← Акыда

Акыда · id 1201

الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية

جيلان بن خضر العروسي

Полный текст (973 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

زال لها آثار باقية وتأثير مستمر في نشر الشرك والبدعة والخرافات. ومن تلك الأعراف الجاهلية السجود أمام الملوك والعظماء والمشايخ للتحية، وتقبيل الأرض (١)، وخلع النعال، وكشف الرأس، والانبطاح على الأرض (٢). ومن تلك الأعراف وضع تماثيل منحوتة في الميادين العامة أو على القبور (٣). والحاصل أن هذه الأمور كانت عادات وتقاليد لبعض الأقطار قبل الإسلام وبقيت في تلك الأقطار، وهذه الرواسب الجاهلية في تعظيم العظماء ومن يعتقد فيهم الصلاح تؤدي في النهاية إلى عبادتهم ودعائهم من دون الله تعالى. وهذا يشهد له الواقع التاريخي قديمًا وحديثًا. وبهذا يتبين أن اختلاط المسلمين بغيرهم ومساكنتهم لهم ودخول كثير منهم في الإسلام مع بقاء بعض العادات الجاهلية، من إحدى الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى. السبب الثامن: الأغراض الدنيوية والشهوات النفسية: ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى الأغراض

стр. 457

الدنيوية والأهواء النفسية، ومن تلك الأغراض الدنيوية: الاسترزاق والتكسب من أصحاب الأغراض الفاسدة والأهواء الباطلة، فالسدنة حول القبور لهم أثر كبير في تزيين دعاء صاحب القبر بحكاية الكرامات، وخوارق العادات وذلك في الغالب كذب وزور وافتراء. قال الإمام الشوكاني ﵀: "وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذور ويستدروا منهم الأرزاق ويقتنصوا النحائر ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولونه ويجعلون ذلك مكسبًا ومعاشًا وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات ويجعلون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه ويوقدون في المشهد الشموع، ويوقدون فيه الأطياب ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يتجمع فيها الجمع الجم فيبهر الزائر ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم وتكالبهم على القرب من الميت والتمسح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به والالتجاء إليه وسؤاله قضاء الحاجات ونجاح الطلبات مع خضوعهم واستكانتهم وتقريبهم إليه نفائس الأموال ونحرهم أصناف النحائر" (١). وقد يصل الأمر بالمزورين إلى أن يضعوا أحاديث مكذوبة على النبي ﷺ أو على الصحابة أو على لسان كبار العلماء ترويجًا لقصد المزور للدعاء عنده أو دعائه والاستغاثة به، ومن ذلك ما ذكره ابن القيم ﵀

стр. 458

في صخرة بيت المقدس حيث قال: وكل حديث في الصخرة فهو كذب ومفترى، والقدم التي فيها كذب موضوع مما عملته أيدي المزورين الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين" (١). ومن تلك الأغراض والأهواء الفاسدة طلب الجاه والشرف والمكانة في قلوب العامة من سدنة الأضرحة الذين يخافون أن يذهب جاههم وشرفهم إذا ترك الناس عبادة القبور. فإن السدنة يعدون لدى العامة الزائرين من أهل الشرف والمكانة دينيًا واجتماعيًا، فإذا سافروا ومروا على القرى والمدن فأهل تلك الناحية يجتمعون للقائهم والتبرك بهم وإعطاء الصدقات والنذور إليهم وتقبيل أيديهم للتبرك بهم ويعدون ضيافتهم وإكرامهم من أهم القربات إلى الولي. ثم إن أحد هؤلاء السدنة لو طلب من شخص ماله فلا بد أن يعطيه وربما لا يملك إلا إياه ومع هذا لا يستطيع منعه خوفًا على نفسه من غضب السادن ثم يغضب بسببه الولي. والحاصل أن للسدنة أثرًا واضحًا في تزيين دعاء صاحب القبر فهم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر الذي يرونه عند القبر فبدلًا عن هذا يزينون دعاء الولي والاستغاثة به. ومن صور الأهواء النفسية سهولة هذه الأوضاع والرسوم الشركية على النفس البشرية واستصعابها للتكاليف الشرعية فإن العوام يعتقدون أن الولي يحتمل الذنوب وإن زيارته كفارة للآثام والخطايا، وإن شفاعته مضمونة لمريديه وأحبابه فلا حاجة للتقيد بالأمور الشرعية، فإنه يغني عنه دعاء الولي والاستغاثة به وزيارته فغرتهم الأماني الكاذبة على الله تعالى قال ابن عقيل الحنبلي (٢) ﵀:

стр. 459

لما صعبت التكاليف على الجهال والطَّغَامِ عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزّى" (١). فهذه الأوضاع توافق أهواء الناس ورغباتهم ولا تكلفهم الكثير من المشاق. ومن صور الشهوات النفسية ما يحصل في كثير من أعياد ومواليد أصحاب الأضرحة من اختلاط النسوان بالمردان وخروج المحجبات وانتشار أنواع الفساد وما يتسبب عن ذلك من مفاسد دينية وأخلاقية لا يعبر عنها القلم (٢). فكثير من الشباب والشابات يقصدون عيد الولي لعله يكون هناك لقاء ما ثم يتكرر ذلك منهم حتى يصير عادة ثم عبادة لا يستطيعون تأخر سنة عن عيد الولي خوفًا من الولي من جهة ولاستصحاب العوائد من جهة أخرى. السبب التاسع: التعصب والحمية الجاهلية: ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى التعصب لجيل الآباء والأجداد والحمية الجاهلية والأنفة والاستكبار عن اتباع الحق، وذلك لأنه قد يظهر الحق لبعض الناس في عدم جواز دعاء غير الله تعالى والتوسل البدعي وقصدِ الأضرحة للدعاء ولكن لا يمتثل الحق الذي ظهر له تعصبًا لمذهبه وعادات قومه ومألوفاته.

стр. 460

وهذا التعصب ناشيء عن التكبر والاستعلاء تارة، وعن الحسد تارة، وعن خوف لحوق العار به وبالمشايخ تارة، فيكون ذلك التعصب ناشئًا عن الكبر حيث يرى أن الداعي إلى الحق أقل منه علمًا وجاهًا ومركزًا في القوم وهذا غالب على بعض علماء السوء الذين يجيزون الاستغاثة بغير الله حيث يرون أن الدعاة إلى الحق كانوا طلبة صغارًا تخرجوا عليهم ثم إن هؤلاء الطلبة ربما درسوا في بعض الجامعات التي المنهج الصحيح في العقيدة فإذا رجعوا إلى بلادهم ودعوا إلى العقيدة الصحيحة وترك دعاء الأولياء وقف ضدهم مشايخ السوء تعصبًا وتكبرًا عن اتباع الطالب الذي كان يدرس عندهم ثم صار يدعو لما يخالف مذهبهم فيستكبرون عن اتباع تلميذهم وينطبق على هؤلاء قوله تدرس تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. وقد يكون ذلك ناشئًا عن الحسد لأن المتعصب يخاف ذهاب جاهه واحتلال الداعي إلى تصحيح العقيدة مكانه وترك الناس له، فيمتنع عن اتباع الحق خوفًا من ذهاب جاهه وحسدًا وبغيًا كما فعل أهل الكتاب مع النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقد يكون ناشئًا عن خوف لحوق العار به وبمن سبقه من أسلافه من مشايخه وآبائه فلو ترك مذهبهم خاف أن يلحقهم العار. هذا وإن هذه الأسباب وغيرها مما لم تذكر قد أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى في العالم الإسلامي على الوجه الذي نراه اليوم في أنحاء العالم الإسلامي. وإن الشيطان قد زين لابن آدم هذا الشرك ووسائله وأسبابه بطرق متعددة وأساليب متنوعة حتى أوقعه في حبائل الشرك، ولا يسلم من ذلك إلا من عصمه الله وجعله من عباده الصالحين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فنسأل الله تعالى أن يحفظنا منه إنه سميع قريب وهو ولي التوفيق ..

стр. 461

الفصل الثاني في مراتب الدعاء غير المشروع، ومظاهر غلو المتأخرين فيه وحكم من دعا غير الله ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في مراتب الدعاء غير المشروع، وحكم كل مرتبة. المبحث الثاني: في مظاهر غلو المتأخرين في دعاء غير الله . المبحث الثالث: في حكم من دعا غير الله تعالى وذكر أقوال العلماء في ذلك.

стр. 462

المبحث الأول في مراتب الدعاء غير المشروع وحكم كل مرتبة إن الدعاء غير المشروع تتفاوت مراتبه ودرجاته، فليس كله على مرتبة واحدة فمنه ما هو في أعلى مراتب الشرك يخرج صاحبه من الملة، ومنه ما هو قريب من ذلك ومنه ما هو بدعة. ولا بد من بيان كل مرتبة على حدة حتى تتميز تلك المراتب بعضها عن بعض ولا يحصل تداخل بينها فيحصلَ لَبْس وشبهة لبعض الناس الذين لا يميزون بين تلك المراتب فيظنونها مرتبة واحدة. ومن هنا صار هذا البيان أمرًا ضروريًا لأن الإنسان ربما يقع في مرتبة من تلك المراتب فيظنها معصية صغيرة، بينما هي في الحقيقة كفر محض وشرك، واضح بل يظن بعض المسلمين ما هو من الشرك الواضح قربة وطاعة وعبادة. وذلك لغلبة الجهل بضروريات الإسلام وأساسه الذي هو كلمة الإخلاص وما تقتضيه وما يناقضها أو يناقض كمالها. فوجَبَ على من يعرف حقيقة ذلك شَرْحُه وتَوْضيحه حتى يَعْرِفَ من لا يعرف وحتى تقوم الحجة وتبرأ الذمة ويهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة. ثم إن هذه المراتب قد تدرج الشيطان في تزيينها لابن آدم فيزين له

стр. 463

أخفها وأسهلها أولًا، ثم ينقله إلى درجة أخرى حتى يصل إلى مرتبة متناهية في البعد عن الإسلام فيخرجه عن الملة الحنيفية السمحة إلى ملة الكفر والشرك، وذلك أن الشيطان - بلطف كيده - يُحَسِّنُ أولًا الدعاء عند القبر وأنه أرجح منه في بيته ومسجده فإذا تقرر هذا عنده نقله إلى درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به والاقسام على الله به، ثم إذا تقرر هذا عنده نقله إلى دعائه نفسه، ثم ينقله إلى أن يتخذ قبره وثنًا، يعكف عليه ويسجد له ويطوف به، وحتى يرى الصلاة إليه أفضل من الصلاة إلى القبلة ويقول: هذه قبلة الخواص والكعبة قبلة العوام، ثم ينقله حتى يعتقد أن الزيارة إليه أفضل من حج البيت مرات متعددة، ثم ينقله إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدًا ومنسكا (١). ونحن نذكر هذه المراتب بالإجمال ثم بالتفصيل وهي كالآتي: ١ - سؤال الميت حاجة. ٢ - سؤال الحي الغائب. ٣ - سؤال الحي الحاضر. ٤ - سؤال الميت أن يدعو الله له. ٥ - سؤال الحي الغائب أن يدعو الله له. ٦ - سؤال الحي الحاضر أن يدعو الله له. ٧ - سؤال الله تعالى بغير أسمائه الحسنى وصفاته العليا. ٨ - سؤال الله تعالى عند قبر نبي أو ولي أو ما يعتقد كذلك. ٩ - سؤال غير الله تعالى مع الله تعالى بالعطف والمشاركة. ١٠ - سؤال غير الله تعالى بنية الشفاعة والوساطة. وهذه هي أقسام المراتب بالإجمال، وهناك اعتبار آخر لتقسيم

стр. 464

السؤال فيقال: ١ - إما أن يسأل الله تعالى فقط. ٢ - أو أن يسأل المخلوق فقط. ٣ - أو أن يسألهما جميعًا. ٤ - أو أن يسأل سؤالًا مطلقًا ولا يعين المسؤول (١). ونحن هنا نختار التقسيم الأول لأنه مفصل فنقول وبالله التوفيق: المرتبة الأولى (٢): وهي أن يسأل الميت حاجة أو يستغيث به فيها: وذلك بأن يسأل الميت تفريج الكربات، ونيل المرادات، والحصول على الطلبات والوصول إلى الرغبات. مثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض دوابه، أو يَقْضِي دَيْنَه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه. كأن يقول أحدهم: يا سيدي فلان أغثني، أو أستغيث بك أو أستجير بك، أو أعوذ بك، أو انصرني على عدوي، أو ارزقني ولدًا، أو وسع علي رزقي أو غير ذلك. وقد يغالي بعضهم حتى يطلب من الميت هداية القلوب، وغفران الذنوب وحسن الخاتمة وتسهيل أمور الآخرة من ضيق القبر، وسؤال الملكين والجواز على الصراط والنجاة من النار.

стр. 465

ومما ينبغي أن يعلم أن الاستغاثة بالميت لا تجوز مطلقًا أي في الأشياء التي يقدر عليها في الحياة وفيما لا يقدر عليه. قال شيخ الإسلام: "فالاستغاثة المنفية نوعان: أحدهما الاستغاثة بالميت مطلقًا في كل شيء، والثاني الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق" (١). وهذه المرتبة لها صورتان: الصورة الأولى: أن يسأل الميت وقد حضر عند قبره ووقف عليه أو قدام شباكه أو أمام باب القبة. وهذا كالذي يقع من الزائرين عند الأضرحة والقباب والمشاهد حيث يصرخون وينادون ويستغيثون بصاحب القبر ويقولون: يا أيها الولي الفلاني أنا ببابك أرجو منك أن تفعل لي كذا وكذا. الصورة الثانية: أن يسأل الميت ويستغيث به ويناديه من مكان بعيد، ومسافات شاسعة بينه وبين المستغاث به الصحارى والفيافي والجبال بل البحار مما لم يجر الله العادة على سماع الرجل الحي للنداء والاستغاثة من مثل تلك الأمكنة فضلًا المقبور الساكن تحت الأجداث والجنادل عن والتراب، والذي هو في شغل شاغل إما بالنعيم أو بالجحيم إذ القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. حكم هذه المرتبة: هذه المرتبة أبعد هذه المراتب عن الشرع وهي شرك صريح وكفر بواح يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل (٢).

стр. 466

والسبب في كون هذه المرتبة شركًا وجهان (١) في الأولى وثلاثة أوجه في الثانية. الوجه الأول: أن الداعي في هذه المرتبة نادى غير الله تعالى، ووَجَّه طلبه وقَلْبَه إلى غير الله تعالى واستغاث به طالبًا كشف ضره، أو جلب نفع له مما لا يقدر عليه غير الله تعالى. وهذا هو الدعاء الذي هو العبادة ولبها ومخها وقطب رحاها، فَصَرْفُ هذا الله تعالى عبادة وطاعة وإخلاص وتوحيد، وصَرْفُه لغير الله تعالى شركٌ وضلال وكفر وتنديد. الوجه الثاني: أن هذا الداعي اعتقد في المدعو قوة غيبية، وسلطانًا غيبيًا، وتأثيرًا بالقوة الغيبية التي ليست من جنس قوة البشر، ولا من صفاتهم، لأنه اعتقد للمدعو أنه يقدر على إيصال النفع، أو دفع الضر عنه بقوة غيبية لا ترى ولا تلامس الأشياء الملامسة المعروفة لدى البشر. وهذه الصفة خاصة بالله تعالى لا تليق بغيره سبحانه وتعالى عما يشركون. فَاعْتقادُهَا الله وإفراده بالاتصاف بها، توحيد وإخلاص وعبادة، واعتقاد اتصاف الغير بها شرك وضلال. وهذان الوجهان موجودان في الصورتين جميعًا وتزيد الصورة الثانية وجهًا ثالثًا وهو ما يأتي: الوجه الثالث: أن الداعي اعتقد علم الغيب، والسمع والبصر المحيطين لغير الله تعالى حيث ناداه من مكان بعيد، وهذا الاعتقاد صرف لصفات الجلال والجمال - التي لا تليق بغير الله تعالى ولا يمكن أن

стр. 467

يتصف بها أحد إلا إياه - إلى المدعو الضعيف الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم الغيب، وهذا هو الشرك بعينه وسيأتي إن شاء الله تعالى نقل كلام العلماء في كفر من اعتقد علم الغيب لغيره تعالى (١). وهذا الوجه الثالث لا يلزم في الصورة الأولى لأن العلماء اختلفوا في سماع الأموات عند قبورهم والمسائل الاجتهادية يعذر فيها المخالف إذا اختار أحد الأوجه المختلف فيها فلهذا لا يمكن أن يعترض بالوجه الثالث عليهم وإنما يلزمهم الوجهان الأولان فقط. والحاصل أن أهل هذه المرتبة من جنس عباد الأصنام فلا فرق بينهم وبين المشركين ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت المستغاث به كما كان يتمثل لعباد الأصنام وأهل الكتاب من أصناف المشركين، وقد يدعو أحدهم ويستغيث بمن يعظمه فيأتيه الشيطان على صورته أحيانًا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة على صورة المكاشفة كما كان يخاطب الكهان وقد يرى أحدهم القبر قد انشق وخرج منه الميت فعانقه أو صافحه أو كلمه فيظن أن الميت هو الذي فعل ذلك أو يظن أن الله صور ملكًا على صورته، ويقول أحدهم: هذا سر الشيخ وحاله. وفي الحقيقة إنما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به المستغيث به كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم كما كان ذلك في مشركي العرب قبل الإسلام وفي غيرهم من أصناف المشركين وأهل الكتاب (٢).

стр. 468

المرتبة الثانية: أن يسأل الحي الغائب ويناديه ويستغيث به من مسافات بعيدة. وهذه المرتبة لها صورتان: الصورة الأولى: أن يسأله ما يقدر عليه لو كان حاضرًا غير بعيد، مثل أن يسأله مساعدته في ضائقة مالية أو يطعمه من جوع، أو يكسوه من عري، أو ينقذه من بئر وقع فيه. هذا كله فيما إذا كان المدعو المستغاث به يستطيع أن يغيث الداعي بقوته البشرية العادية. وأما إذا كان الداعي يريد من المدعو أن يغيثه بقوته التي فوق قوة البشر وطاقتهم فهو من الصورة الثانية. فهذه الصورة الأولى يوجد فيها من المحاذير اعتقاد علم الغيب لغير الله تعالى واعتقاد سمع المدعو لنداء الغائب وصراخه وغواثه، وهذا يقتضي أن له سمعًا محيطًا شاملًا للداعي وأحواله بل ربما للكون كله. كما أن فيه من المحذور تعليق القلب بغير الله تعالى في السر والعلن، وتوجيه النيات والإرادات والقصود إلى من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيره. الصورة الثانية: أن يسأله ما لا يقدر عليه لو كان حاضرًا مثل أن يسأله شفاء المريض، وإزالة موت نزل به وإهلاك عدو، وتوسعة في الرزق، وقد يصل الأمر إلى أن يطلب منه هداية القلوب وغفران الذنوب. فهذه الأمور يعتقد الداعي فيها أن المدعو يستطيع التأثير فيها بقوته التي فوق مستوى البشر سواء اعتقد أن تلك القوة مستقلة في التأثير أو سبب وشافعة وواسطة له (١). كما كان يعتقده كفار قريش في الأصنام

стр. 469

حيث يعتقدون فيها الوساطة قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. حكم هذه المرتبة: هذه المرتبة هي أيضًا من الشرك بل هي من أعظم الشرك (١) وذلك لوجهين (٢) في الصورة الثانية، ولوجه واحد في الأولى، ففي الصورة الثانية يوجد صرف لب العبادة الذي هو الدعاء لغير الله تعالى، وصرف العبادة لغير الله شرك هذا هو الوجه الأول، والوجه الثاني أن الداعي اعتقد علم الغيب وصفات الجلال والجمال المختصة بالله تعالى لغيره تعالى ومن اعتقد ذلك لغيره تعالى فقد أشرك، وهذا الوجه الثاني السبب في الحكم على الصورة الأولى بالشرك. وهذه المرتبة قد وقعت صورها في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام ومن مشركي الجاهلية الأولى ومن أهل الكتاب لا سيما النصارى. والحكايات في الاستغاثات بالغائبين الذين يعتقد فيهم كثيرة جدًّا، وقد تقضي حوائجهم ويغاثون ويرون الشيخ الذي استغاثوا به، وذلك أن الشياطين يفعلون معهم مثل ما يفعلون مع مشركي الجاهلية والنصارى وغيرهم حيث يرى أحدهم شيخًا يحسن الظن به ويقول له: أنا الشيخ فلان ويتسمى باسم المستغاث به وربما يغيث من استغاث به ويقضي حاجته، وهذا واقع موجود اعترف به كبار المحققين. فقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذا الأمر ثم قال: "وأعرف من ذلك وقائع كثيرة في أقوام استغاثوا بي وبغيري في حال غيبتنا عنهم فرأوني أو ذاك الآخر الذي استغاثوا به قد جئنا في الهواء ورفعنا عنهم، ولما حدثوني بذلك بينت لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي وصورة

стр. 470

غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين. وهذا من أكبر الأسباب التي بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان، وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم. . ." (١). المرتبة الثالثة: أن يسأل الحي الحاضر. وهذا تحته صورتان: الصورة الأولى: أن يسأله ما يقدر عليه بقدرته البشرية المحدودة الطاقة، فهذا جائز بدليل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]. فموسى ﵇ يستطيع بقوته البشرية أن يغيث الرجل الذي استغاثه من عدوه وينقذه منه ويدفعه عنه، وهو حاضر معه حضورًا ذاتيًا لا لبس في هذا. وبدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الأنفال: ٧٢]. "فهذا نصر بالقوة البشرية وهو جائز ولهذا قال بعض العلماء والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع أو نحوه كقولهم يا لزَيدٍ، يَا لَلمسلمين، بحسب الأفعال الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق من خصائص الله لا يطلب فيه غيره (٢) ".

стр. 471

وقد سمى بعضهم الاستغاثة (١) في الأمور الظاهرة بدعاء العادة وعرفه بأنه "ما يطلبه الناس بعضهم من بعض مما يقدرون عليه بالأسباب التي سخرها الله لهم". الصورة الثانية: أن يسأل الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى مثل شفاء المريض وكشف الكروب ودفع المرهوب، ونيل المرغوب، مما لا يقدر عليه إنسان بقوته البشرية بل يحتاج إلى قوة غيبية وسلطان غيبي، بأن يكون تأثيره بدون مباشرة الأسباب، العادية سواء اعتقد تأثير تلك القوة تأثيرًا مستقلًا أو بالتوسط لدى المؤثر الحقيقي، وهذه الصورة كثيرًا ما تقع من المريدين في شيوخهم فيطلب المريد من شيخه إزالة مرض وكشف ضر وإيصال نفع بل ربما يطلب منه ستر العيوب وغفران الذنوب والخطايا والنجاة من النار والمساعدة في سؤال القبر وغير ذلك. وربما يحبذ بعض شيوخ الضلال لمريديه دعاءه والاستغاثة به في حياته ومماته وحضوره ومغيبه (٢). حكم هذه المرتبة: ففي الصورة الأولى يكون السؤال جائزًا لا مانع منه ولكن سؤال الناس ليس مأمورًا به إلا في سؤال العلم (٣). وذلك لأن أصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجبًا على السائل ولا مستحبًا، بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل عليه. وسؤال الخلق في الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلًا

стр. 472

عليه واعتياضًا بسؤال الخالق أفضل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: ٧ - ٨] أي ارغب إلى الله تعالى لا إلى غيره (١). كما يفيده تقديم المعمول على العامل. وعنه ﷺ أنه طائفة بايع من أصحابه وأسرّ إليهم كلمة خفيفة ألا تسألوا الناس شيئًا، قال راوي الحديث عوف بن مالك: "فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه" (٢). وقال ﷺ : "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" (٣). وإنما يباح من السؤال سؤال من له عند غيره حق من عين أو دين كالأمانات والغنيمة وغيره من الأموال المشتركة وسؤال النفقة لمن تجب عليه والغريم لمن عليه دينه ونحو ذلك (٤). وأما غير ذلك فلا يستحب السؤال بل هو مكروه إما تحريمًا أو تنزيهًا لأن "سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي من نوع الشرك، ومفسدة إيذاء المسؤول وهي من نوع ظلم الخلق، وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة" (٥). وأما الحكم في الصورة الثانية وهي أن يسأل الحاضر ما لا يقدر عليه فهو الشرك المبين، لأن الدعاء عبادة، وقد صرفها الداعي لهذا المدعو العاجز.

стр. 473

ووجه كون هذا الدعاء عبادة هو أن الداعي اعتقد فيه التأثير بقوة غيبية حيث طلب منه ما هو فوق طاقة البشر، ولأجل هذا طلب منه جلب نفع أو دفع ضر، فاعتقد فيه خاصية من خصائص الربوبية من التأثير الغيبي، ثم صرف له خاصية من خصائص الألوهية ألا وهو توجه القلب والقالب إلى دعائه وندائه والاستغاثة به ورجائه لقضاء حوائجه، وخوفه من عدم الاستجابة له إلى غير ذلك من أنواع العبادات التي يتضمنها الدعاء. المرتبة الرابعة (١): أن يسأل الميت أن يدعو الله له. وهذه لها صورتان: إحداهما: أن يسأل ميتًا عند قبره وباب قبته ومشهده أن يدعو الله له. كالذي يفعله زوار القباب والأضرحة والمشاهد، يقول أحدهم: يا أيها الولي الفلاني ادع الله لي أن يفعل بي كذا وكذا. وقد يظن أحدهم أن هذا مثل أن يسأل أحدهم في حياته فلا فرق عنده بين الحياة والموت. فهذه الصورة حكمها أنها من البدع المنكرة الشنيعة، وأنها من وسائل الشرك، وأنها الباب الموصل إلى دعاء الميت نفسه فيما بعد. وقد اتفق المسلمون على أنها بدعة (٢). وقد يصل الحكم في هذه الصورة إلى الشرك الأكبر إذا أراد من

стр. 474

صاحب القبر الشفاعة والواسطة الشركية التي يعتقدها الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وسيأتي بحث الشفاعة الشركية قريبًا في المرتبة العاشرة. ففي هذه الصورة مفاسد عظيمة، من صرف القلوب إلى غير باريها وفاطرها، والافتقار إلى غيره ، وإيذاء المقبور بتكليفه سؤال الله تعالى، إن قُدِّرَ أنه يسأل الله تعالى. ثم فيها الجزم بأن الولي الفلاني يستطيع السؤال، ومن يدري ما هو فيه من النعيم أو الجحيم؟ لأن مذهب أهل السنة أنه لا يجزم بذلك إلا في الوارد. ثم إنه فتح لباب الشرك ولذرائعه التي يتدرج منها الشيطان إلى الشرك الأكبر، وقد قال السلف: إن البدعة باب للشرك. ثم إن الظن بأنه لا فرق بين الحياة والموت وقياس أحدهما على الآخر ظَنٌّ سيئ وقياس مع الفارق وهو فاسد الاعتبار لأن طلب الدعاء منه في حال حياته ليس فيه محذور ولا مفسدة فإن أحدًا من الأنبياء ﵈ لم يعبد في حياته بحضوره فإنه ينهى من يعبده ويشرك به ولو كان شركًا صغيرًا كما قال ﷺ : "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" (١) ونهى من قال: وفينا نبي يعلم ما في غد" (٢). وأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزير وغيرهما عند قبورهم وغير قبورهم (٣).

стр. 475

الصورة الثانية: وهي ما إذا سأل الميت أن يدعو الله له بعيدًا عن قبره - فهذه الصورة كثيرًا ما تقع ممن يدعون الأموات، فقد يقع أحدهم في شدة أو كرب فينادي صاحبه الولي ويستغيث به ويشتكي إليه هذه الشدة ويطلب منه الوساطة عند الله تعالى فيقول يا ولي الله فلان ادع الله لي أن يزيل عني كذا وكذا، أو يعطيني كذا وكذا. والسبب في وقوع هذه الصورة من كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، ظنهم أنهم لم يشركوا حيث لم يدعوا الولي لمباشرة قضاء الحوائج بنفسه، بل طلبوا منه سؤال الله فقط، وهذا مثل ما يطلب منه وهو حي أن يدعو لمن طلب منه الدعاء، فلا فرق عندهم بين الحياة والموت، هكذا ظنوا ولا ينفعهم ظنهم هذا لأمرين: الأول: أنهم وإن لم يشركوا بطلب الدعاء منه لكنهم أشركوا من جهة أنهم ظنوا أنه يعلم الغيب ويسمع النداء، وقد ذكر الشيخ محمد (١) إسماعيل الشهيد ظنهم هذا ثم رد عليهم بقوله: "وهذا باطل فإنهم وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة، فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد كما يسمعون نداءهم عن قرب" (٢). وقد ذكر نحو هذا الكلام صاحب صيانة الإنسان (٣). الأمر الثاني: أن ظنهم أنه ليس هناك فرق بين الحياة والموت ظن

стр. 476

سيئ وقد تقدم ما في ذلك من المفسدة وخوف الفتنة في حال الموت دون الحياة. والحكم في هذه الصورة أنها شرك، لأن صاحبها قد زعم أن الولي المدعو يعلم الغيب ويسمع كلامه في كل زمان ومكان، ويشفع له في كل حين وأوان، فهذا شرك صريح، فإن علم الغيب من الصفات المختصة بالله تعالى. هذا ما قاله الشيخ الدهلوي والشيخ بشير السهسواني وغيرهما (١). ولكن بعض عبارات ابن تيمية ربما يفهم منها أن هذه المرتبة لا تصل إلى الشرك فإنه قال: "الثانية أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين ادع الله لي أو ادع لنا ربك أو اسأل الله لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها، فهذا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة، وإن كان السلام على أهل القبور جائزًا، ومخاطبتهم جائزة" (٢). وهذا الكلام يدل على أن شيخ الإسلام لا يرى أن هذه المرتبة شرك، بل يراها بدعة (٣) فقط، وشبيه بهذا كلامه الآخر حيث قال: "فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئًا لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يشكي إليه شيء من مصائب الدنيا والدين، ولو جاز أن يشكى إليه ذلك في حياته، فإن ذلك في حياته لا يفضي إلى الشرك، وهذا يفضي إلى الشرك. . ." (٤).

стр. 477

وهذا الكلام يحتمل أنه يرى أنه يفضي ويجر إلى الشرك وأنه في ذاته ليس بشرك بل ذريعة إلى الشرك فقط. ولكن لشيخ الإسلام كلام آخر يوافق كلام الذين عدوا هذه المرتبة شركًا فإنه قال: "ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركًا كدعاء غيره أن يفعل، أو دعائه أن يدعو الله أو نحو ذلك. . ." (١). فيفهم من هذه العبارة أن دعاء غير الله أن يدعو الله تعالى متضمن للشرك. فهو إِذَنْ شِرْكٌ، كما يدل مقارنته بين دعاء غير الله أن يفعل وبين دعائه أن يدعو الله على أنه يرى أنه لا فرق بين المرتبتين في الحكم، كما أن شيخ الإسلام جعل الخطاب بنحو سل الله لنا أن ينصرنا على عدونا، سل الله أن يغفر لنا وغير ذلك من أعظم أنواع الشرك (٢). وهناك أمر آخر وهو أن ما تقدم لنا من التفريق بين ما إذا كان قريبًا من القبر وبين ما إذا كان بعيدًا عنه، لاختلاف العلماء في سماع الميت القريب، فيكون القائل به مجتهدًا متأولًا بخلاف البعيد، فلم يختلف في عدم سماعه فيكون القائل به غير متأول. ثم إنه ربما يفهم من كلام شيخ الإسلام أيضًا أنه لا يرى الفرق بين القرب من الميت والبعد عنه فإنه ذكر صورًا مما يقع من المستغيثين بالأموات فذكر من يأتي القبر فيقول: أنا في حسبك، ومن يقول للميت: اقض ديني واغفر ذنبي، ومن يقول: سل لي ربك، ومن يقول: يا سيدي الشيخ فلان أو سيدي يا رسول الله نشكو إليك ما أصابنا من العدو، وذكر أن منهم من يظن أن الرسول أو الشيخ يعلم ذنوبه وحوائجه … إلخ. ثم قال بعد هذا كله فإن هذا الفعل منه ما هو كفر صريح ومنه ما هو

стр. 478

منكر ظاهر، سواء قُدِّرَ أَنَّ الميت الخطاب كما إذا خوطب من يسمع قريب، أو قُدِّرَ أنه لا يسمعه كما إذا خوطب من بعيد، فإن مجرد سماع الميت للخطاب لا يستلزم أنه قادر على ما يطلب الحي منه، وكونه قادرًا عليه لا يستلزم أن نسأله ونطلب منه كل ما يقدر عليه" (١) وكلامه هذا يحمل على أن احتمال السماع لا يمنع الحكم على أن الطلب من الميت ممنوع ومنكر مطلقًا ولا ينافي الفرق الملاحظ من ناحية أخرى وهي ناحية الحكم بوصول هذه الصورة إلى الشرك أو عدم وصولها إلى الشرك، ومن المعلوم أن شيخ الإسلام ممن يرى أن المجتهد المتأول يختلف حكمه عن غير المتأول (٢). كما أنه قد صرح في مكان آخر بأن الاختلاف في سماع الميت لنداء الحي لا يقتضي الحكم بالكفر على المخالف (٣). والذي يظهر - والله أعلم - أن الحكم في هذه المسألة له اعتباران: فالاعتبار الأول أن الداعي لم يسأل الميت ولم يطلب منه إلا دعاءه الله تعالى ولم يطلب منه قضاء حاجته بنفسه فبهذا الاعتبار قد لا يكون هذا الطلب مخرجًا له من الإسلام، ففيه احتمال التأويل وفيه شبهة قد تكون مانعة من الحكم بالشرك. وقد يقال: إن هذا الاحتمال لا ينفع لأن المشركين الأوائل كانوا يرون أن آلهتهم تشفع وتسأل الله لهم ولم يعتقدوا لها الاستقلال. ويمكن أن يجاب عن هذا بأنهم وَجَّهوا السؤال لها ودَعَوْهَا من

стр. 479

دون الله تعالى، ولم يصرحوا في الدعاء بهذا المراد فلم يقولوا لأصنامهم: ادعوا الله لنا أو سلوا الله لنا بل قالوا افعلوا لنا كذا وكذا. وهناك فرق بين دعائه بأن يفعل بنفسه وبين دعائه بأن يدعو، وهذا الفرق كاف في التفريق بين الحكمين وإن كان الذي طلب أن يفعل، مراده الشفاعة والوساطة لا أن يستقل بالفعل والتأثير. والاعتبار الثاني: أن الداعي نادى الميت من مكان بعيد، وفي ذلك اعتقاد لعلمه للغيب ولسماعه لصراخه وغوائه، وهذا الاعتقاد شرك أكبر، فبهذا يكون الطلبُ من الميت سؤال الله تعالى شركًا أكبر. وإلى هذا الاعتبار أشار شيخ الإسلام أيضًا في معرض رده على من قال إنه ﷺ يسمع صلاة المصلي عليه من البعيد، فقال: وقول القائل: إنه يسمع صوت السلام من البعيد ممتنع، فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه، فهذا مكابرة وإن أراد أنه هو يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم … وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم ومن قال: هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله، وأنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾ … الآية إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) [المائدة: ٧٢ - ٧٦] ففي هذا أن من اعتقد سماع أصوات العباد لغير الله يُعَدُّ من جنس النصارى أي فهو مشرك مثلهم، وربما يقال: إن هذا لازم لهم، وليس لازم المذهب بمذهب (٢) فيجاب بأنه كذلك إلا أن كثيرًا منهم يلتزم بهذا

стр. 480

اللازم ويعتقده ويدافع عنه وقد تقدم (١) عنه وقد تقدم في مبحث علاقة الدعاء بالعقيدة ما يدل على اعتقادهم لذلك ومن المعلوم أن لازم المذهب مذهب إذا التزم به صاحب المذهب. المرتبة الخامسة: أن يسأل الحي الغائب أن يدعو الله له. وهذا كالذي يقع من المريدين في شيوخهم فقد يتفانى بعضهم في تعظيم، شيخه حتى يظن أن شيخه يعلم به وبأحواله وبمراده، فإذا وقع في شدة ينادي شيخه فيطلب منه أن يدعو الله له حتى يكشف الله عنه شدته بدعاء شيخه. فهذه المرتبة حكمها كالصورة الثانية من المرتبة السابقة - أعني المرتبة الرابعة -. المرتبة السادسة: أن يسأل الحي الحاضر أن يدعو الله، له وهذا كالذي يقع من المؤمنين حيث يطلب بعضهم من بعض الدعاء. فقد روي أن النبي ﷺ الطالب من عمر ﵁ الدعاء عندما أراد العمرة فقال له: أشركنا يا أخي في دعائك" (٢). وقال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول … ثم سلوا الله لي الوسيلة (٣).

стр. 481

والرسول ﷺ يقصد بهذا الأمر والطلب نفع المأمور والإحسان إليه "وهو ﷺ أيضًا ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم به، وينتفع أيضًا بالخير الذي يفعلونه من الأعمال الصالحة ومن دعائهم له" (١). ومثل النبي ﷺ المؤمن المحسن المتبع لسنته ﷺ إذا أمر أحدًا بأمر كان مقصوده بذلك انتفاع المأمور وحصول مصلحته وله أجر الناصح، وإذا قال لغيره: ادع لي، فإنه يقصد شيئين: الأول: انتفاع الداعي إذ يحصل له مثل دعائه كما في حديث: "ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك آمين ولك بمثل" (٢). والثاني: أن ينتفع هو أيضًا باستجابة الله دعاء ذلك الداعي. فتحصل مما سبق أن هذه المرتبة السادسة لها صورتان: إحداهما: أن يقصد بهذا الطلب شيئين: أولهما: انتفاع الداعي بهذا الدعاء لأنه يحصل له مثل دعائه، فهو عندما يأمره بالدعاء له يقصد أن يحصل للداعي هذا الأجر. وثانيهما: انتفاعه باستجابة الله دعاء ذلك الداعي له، وهذا مثل ما يقصد الآمر بالمعروف فإنه ينتفع المأمور بعمله ويكون للآمر مثل أجره. الصورة الثانية: أن يقصد بطلب الدعاء انتفاعه باستجابة الله دعاء ذلك الداعي فقط بدون أن يقصد انتفاع الداعي بذلك. فالحكم في الصورة الأولى أنه جائز بل هو مستحب لأن فيه

стр. 482

الإحسان إلى الخلق وطلب الأجر من الله تعالى فيكون قائمًا بحق الله وحق عباده ويكون السؤال راجحًا على الترك (١). وفي الصورة الثانية أيضًا جائز وهل هو منهي عنه فيكون خلاف الأولى أو مكروهًا تنزيهًا ويدل على أنه خلاف الأولى الأحاديث المانعة من السؤال فهي عامة كما يدل له ما ورد في حديث السبعين ألفًا أنهم لا يسترقون، والرقية نوع من الدعاء (٢). لكن الذي يظهر من ظواهر الأخبار أنه ليس خلاف الأولى لما ورد عن كثير من الصحابة أنهم طلبوا الدعاء من النبي ﷺ ولم ينكر عليهم. وقد نقل ابن مفلح (٣) عن شيخ الإسلام أنه ذكر أنه منهي عنه وإن كان لا يأثم قال ابن مفلح: "ومن سأل غيره الدعاء لنفعه أو نفعهما أثبت، وإن قصد نفع نفسه فقط نهي عنه كالمال، وإن كان قد لا يأثم، كذا ذكره شيخنا، وظاهر كلام غيره خلافه كما هو ظاهر الأخبار". ثم ساق ابن مفلح حديث (٤) أم سليم في طلبها من النبي ﷺ الدعاء لأنس، وكثير من الصحابة الذين طلبوا الدعاء (٥). ويفهم من كلام ابن مفلح هذا أن هناك صورة ثالثة وهي: أن يقصد

стр. 483

بطلبه انتفاع الداعي فقط، فهذه الصورة نادرة الوقوع أو لا تقع مطلقًا لأن من طبيعة البشر أيًا كان أنه لا يقوم بعمل إلا وله فيه غرض دنيوي أو أخروي (١). والذي يظهر أن قول شيخ الإسلام بأن طلب الدعاء من الغير خلاف الأولى يحمل على أن ذلك ليس على حكم الأصالة، وإنما بسبب ما ينضم إلى ذلك من المحذور، ولهذا ورد عن بعض السلف (٢) كراهية طلب الدعاء منهم لما يخاف من الفتنة، فقد ذكر الإمام الشاطبي ﵀ أن كراهية السلف طلب الدعاء منهم لدخول أمر زائد على أصل الطلب فصار الدعاء بتلك الزيادة مخالفًا للسنة لا على حكم الأصالة بل بسبب ما ينضم إليه من الأمور المخرجة عن الأصل مثل أن يلزم منه أن يعتقد في الذي طلب الدعاء منه أنه يقبل دعاؤه أو يخاف أنه وسيلة إلى أن يعتقد فيه ذلك أو يعتقد أنه سنة تلزم أو يجري في الناس مجرى السنة الملتزمة (٣). هذا ومن هذه المرتبة السادسة استغاثة الخلائق في المحشر بالأنبياء فإن الأنبياء والمستشفعين بهم في مكان واحد يرى بعضهم ويسمعون كلام بعضهم.

стр. 484

وبهذا نعلم أنه لا يصح الاحتجاج بهذه الاستغاثة على دعاء الموتى. المرتبة السابعة (١): أن يسأل الله تعالى بغير أسمائه الحسنى وصفاته العليا سواء كان ذلك الغير ميتًا أو غائبًا أو حاضرًا، وسواء كان ذلك السؤال توسلًا به وبجاهه وحرمته أو إقسامًا به، فالصور الممكنة ستة، فالسؤال بالميت إما بالتوسل أو بالإقسام، وكذا بالغائب أو الحاضر إما بالتوسل أو الإقسام فهذه ست صور. فهذه الصور يأتي الكلام عليها مفصلًا في مبحث التوسل إن شاء الله تعالى ونوجز الكلام عليها هنا. فبالنسبة إلى التوسل فحكمه أنه بدعة ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء (٢). هذا إذا كان المتوسل به ميتًا أو غائبًا. وأما إذا كان حاضرًا، فإن كان المتوسلُ به الحاضر دعا الله تعالى وتوسَّلَ السائلُ المُتوسِّلُ بدعائه إلى الله تعالى فهذا جائز كما في حديث الأعمى حيث دعا له النبي ﷺ ، ودعا الأعمى أيضًا متوسلًا بدعائه وكما في حديث عمر حيث دعا العباس وطلب من الله السقيا ودعا عمرُ أيضًا متوسلًا بدعاء العباس ﵃ جميعًا. وأما إذا كان الحاضر لم يدع الله تعالى فلا يجوز التوسل بذاته أو جاهه لأنه لم يرد، ولما فيه من المفاسد التي تجر إلى الشرك، وسيأتي بيان بعض تلك المفاسد في مبحث التوسل إن شاء الله تعالى.

стр. 485

وأما الإقسام على الله بغيره فحكمه حرام لما روي في حديث جبير بن مطعم ﵁ من أن أعرابيًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، جُهِدَتِ الأنفسُ وضاعت العيالُ ونُهِكَتِ الأموال وهلكت الأنعام، فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله ﷺ : "ويحك أتدري ما تقول؟ … ثم قال: ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك" (١). وقد ذكر الفقهاء من أصحاب (٢) أبي حنيفة وغيرهم أبي حنيفة وغيرهم أنه لا يجوز أن يقسم أحد بالمخلوق فجمهور العلماء لا يسوغون الحلف بغير الله تعالى من الأنبياء والملائكة ولا تنعقد اليمين بذلك، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى تنعقد اليمين بالنبي ﷺ خاصة دون غيره. وعلى هذا يحمل ما روي عنه من إجازة التوسل بالنبي ﷺ خاصة هذا على فرض ثبوت تلك الرواية عن أحمد. فالجمهور من العلماء لا يجيزون القسم بغير الله تعالى. وروي عن أحمد مثل ذلك أيضًا (٣).

стр. 486

ولعل هذه الرواية هي الراجحة لموافقتها لأقوال الجمهور، ولأنه لم يعلم عن أحد من السلف أنه أجاز القسم بغير الله تعالى، والأهم من ذلك أن الأحاديث الكثيرة صحت في النهي عن الحلف بغير الله تعالى ولا تخفى على مثل الإمام أحمد مع حرصه الشديد على التمسك بالسنة، ومن تلك الأحاديث قوله ﷺ : "من حلف بغير الله فقد أشرك" (١). وهذا وعيد شديد وتحذير بالغ فمن هنا يبعد كل البعد أن يصح عن الإمام أحمد تجويزه صحة القسم بالنبي الله كما يبعد - والله أعلم - صحة تجويزه التوسل بالنبي ﷺ خاصة، ولهذا أفتى أبو محمد العز بن عبد السلام ﵀ بأنه لا يقسم على الله بالأنبياء والملائكة والأولياء. وأما بالنسبة إلى النبي ﷺ فعلق القول به على صحة الحديث وذكر أنه إن صح فينبغي أن يكون خاصًّا بالنبي (٢). وسيأتي الكلام على الحديث وهو حديث الضرير وعدم دلالته على ذلك. ويحمل التوسل الذي أجازه الإمام أحمد - على فرض صحة الرواية عنه ـ على التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ ومحبته واتباعه (٣). والحاصل أنه قد اتفق العلماء على عدم جواز الإقسام بالمخلوق على المخلوق ومنعوا من ذلك، فإذا ثبت هذا فمن باب أولى أن يمنع أن يقسم بالمخلوق على الخالق فشأن الله أعظم من أن يقسم عليه بمخلوق كما في الحديث المتقدم.

стр. 487

ومن هنا يتضح أن الحكم في الصور التي فيها الإقسام على الله تعالى بغيره أنه محرم، ولكنه لا يصل إلى الشرك الأكبر إلا في بعض الأحيان، وقد أُوِّلَ حديثُ من حلف بغير الله فقد أشرك، إلى الشرك الأصغر وسيأتي الكلام عليه مع بيان قول من قال: إنه شرك أصغر ومن قال: إنه شرك أكبر (١). المرتبة الثامنة (٢): أن يدعو الله تعالى عند قبر نبي أو ولي أو ما يعتقد أنه كذلك أو مطلق المقابر. فهذه المرتبة لها ثلاث صور: الأولى: أن يقصد القبر ويتحراه للدعاء عنده وليس له غرض آخر معتقدًا أن الدعاء هناك أجوب، وأسرع، وأن لذلك المكان خصوصية في إجابة الدعاء، وأن الدعاء في المقابر والمشاهد أفضل من الدعاء في المسجد والبيت والسجود والأسحار. والثانية: أن يقصد القبر للزيارة والدعاء عنده معتقدًا لما تقدم، وذلك كالذي يحصل من الذين يزورون القبر الزيارة البدعية حيث كانوا يَجْمَعون بين النيَّتَيْنِ: نية زيارة القبر ونية الدعاء عنده. والثالثة: أن يحصل الدعاء عند القبر بحكم الاتفاق بدون قصد سابق وتَحَرٍّ كمن يدعو الله في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور، أو من يزورها فيسلم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة (٣). وهذه المرتبة سيأتي الكلام عليها مفصلًا إن شاء الله تعالى في الكلام

стр. 488

على الدعاء عند الأضرحة والقباب. وحكم هذه المرتبة في الجملة أنها من البدع المحدثة في الدين إلا الصورة الأخيرة فهي جائزة بشروط سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله تعالى. المرتبة التاسعة: سؤال غير الله تعالى مع الله. وهذه المرتبة تحصل بتشريك غير الله مع الله تعالى إما بالعطف أو الإتيان بما يدل على المشاركة. وهذه المرتبة كانت كثيرة الوقوع في المشركين الأوائل، ولهذا نجد الله تعالى قد كرر التحذير من دعاء غير الله مع الله تعالى في آيات محكمات، منها قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. ولكن الشيطان لما عرف بُعْدَ المسلمين ونفرتهم عن إِقْرَان غيرِ الله وإشراكه مع الله في اللفظ وَعِظَمَ ذلك عندهم، زَيَّن لهم مراتب أخرى تكون أخفى من هذه المرتبة قد لا يظنونها أنها تصل إلى الشرك فيقعون فيها. ومع وضوح كون هذه المرتبة شركًا صريحًا أنزل الله فيه آيات واضحات تحذر منه وقع فيها بعض من ينتسب إلى الإسلام، فكان بعضهم يقول: يا سيدي فلان ويا الله فيعطف الله على مدعوه أو بالعكس فإنا لله وإنا إليه راجعون. فهم يدعون مشايخهم وأولياءهم ويعدون أسماءهم مستغيثين بهم ومستنجدين ويذكرون الله في جملتهم "كأنه واحد من تلك الأعداد" (١).

стр. 489

فعند هؤلاء دعاء الله تعالى ودعاء الشيخ أو الولي من باب واحد فالكل يُدْعَى ومن هنا يَذْكُر الكل لقضاء حاجته بل ربما وصل عند بعضهم أن باب الولي أسرع في الإجابة كما سيأتي. حكم هذه المرتبة: إن هذه المرتبة شرك واضح وكفر بواح، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. المرتبة العاشرة: سؤال غير الله تعالى بنية الشفاعة. قد تقدم لنا ذكر معنى الشفاعة والمناسبة بينها وبين الدعاء في مبحث التعريفات والآن نذكر هنا الشفاعة الشركية التي هي إحدى مراتب دعاء غير الله تعالى. هذا وقد كثر الخوض في الشفاعة ومسائلها وأنواعها وألفت فيها رسائل (١) مستقلة، فلذا أجتزئ الكلام عليها حسب ما يتعلق بموضوع البحث حتى تكتمل جوانب البحث فأقول وبالله التوفيق: إن الشفاعة الشركية هي مرتبة من مراتب الدعاء غير المشروع ولها صورتان: ١ - الصورة الأولى أن يسأل الميت عند قبره الشفاعة والوساطة كالذي يقع من الزائرين للأموات حيث ينادون صاحب القبر: يا أيها الولي الفلاني اشفع لنا عند ربك، وتوسط لنا في كذا وكذا.

стр. 490

٢ - والصورة الثانية: أن يسأل الميت بعيدًا عن قبره كالذي يقع من المتعلقين بالصالحين حيث يكون هجيراهم ودأبهم في حلهم وترحالهم طلب الشفاعة من الولي الفلاني. والحكم في الشفاعة يتوقف على معرفة أقسامها فلذا أشير إلى أقسامها بالإيجاز وبالله التوفيق .. الشفاعة قسمان: ١ - شفاعة مثبتة. ٢ - شفاعة منفية. فالشفاعة المثبتة هي التي استوفت شرطين: الأول: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢]. الثاني: رضاه عمن أذن للشافع أن يشفع فيه أي رضاه عن المشفوع، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٥٦]. ومن المعلوم أن الله سبحانه لا يرضى إلا عن أهل التوحيد والإخلاص الذين لا يدعون غيره فهذه الشفاعة خاصة بالمؤمنين الصادقين فلهذا قال رسول الله ﷺ لما قال له أبو هريرة: "من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" (١). وفي معنى هذا الحديث قوله ﷺ : "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل

стр. 491

كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا" (١) فشيئًا نكرة في سياق النفي فتعم. فمن دعا غير الله تعالى أيًا كان فقد أشرك فلا تناله شفاعة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ففي الحديثين السابقين "جعل النبي ﷺ أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة هو تجريد التوحيد فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع" (٢). وأما الشفاعة المنفية فهي الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس عند الإطلاق ويفعلها بعضهم مع بعض وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته. فأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع فهي في الحقيقة منه فإنه الذي أذن والذي قبل والذي رضي عن المشفوع والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله (٣). وعرفها بعضهم بقوله: هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره - حكم به أم لا - فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع" (٤). والمقصود هنا بيان الشفاعة الشركية التي تحصل من الداعين للأموات وذلك أن أحدهم إذا وقع في مشكلة ما ينادي ويستغيث بالميت قائلًا: يا سيدي فلان اشفع لي عند ربك أو توسط لي عند الله أو نحو هذا.

стр. 492

وبعضهم يطلب الشفاعة من الأموات أنبياء أو غيرهم من الملائكة والصلحاء في الدار الآخرة، يطلب ذلك الآن في الدنيا فيقول: يا رسول الله اشفع لي يوم القيامة فيطلبها من الرسول ﷺ قبل مجيء وقتها. وهذه الشفاعة المذكورة ممنوعة في حق الله تعالى، وذلك لأن الشافع في هذه الحالة قَدْ أَثَّرَ في تغيير اختيار المشفوع عنده، فصار شريكًا له في المطلوب، والله منزه عن ذلك (١). وهذه هي الشفاعة التي نفاها القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٧٠]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]. فاتضح من هذه الآيات أن هذه الشفاعة قد نفاها القرآن وقطع جذورها واستأصل شأفتها حتى لا يعلق أحد قلبه بغير الله تعالى وحتى يتحقق تجريد التوحيد الله تعالى فأبى أهل الضلال إلا معارضته فأثبتوها بدون شروط، وتعلقوا بها في دعائهم لغير الله تعالى. وقابل هؤلاء آخرون من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة فنفوها

стр. 493

وقالوا لا شفاعة إلا الشفاعة التي لفصل القضاء أو رفع الدرجات، وأما الشفاعة فيمن استحق العذاب أو في إخراج من دخل النار فلم يثبتوها. وتوسط أهل الحق فأثبتوا ما أثبته الله، ونفوا ما نفاه الله، وهذه هي عادة أهل الحق في المسائل العلمية الاعتقادية والمسائل العملية فهم وسط بين الغالي والجافي كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم. والحاصل أن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا محمد ﷺ في أهل الكبائر، وأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله ويحد له حدا (١). هذا وقد علمنا مما سبق أن الشفاعة الشركية هي التي لم تستوف شروط الشفاعة المثبتة أي التي بدون إذن المُشَفِّع وبدون رضاه، ومن أنواع هذه الشفاعة المنفية الشفاعة التي أثبتها الفلاسفة وقلدهم فيها بعض من ينتسب إلى الملل السماوية. فالفلاسفة أثبتوا شفاعة شركية أعظم شركًا من شفاعة المشركين حيث أجازوا دعاء الجواهر العلوية - الشمس والقمر والكواكب - وكذلك الأرواح التي يسمونها العقول والنفوس ويسميها من انتسب إلى أهل الملل الملائكة. وهذا الذي يَدَّعُونه من الشفاعة لآلهتهم أعظم كفرًا من كفر مشركي العرب فإن الفلاسفة لا يقولون: إنَّ الشفيع يسأل الله والله يجيب دعوته كما يقوله المشركون الذين يقولون: إن الله خالق بقدرته ومشيئته فإن هؤلاء عندهم أنه لا يعلم الجزئيات ولا يُحدِث شيئًا بمشيئته وقدرته.

стр. 494

وإنما العالم فاض عنه فيقولون: إذا توجه الداعي إلى من يدعوه كتوجهه إلى الموتى عند قبورهم وتوجهه إلى الأرواح العالية فإنه يفيض عليه ما يفيض من ذلك المعظم الذي دعاه واستغاث به وخضع له من غير فعل من ذلك الشفيع ولا سؤال منه الله تعالى كما يفيض شعاع الشمس على ما يقابلها من الأجسام الصقيلة كالمرآة ونحوها ثم ينعكس الشعاع من ذلك الجسم الصقيل إلى حائط أو غيره (١). ولأجل هذا يرون دعاء الموتى عند قبورهم وغير قبورهم ويتوجهون إليهم، وكثير منهم ومن غيرهم من الجهال يرون أن الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم أفضل من الصلوات الخمس والدعاء في المساجد وأفضل من حج البيت العتيق، كما أنهم جعلوا الفائدة في زيارة قبورهم من هذا الوجه، وقالوا: إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها (٢). الحكم: ولا يخفى بعد إيراد اعتقاد هؤلاء في معنى الشفاعة أن هذه الشفاعة التي أثبتوها هي من أعظم الشرك بالله تعالى. وهذا الذي ذكروه هو السبب الرئيسي في عبادة أصناف المشركين لغير الله تعالى. قال ابن القيم: "وبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهياكل وصنفت لها الدعوات واتخذت الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادًا وتعليق الستور عليها، وإيقاد

стр. 495

السرج عليها وبناء المساجد عليها وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه. . وهو سر عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله وتكفير أصحابه وأباح دماءهم وأموالهم وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله وإبطال مذهبهم، قال تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٣]. فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض وهو الله وحده فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له" (١). ثم إن هذا الذي ذكروه ومثلوا له بشعاع الشمس هو من أصول الشرك ومن المقاييس الفاسدة التي قال فيها بعض السلف: "ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس" (٢). وهي من أقوال من يقول: إن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في العالم لا يكون الله يجيب الداعي وهي مبنية على أن الله تعالى ليس بفاعل مختار يخلق الحوادث بمشيئته واختياره (٣). وقد تقدم بحمد الله وتوفيقه ذكر ذلك (٤).
следующие страницы →