كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا" (١) فشيئًا نكرة في سياق النفي فتعم.
فمن دعا غير الله تعالى أيًا كان فقد أشرك فلا تناله شفاعة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ففي الحديثين السابقين "جعل النبي ﷺ أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة هو تجريد التوحيد فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع" (٢).
وأما الشفاعة المنفية فهي الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس عند الإطلاق ويفعلها بعضهم مع بعض وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته.
فأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع فهي في الحقيقة منه فإنه الذي أذن والذي قبل والذي رضي عن المشفوع والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله (٣).
وعرفها بعضهم بقوله: هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره - حكم به أم لا - فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع" (٤).
والمقصود هنا بيان الشفاعة الشركية التي تحصل من الداعين للأموات وذلك أن أحدهم إذا وقع في مشكلة ما ينادي ويستغيث بالميت قائلًا: يا سيدي فلان اشفع لي عند ربك أو توسط لي عند الله أو نحو هذا.
стр. 492
وبعضهم يطلب الشفاعة من الأموات أنبياء أو غيرهم من الملائكة والصلحاء في الدار الآخرة، يطلب ذلك الآن في الدنيا فيقول: يا رسول الله اشفع لي يوم القيامة فيطلبها من الرسول ﷺ قبل مجيء وقتها.
وهذه الشفاعة المذكورة ممنوعة في حق الله تعالى، وذلك لأن الشافع في هذه الحالة قَدْ أَثَّرَ في تغيير اختيار المشفوع عنده، فصار شريكًا له في المطلوب، والله منزه عن ذلك (١).
وهذه هي الشفاعة التي نفاها القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٧٠].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤].
فاتضح من هذه الآيات أن هذه الشفاعة قد نفاها القرآن وقطع جذورها واستأصل شأفتها حتى لا يعلق أحد قلبه بغير الله تعالى وحتى يتحقق تجريد التوحيد الله تعالى فأبى أهل الضلال إلا معارضته فأثبتوها بدون شروط، وتعلقوا بها في دعائهم لغير الله تعالى.
وقابل هؤلاء آخرون من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة فنفوها
стр. 493
وقالوا لا شفاعة إلا الشفاعة التي لفصل القضاء أو رفع الدرجات، وأما الشفاعة فيمن استحق العذاب أو في إخراج من دخل النار فلم يثبتوها.
وتوسط أهل الحق فأثبتوا ما أثبته الله، ونفوا ما نفاه الله، وهذه هي عادة أهل الحق في المسائل العلمية الاعتقادية والمسائل العملية فهم وسط بين الغالي والجافي كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم.
والحاصل أن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا محمد ﷺ في أهل الكبائر، وأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله ويحد له حدا (١).
هذا وقد علمنا مما سبق أن الشفاعة الشركية هي التي لم تستوف شروط الشفاعة المثبتة أي التي بدون إذن المُشَفِّع وبدون رضاه، ومن أنواع هذه الشفاعة المنفية الشفاعة التي أثبتها الفلاسفة وقلدهم فيها بعض من ينتسب إلى الملل السماوية.
فالفلاسفة أثبتوا شفاعة شركية أعظم شركًا من شفاعة المشركين حيث أجازوا دعاء الجواهر العلوية - الشمس والقمر والكواكب - وكذلك الأرواح التي يسمونها العقول والنفوس ويسميها من انتسب إلى أهل الملل الملائكة.
وهذا الذي يَدَّعُونه من الشفاعة لآلهتهم أعظم كفرًا من كفر مشركي العرب فإن الفلاسفة لا يقولون: إنَّ الشفيع يسأل الله والله يجيب دعوته كما يقوله المشركون الذين يقولون: إن الله خالق بقدرته ومشيئته فإن هؤلاء عندهم أنه لا يعلم الجزئيات ولا يُحدِث شيئًا بمشيئته وقدرته.
стр. 494
وإنما العالم فاض عنه فيقولون: إذا توجه الداعي إلى من يدعوه كتوجهه إلى الموتى عند قبورهم وتوجهه إلى الأرواح العالية فإنه يفيض عليه ما يفيض من ذلك المعظم الذي دعاه واستغاث به وخضع له من غير فعل من ذلك الشفيع ولا سؤال منه الله تعالى كما يفيض شعاع الشمس على ما يقابلها من الأجسام الصقيلة كالمرآة ونحوها ثم ينعكس الشعاع من ذلك الجسم الصقيل إلى حائط أو غيره (١).
ولأجل هذا يرون دعاء الموتى عند قبورهم وغير قبورهم ويتوجهون إليهم، وكثير منهم ومن غيرهم من الجهال يرون أن الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم أفضل من الصلوات الخمس والدعاء في المساجد وأفضل من حج البيت العتيق، كما أنهم جعلوا الفائدة في زيارة قبورهم من هذا الوجه، وقالوا: إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها (٢).
الحكم:
ولا يخفى بعد إيراد اعتقاد هؤلاء في معنى الشفاعة أن هذه الشفاعة التي أثبتوها هي من أعظم الشرك بالله تعالى.
وهذا الذي ذكروه هو السبب الرئيسي في عبادة أصناف المشركين لغير الله تعالى.
قال ابن القيم: "وبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهياكل وصنفت لها الدعوات واتخذت الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادًا وتعليق الستور عليها، وإيقاد
стр. 495
السرج عليها وبناء المساجد عليها وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه. . وهو سر عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله وتكفير أصحابه وأباح دماءهم وأموالهم وأوجب لهم النار.
والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله وإبطال مذهبهم، قال تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٣].
فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض وهو الله وحده فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له" (١).
ثم إن هذا الذي ذكروه ومثلوا له بشعاع الشمس هو من أصول الشرك ومن المقاييس الفاسدة التي قال فيها بعض السلف: "ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس" (٢).
وهي من أقوال من يقول: إن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في العالم لا يكون الله يجيب الداعي وهي مبنية على أن الله تعالى ليس بفاعل مختار يخلق الحوادث بمشيئته واختياره (٣). وقد تقدم بحمد الله وتوفيقه ذكر ذلك (٤).
стр. 496
المبحث الثاني في مظاهر غلو المتأخرين في دعاء غير الله تعالى
ومما لا شك فيه أن المشركين الأوائل كانوا يعتقدون في آلهتهم التي يدعونها اعتقادات باطلة ويقدسونها بأنواع من التقديسات ويصرفون لها أنواعًا من العبادات ولكن المتأخرين ممن يدعون الأموات والغائبين فَاقُوهم وتجاوزوهم بمراحل لم يصل إليها أسلافهم ومتقدموهم ووقفوا بمواقف خطيرة جدًّا ما كان يُتصوّر أن أي مسلم آمن بدين الله يقف بها، ويعتقدها ويتبناها ولكن هذا هو الواقع المرير الذي وصل إليه حال المسلمين، فقد وقفوا مواقف خطيرة وحكوا حكايات عجيبة، فمنهم من زعم أن دعاء الموتى أفضل وأسرع إجابة من دعاء الله تعالى، فقد وصلت الوقاحة بهؤلاء إلى أنهم لم يقتصروا على دعاء الموتى وتجويزه بل بلغ بهم الأمر إلى أن يجعلوا دعاء الموتى أفضل من دعاء الله، فمنهم من يحكي أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه واستغاث بشيخه فأغاثه، فَإِغَاثةُ الشيخ أسرع من إغاثة الله تعالى تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
ومنهم من يحكي أن بعض المأسورين دعى الله فلم يخرجه فدعا بعض الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام (١).
стр. 497
ولم يقتصروا على دعائهم للأموات بأنفسهم بل دعوا المسلمين إلى ذلك فصنفوا المصنفات في تجويز ذلك وتبريره بل في استحبابه ومشروعيته وتفننوا في كثرة التأليف فمن مؤلف في ألفاظ الأدعية التي تقال في المشاهد والمزارات وفيها الكفر الصريح والشرك الواضح، وآخر ينظم القصائد الشركية في الاستغاثة بغير الله تعالى وآخر يؤلف في تبرير هذا العمل وتزيينه ويجمع الشبهات والحكايات والمنامات إلى غير ذلك من الكتب الخرافية المنتشرة في ديار المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولم يقتصر هؤلاء على دعاء الأموات والتأليف فيه بل ألف بعضهم في دعاء الكواكب والنجوم ومخاطبتها وبعضهم صنف في خواص الحروف والدعاء بأسماء معينة في أوقات معينة، فأدخلوا بذلك دين المشركين من الصابئة والفلاسفة في دين المسلمين، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب الفلاسفة ثم ذكر أن كثيرًا من متأخري المتصوفة والمتكلمين أدخلوه في دين الحنفاء حتى صنف بعضهم تصنيفًا في ذلك مثل مصنف بعضهم المسمى (السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم) وآخرون صنفوا في الحروف وطبائعها والدعاء بأسماء ذكروها في أوقات مخصوصة (١).
هذا وسأذكر - بعون الله وتوفيقه - بعض المواقف والمظاهر التي يتضح بها مدى ما وصل إليه غلو المتأخرين على الأوائل وبالله التوفيق.
١ - ومن مظاهر غلوهم على الأولين اعتقادهم التصرف المطلق في الكون لمدعويهم المقبورين أو الغائبين بخلاف الأولين حيث يعتقدون الشفاعة والوساطة لدى الإله الأكبر فقط، فلم يكونوا يعتقدون لمدعويهم التصرف بأنفسهم، وسيأتي التدليل على ذلك في مبحث إقرارهم للربوبية من باب الشبهات.
стр. 498
وأما المتأخرون فكثير منهم يعتقد التصرف المطلق لمدعوه، وقد ذكرنا ذلك بما فيه الكفاية في مبحث (١) علاقة الدعاء بتوحيد الربوبية ولله الحمد.
٢ - ومن مظاهر غلوهم: أن الأولين كانوا يدعون معبوديهم في حال السعة والرخاء واليسر.
وأما في حال الشدة والضيق ونزول المصائب كالتطام الأمواج وخوف الغرق والهلاك، فلا يدعون إلا الله تعالى لمعرفتهم أنه لا ينقذ من تلك الشدة إلا الواحد القهار.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢].
وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].
هذا ما ذكره الله عنهم من إخلاص الدعاء عند التطام الأمواج، وقد ذكر الله عنهم إخلاصهم الدعاء عند الشدائد بصفة عامة فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].
стр. 499
وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣، ٦٤].
وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
وقال: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].
وفي آيات متعددة ذكر الله إخلاصهم الله تعالى الدعاء في حال الشدة ونزول الضر وإشراكَهُمُ بالله في الرخاء والسعة.
هذا عادة المشركين الأوائل يلتجئون إلى الله تعالى دعاء ورغبة ورهبة عند اشتداد الكرب وقرب الهلاك، فقد روى الحسن البصري عن عمران بن الحصين ﵄ قال: قال النبي ﷺ لأبي: يا حصين كم تعبد اليوم إلهًا؟ قال أبي: سبعة ستًا في الأرض وواحدًا في السماء، قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: "الذي في السماء. . ." (١).
وأما المتأخرون فحالتهم أدهى وأمر وأشد غلوًا وبعدًا عن إخلاص الدعاء الله تعالى فهم إذا وقعوا في شدة وأيقنوا بالهلاك وقرب الموت يستغيثون بالولي الفلاني.
فمثلًا عند التطام الأمواج ينسون دعاء الله تعالى ولا يخطر في بالهم
стр. 500
إلا الاستغاثة بالولي والشيخ الفلاني، وهذا الأَمر متواتر عنهم تواترًا يقطع أَي شبهةٍ على من يحاول الدفاع عنهم بشبهة واهية.
ومع هذا التواتر عنهم نذكر طرفًا من أَقوال الثقات الذين أَخبروا بذلك عن مشاهداتهم أَو عن مشاهدات الثقات الذين أَخبروهم، وذلك قطعًا للشبهة وإزالةً للريبة وإقامةً للحجة، وإلَّا فالأَمر لا يحتاج إلى تطويل وإسهابٍ لوضوحه، لولا الدفاع المميت لبعض من يحاول التشبث بالعادات والتقاليد، ولو كانت شركًا صريحًا ما دام أَنها توافق رغباته وشهواته ومأَلوفاته وعادات قومه، والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل.
هذا ونختار بعض أَقاويل العلماء الثقات في ذلك:
١ - فمن العلماء الذين ذكروا ذلك الشيخ حسين بن مهدي النعمي ﵀ فإنه قال: "وطالما شاهدنا عباد أَرباب هذه القباب، إذا التطمت عليهم أَمواج البحر العباب سمعت ذكر الزيلعي والحداد، وكل يدعو شيخه عند ذلك الاضطراب إذ لكل طريقة لا ينتحي سواها في الهتف والانتساب" (١).
٢ - ومنهم الإمام الشوكاني ﵀ فقد ذكر أَن هؤلاء المتأَخرين وصلوا في الاعتقاد في الأَموات إلى حد لم يبلغه المشركون الأَوائل وذلك أَنهم كانوا يخلصون في الشدة بخلاف المعتقدين في الأَموات فإنهم إذا دهمتهم الشدائد استغاثوا بالأَموات ونذروا لهم النذور وقل من يستغيث بالله سيما في تلك الحال، وهذا يعلمه كل من له بحث عن أَحوالهم.
ثم قال الشوكاني: "ولقد أَخبرني بعض من ركب البحر للحج أَنه اضطرب اضطرابًا شديدًا فسمع من أَهل السفينة من الملاحين وغالب الراكبين معهم ينادون الأَموات ويستغيثون بهم ولم يسمعهم يذكرون الله
стр. 501
قط، قال: ولقد خشيت في تلك الحال الغرق لما شاهدته من الشرك بالله" (١).
٣ - ومنهم الشيخ صديق حسن خان ﵀ فقد وصف ما رآه من حالة الملاحين في رحلته للحج حيث ركب المركب من الحديدة إلى جدة مع الحجَّاج فيقول: "ومن العجائب التي لا ينبغي إخفاؤها أن الملاحين إذا ترددوا في أمر المركب من جمود الريح أو هبوبها مخالفة أو شيئًا من الخوف على السفينة وأهلها كانوا يهتفون باسم الشيخ عيدروس وغيره من المخلوقين مستغيثين ومستعينين به ولم يكونوا يذكرون الله أبدًا أو يدعونه بأسمائه الحسنى، وكنت إذا سمعتهم ينادون غير الله ويستعينون بالأولياء خفت على أهل المركب خوفًا عظيمًا من الهلاك، وقلت في نفسي: بالله العجب، كيف يصل هذا المركب بأهله إلى ساحل السلامة فإن مشركي العرب قد كانوا لا يذكرون آلهتهم الباطلة في مثل هذا المقام. . .
وهؤلاء القوم الذين يسمون أنفسهم المسلمين يدعون غير الله ويهتفون بأسماء المخلوقين ولقد صدق تعالى فيما قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ " (٢) [يوسف: ١٠٦].
٤ - ومنهم الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله، فقد ذكر إخلاص المشركين الدعاء الله تعالى في الشدائد ثم قال: "وأما عباد القبور فكم ذا بينهم وبين المشركين الأولين من التفاوت العظيم في الشرك فإنهم إذا أصابتهم الشدائد برًا وبحرًا أخلصوا لآلهتهم وأوثانهم التي يدعونها من دون الله» (٣).
стр. 502
٥ - ومنهم الشيخ علي محفوظ صاحب كتاب الإبداع في مضار الابتداع، فقد ذكر أن الشفاعة لا تكون إلا إذا أذن الله للشفيع ثم ذكر أنه قد يغفل عن هذا العوام فتراهم إذا نزل بهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر تركوا دعاء الله تعالى، ودعوا غيره فينادون بعض الأولياء كالبدوي والدسوقي وزينب معتقدين أنهم يتصرفون في الأمور، ولا تسمع منهم أحدًا يخص مولاه بتضرع ودعاء، وقد لا يخطر له على بال أنه لو دعا الله وحده ينجو من تلك الشدائد (١).
ومما يبين غلوهم في دعائهم للولي في حال الشدة، أنهم إذا كانوا ينذرون للولي في الرخاء بعيرًا أو تبيعًا أو شاة أو دينارًا أو درهمًا أو نحو ذلك فإذا أصابتهم الشدة زادوا ضعف ذلك فجعلوا له بعيرين أو تبيعين أو شاتين أو دينارين أو درهمين أو غير ذلك (٢).
فكلما اشتد الكرب والضيق عليهم ازداد غلوهم في مدعويهم وبُعْدُهم عن الطريق المستقيم. ومما يؤكد ذلك أيضًا أنهم لم يقتصروا على دعائهم والاستغاثة بهم بل ادعوا أنه أولى من دعاء الله تعالى وأسرع في الإجابة، لأن هؤلاء يعتقدون أن دعاء الأموات والاستغاثة بهم عند قبورهم أو غير قبورهم أنفع لهم من دعاء الله تعالى في المساجد والأسحار حيث لا يحضرون المساجد، ويعمرون المشاهد، ويحصل لهم رقة وخشوع وحضور قلب عند المشاهد ودعاء الأموات مما لا يحصل مثله بل قريب منه في الصلوات والسجود ودعاء الله تعالى (٣).
٣ - ومن مظاهر تجاوزهم الحد على السابقين أن المشركين الأوائل إذا جهدوا في الأيمان وأرادوا تأكيد القسم أقسموا بالله تعالى، قال تعالى:
стр. 503
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، فهؤلاء كفار قريش مع إنكارهم للبعث يقسمون بالله تعالى على ذلك.
وأما المتأخرون فقد انتكست عندهم المفاهيم وتغيرت فطرهم وعقولهم فكانوا إذا جهدوا في أيمانهم وأرادوا التأكيد أقسموا بالولي، وإذا حلف الرجل بالله وبأسمائه فإنه لا يطمئن باله ولا يرتاح قلبه ولا يصدق الحالف حتى يحلف له بشيخه، كما أن الحالف لا يتورع أن يحلف أشد الأيمان باسم الله تعالى كاذبًا فاجرًا وأما باسم الولي فلا يمكن أن يحلف كاذبًا.
وقد يُلْزِمُ بعضُ من نصب على القضاء الخصمَ بالحلف باسم الشيخ أو على باب العتبة إلى غير ذلك.
قال الشيخ حسين النعمي ﵀: "وكثيرون - لا يدخلون تحت حد الإحصاء - إذا كان الحلف باسم الله أقدم عليه الحالف بلا مبالاة حتى إذا طلب منه الحلف بصاحب القبر وبالأخص إذا ألزمه محلفه بإمساك حلق باب النصب فلا يتجاسر قط إن كانت يمينًا فاجرة وقد لا يرضى المحلوف له إلا بذلك دون الرسم الشرعي، ويعتقد أنه إن أقدم الحالف فإن كان بارًا وإلا بادره الولي بالعقوبة العاجلة والبطشة الكبرى".
ثم ذكر الشيخ النعمي وقائع من ذلك (١).
وهذا الأمر متواتر عن العامة قد فشا فيهم وانتشر انتشار النار في الهشيم، قال الشوكاني ﵀: "وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين
стр. 504
الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة" (١).
٤ - ومن مظاهر غلو المتأخرين في دعاء غير الله تعالى أن الأولين كان غالب ما يدعونه من الصالحين من الملائكة والأنبياء وأتباعهم أو من غير المكلفين من الجمادات كالأشجار والأحجار والأنهار، وهذه الجمادات مطيعة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وأما المتأخرون فكانوا يدعون الطواغيت الذين يَدَّعُونَ الولاية المطلقة والتصرف في الكون والقطبية والغوثية فيصدقهم هؤلاء البلهاء المغرورون فيستغيثون بهم في كشف الملمات، وقضاء الحاجات، ودفع المضرات، ونيل المسرات، مع أن هؤلاء الطواغيت شواهد كذبهم ظاهرة، وعلى صفحات وجوههم بادية، فهم ما بين مجاذيب لا يصلون ولا يتطهرون ولا يتنظفون، بل هم مجمع الأوساخ والقاذورات، وما بين ساحر يحتال بأنواع من الشعوذة والدجل التي لا تخفى إلَّا على الخفافيش، وما بين كذاب استأجر جماعة يتجسسون له ما خفي ويلفقون له الكرامات واعتمادًا على هذا التجسس يدعي العلم بالمغيبات والمكاشفات، مع أنه "من أهل الفجور لا يحضر للمسلمين مسجدًا ولا يرى لله راكعًا ولا ساجدًا ولا يعرف السنة والكتاب ولا يهاب البعث ولا الحساب" (٢).
وإن وجد في بعض من يدعونه صالح فإنه مع براءته عنهم فقد لفق القائمون على قبره حكايات وأساطير يندى لها الجبين ليستولوا على أموال المخدوعين والزائرين الطائفين بضريحه الناذرين لصندوقه.
ثم إننا لسنا الذين نقول إن هؤلاء المدعوين هم من أفسق الناس بل
стр. 505
"الذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك" (١).
٥ - ومن مظاهر غلوهم على الأولين أنهم يجعلون الولد إن عاش ملكًا للمقبور ثم يشترونه منه إن قدر أنه عاش بأثمان باهظة تصرف للنصابين على باب الضريح وفي بعض البلدان لا يحلقون شعر المولود إلّا عند باب ضريح الشيخ الَّذي نذر له وربما يمكث المولود بشعره الَّذي ولد به سنوات إذا لم يتمكن الوالد من توفير المال اللازم لشراء الولد من الولي المنذور له.
وإن كان المولود بنتًا يقسم مهرها للولي.
وهذه الأمور قد فشت في هذه الأمة وموجودة فعلًا في نواح كثيرة منها وأنا أعرف ذلك وقد عايشت تلك الأمور وعرفتها عن كثب وقرب ولكن لا بأس بالاستشهاد ببعض كلام الثقات في هذا الموضوع الَّذي قد يظن بعض من لم يعايش ذلك أنه مبالغة وتهويل.
ومن العلماء الذين أخبروا عن ذلك الأمير الصنعاني فإنه ذكر استغاثة القبوريين بأوليائهم وطلبهم منهم ما لا يطلب إلا من الله ثم قال: «بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباع من يعتقدون فيه قد يجعلون له حصة من الولد إن عاش ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش لهم ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون الأوائل».
ثم ذكر من أتى بنصف مهر ابنته إلى من يتولى قبض أموال النذور
стр. 506
ثم قال: "وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام وهو داخل تحت قول الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٦] بلا شك ولا ريب» (١).
وذكر نحو هذا أيضًا الشوكاني (٢) والنعمي (٣) رحمهما الله تعالى.
٦ - ومن غلوهم أنهم يستشفعون بالله ورسوله على مدعويهم نحو البدوي ويقول أحدهم مخاطبًا البدوي سقت عليك الله ورسوله أو توسلت إليك بالله ورسوله، وهذا ما لم يصل إليه المشركون الأوائل (٤). فتبين مما سبق: أن المتأخرين وصلوا إلى مرحلة لم يصل إليها الأوائل وبهذا يستحقون الأوصاف التي ذكرها الله تعالى للمشركين وهم أحق بها منهم لأن المشركين الأوائل من هذه الحيثيثة «أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء» (٥).
قال المفسر الألوسي في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ. . .﴾ [يونس: ٢٢]: "الآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر والياس، ومنهم من ينادي أب الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى فيهم أحدًا يخص مولاه بتضرعه ودعائه، ولا يكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله وحده ينجو من هاتيك الأهوال.
стр. 507
فبالله تعالى عليك قل لي: أي الفريقين من هذه الحيثيثة أهدى سبيلًا؟؟ وأي الداعيين أقوم قيلًا؟؟ وإلى الله المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة وتلاطمت أمواج الضلالة وخرقت سفينة الشريعة واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف" (١).
فرحم الله الألوسي ما تجاوز الحقيقة، فهذا الَّذي اشتكى منه هو الواقع المرير الَّذي يعيش فيه بعض أفراد هذه الأمة، فنسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى إخلاص التوحيد ونبذ الشرك فهو المستعان وعليه التكلان.
стр. 508
المبحث الثالث
في حكم من دعا غير الله تعالى
لقد دلّ القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة وأجمع العلماء على كفر من دعا غير الله تعالى وصرّح بذلك كثير من علماء المذاهب وإليك تفصيل ذلك:
أ - أدلة ذلك من القرآن الكريم:
لقد تنوعت دلالة القرآن على كفر من دعا غير الله تعالى وجاءت بأساليب شتّى وبطرق متنوعة، ونذكر تلك الأساليب حسب المستطاع على شكل مجموعات:
المجموعة الأولى: آيات تدل على أن الدعاء عبادة فقد دلت آيات عدة على كون الدعاء عبادة، وهذا يدل على أن من صرفه لغير الله تعالى فقد أشرك وكفر لأن من صرف شيئًا من العبادات لغير الله تعالى فقد أشرك، والله قد أمر بإخلاص العبادة له ونهى عن الإشراك به في غير ما آية، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقال عز من قائل: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١]، وقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 509
فهذه الآيات وغيرها تدل على أن صرف العبادة الله تعالى وحده إخلاص وتوحيد، وصرفها لغيره إشراك وتنديد.
فمن أمثلة الآيات الدالة على كون الدعاء عبادة: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].
وقد تقدم بحمد الله بيان دلالة هذه الآيات على كون الدعاء عبادة وعلى إطلاق العبادة على الدعاء (١).
والمقصود هنا أن نبيّن أن الدعاء عبادة وأن صرف العبادة لغير الله شرك وكفر.
الثانية: آيات وصفت دعاء غير الله بأنه شرك أو كفر ووصفت الداعين بصفة الشرك أو الكفر، وهي صريحة واضحة الدلالة على المقصود، وهي كثيرة جدًا منها قوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ
стр. 510
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في هذه الآية: "والآية نص في أن دعاء غير الله والاستغاثة به شرك أكبر" (١).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].
فقد بيّنت هذه الآية أن الَّذي يكره إخلاص الدعاء لله تعالى ويفرح ويستبشر إذا دعي أصحاب القبور كافر ومشرك.
فهذه الآيات واضحة الدلالة على شرك من دعا غير الله تعالى وكفره والعياذ بالله.
الثالثة: آيات دلت على أن دعاء الله وحده في الشدة إخلاص وتوحيد وأن دعاء غير الله في الرخاء شرك وكفر واتخاذ أنداد لله تعالى، فمن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥، ٦٦].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٥].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
وقال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ [الحج: ١٢] الضلال البعيد) [الحج: ١٢].
وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤].
ب - الأدلة - من السنّة المشرفة:
لقد تنوعت دلالة السنّة المطهرة على كفر من دعا غير الله تعالى كما تنوعت دلالة الكتاب العزيز.
فمن السنّة ما دلّ على كون الدعاء عبادة نحو حديث «الدعاء هو العبادة» (١)، وحديث «أفضل العبادة الدعاء» (٢).
ومن المعلوم أن صرف العبادة لغير الله شرك كما تقدم.
ومن السنّة ما دلّ على وجوب إفراد الله بالدعاء والسؤال والاستعانة نحو حديث ابن عباس في وصية النبي ﷺ له: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" (٣).
ومن السنّة ما دلّ على أن من دعا غير الله تعالى يدخل النار دخول
стр. 513
الخلود فيدل من هنا على كونه كفرًا والعياذ بالله، من ذلك حديث ابن مسعود ﵁ قال: "قال النبي ﷺ كلمة وقلت أخرى، قال النبي ﷺ : من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار، وقلت أنا من مات وهو لا يدعو الله ندًا دخل الجنة" (١).
ج - الإجماع:
قد أجمع العلماء على كفر من دعا غير الله تعالى وجعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم.
وقد حكى إجماع العلماء على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين" (٢).
وقد نقل هذا الإجماع عن شيخ الإسلام غير واحد مقررين له، منهم صاحب الفروع (٣) وصاحب الإنصاف (٤) وصاحب الغاية (٥) وصاحب الإقناع (٦) وشارحه (٧) ونقله راضيًا مقررًا له صاحب القواطع في كتابه (٨)
стр. 514
عن صاحب الفروع. وهذا الإجماع الَّذي ذكروه إجماع صحيح معلوم بالضرورة من الدين، وقد نصّ العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم في باب حكم المرتد، على أن من أشرك بالله كفر أي من عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات، وقد ثبت بالكتاب والسنّة والإجماع أن دعاء الله عبادة له فيكون صرفه لغير الله شركًا (١).
د - أقوال العلماء في حكم من دعا غير الله تعالى أو استعان به:
لقد بيّن الله تعالى في كتابه أوضح بيان حكم من دعا غير الله وكرر ذلك في مواضع كثيرة وبأساليب متنوعة، وذلك لأن الشرك في الدعاء هو الأكثر وقوعًا من غيره من أنواع الشرك كما تقدم (٢).
ومع وضوح هذا الحكم وضوح الشمس في رائعة النهار فقد وقع من بعض الناس التردد فيه، ومن آخرين تأويله، ومن غير هؤلاء الزعم بأنه خاص بمن مضى وغبر.
فلهذا أنقل كلام العلماء في المسألة لأن أولئك المترددين لا يقتنعون بمجرد الأدلة ولو كانت واضحة إلا إن نقل لهم من علماء المذاهب الفقهية ظنًا منهم أن الذين يعتنون بالكلام في مثل هذه المسائل من العلماء المتشددين، أو أنهم أتوا بمذهب جديد.
وهذا هو الَّذي اقتضى نقل كلام أهل العلم من فقهاء المذاهب وغيرهم لبيان سبق هؤلاء العلماء إلى هذا المعنى وأن من يؤكد على هذا ليس شاذًا ولكن له سلف صالح، ولتحصل الطمأنينة والثقة لمن يريد معرفة الحق، وأما من يريد التمسك بمألوفاته وعاداته ولا يريد التحول إلى الحق ولو ظهر له بالأدلة الواضحة، فهذا لا برجي انتفاعه بكلام أهل العلم لقصده الفاسد وإصراره على رأيه وعدم تجرده للحق وحبه له.
стр. 515
وما على من يدعوه إلا بيان الحق وإقامة الحجة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بيّنة.
أقوال علماء الحنفية:
قد ذكر علماء الحنفية أمورًا كثيرة وعدوها مما يخرج عن الملة وهي أقل بكثير من دعاء غير الله تعالى وغالب ما ذكروه ليس هناك نص صريح بخصوصه في التكفير من الكتاب والسنّة وقد يكون بعضه لا يسلم لهم التكفير به (١).
وقد تقدم كثرة النصوص القطعية المصرحة بالتكفير في دعاء غير الله تعالى: "بل لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله" (٢). فمن باب أولى أن يقول هؤلاء الذين يكفرون بما هو أقل من ذلك بكفر من دعا غير الله تعالى.
ومما يؤكد أن علماء الحنفية يكفرون بدعاء غير الله تعالى أنهم يتشددون في باب الأدعية فقد حرموا التوسل المبتدع كما سيأتي النقل عنهم (٣).
كما يؤكد ذلك أيضًا علماء الحنفية بما يفيد أنهم يكفرون من دعا غير الله تعالى وننقل هنا بعض كلامهم في ذلك:
١ - فمن ذلك قولهم: "من قال: أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر" (٤).
ودعاء غير الله تعالى يستلزم اعتقاد ذلك، إذ الداعي لو لم يعتقد
стр. 516
سماع المدعو وعلمه بدعائه لما دعا ولا فتح فاه بالنداء والصراخ وقد تقدم الكلام على هذا في مبحث علاقة الدعاء بالتوحيد (١)، وقد يقال: إن هذا من التكفير باللازم ولا يكفر به إذ لازم المذهب ليس بمذهب (٢)، فنقول جوابًا لهذا وبالله التوفيق:
- إن الصحيح (٣) في لازم المذهب أن ما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله: "وما لا يرضاه فليس بقوله، فلو قال قولًا ولزِمَ هذا القولَ لازمٌ فاسدٌ وهو لم يشعر بذلك ففي هذه الحالة لا يلزمه، وأما ما لو ظهر له يرضاه فهو لازم له وهو قائل به".
- إذا عرفنا هذا فالداعون لغير الله تعالى والمستغيثون بأصحاب القباب يلتزمون بهذا القول وكثير منهم يعتقد حضور أرواح المشايخ وقد تقدم نقل عباراتهم في ذلك وسيأتي بعضها (٤).
٢ - ومن ذلك قولهم: إن الرجل إذا تزوج امرأة بغير شهود فقال الرجل والمرأة: إن الله ورسوله شاهدان قالوا: إن هذا القول كفر، وعللوا ذلك بأنه اعتقد أن رسول الله ﷺ يعلم الغيب وهو ما كان يعلم الغيب حين كان في الأحياء فكيف بعد الموت؟ (٥).
فإذا كان علماء الحنفية يكفرون من يعتقد شهادة النبي ﷺ على النكاح فكيف بمن يعتقد علم الولي بما في ضمير الداعي وباستغاثته وندائه؟
стр. 517
٣ - من ذلك قولهم: من ادعى علم الغيب لنفسه أو صدق من يدعي ذلك كفر (١).
٤ - ومن ذلك قولهم: إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقد ذلك كفر (٢).
٥ - ومن ذلك قولهم: إن الرجل إذا خرج يوم النيروز مع المجوس موافقة لهم فيما يفعلونه في يوم عيدهم أو أهدى ولو بيضة إلى المجوسي في ذلك اليوم كفر وذلك لأنه عظم عيد الكفرة أو تشبه بهم (٣).
فإذا كان هذا قول العلماء بمن عظم يوم النيروز بنوع من التعظيم فكيف بمن يعظم ما يعبد من دون الله كأصحاب القبور؟ ومما لا شك فيه أن الَّذي عظم يوم النيروز لا يبلغ تعظيمه مبلغ المستغيث الواقع في الشدة الَّذي ينادي ويستغيث بمن ينقذه معظمًا له وراجيًا وخائفًا صارفًا له خالص تذلله وخضوعه بل ومحبته له، فإذا كان علماء الحنفية يكفرونه بمجرد إهداء البيضة بدون أن يقوم بالقلب مثل ما يقوم بالمكروب المستغيث فمن باب أولى تكفيرهم للمكروب المستغيث.
٦ - ومن ذلك قولهم: إن الرجل إذا ذبح لقدوم الحاج أو الغزاة أو السلطان أو تهنئته اتفقوا على كون الذبيحة ميتًا على اختلاف بينهم في كفر الذابح (٤).
стр. 518
فإذا كان صرف عبادة الذبيحة لغير الله كفرًا فلأن يكون صرف الدعاء كفرًا أولى وأحرى لكونه لب العبادة وروحها.
٧ - ومن ذلك قولهم: إنه يخاف الكفر على من قال: بحياتي وحياتك (١).
٨ - ومن ذلك قولهم فيما يفعله بعض النساء وهو صريح فيما نحن بصدده قالوا: "والذي شاع في زماننا - وكثير من نساء المسلمين مبتليات بذلك - هو أنهن في وقت طلوع الجدري للأطفال يفعلن صورة باسم ذلك الجدري ويعبدنها، ويطلبن منها شفاء الأولاد، ويعتقدن أن ذلك الحجر يشفي هذه الأطفال، فتلك النساء يصرن كافرات بهذا الفعل وبهذا الاعتقاد وبرضا أزواجهن بهذا الفعل يصيرون كفارًا.
ومن هذا القبيل أنهن يذهبن إلى عين ماء ويعبدن ذلك الماء ويذبحن على ذلك الماء شاة بالنية التي أضمرنها، فهاتيك العابدات للماء والذابحات يصرن كافرات، وتكون الشاة نجسة ولا يحل أكلها.
ومثل ذلك أنهن يتخذن صورة في البيوت، ويعبدنها مثل عبادة المجوس، وعند وضع المولود ينقشنها بالزنجفر، ويقطرن عليها الزيت ويعبدنها باسم الصنم الَّذي يقال له بهاني وكلما فعلن شيئًا مثل هذا يصرن كافرات ويبنَّ من أزواجهن" (٢).
وهذا النص مع دلالته على كفر من دعا غير الله تعالى يرد على أولئك الذين يزعمون أن الشرك لم يقع في هذه الأمة أو يقولون: إن بعض العلماء المتشددين هم الذين تفردوا بالتكفير في مثل هذه المسائل.
стр. 519
٩ - ومن ذلك ما قالوا في قولهم: "يا شيخ عبد القادر شيئًا لله": إنه كفر (١). ففي هذه الكلمة نداء الشيخ عبد القادر وطلب شيء منه إكرامًا لله فهو سؤال وتوسل بالله إلى الشيخ عبد القادر (٢).
وقد علل بعضهم منع هذه الكلمة بأنها تتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة.
ومن اعتقد أن غير الله حاضر وناظر، وعالم للخفي والجلي في كل وقت وآن فقد أشرك، والشيخ عبد القادر مع شهرة مناقبه وفضائله لم يثبت شرعًا أنه كان قادرًا على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة، وعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين واعتقاد أنه ﵀ كان يعلم أحوال مريديه في كل وقت ويسمع نداءهم من عقائد الشرك (٣).
وهذه الكلمة فيها الاستشفاع بالمخلوق على الله تعالى وقد استعظم ذلك النبي ﷺ عندما قال له الأعرابي: "إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فقال: ويحك إن شأن الله عظيم" (٤).
١٠ - ومن ذلك ما قاله الشيخ قاسم (٥) في شرح درر البحار في باب النذر: "النذر الَّذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء
стр. 520
قائلًا: يا سيدي إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا باطل إجماعًا بوجوه منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز، ومنها أنه ظن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر، إلى أن قال: وقد ابتلى الناس بذلك ولاسيما في مولد البدوي" (١).
قال الشوكاني: وتأمل ما أفاده من حكاية الإجماع على بطلان النذر المذكور وأنه كفر عنده مع ذلك الاعتقاد (٢).
١١ - ومن علماء الحنفية الذين صرحوا بما يفيد منع دعاء الأموات وأنه مما أجمع العلماء على منعه وأنه عبادة لا يجوز صرفه لغير الله تعالى الشيخ محمد طاهر الفتني (٣)، فإنه ذكر كراهية الإمام مالك قول القائل: زرنا قبره ﷺ وأن العلة في ذلك أن لفظ الزيارة صار مشتركًا بين ما شرع وبين ما لم يشرع ثم قال: "فإن منهم من قصد بزيارة قبور الأنبياء والصلحاء أن يصلي عند قبورهم ويدعو عندها، ويسألهم الحوائج وهذا لا يجوز عند أحد من علماء المسلمين فإن العبادة وطلب الحوائج والاستعانة حق لله وحده" (٤).
стр. 521
١٢ - ومن ذلك ما قاله صنع الله الحلبي (١) الحنفي في رده على من زعم أن للأولياء تصرفًا في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة:
"هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفاتٍ في حياتهم وبعد مماتهم ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهممهم تكشف المهمات فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات .. " إلى أن قال: "وهذا كلام فيه تفريط وإفراط بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفة لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة" (٢).
١٣ - ومن علماء الحنفية المتأخرين الشاه ولي الله الدهلوي (٣) فإنه بعد أن ذكر تعريف الشرك ومظاهره وقوالبه ومظانه عند المشركين وذكر منها السجود قال:
"ومنها أنهم كانوا يستعينون بغير الله في حوائجهم من شفاء المريض وغناء الفقير وينذرون لهم ويتوقعون إنجاح مقاصدهم بتلك النذور، ويتلون أسماءهم رجاء بركتها.
فأوجب الله تعالى عليهم أن يقولوا في صلواتهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.
стр. 522
وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله بعض المفسرين بل هو الاستعانة لقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ (١).
وقوله وليس المراد من الدعاء العبادة .. إلخ، يعلم ما فيه بما تقدم من إطلاق الدعاء على النوعين وتلازمهما وأنه في مثل هذا الموضع في العبادة أظهر (٢)، وقال أيضًا: "واعلم أن طلب الحوائج من الموتى عالمًا بأنه سبب لإنجاحها كفر يجب الاحتراز عنه تحرمه هذه الكلمة - يريد بها كلمة التوحيد - والناس اليوم فيها منهمكون" (٣).
ومن أصرح كلام الدهلوي ﵀ قوله: "كل من ذهب إلى بلدة أجمير أو قبر سالار ومسعود أو ما ضاهاها لأجل حاجة يطلبها فإنه أَثِمَ إِثْمًا أكبرَ من القتل والزنا وليس مثله إلا مثل من كان يعبد المصنوعات أو مثل من كان يدعو اللات والعزى" (٤). فقد صرح بأن الذاهب لطلب الحاجة من القبور مثل الداعي للّات.
١٤ - ومن علماء الحنفية الذين صرحوا بكون دعاء الأموات وندائهم كفرًا وشركًا ونددوا بذلك وجاهدوا في سبيل ذلك - الشيخ محمد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي الشهيد (٥).
فمما قاله في رسالته المسماة رسالة التوحيد أو تقوية الإيمان ما ترجمته: "نداءُ الأموات من بعيد أو قريب للدعاء - إشراك في العلم، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ وقد دلت هذه الآية على أن المشركين قد أمعنوا في السفاهة فقد عدلوا عن الله القادر العليم إلى أناس
стр. 523
لا يسمعون دعاءهم وإن سمعوا ما استجابوا وهم لا يقدرون على شيء فظهر من ذلك أن الذين يستغيثون بالصالحين الذين كانوا في الزمن السابق من بعيد وقد يكتفي بعض الناس فيقولون: يا سيدنا ادع الله لنا يقضي حاجتنا ويظنون أنهم ما أشركوا فإنهم ما طلبوا منهم قضاء الحاجة وإنما طلبوا منهم الدعاء وهذا باطل فإنهم وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد كما يسمعون نداءهم عن قرب وكان ذلك سواء في حقهم ولذلك نادوا من مكان بعيد مع أن الله قال: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (١).
ولهذا الدهلوي الشهيد في تلك الرسالة عدة تصريحات بشرك من دعا غير الله واستغاث به (٢).
١٥ - وممن صرح بكون دعاء غير الله شركًا الشيخ عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي (ت ١٢٣٩ هـ) فإنه قال: "قد أفرط الناس من هذه الأمة في باب الاستعانة بالأرواح الطيبة، فما يفعله الجهلة والعوام وما يعتقدون لها من استقلال في كل عمل فهو من غير شك شرك جلي" (٣).
فقد صرح بأنه يوجد في هذه الأمة من غلا في الأرواح واعتقد لها الاستقلال واستعان بها وفي هذا رد على من ينكر وقوع مثل هذا الاعتقاد في هذه الأمة المحمّدية كما أنه صرح بأن مثل هذا الاعتقاد شرك جلي.
стр. 524
١٦ - ومن علماء الحنفية الذين صرحوا بكفر من دعا غير الله تعالى الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي (١).
فقد قال: "من قال للعوام: إن الفيض يحصل من قبور الأولياء فقد فتح باب الشرك" (٢).
وقال أيضًا: "الاستمداد من القبور حرام" (٣).
ولما ذكر الحكاية التي تنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني: أنه أخرج فلكًا مشحونًا بعد اثني عشر سنة قال: "إنما هي من أكاذيب الجهلاء لا أصل لها وهذه العقيدة شرك ينبغي التوبة منها" (٤).
١٧ - ومن علماء الحنفية الذين صرحوا بذلك الشيخ محمود الألوسي (٥) المفسر حيث قال: "إن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركًا، وإن لا يكنه فهو قريب منه، ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء،
стр. 525
ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم" (١).
وللألوسي نحو هذا الكلام في عدة مواضع من تفسيره روح المعاني (٢).
١٨ - ومن علماء الحنفية المتأخرين الذين نددوا بدعاء غير الله تعالى وصرحوا بكفر فاعله - العلامة محمد سلطان المعصومي (٣)، فقد ألف رسالة مهمة جامعة لأقوال علماء الحنفية السابقين الذين حكموا بالكفر على من طلب المدد من غير الله واستغاث به وناداه من دون الله، وسمى رسالته بـ "حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد".
ومما ذكره في هذه الرسالة رسالة مؤلفة في الاستمداد بالشيخ عبد القادر وفيها ما معناه: "أطلب منك الإمداد يا سلطان السلاطين ويا ملك الملوك أمددنا وأعنا".
وفيها أيضًا: "المدد يا غوث غوثان المدد"، وضرب عدة أمثلة من هذا القبيل ثم قال: "اعلموا يا أيها المسلمون - وفقني الله وإياكم لما فيه رضاه ويا أيها الحنفيون هداني الله تعالى وإياكم إلى الصراط المستقيم أن هذه الكلمات كلها شرك وكفر وضلال في الدين الإسلامي والشرع المحمَّدي، والمذهب الحنفي، بل المذاهب الأربعة إجماعًا وقائلها مشرك لا تصح صلاته ولا صيامه ولا حجه ولا إمامته إلا إذا تاب وآمن
стр. 526
وأعلن توبته كما أشهر شركه" (١).
أقوال المالكية:
إن الإمام مالكًا رحمه الله تعالى قد تشدد في باب الدعاء فمنع من قول الداعي يا سيدي ويا حنان من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنّة، وأمر بالالتزام في الأدعية باللفظ الوارد عن الأنبياء يا رب يا رب (٢).
فإذا كانت سيرته هكذا من الالتزام والتقيد في باب الدعاء بالوارد - فلا يمكن أن يجيز التوسل المبتدع فضلًا عن أن يجيز دعاء غير الله تعالى ونداءه والاستغاثة به واللهج بذكره في كل وقت وآن، فالذي يمنع من قول الداعي المخلص لله أن يقول لله تعالى: يا سيدي فمن باب أولى وأحرى أن يمنع من قول الداعي يا ولي الله فلان افعل لي كذا، فهذا ظاهر واضح.
ثم إن مالكًا ﵀ كره الوقوف عند قبر النبي ﷺ للدعاء له أو الدعاء عنده (٣)، وكره لأهل المدينة التردد للسلام عليه (٤) كما كره أن يقال زرنا قبره ﷺ (٥).
فتحصل مما سبق أن الإمام مالكًا ﵀ من أشد الناس محاربة للبدع لاسيما في باب الدعاء، فمن هنا يفهم عدم تجويزه لما هو شرك من باب أولى، وعلماء مذهبه لا بد أنهم يتبعون منهجه في ذلك فقد
стр. 527
صرح بعضهم بما يفيد كفر من دعا غير الله تعالى فممن صرح بذلك القاضي عياض رحمه الله تعالى حيث قال: "إن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية أو الوحدانية، أو عبادة أحد غير الله أو مع الله - فهو كفر" (١)، فقوله أو عباده أحد غير الله أو مع الله يدخل فيه من يدعو غير الله دخولًا أوليًا لأن الدعاء هو العبادة ولبها ومخها.
وقال القاضي أيضًا: "إن من نزع من الكلام لمخلوق بما لا يليق إلا في حق خالقه غير قاصد للكفر والاستخفاف ولا عامد للإلحاد، فإن تكرر هذا منه وعرف به - دل على تلاعبه بدينه، واستخفافه بحرمة ربه، وجهله بعظيم عزته وكبريائه وهذا كفر لا مرية فيه" (٢).
وقد ذكر القرافي المالكي الأدعية التي تخرج عن الإسلام وبعضها أقل بكثير مما نحن فيه ثم قال: "فينبغي للسائل أن يحذر هذه الأدعية وما يجري مجراها حذرًا شديدًا لما تؤدي إليه من سخط الديانة والخلود في النيران، وحبوط الأعمال وانفساخ الأنكحة واستباحة الأرواح والأموال، وهذا فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية ولا يرجع إلى الإسلام ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلّا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين فإن مات على ذلك كان أمره كما ذكرناه نسأل الله العافية من موجبات عقابه" (٣).
أقوال الشافعية:
إن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أحد أئمة السنة الذين حاربوا البدعة ونشروا السنة فهو وإن لم نجد له نصًا صريحًا في الموضوع لعدم وقوع هذه المسألة في عصره كما تقدم بيان ذلك ولكن وجدنا له نصًا يستنبط منه مذهبه في الموضوع وهو أن الشافعي قال:
стр. 528
"من حلف باسم من أسماء الله فحنث، فعليه الكفارة لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة لأنه مخلوق، وذاك غير مخلوق" (١).
فإذا كان الشافعي ﵀ لا يرى الحلف بغير أسماء الله تعالى فلا يعقل أن يجيز الدعاء بغير أسماء الله الحسنى ولو كانت معظمة كالكعبة والصفا والمروة وأسماء الأنبياء.
وقد تبع الشافعي علماء مذهبه وقد صرح بمنع مثل هذه الأدعية بعض متقدميهم.
فمنهم إمام الأئمة ابن خزيمة أحد كبار فقهاء المحدِّثين ويعد من الشافعية (٢) فإنه قال: "هل سمعتم عالمًا يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله؟ أو يجيز أن يقول: أعوذ بالصفا والمروة أو أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق؟
هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه (٣) ".
ومنهم الإمام الخطابي الفقيه المحدث اللغوي، فإنه نقل كلام الإمام أحمد في عدم جواز الاستعاذة بالمخلوق فأقره (٤).
ومنهم البيهقي الذي قال فيه إمام الحرمين: "ما من شافعي إلا وللشافعي عليه في عنقه منة إلا البيهقي فإنه له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرته لمذهبه وأقاويله" (٥).
стр. 529
فهذا الإمام البيهقي ذكر بعض أحاديث الاستعاذة بكلمات الله تعالى ثم قال: "ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق من مخلوق" (١).
وممن صرح بكفر من دعا غير الله تعالى من علماء الشافعية الإمام المقريزي (٢) الشافعي ﵀ فإنه قال: "وشرك الأمم كله نوعان شرك في الإلهية وشرك في الربوبية، فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك وهو شرك عباد الأصنام وعباد الملائكة وعباد الجن وعباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات الذين قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ويشفعوا لنا عنده وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة … " (٣).
وقال في زيارة القبور: إنها على ثلاثة أقسام: "قوم يزورون الموتى فيدعون لهم وهذه الزيارة شرعية، وقوم يزورونهم يدعون بهم فهؤلاء هم المشركون في الألوهية والمحبة، وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم وهؤلاء هم المشركون في الربوبية" (٤)
وقوله في الذين يدعون بالمقبورين: إنهم مشركون في الألوهية قد يعترض عليه بأنه لا يصل إلى الشرك الأكبر إلا في بعض الأحيان ويعلم ذلك مما ذكرناه في مبحث مراتب دعاء غير الله تعالى، ولعله يريد بذلك من يقصد من الدعاء بهم الشفاعة الشركية لا مطلق التوسل بهم والله أعلم.
стр. 530
ومنهم أبو شامة (١) الشافعي فقد ذكر ما وقع من جهال العوام: من انتمائهم إلى طريقة الفقر والتصوف واعتقادهم في المشايخ المتصوفة الضالين المضلين ثم قال: "وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها" ثم ذكر ما تفعله العامة من تخليق الحيطان والعمد وإيقاد السرج على المواضع يزعم أحد أنه رأى في المنام أحدًا ممن اشتهر بالصلاح والولاية إلى أن يصل بهم الحال إلى تعظيم تلك الأماكن ورجاء الشفاء وقضاء الحوائج منها بالنذر وهي مما بين عيون وشجر وحائط وحجر … (٢).
ومنهم ابن حجر الهيتمي الشافعي (٣) في شرحه لحديث الأربعين عند الكلام على حديث: "إذا سألت فاسأل الله" أن من اعتقد النفع والضر لغير الله كفر (٤)، وقد ألف كتابًا مستقلًا سماه الأعلام بقواطع الإسلام ذكر فيه أنواعًا كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يخرج من الإسلام وغالب ما ذكره لا يساوي عشر ما نحن فيه (٥)، وكثير مما ذكره أنه يخرج من الإسلام لم يرد فيه نص مثل ما ورد في دعاء غير الله تعالى من الأدلة الدالة على كفر مرتكبه.
وقد نقل في هذا الكتاب عن صاحب الفروع إجماع العلماء على كفر من جعل بينه وبين الله واسطة ثم أقر ما نقله (٦).