبهات التي ظن عباد القبور أنها صحيحة وتدل على جواز دعاء الموتى ولكنها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فهم يتركون الأمور الواضحة ويتبعون المتشابه، وتلك الشبه على أقسام ثلاثة:
١ - نصوص متشابهة لم يفهموها ولم يفقهوا ما دلت عليه ويحتجون بها ويوردونها من غير فهم لمعناها ولا معرفة لما دلت عليه وذلك كتأويلهم لبعض الآيات القرآنية وتفسيرها بما يجيز دعاء غير الله تعالى وكذلك تأويلهم لبعض الأحاديث الصحيحة.
٢ - أحاديث مكذوبة مختلقة وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية على رسول الله ﷺ وهي تناقض دينه وما جاء به.
٣ - "حكايات حكيت لهم عن أصحاب القبور أن فلانًا استغاث بالقبر الفلاني في شدّة فخلص منها وفلانًا دعاه، أو دعا به في حاجة فقضيت له وفلانًا نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره.
وعند السدنة والمقابرية من ذلك شيء كثير يطول ذكره، وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات" (٢).
وقد تكون تلك الحكايات صحيحة ولكنها من الشيطان، فإنه قد يتراءى لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، أو ينتسب إلى رجل صالح ويتسمى باسمه كالخضر وعبد القادر، وقد تخاطب الشياطين من استغاث
стр. 428
بغير الله أو دعاه وينسب ذلك إلى هذا المدعو أو المستغاث به ويقول أحدهم: رأيت فلانًا وخاطبني فلان أو نحو هذا (١).
وقد تقضي الشياطين بعض حوائج من استغاث بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب استغاثته، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان أن ينزل عليه طعام من الهواء أو نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك من كرامة من استغاث به ودعاه، وإنما ذلك في الحقيقة كله من الشياطين.
وهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان (٢) في زمان الجاهلية الأولى ولا زالت هذه الأمور موجودة بعد دخول الإسلام عند من يدعو الأموات لأن الشيطان أقسم أنه لا يزال يضل بني آدم.
لكن هذه الأمور من الأحوال الشيطانية تضعف حيث يقوى نور الإيمان والتوحيد وتظهر آثار النبوة والرسالة وتقوى حيث يضعف الإيمان، ويقوى الشرك والكفر والفسوق والعصيان فلهذا يكثر وقوعه في المشركين ومن يشابههم ويكثر في بلادهم (٣) ويقل في بلاد المسلمين لا سيما أهل التوحيد الخالص المتمسكين بالكتاب والسنة.
فتبين مما سبق أن الحكايات لها أثر كبير في انتشار دعاء غير الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا كون الحكايات أحد الأسباب الرئيسية
стр. 429
في انتشار الشرك في الدعاء: "فإنه ما من أحد يعتاد دعاء الميت والاستغاثة به نبيًا كان أو غير نبي إلا وقد بلغه من ذلك ما كان من أسباب ضلاله" (١).
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - مناقشة هذه الشبهات في الباب الرابع.
السبب الثالث: علماء السوء وأئمة الضلالة، والزنادقة:
ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى وجود علماء السوء وأئمة الضلالة والزنادقة، فقد كان العلماء العاملون هم الذين يوجهون الحكام والشعوب فكانوا سلاطين السلاطين وأمراء الأمراء.
فكانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم وكانوا يحاربون الشرك والبدعة وهؤلاء العلماء في تاريخ هذه الأمة الإسلامية كثيرون في كل زمان ومكان إلا أن بعض علماء السوء تركوا هذا الواجب الديني ورضوا بالحياة الدنيا ووصل الأمر ببعضهم إلى أن تقربوا إلى بعض أئمة الضلال ببعض الفتاوى وطلب بعض الرخص لهم وقد يصل الأمر إلى أن يصنفوا لهم بعض الكتب على أهوائهم، وقد ذكر شيخ الإسلام أمثلة منهم في كتاب الاستقامة (٢).
وبعضهم يطلب للعوام والجهال ما يبرر ويجيز ما يفعلونه من الشركيات والبدع والخرافات فتارة يؤوله بالمجاز، وتارة بالتوسل، وتارة يؤيده بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، وتارة بحجج فلسفية، ومنهم من يؤلف في إباحة دعاء الموتى وإنزال الحوائج بهم مؤلفات وينشرها بين الجهال.
فهؤلاء الذين ابتليت بهم الأمة الإسلامية هم من جملة الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء الموتى والاستعانة بهم. فهؤلاء قد عكسوا القضية من حيث أن الله تعالى أمرهم بتبليغ الحق والأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 430
المنكر وأعظم المنكرات هو الشرك بالله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وقد وجد من علماء بعض الفرق الضالة، قوم صنفوا الكتب التي تدعو إلى عبادة الأئمة ودعائهم بل إلى تأليههم.
ومنهم من صنف في أدعية الأضرحة كابن المفيد (١) الرافضي، ألف كتابًا وسماه "الحج" إلى زيارة المشاهد" وعامة تلك الأدعية في تلك الكتب كذب وزور (٢).
ومن هؤلاء الذين صنفوا هذه الكتب قوم لهم أغراض فاسدة قصدهم إضلال الأمة قال شيخ الإسلام وهذا إنما ابتدعه وافتراه في الأصل قوم من المنافقين والزنادقة ليصدوا به الناس عن سبيل الله، ويفسدوا عليهم دين الإسلام وابتدعوا لهم أصل الشرك المضاد لإخلاص الدين لله. . .
ولهذا صنف طائفة من الفلاسفة الصابئين المشركين في تقرير هذا الشرك ما صنفوه، واتفقوا هم والقرامطة الباطنية على المحادة لله ورسوله حتى فتنوا أممًا كثيرة وصدوهم عن دين الله.
وأقل ما صار شعارًا لهم تعطيل المساجد وتعظيم المشاهد فإنهم يأتون من تعظيم المشاهد وحجها والإشراك بها ما لم يأمر الله به ولا رسوله بل نهى الله عنه ورسوله عباده المؤمنين.
стр. 431
وأما المساجد فيخربونها فتارة لا يصلون جمعة ولا جماعة بناء على ما أصلوه من شعب النفاق وهو أن الصلاة لا تصح إلا خلف معصوم (١).
فقد تبين بهذا مدى تسبب علماء السوء في انتشار الشرك في الدعاء وغيره.
وأما أئمة الضلالة فقد نشروا بين المسلمين عبادة القبور ودعاءها.
وقد خاف رسول الله ﷺ على أمته الأئمة المضلين فقال محذرًا من منهم: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" (٢).
وقد وقع ما خاف منه الرسول ﷺ ، فقد تسلط على المسلمين في بعض فترات تاريخهم الطويل بعض أئمة الضلالة من الرافضة والباطنية والزنادقة.
وذلك بسبب (٣) بعد المسلمين عن الاعتصام بالكتاب والسنة، فنشروا العقائد الضالة والأفكار المنحرفة بكل الوسائل الممكنة لهم.
فمن أئمة الضلالة من استطاع - بعد سيطرته وتمكنه في الأرض - أن يدعي الألوهية كالحاكم بأمر الله الباطني العبيدي "وقد أمر أهل مصر إذا قاموا عند ذكره أن يخروا سجدًا له حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم ممن كان لا يصلي الجمعة، وكانوا يتركون السجود الله في يوم الجمعة وغيرها ويسجدون للحاكم" (٤).
стр. 432
وآخرون لم يستطيعوا أن يدعوا لأنفسهم الألوهية ولكن ادعوا لأئمتهم الألوهية (١).
ومن دون هؤلاء آخرون غلوا في أئمة البيت وإن لم يصلوا إلى التأليه، ولكنهم بنوا على قبورهم أو الأماكن التي يزعمون أنها قبورهم المشاهد والقباب والأضرحة المزخرفة وهؤلاء لهم آثار باقية ودول خطيرة إلى الآن ولا تزال تلك الآثار الباقية تنشر الشرك في ربوع الأمة الإسلامية وتفسد عقائدها بشتى الوسائل.
فمن تلك الآثار المشهد الذي بني في دولة الباطنيين العبيديين على رأس الحسين المزعوم في القاهرة (٢). ولا يزال موجودًا إلى الآن يطاف به ويدعى ويعبد فإنا لله وإنا إليه راجعون.
كما أن بني بويه الذين كانوا على عقيدة الرافضة ظهر في دولتهم بناء المشهد على قبر علي ﵁ المزعوم بناحية النجف (٣). ولا يزال يعبد ويدعى ويطاف به.
وهؤلاء الذين نشروا الشرك ربما يكون بعضهم من الجاهلين المغرورين والبعض الآخر زنادقة ممن يريد إفساد دين المسلمين.
والأدلة على أن بعض من نشر بين المسلمين دعاء غير الله تعالى زنادقة كثيرة:
١ - منها ما ذكره ابن الجوزي عن ابن عقيل الحنبلي أنه ذكر أن الملاحدة لما رأوا انتشار الإسلام ولم يستطيعوا مقاومته اندسوا بين المسلمين فعملوا حيلًا منها رواية ما يقارب المعجزات من ذكر خواص في أحجار وخوارق العادات في بعض البلاد وأخبار عن الغيوب عن كثير من
стр. 433
الكهنة والمنجمين وبالغوا في تقرير ذلك، وذلك ليقول من رأى ذلك مع عدم علمه لقصدهم: وهل ما جاءت به النبوات إلا مقارب هذا؟ " (١).
٢ - ومن ذلك ما فعله الباطنية من الإسماعيلية والقرامطة ويدل على ذلك ما ثبت في رسائل إخوان الصفا من قولهم: إن التقرب إلى الله تعالى بالأنبياء أولى من التوسل بالأصنام التي لا تسمع ولا تبصر وأن من قصر فهمه ومعرفته فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه ومن قصر عنهم فبالأئمة من خلفائهم وأوصيائهم والتعلق بهم والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار والرحمة عند قبورهم وعند تماثيلهم المصورة على أشكالهم لتذكرهم من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلبًا للزلفى إلى الله (٢).
٣ - ومن ذلك ما ذكره ابن حزم أن بعض الفرس لما عجزوا عن مقاومة انتشار الإسلام أظهروا التشيع وذلك كيدًا للإسلام وأهله (٣).
وذكر ابن الجوزي أن من أتباع القرامطة والعبيديين طائفة انقطعت دولة أسلافهم بدولة الإسلام كأبناء الأكاسرة والدهاقين وأولاد المجوس فهؤلاء حاقدون على الإسلام كما ذكر أن منهم من قصد إبطال الإسلام ورد الدولة الفارسية وأظهر مذهب الإمامية (٤).
٤ - وما ذكر عن رجل فرنسي أسلم وتنسك وصار إمامًا لمسجد كبير في تونس فلما جاءت الحملة الفرنسية على تونس طلب منه الناس أن يستأذن لهم على ضريح الشيخ فدخل في الضريح فخرج بأن الشيخ منعهم من المقاومة فاستسلموا (٥).
стр. 434
٥ - وما ذكر عن امرأة فرنسية أظهرت الإسلام وتزوجت بأحد شيوخ التيجانية ثم بعد وفاته بأخيه شيخهم أيضًا، فبذلك قدمت خدمة جليلة للاستعمار الفرنسي (١).
فتبين مما سبق أن بعض علماء السوء وأئمة الضلال والزنادقة سعوا في نشر الشرك في هذه الأمة.
السبب الرابع: التقليد الأعمى للآباء والأسلاف، واستصحاب العوائد وإِلْفُها:
إن الله أعطى الإنسان العقل ليفكر ويعتبر به ولكن بعض الناس لم يستخدموا عقولهم في طلب الحجة والدليل والتفكر والاعتبار، بل أهملوه وقلدوا الآخرين بدون برهان ولا سلطان، فرأوا الآباء والأجداد والمشايخ يعظمون القبور ويدعون الأضرحة، فقلدوهم وتبعوهم بدون إعمال عقولهم هل هذه القبور تستحق العبادة والدعاء أم لا؟
وهؤلاء رأوا أن هذا قد شب عليه الصغير وشاب عليه الكبير بدون نكير، فلهذا إذا رأوا من ينكر عليهم قالوا كما قال الأولون: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤].
وقال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢، ٢٣].
قال ابن الجوزي: "وقد لبس إبليس على جمهور العوام بالجريان مع العادات وذلك من أكثر أسباب هلاكهم، فمن ذلك أنهم يقلدون الآباء والأسلاف في اعتقادهم على ما نشأوا عليه من العادة، فترى الرجل منهم
стр. 435
يعيش خمسين سنة على ما كان عليه أبوه ولا ينظر أكان على صواب أم على خطأ" (١).
فالذين يدعون غير الله تعالى ويجيزونه يستدلون بالكثرة وبالآباء والأجداد على صحة دعاء غير الله تعالى بل بعضهم يتهم من لا يجيز ذلك بأنه خالف إجماع الأمة المحمدية المرحومة، وهذا الاستدلال والاحتجاج بتقليد الآباء والأجداد له سبب خفي، وهو أنه "ينشأ أحدهم وهو حسن الظن بأسلافه ومشايخه فلا يزال يسمع ما يقوي حسن ظنه ويسمع ما يبعد المخالف، ثم يتدرج إلى مثل هذه الحالة من عدم قبول الحق، ومع هذه الحالة هناك عوامل وأسباب أخرى خفية ربما يذهل عنها" (٢).
والمقلد يزين له الشيطان أن التقليد أفضل لسلامته من الوقوع في اشتباه الأدلة وأن الأسلاف لا يخطئون إلى غير ذلك من الشبه.
قال ابن الجوزي ﵀ في بيان طريق دخول إبليس في إفساد العقائد:
"فإن إبليس زيّن للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه والصواب قد يخفى والتقليد سليم، وقد ضل في هذا الطريق كثير وبه هلاك عامة الناس … واعلم أن العلة التي بها مدحوا التقليد بها يذم لأنه إذا كانت الأدلة تشتبه والصواب يخفى وجب هجر التقليد لئلا يوقع في ضلال. . .".
ثم قال: واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر بما قال: وهذا عين الضلال لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل كما قال علي ﵁. . .
стр. 436
إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله" (١).
السبب الخامس: عدم امتثال أمر الشارع بسد ذرائع الشرك وحماية جناب التوحيد:
قد أمر الشارع الحكيم بسد ذرائع الشرك ووسائله كلها صغيرها وكبيرها وحذر من الاقتراب إليها وذلك حماية لجناب التوحيد والوسائل التي نهى الشارع عنها كثيرة ومتنوعة لأن منافذ الشرك كثيرة والطرق إليه متعددة، ومن تلك الوسائل التي نهينا عنها وسائل لفظية نحو الحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشئت.
وقد حذرنا الرسول ﷺ من ذلك فقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (٢).
وقال للذي قال له ما شاء الله وشئت: "أجعلتني الله ندًا بل ما شاء الله وحده" (٣).
ومن تلك الوسائل وسائل عَمَلِيَّة: نحو البناء على القبور، وشد الرحل إليها واتخاذها مساجد والصلاة عندها أو إليها، وقصدها لعبادة الله عندها كالدعاء عندها والذبح الله عندها ووضع تماثيل لأصحابها والاجتماع عندها في مواسم وأعياد معينة.
وقد حذر الشارع الحكيم من هذه الأمور وغيرها، صيانة لعقيدة
стр. 437
التوحيد وسدًا لأبواب الشرك ومنافذه.
فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة النهي عن هذه الأشياء وإليك بعضها:
فقد ثبت في حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبني عليه (١).
وثبت أمره بهدم أبنية القبور وتسويتها بالأرض. قال علي ﵁ لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" (٢).
وثبت عن النبي ﷺ نهيه عن شد الرحل إلى القبور، فروى أبو سعيد وأبو هريرة ﵄ مرفوعًا: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" (٣).
ووردت أحاديث كثيرة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد والصلاة إليها أو عندها ولعن من فعل ذلك، فعن عائشة وابن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه خميصة له فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد تقول عائشة: يحذر ما صنعوا" (٤).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وكأنه ﷺ علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى فلعن اليهود
стр. 438
والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم" (١).
وروي جندب بن عبد الله البجلي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ". . . ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني ذلك" (٢).
أنهاكم عن ومن الوسائل التي نهى عنها وضع التماثيل والصور على القبور، قالت عائشة ﵂: إن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله ﷺ فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" (٣).
وقد أمر ﷺ بطمس التماثيل والصور كما في حديث علي المتقدم كما حذر أشد التحذير من التصوير للحيوان مطلقًا فقال:
"أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" (٤).
وحذر من اعتياد قبره صلوات الله وسلامه عليه فقال فيما رواه أبو هريرة: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (٥).
стр. 439
ولا يخفى حكمة نهي الشارع عن تعظيم القبور وتصوير تماثيل أصحابها لأن ذلك من الأسباب الرئيسية في عبادة أصحابها ودعائهم.
قال شيخ الإسلام: "والشرك في بني آدم أكثره عن أصلين: أولها: تعظيم قبور الصالحين، وتصوير تماثيلهم للتبرك بها، وهذا أول الأسباب التي بها ابتدع الآدميون وهو شرك قوم نوح … والسبب الثاني: عبادة الكواكب. . ." (١).
وذكر ابن القيم أيضًا أن "غالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور" (٢).
فتبين مما تقدم أن الشارع الحكيم قد سد كل الطرق والوسائل التي تؤدي إلى الشرك ودعاء غير الله تعالى بنوعيه.
ولكن بعض المسلمين لم يمتثلوا هذا النهي وهذا التحذير البليغ فطرقوا تلك المحاذير وفتحوا تلك السدود، فقاموا بتشييد الأضرحة وزخرفتها، مع إسدال الستور وإيقاد البخور ونثر الزهور، وذبح النحور، وتقديم النذور، والانحناء عند المرور، ودعوا عند تلك القبور، ففتحوا بذلك بابًا من أبواب الشرك الذي أمر الشارع بسده، بل تعدوه
стр. 440
واقتحموا الشرك فإذا جاء العامي عند مشهد من تلك المشاهد رأى ما يبهره من القباب المزخرفة والأضرحة المزينة ورأى الستائر المسدولة والأبخرة المتصاعدة، والأزهار المتناثرة، ورأى الناس يطوفون حول القبر، ويصرخون بندائه واستغاثته، ورأى هذا يبكي، وآخر يناجي ويتضرع، وآخر يتمرغ بتراب القبر، وآخر يقبض النذور ويُبَارِك، وآخر يحكي كرامات الشيخ وخوارقه وآخر يقول: كنت في شدة فدعوت الشيخ فاستجاب لي إذا رأى العامي هذه الأمور - ولم يجد من ينكر ذلك - ظنَّ أن هذا من دين الإسلام، وقلد هؤلاء وعمل مثل عملهم وتأثر بما رأى وسمع "ويضيق صدره عن تصور ما لهذا الولي من المنزلة، ويدخله من الروع والمهابة ما يغرس في قلبه من العقائد الوهمية. . . ما يزلزله عن الإسلام قليلًا قليلًا حتى يطلب من صاحب هذا القبر ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى" (١).
هذا ومن جملة الوسائل التي نهى عنها الشارع الغلو في الصالحين، ومع كونه من جملة الذرائع والوسائل نُفْرِدُه بعنوان مستقل لكونه من الأسباب الرئيسية لانتشار دعاء غير الله تعالى قديمًا وحديثًا كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
السبب السادس: الغلو في الصالحين (٢):
ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى الغلو في الصالحين، وقد حذرنا الله تعالى من الغلو في الدين عمومًا في العقائد والأعمال والعبادات فقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَ﴾ [النساء: ١٧١].
стр. 441
فهذه الآية وإن كان سياقها في أهل الكتاب السابقين إلا أن مدلولها ينطبق على هذه الأمة أيضًا إذ نهينا أن نسلك مسالكهم ونتبع سبيلهم وأن نتشبه بهم. وقد أخبر رسول الله ﷺ أن هذه الأمة ستتبع سنن من سبقها من الأمم فقال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا" (١).
وقد حذر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه من إطرائه والغلو في مدحه فقال في حديث عمر الطويل: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ورسوله" (٢) ومع هذا التحذير الواضح غلا فيه قوم، والذي ألجأهم إلى هذا الغلو "اعتقادهم أنه يكفِّر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة وكلما غلوا كانوا أقرب إليه فهم أعصى الناس لأمره" (٣).
وقال ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: "إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" (٤).
فهذا الحديث وإن كان سبب وروده في رمي الجمار، إلا أن لفظه عام، فهو يشمل التحذير من أنواع الغلو سواء في الاعتقادات أو الأعمال (٥).
ومن أنواعه الغلو في الصالحين أو فيمن يعتقد فيه الصلاح.
стр. 442
ولم يحذرنا الشارع الحكيم من الغلو في الصالحين إلا لحكم عظيمة وأسرار بالغة فمن ذلك أن الغلو في الصالحين هو السبب الرئيسي في انتشار الشرك.
أ - فالغلو في الصالحين هو السبب في أول شرك ظهر على وجه الأرض، فقد روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت (١).
وروى ابن جرير بإسناده إلى محمد بن قيس قال: "كانوا قومًا صالحين من بني آدم وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم" (٢).
وهكذا تدرج بهم الشيطان حتى عبدوا هؤلاء الصالحين، فالشيطان لا يأتي إلى الإنسان بالطريق المباشر ولكنه يأتي بحيل وأساليب متنوعة تؤدي في النهاية إلى الضلال نعوذ بالله منه.
فهو يتدرج "مع كل في عشه فقال لمن له انتماء ما إلى الشرع يقربونكم إلى الله زلفى ونحو ذلك، وكذلك عبادة سائر الأحجار يقال: سببها استعظام بعض أهل الحرم أن يغيبوا عن الحرم في سفرهم فأخرجوا منه حجرًا" (٣) ثم تدرج الشيطان في ذلك حتى عبدت الأحجار.
стр. 443
ب - ثم وقع الشرك بعد قوم نوح ﵇ في الأمم الأخرى بسبب الغلو في الصالحين أيضًا، فقد أخبرنا الله تعالى أن اليهود غلوًا في عزير وقالوا ابن الله وغلت النصارى في عيسى فقالوا: ابن الله تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [براءة: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ يشير إلى أن مثل هذا الغلو موجود في الأمم التي قبلهم لأن عبادة الأبطال والغلو فيهم موجودة في السابقين قبلهم (١).
ولم يقتصر غلو اليهود والنصارى على أنبيائهم فقد غلوا أيضًا في أحبارهم ورهبانهم قال تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [براءة: ٣١].
غلوا في الأحبار والرهبان فعبدوهم من دون الله إذ أطاعوهم في التحليل والتحريم كما في حديث عدي بن حاتم ﵁، قال ﷺ :
"أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه" (٢).
стр. 444
وهذا لا ينافي ما ثبت من أنهم عبدوهم أيضًا في غير التحليل والتحريم، لاسيما النصارى فإنه يوجد فيهم من يعبد القديسين ويدعوهم من دون الله تعالى وذلك كثير فيهم (١).
وذلك لأن الذي في حديث عدي ﵁ إنما هو نوع واحد من عباداتهم المتعددة الأنواع وليس حصرًا لأنواع العبادة التي وقعت منهم أو تقع منهم.
ويدل على ذلك عموم اللفظ في الآية، وعطف المسيح على الأحبار والرهبان وإن كان ذلك من دلالة الاقتران، وهي وإن كانت ضعيفة لكنها هنا لم تكن هي الدليل وحدها وذلك لأنهم لم يعبدوا المسيح بالطاعة فقط، بل عبدوه بكل أنواع العبادات ويؤيد عبادتهم لهم بغير الطاعة قوله ﷺ : "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح صوروا فيه تلك الصور. . ." (٢).
وهذه الأدلة تجعلنا نؤول حديث عدي عن ظاهره الذي يقتضي
стр. 445
حصر عبادتهم للأحبار والرهبان في الطاعة فقط.
جـ - ثم إن الشرك عندما وقع في مشركي العرب وقع بسبب الغلو في الصالحين أيضًا، ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، كان اللات رجلًا يلت سويق الحاج (١). وفي رواية ابن أبي حاتم زيادة كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه" (٢).
ونحو قول ابن عباس قول مجاهد: كان رجل يلت السويق فمات فاتخذ قبره مصلى (٣).
د - ثم إن الشرك عندما وقع في هذه الأمة المحمدية وقع بسبب الغلو في الصالحين، وهو أن أول شرك في هذه الأمة هو الشرك الذي وقع من السبئية الذين غلوا في علي ﵁ حتى ألهوه، وقالوا له أنت ربنا وخالقنا ورازقنا.
وهؤلاء قد أحرقهم علي ﵁ عندما لم يرجعوا عن قولهم بعد استتابتهم، فقد روى أبو طاهر (٤) المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: "قيل لعلي إن هنا قومًا على باب المسجد يدعون أنك ربهم فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟، قالوا: أنت ربنا
стр. 446
وخالقنا ورازقنا فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم أكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني فاتقوا الله وارجعوا فأبوا، فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام فقال: أدخلهم فقالوا كذلك، فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك … فخَدَّ لهم أخدودًا بين باب المسجد والقصر، وقال: احفروا فابعدوا في الأرض وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود، وقال: إني طار حكم فيها أو ترجعوا فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال:
إني إذا رأيت أمرًا منكرا … أوقدت ناري ودعوت قنبرا" (١)
وقد حسن الحافظ ابن حجر إسناد هذه القصة (٢) وأما أصل قصة الإحراق فقد أخرجها البخاري وغيره مختصرة بدون هذا التفصيل من طريق عكرمة: "أن عليًا ﵁ حرق قومًا فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لأن النبي ﷺ قال: "لا تعذبوا بعذاب الله" ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (٣).
وقد تبع هؤلاء السبئية الذين غلوا في علي إخوانهم الرافضة الذين غلوا في علي وأئمة أهل البيت ووصفوهم بصفات الربوبية، وأعطوهم حق التصرف في الكون وزعم بعض المعاصرين منهم سيطرتهم على
стр. 447
جميع ذرات هذا الكون وأن مقامهم لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
قال صاحب الحكومة الإسلامية:
"فإن للإمام مقامًا محمودًا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون. وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم ﷺ والأئمة (ع) كانوا قبل هذا العالم أنوارًا فجعلهم الله بعرشه محدقين … وقد ورد عنهم (ع) إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل" (١).
وهذا الغلو والإطراء الذي جاوز المعقول والمنقول متأصل في الرافضة، ويكفي للدلالة على ذلك الأبواب التي بوب بها الكليني في كافيه وهو أهم كتاب من كتب الشيعة الأصولية فمن أبوابه في كتاب الحجة من قسم الأصول:
باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه: ١/ ١٤٨.
باب أن الأئمة خلفاء الله في أرضه وأبوابه التي يؤتى منها: ١/ ١٤٩.
باب أن الأئمة نور الله : ١/ ١٥٠.
باب أن الأئمة ﵈ هم أركان الأرض: ١/ ١٥٢.
باب عرض الأعمال على النبي ﷺ والأئمة: ١/ ١٧٠.
باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم: ١/ ٢٠٢.
стр. 448
باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء: ١/ ٢٠٣.
وقد حوى في داخل هذه الأبواب أنواعًا من المبالغات التي لا يمكن أن يصدقه العقل فمن ذلك ما رواه بسنده إلى أبي عبد الله أنه كان مع جماعة من الشيعة في الحجر فقال: ورب الكعبة ورب البنية - ثلاث مرات - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى والخضر ﵉ أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله ﷺ وراثة" (١).
وروى أيضًا أن الروح المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ أنه خلق من خلق الله أعظم من جبريل وميكائيل كان مع رسول الله يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده (٢).
هذا ويكفينا من هذا كله مما يختص بموضوعنا - مسألة دعاء غير الله تعالى - ما أخرجه الكليني بسنده عن جعفر الصادق في قول الله تعالى: والله الأسماء الحسنى فادعوه بها نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد إلا بمعرفتنا (٣).
وأخرج أيضًا بإسناده إلى أبي الحسن - علي الرضا - في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ قال: نحن الأوصياء (٤).
стр. 449
وهذا الذي يقول به هؤلاء من الإدعاءات الكثيرة في أئمتهم ومدعويهم لا يصدقه العقل السليم ولكن الأمر كما قال الإمام الشاطبي ﵀:
"ولولا الغلو في الدين والتكالب على نصر المذهب، والتهالك في محبة المبتدع لما وسع ذلك عقل أحد" (١).
وقد وضح مما تقدم مدى ما وصل إليه غلو الروافض في أئمتهم ولم يصل إلى هذا الحد من الغلو في الصالحين في هذه الأمة أحد مثلهم. ثم قلدهم الصوفية فغلوا في شيوخهم ورفعوهم فوق منزلتهم، ومن طريق هاتين الفرقتين انتشرت الشركيات في هذه الأمة وانتشر الغلو في الصالحين وعباداتهم ودعاؤهم من دون الله تعالى.
وهذا ليس افتراء على هاتين الفرقتين بل يشهد بذلك التاريخ الصحيح.
فالشيعة هم أول من اعتنى بالمشاهد وتزيينها وزخرفتها مع تعطيلهم للمساجد فمن ذلك ما ذكره الإمام أحمد ﵀ مما يقع عند قبر الحسين بكربلاء (٢).
وما ذكره المؤرخون في حوادث سنة ٢٣٦ هـ من هدم المتوكل قبر الحسين لأنه كان مزارًا للناس، وقد أنذر صاحب شرطته الناس بأنه "من وجد عند قبره بعد ثلاث بعثناه إلى المطبق" (٣) فلم يبق هناك بشر واتخذ ذلك الموقع مزرعة تحرث وتستغل (٤).
ومما يؤكد هذا أن إخوان الصفا مع فسادهم وانحلالهم يتهمون الشيعة بأن منهم من جعل التشيع مكسبًا مثل النائحة والقصاص، وجعلوا شعارهم لزوم المشاهد وزيارة القبور (٥).
стр. 450
وقد صرح المؤرخون الموثوقون بأن الروافض هم السبب في نشر الشركيات في هذه الأمة حيث تأثر بهم المتصوفة ومن طريقهم انتشر في عوام المسلمين.
قال ابن خلدون: "ثم حدث أيضًا عند المتأخرين من الصوفية الكلام في الكشف وفيما وراء الحس، وظهر منهم القول بالحلول والوحدة، فشاركوا فيها الإمامية والرافضة لقولهم بألوهية الأئمة، وحلول الإله فيهم.
وظهر منهم القول بالقطب والأبدال، وكأنه يحاكي مذهب الرافضة في الإمام والنقباء وأشربوا أقوال الشيعة وتوغلوا في الديانة بمذهبهم حتى جعلوا مستند طريقهم في لبس الخرقة أن عليًا ﵁ ألبسها الحسن البصري … ولا يعلم هذا من وجه صحيح" (١).
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالته إلى السويدي (٢):
إن أول من أدخل الشرك في هذه الأمة هم الرافضة الملعونة الذين يدعون عليًا وغيره، ويطلبون منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات (٣).
وقال في كتاب التوحيد: "وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد" (٤).
وقال أحد الشيعة المعاصرين معترفًا بهذه الحقيقة: "والحقيقة أن للغلو والتصوف هدفًا مشتركًا هو أن يكون للإنسان موضع قدم في
стр. 451
الإلهية، وتصريف شؤون الدين والدنيا بقدرة غيبية وهذا هو السبب الذي من أجله رفع الأئمة أولًا إلى الإلهية، وارتفع رؤساء مدارس الغلو إلى النبوة، ثم استقلوا فارتفعوا إلى الإلهية بأنفسهم، والتصوف يهدف إلى هذه النتيجة" (١).
وهذا اعتراف صريح بتأثر التصوف بالتشيع وأن هدفهما عبادة الإنسان والغلو فيه لكن تخصيص الغلاة من الروافض بهذه العقيدة غير صحيح كما يريده صاحب هذا الكلام، بل الواقع يدل على أن أغلب الشيعة من الغلاة، وقلّ أن يوجد فيهم معتدل إلا ما كان في القرون الأولى كما قاله الذهبي ﵀ (٢).
هذا فمن الغلو الذي عند المتصوفة دعاويهم الباطلة لأنفسهم، فمنهم من يدعو إلى عبادته والاستغاثة به من دون الله تعالى ومنهم من يغلو في شيخه ويرفعه فوق منزلته ويصفه بأوصاف الربوبية التي لا يستحقها إلا الله تعالى.
ومن أمثلة ذلك الحكاية التي تحكى عن معروف الكرخي وهي أنه أمر ابن أخيه بقصد قبره للدعاء (٣).
ومن ذلك ما نقل عن الشبلي من قوله لمن خرج من عنده: "مروا وأنا معكم حيثما كنتم وأنتم في رعايتي وكلاءتي" (٤).
وقوله: "إن محمدًا يشفع في أمته، وأشفع بعده في النار حتى لا يبقى فيها أحد" (٥).
стр. 452
ومن ذلك ما ذكر عن عبد السلام بن مشيش أنه قال للشاذلي عندما زاره: يا علي طلعت إلينا فقيرًا من علمك وعملك فأخذت منا غنى الدنيا والآخرة (١).
فانظر إلى هذه الحكاية إن صحت إلى أي مدى بلغت الوقاحة بهذا الرجل حتى يدعي أنه يعطي غنى الدنيا والآخرة، وما الذي بقي الله؟ سبحانه وتعالى عما يصفون.
ونحوه قول الشبلي: "إن الله عبادًا لو بزقوا على جهنم - لأطفأوها" (٢).
وقول أحدهم: "لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة" (٣).
ومن ذلك ما قاله أحدهم في البدوي:
يا من رماه الدهر بالإزعاج … ناد بعزم يا أبا فراج
فهو الأمان من الحوادث إن أتت … وهو الملاذ لنا وعون الراجي
وهو المراد إذا الخطوب تراكمت … وهو المجيب لدعوة المحتاج
وهو الطبيب لنا ومرهم طبه … يبري ضعيف الحال دون علاج (٤)
وقال آخر أيضًا فيه:
وهو المجيب لسائل يتوسل … إذ باسمه عند المخاوف يهتف
وهو الملاذ إذا الخطوب تراكمت … وهو المعاذ في الشدائد يعرف
وهو الذي في الكرب يكشف غمه … وهو الذي للسوء عنا يصرف
стр. 453
وهو الذي تلقى السعادة عنده … وهو الذي يحنو عليك ويعطف
وهو الذي عمن أتى أعتابه … كل المخاوف والمتاعب يكشف (١)
والحاصل أن الغلو في الصالحين من الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى في العالم الإسلامي.
وقد أمرنا الشارع هذه الأمة الوسطية بالتوسط في الصالحين بدون إفراط ولا تفريط لا نرفعهم فوق منزلتهم التي يستحقونها، ولا ننزلهم عن المنزلة التي أنزلهم الله تعالى بها، وقد ذكر الإمام مسلم ﵀ في مقدمة صحيحه حديث عائشة ﵂: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم" (٢).
فأهل السنة والجماعة يرون محبة الصالحين وتوقيرهم واحترامهم والترحم عليهم والترضي عنهم عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، كما أن أهل السنة لا يرفعونهم فوق المنزلة التي يستحقونها فهم وسط في باب محبة الصالحين كما هم وسط في جميع أبواب الاعتقادات والأعمال بين الفرق الضالة كما أن هذه الأمة المحمدية وسط بين سائر الأمم.
السبب السابع: تأثر المسلمين بمن اختلط بهم من أصحاب الديانات الأخرى:
لقد تأثر المسلمون بمن جاورهم واختلط بهم في بلادهم الواسعة على مدى التاريخ حيث يجاورهم اليهود والنصارى والبوذيون والهنادك وغيرهم من الوثنيين.
تأثر المسلمون باليهود والنصارى في تعظيم القبور والمشاهد لأن
стр. 454
هاتين الطائفتين تعظمان القبور والمشاهد، قال ﷺ : "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" (١).
والنصارى أشد غلوًا في ذلك من اليهود كما في الصحيحين: "أن النبي ﷺ ذكرت عنده أم حبيبة وأم سلمة ﵄ كنيسة رأينها بأرض الحبشة وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله (٢) ".
وقد أضلوا كثيرًا من جهال المسلمين حتى صاروا يُعَمِّدُون (٣) أولادهم، ويزعمون أن ذلك يوجب طول العمر والولد، وحتى جعلوهم يزورون ما يعظمونه من الكنائس والبيع، حتى صار كثير من جهال المسلمين ينذرون للمواضع التي يعظمها النصارى كما قد صار كثير من جهالهم يزورون كنائس النصارى ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهبانهم (٤) وهذا التعظيم للقبور والمشاهد يؤدي في النهاية إلى عبادتها ودعائها من دون الله تعالى كما هو الواقع.
كما أن المسلمين تأثروا بأصحاب الديانات الأخرى مثل البوذية والهندوسية.
وذلك عن طريق المتصوفة الذين أخذوا مذهبهم عن البوذية والهندوسية وغيرهم من الوثنيين ثم ألبسوه ثوبًا إسلاميًا بالزور والبهتان، وقسموا الدين إلى الحقيقة والشريعة فادعوا أنهم أصحاب الحقيقة وأنهم
стр. 455
وصلوا إلى اليقين فسقطت عنهم التكاليف الشرعية التي هي للعوام فبذلك أباحوا لأنفسهم المحرمات وترك الواجبات ويحتمل أن بعض المسلمين تأثروا بفكرة الفرس القائلة بأن ملوكهم الساسانيين كائنات إلهية اصطفاهم الله للحكم وخصهم بالسيادة وأيدهم بروح منه فهم ظل الله في أرضه" (١).
فتأثر بعض المسلمين باعتقاد تلك المعتقدات في بعض أئمة آل البيت ثم في غيرهم من الصالحين.
فتأثر هؤلاء المتصوفة بالمذاهب القديمة واضح جدًّا لأن المذاهب الباطلة هي السائدة بينهم تفوح منها رائحة الغنوصية تارة، والهندية تارة أخرى أو النصرانية في بعض اتجاهاتها، وإذا وجدنا في كلامهم نصوصًا إسلامية فهي مبتورة ملتوية المعنى من فرط اختفائها وراء التأويل" (٢).
ولكون تأثرهم واضحًا جليًا لا يحتاج الباحث فيه إلى كبير عناء ومشقة في إثبات وجود عناصر غريبة عن حقائق الإسلام والإيمان، ففي التصوف عناصر لا تمت إلى الإسلام بصلة وإنما هي من أفكار المذاهب القديمة التي تسربت إلى المتصوفة (٣).
ومن طريقهم تسربت تلك الأفكار الهدامة إلى الأمة الإسلامية فانتشر الشرك والبدع.
ومن هذا النوع رواسب الجاهلية وتقاليدها وعاداتها التي بقيت في بعض الأقطار التي دخلت في الإسلام، ولكن تلك الأعراف والعادات لا
стр. 456
زال لها آثار باقية وتأثير مستمر في نشر الشرك والبدعة والخرافات.
ومن تلك الأعراف الجاهلية السجود أمام الملوك والعظماء والمشايخ للتحية، وتقبيل الأرض (١)، وخلع النعال، وكشف الرأس، والانبطاح على الأرض (٢).
ومن تلك الأعراف وضع تماثيل منحوتة في الميادين العامة أو على القبور (٣).
والحاصل أن هذه الأمور كانت عادات وتقاليد لبعض الأقطار قبل الإسلام وبقيت في تلك الأقطار، وهذه الرواسب الجاهلية في تعظيم العظماء ومن يعتقد فيهم الصلاح تؤدي في النهاية إلى عبادتهم ودعائهم من دون الله تعالى.
وهذا يشهد له الواقع التاريخي قديمًا وحديثًا.
وبهذا يتبين أن اختلاط المسلمين بغيرهم ومساكنتهم لهم ودخول كثير منهم في الإسلام مع بقاء بعض العادات الجاهلية، من إحدى الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى.
السبب الثامن: الأغراض الدنيوية والشهوات النفسية:
ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى الأغراض
стр. 457
الدنيوية والأهواء النفسية، ومن تلك الأغراض الدنيوية: الاسترزاق والتكسب من أصحاب الأغراض الفاسدة والأهواء الباطلة، فالسدنة حول القبور لهم أثر كبير في تزيين دعاء صاحب القبر بحكاية الكرامات، وخوارق العادات وذلك في الغالب كذب وزور وافتراء.
قال الإمام الشوكاني ﵀: "وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذور ويستدروا منهم الأرزاق ويقتنصوا النحائر ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولونه ويجعلون ذلك مكسبًا ومعاشًا وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات ويجعلون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه ويوقدون في المشهد الشموع، ويوقدون فيه الأطياب ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يتجمع فيها الجمع الجم فيبهر الزائر ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم وتكالبهم على القرب من الميت والتمسح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به والالتجاء إليه وسؤاله قضاء الحاجات ونجاح الطلبات مع خضوعهم واستكانتهم وتقريبهم إليه نفائس الأموال ونحرهم أصناف النحائر" (١).
وقد يصل الأمر بالمزورين إلى أن يضعوا أحاديث مكذوبة على النبي ﷺ أو على الصحابة أو على لسان كبار العلماء ترويجًا لقصد المزور للدعاء عنده أو دعائه والاستغاثة به، ومن ذلك ما ذكره ابن القيم ﵀
стр. 458
في صخرة بيت المقدس حيث قال: وكل حديث في الصخرة فهو كذب ومفترى، والقدم التي فيها كذب موضوع مما عملته أيدي المزورين الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين" (١).
ومن تلك الأغراض والأهواء الفاسدة طلب الجاه والشرف والمكانة في قلوب العامة من سدنة الأضرحة الذين يخافون أن يذهب جاههم وشرفهم إذا ترك الناس عبادة القبور.
فإن السدنة يعدون لدى العامة الزائرين من أهل الشرف والمكانة دينيًا واجتماعيًا، فإذا سافروا ومروا على القرى والمدن فأهل تلك الناحية يجتمعون للقائهم والتبرك بهم وإعطاء الصدقات والنذور إليهم وتقبيل أيديهم للتبرك بهم ويعدون ضيافتهم وإكرامهم من أهم القربات إلى الولي.
ثم إن أحد هؤلاء السدنة لو طلب من شخص ماله فلا بد أن يعطيه وربما لا يملك إلا إياه ومع هذا لا يستطيع منعه خوفًا على نفسه من غضب السادن ثم يغضب بسببه الولي.
والحاصل أن للسدنة أثرًا واضحًا في تزيين دعاء صاحب القبر فهم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر الذي يرونه عند القبر فبدلًا عن هذا يزينون دعاء الولي والاستغاثة به.
ومن صور الأهواء النفسية سهولة هذه الأوضاع والرسوم الشركية على النفس البشرية واستصعابها للتكاليف الشرعية فإن العوام يعتقدون أن الولي يحتمل الذنوب وإن زيارته كفارة للآثام والخطايا، وإن شفاعته مضمونة لمريديه وأحبابه فلا حاجة للتقيد بالأمور الشرعية، فإنه يغني عنه دعاء الولي والاستغاثة به وزيارته فغرتهم الأماني الكاذبة على الله تعالى قال ابن عقيل الحنبلي (٢) ﵀:
стр. 459
لما صعبت التكاليف على الجهال والطَّغَامِ عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزّى" (١).
فهذه الأوضاع توافق أهواء الناس ورغباتهم ولا تكلفهم الكثير من المشاق.
ومن صور الشهوات النفسية ما يحصل في كثير من أعياد ومواليد أصحاب الأضرحة من اختلاط النسوان بالمردان وخروج المحجبات وانتشار أنواع الفساد وما يتسبب عن ذلك من مفاسد دينية وأخلاقية لا يعبر عنها القلم (٢).
فكثير من الشباب والشابات يقصدون عيد الولي لعله يكون هناك لقاء ما ثم يتكرر ذلك منهم حتى يصير عادة ثم عبادة لا يستطيعون تأخر سنة عن عيد الولي خوفًا من الولي من جهة ولاستصحاب العوائد من جهة أخرى.
السبب التاسع: التعصب والحمية الجاهلية:
ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى التعصب لجيل الآباء والأجداد والحمية الجاهلية والأنفة والاستكبار عن اتباع الحق، وذلك لأنه قد يظهر الحق لبعض الناس في عدم جواز دعاء غير الله تعالى والتوسل البدعي وقصدِ الأضرحة للدعاء ولكن لا يمتثل الحق الذي ظهر له تعصبًا لمذهبه وعادات قومه ومألوفاته.
стр. 460
وهذا التعصب ناشيء عن التكبر والاستعلاء تارة، وعن الحسد تارة، وعن خوف لحوق العار به وبالمشايخ تارة، فيكون ذلك التعصب ناشئًا عن الكبر حيث يرى أن الداعي إلى الحق أقل منه علمًا وجاهًا ومركزًا في القوم وهذا غالب على بعض علماء السوء الذين يجيزون الاستغاثة بغير الله حيث يرون أن الدعاة إلى الحق كانوا طلبة صغارًا تخرجوا عليهم ثم إن هؤلاء الطلبة ربما درسوا في بعض الجامعات التي المنهج الصحيح في العقيدة فإذا رجعوا إلى بلادهم ودعوا إلى العقيدة الصحيحة وترك دعاء الأولياء وقف ضدهم مشايخ السوء تعصبًا وتكبرًا عن اتباع الطالب الذي كان يدرس عندهم ثم صار يدعو لما يخالف مذهبهم فيستكبرون عن اتباع تلميذهم وينطبق على هؤلاء قوله تدرس تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].
وقد يكون ذلك ناشئًا عن الحسد لأن المتعصب يخاف ذهاب جاهه واحتلال الداعي إلى تصحيح العقيدة مكانه وترك الناس له، فيمتنع عن اتباع الحق خوفًا من ذهاب جاهه وحسدًا وبغيًا كما فعل أهل الكتاب مع النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقد يكون ناشئًا عن خوف لحوق العار به وبمن سبقه من أسلافه من مشايخه وآبائه فلو ترك مذهبهم خاف أن يلحقهم العار.
هذا وإن هذه الأسباب وغيرها مما لم تذكر قد أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى في العالم الإسلامي على الوجه الذي نراه اليوم في أنحاء العالم الإسلامي.
وإن الشيطان قد زين لابن آدم هذا الشرك ووسائله وأسبابه بطرق متعددة وأساليب متنوعة حتى أوقعه في حبائل الشرك، ولا يسلم من ذلك إلا من عصمه الله وجعله من عباده الصالحين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فنسأل الله تعالى أن يحفظنا منه إنه سميع قريب وهو ولي التوفيق ..