← Акыда

Акыда · id 1201

الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية

جيلان بن خضر العروسي

Полный текст (973 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وأعلن توبته كما أشهر شركه" (١). أقوال المالكية: إن الإمام مالكًا رحمه الله تعالى قد تشدد في باب الدعاء فمنع من قول الداعي يا سيدي ويا حنان من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنّة، وأمر بالالتزام في الأدعية باللفظ الوارد عن الأنبياء يا رب يا رب (٢). فإذا كانت سيرته هكذا من الالتزام والتقيد في باب الدعاء بالوارد - فلا يمكن أن يجيز التوسل المبتدع فضلًا عن أن يجيز دعاء غير الله تعالى ونداءه والاستغاثة به واللهج بذكره في كل وقت وآن، فالذي يمنع من قول الداعي المخلص لله أن يقول لله تعالى: يا سيدي فمن باب أولى وأحرى أن يمنع من قول الداعي يا ولي الله فلان افعل لي كذا، فهذا ظاهر واضح. ثم إن مالكًا ﵀ كره الوقوف عند قبر النبي ﷺ للدعاء له أو الدعاء عنده (٣)، وكره لأهل المدينة التردد للسلام عليه (٤) كما كره أن يقال زرنا قبره ﷺ (٥). فتحصل مما سبق أن الإمام مالكًا ﵀ من أشد الناس محاربة للبدع لاسيما في باب الدعاء، فمن هنا يفهم عدم تجويزه لما هو شرك من باب أولى، وعلماء مذهبه لا بد أنهم يتبعون منهجه في ذلك فقد

стр. 527

صرح بعضهم بما يفيد كفر من دعا غير الله تعالى فممن صرح بذلك القاضي عياض رحمه الله تعالى حيث قال: "إن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية أو الوحدانية، أو عبادة أحد غير الله أو مع الله - فهو كفر" (١)، فقوله أو عباده أحد غير الله أو مع الله يدخل فيه من يدعو غير الله دخولًا أوليًا لأن الدعاء هو العبادة ولبها ومخها. وقال القاضي أيضًا: "إن من نزع من الكلام لمخلوق بما لا يليق إلا في حق خالقه غير قاصد للكفر والاستخفاف ولا عامد للإلحاد، فإن تكرر هذا منه وعرف به - دل على تلاعبه بدينه، واستخفافه بحرمة ربه، وجهله بعظيم عزته وكبريائه وهذا كفر لا مرية فيه" (٢). وقد ذكر القرافي المالكي الأدعية التي تخرج عن الإسلام وبعضها أقل بكثير مما نحن فيه ثم قال: "فينبغي للسائل أن يحذر هذه الأدعية وما يجري مجراها حذرًا شديدًا لما تؤدي إليه من سخط الديانة والخلود في النيران، وحبوط الأعمال وانفساخ الأنكحة واستباحة الأرواح والأموال، وهذا فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية ولا يرجع إلى الإسلام ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلّا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين فإن مات على ذلك كان أمره كما ذكرناه نسأل الله العافية من موجبات عقابه" (٣). أقوال الشافعية: إن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أحد أئمة السنة الذين حاربوا البدعة ونشروا السنة فهو وإن لم نجد له نصًا صريحًا في الموضوع لعدم وقوع هذه المسألة في عصره كما تقدم بيان ذلك ولكن وجدنا له نصًا يستنبط منه مذهبه في الموضوع وهو أن الشافعي قال:

стр. 528

"من حلف باسم من أسماء الله فحنث، فعليه الكفارة لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة لأنه مخلوق، وذاك غير مخلوق" (١). فإذا كان الشافعي ﵀ لا يرى الحلف بغير أسماء الله تعالى فلا يعقل أن يجيز الدعاء بغير أسماء الله الحسنى ولو كانت معظمة كالكعبة والصفا والمروة وأسماء الأنبياء. وقد تبع الشافعي علماء مذهبه وقد صرح بمنع مثل هذه الأدعية بعض متقدميهم. فمنهم إمام الأئمة ابن خزيمة أحد كبار فقهاء المحدِّثين ويعد من الشافعية (٢) فإنه قال: "هل سمعتم عالمًا يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله؟ أو يجيز أن يقول: أعوذ بالصفا والمروة أو أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق؟ هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه (٣) ". ومنهم الإمام الخطابي الفقيه المحدث اللغوي، فإنه نقل كلام الإمام أحمد في عدم جواز الاستعاذة بالمخلوق فأقره (٤). ومنهم البيهقي الذي قال فيه إمام الحرمين: "ما من شافعي إلا وللشافعي عليه في عنقه منة إلا البيهقي فإنه له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرته لمذهبه وأقاويله" (٥).

стр. 529

فهذا الإمام البيهقي ذكر بعض أحاديث الاستعاذة بكلمات الله تعالى ثم قال: "ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق من مخلوق" (١). وممن صرح بكفر من دعا غير الله تعالى من علماء الشافعية الإمام المقريزي (٢) الشافعي ﵀ فإنه قال: "وشرك الأمم كله نوعان شرك في الإلهية وشرك في الربوبية، فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك وهو شرك عباد الأصنام وعباد الملائكة وعباد الجن وعباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات الذين قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ويشفعوا لنا عنده وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة … " (٣). وقال في زيارة القبور: إنها على ثلاثة أقسام: "قوم يزورون الموتى فيدعون لهم وهذه الزيارة شرعية، وقوم يزورونهم يدعون بهم فهؤلاء هم المشركون في الألوهية والمحبة، وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم وهؤلاء هم المشركون في الربوبية" (٤) وقوله في الذين يدعون بالمقبورين: إنهم مشركون في الألوهية قد يعترض عليه بأنه لا يصل إلى الشرك الأكبر إلا في بعض الأحيان ويعلم ذلك مما ذكرناه في مبحث مراتب دعاء غير الله تعالى، ولعله يريد بذلك من يقصد من الدعاء بهم الشفاعة الشركية لا مطلق التوسل بهم والله أعلم.

стр. 530

ومنهم أبو شامة (١) الشافعي فقد ذكر ما وقع من جهال العوام: من انتمائهم إلى طريقة الفقر والتصوف واعتقادهم في المشايخ المتصوفة الضالين المضلين ثم قال: "وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها" ثم ذكر ما تفعله العامة من تخليق الحيطان والعمد وإيقاد السرج على المواضع يزعم أحد أنه رأى في المنام أحدًا ممن اشتهر بالصلاح والولاية إلى أن يصل بهم الحال إلى تعظيم تلك الأماكن ورجاء الشفاء وقضاء الحوائج منها بالنذر وهي مما بين عيون وشجر وحائط وحجر … (٢). ومنهم ابن حجر الهيتمي الشافعي (٣) في شرحه لحديث الأربعين عند الكلام على حديث: "إذا سألت فاسأل الله" أن من اعتقد النفع والضر لغير الله كفر (٤)، وقد ألف كتابًا مستقلًا سماه الأعلام بقواطع الإسلام ذكر فيه أنواعًا كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يخرج من الإسلام وغالب ما ذكره لا يساوي عشر ما نحن فيه (٥)، وكثير مما ذكره أنه يخرج من الإسلام لم يرد فيه نص مثل ما ورد في دعاء غير الله تعالى من الأدلة الدالة على كفر مرتكبه. وقد نقل في هذا الكتاب عن صاحب الفروع إجماع العلماء على كفر من جعل بينه وبين الله واسطة ثم أقر ما نقله (٦).

стр. 531

أقوال علماء الحنابلة: قد تقدم (١) نقل كلام الخلال وارث علم أحمد أنه لا يجوز أن يقال أعيذك بالسماء أو بالأنبياء والملائكة الخ. كما تقدم (٢) نقل كلام ابن بطة الحنبلي في ذلك. وممن صرح بكفر من دعا غير الله تعالى من علماء الحنابلة الشيخ أبو الوفا بن عقيل (٣) الحنبلي ﵀ فقد قال: "لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم قال: وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركًا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى … " (٤). فقد صرح في هذا الكلام السابق بأن خطاب الموتى بالحوائج كفر. وقد نقل هذا الكلام كثير من علماء الحنابلة وغيرهم (٥) فأقروه، فهم قائلون بما قاله ابن عقيل من كفر من خاطب الموتى بالحوائج. وقال ابن عقيل أيضًا في الكلام على الصوفية: "وقد سمعنا عنهم أن الدعاء عند حدو الحادي … مجاب، اعتقادًا أنه قربة، وهذا كفر

стр. 532

أيضًا لأن من اعتقد المكروه والحرام قربة كان بهذا الاعتقاد كافرًا والناس بين تحريمه وكراهيته" (١). فإذا كان ابن عقيل يكفر من اعتقد ذلك فكيف بمن اعتقد استجابة الدعاء بواسطة الأولياء؟ فضلًا عمن دعاهم واستغاث بهم وناداهم سرًا وجهارًا واعتقد سماعهم وعلمهم به وبما هو فيه، فهذا بلا شك أشد كفرًا ممن ذكره ابن عقيل ﵀، فمقتضى قوله أنه يكفر هؤلاء من باب أولى وأحرى. ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد تقدم قوله في حكاية الإجماع على كفر من جعل الواسطة بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم وأنه نقله كثير من علماء الحنابلة وغيرهم فأقروه (٢). وقال شيخ الإسلام أيضًا فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يدعوه من دون الله مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أجرني، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل (٣). ومنهم ابن القيم ﵀ فمن أقواله ما ذكره في مدارج السالكين في باب التوبة بقوله: "ومن أنواعه - أي الشرك - طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فضلًا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها … " (٤). وذكر رحمه الله تعالى زيارة القبور الزيارة الشرعية للدعاء لهم

стр. 533

والترحم عليهم والاستغفار ثم قال: "فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به والإقسام على الله به وسؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه إليه بعكس هديه ﷺ فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت" (١). وذكر ﵀ أنه يجب على الإمام هدم الأمكنة التي يعصى الله فيها فذكر مسجد ضرار ثم قال "فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادًا من دون الله أحق بالهدم وأوجب" (٢). ومنهم الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ فإنه قال: ما ملخصه إن المبالغة في تعظيم الرسول ﷺ بالحج إلى قبره والسجود له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج كربات المكروبين وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء - فهذه المبالغة مبالغة في الشرك وانسلاخ من ذمة الدين (٣). ومنهم الحافظ بن رجب ﵀ فإنه قال: "إن قول العبد لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله، والإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالًا ومحبة وخوفًا ورجاءً، وتوكلًا عليه وسؤالًا منه ودعاء له ولا يصلح ذلك كله إلا لله ، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله ونقصًا في توحيده وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك" (٤).

стр. 534

علماء آخرون صرحوا بكفر من دعا غير الله: وقد صرح علماء آخرون غير من ذكرناهم بكفر من دعا غير الله تعالى وقرروا ذلك في مؤلفاتهم وهم كثيرون منهم: الشيخ محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (ت ١١٨٢ هـ) فقد قال: إن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل به إلى الرب تعالى … فإنه قد أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقده المشركون في الأوثان، فضلًا عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي أو يطلب من ذلك الميت ما لا يطلب إلا من الله تعالى من الحاجات من عافية مريضه أو قدوم غائبه أو نيله لأي مطلب من المطالب فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عباد الأصنام" (١). وقال أيضًا: "ومن نادى الله ليلًا ونهارًا وسرًا وجهارًا وخوفًا وطمعًا ثم نادى معه غيره فقد أشرك في العبادة فإن الدعاء من العبادة" (٢). ومنهم الشيخ حسين بن مهدي النعمي (ت ١١٨٧ هـ) فقد قال بعد كلام طويل له في الموضوع: فحينئذ علمت - إن شاء الله تعالى بالبرهان الصحيح واليقين الذي لا يخالطه أدنى ريبة ولا ينتابه أو يتصور عليه وهم أو يتطفل عليه شك - أن دعاء المخلوق، وقصده بذلك من متفاحش الظلم ومتبالغ الشرك ومنازعة في خاص حق الله، وخضوع وتذلل بخالص عبادته لسواه، إذ روح كونك عبدًا له تعالى هو هذا المقام، وهذا التكيف والتصور بهذه الحالة .... " (٣).

стр. 535

فقد صرح النعمي ﵀ بأن دعاء غير الله تعالى من أبلغ الشرك وأفحش الظلم إذ هو وضع للعبادة التي هي من خصائص الله في غير محلها الذي هو المخلوق. ومنهم الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) فإنه قال: إن من اعتقد في ميت من الأموات أو من الأحياء أنه يضره أو ينفعه إما استقلالًا أو مع الله تعالى أو ناداه أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق لم يخلص التوحيد لله ولا أفرده بالعبادة إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه ودفع الضر عنه هو نوع من أنواع العبادة، وإن الشرك هو دعاء غير الله تعالى، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه (١). وقال أيضًا: إن الواجب على كل من اطلع على شيء مما يفعله المعتقدون في القبور أن يبلغهم الحجة الشرعية ويقول لمن صار يدعو الأموات عند الحاجات ويستغيث بهم عند حلول المصيبات وينذر لهم وينحر لهم النحور، ويعظمهم تعظيم الرب سبحانه: إن هذا الذي يفعلونه هو الشرك الذي كانت عليه الجاهلية (٢). وقال أيضًا: "وكم سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 536

ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالمًا ولا متعلمًا ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا … " (١). فقد صرح الشوكاني ﵀ بأن صرف الدعاء لغير الله تعالى شرك لكون الدعاء عبادة كما صرح بأن التقرب إلى غير الله بما يتقرب به إلى الله شرك وأن هذا هو عين ما يفعله مشرك الجاهلية وأن قصد القبور لطلب قضاء الحوائج منكر شنيع وكفر فظيع. ومنهم الإمام محمد صديق خان (٢) ﵀ فقد قال: "فمن استغاث بغيره - أي الله - في الشدائد ودعا غيره فيها فقد كفر" (٣). وقال أيضًا: "والألوهية التي تسميها العامة في زماننا الولاية، والسر، وسر السر، ويسمون أهلها الفقراء والمشايخ … ويظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن العامي يلتجئ إليهم ويرجوهم، ويخافهم، ويستغيث بهم ويستعين منهم، في قضاء حوائجه، … هي الشرك الجلي الذي لا يغفره الله تعالى أبدًا" (٤). وقال أيضًا: "فالدعاء هو التوحيد، فمن دعا غير الله فقد أشرك، ودعاء غيره سبحانه شرك لا شك فيه" (٥). أقوال أئمة الدعوة في ذلك: أما أقوال أئمة الدعوة في ذلك فبحر لا ساحل له لأن الخصومة (٦)

стр. 537

التي وقعت بينهم وبين غيرهم في هذه المسألة وهي أكبر مسألة دار عليها الجدل منذ زمن الأنبياء والرسل، فالرسل أول ما يطلبون من أممهم إفراد الله تعالى بالعبادة التي هي متضمنة لنوعي الدعاء، فكل نبي يقول لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥]. ولقد مكث النبي ﷺ بمكة يدعو إلى هذا الأصل ثلاث عشرة سنة إلى أن استقام الدين وفهمت العقيدة الصحيحة، وأُفرد اللهُ تعالى بنوعي الدعاء وظهر الإسلام وانتشر. ثم لما ظهر بعض بوادر الفساد في الاعتقاد قيض الله تعالى من يذب عن العقيدة ويكشف انتحال المبطلين وينفي تحريف الغالين مصداقًا لقوله ﷺ : "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (١) فممن قيضهم الله لذلك أئمة السلف وعلماء الحديث فجزاهم الله عن الإسلام خيرًا. ثم لما ظهرت بوادر الفساد في الاعتقاد في القرون الأخيرة وضعفت العقيدة في نفوس الناس ووقع الشرك وانتشر دعاء غير الله تعالى والاستغاثة بالصالحين قيض الله تعالى في القرن الثاني عشر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه لنصرة العقيدة الصحيحة وبيانها بالحجة والبرهان ثم بالسيف والسنان، وكان الشيخ يصرح بأن دعوته تقوم على النهي عن دعوة غير الله تعالى (٢). فلهذا كثر كلامه رحمه الله تعالى في هذه المسألة فكان يصرح بها مرات كثيرة، فتارة يتكلم عن الوسائل والأسباب التي تؤدي إليها وتارة عن عواقبها الوخيمة إلى غير ذلك، فكتبه ورسائله تدور حول هذا المعنى وإن

стр. 538

كانت بأساليب متنوعة وبعبارات شتى، وإليك مقتطفات أقواله: قال ﵀: "اعلم أن نواقض الإسلام عشرة" فذكر الناقض الأول ثم قال: "الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعًا" (١). وعقد في كتاب التوحيد بابًا بعنوان "باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره" وذكر في مسائل هذا الباب المسألة الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر (٢). وقال أيضًا: "وأما النذر له - أي القبر - ودعاؤه والخضوع له فهو من الشرك الأكبر" (٣). وقال أيضًا: "فمن عبد الله ليلًا ونهارًا ثم دعا نبيًا أو وليًا عند قبره فقد اتخذ إلهين اثنين، ولم يشهد أن لا إله إلا الله لأن الإله هو المدعو" (٤). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: (ت ١٢٣٣ هـ) بعد أن ذكر الآيات والأحاديث وأقوال العلماء في هذا الموضوع: وقد تبين بما ذكر … أن دعاء الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر بل هو أكبر أنواع الشرك، لأن الدعاء مخ العبادة، ولأن من خصائص الإلهية إفراد الله بسؤال ذلك، إذ معنى الإله هو الذي يعبد لأجل هذه الأمور، ولأن الداعي إنما يدعو إلهه عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك خلاصة التوحيد، وهو انقطاع الأمل مما سوى الله فمن صرف شيئًا

стр. 539

من ذلك لغير الله فقد ساوى بينه وبين الله وذلك هو الشرك" (١). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (ت ١٢٨٥ هـ): "فإذا عرفت بصحيح المنقول وصريح المعقول أن الدعاء عبادة وأن مدلوله السؤال والطلب، فمن صرف من هذه العبادات شيئًا لغير الله فقد أشرك مع الله غيره في عبادته كائنًا ما كان لعموم النهي عن دعوة غير الله في القرآن كله من أوله إلى آخره فمن ادعى أنه يصرف منه شيء لأحد سوى الله فقد صادم الكتاب والسنة وخالف ما اجتمعت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم فيما دعوا إليه أممهم بقولهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢) [الأعراف: ٥٦، ٦٤، ٧٢، ٨٤]. آراء علماء مكة في عام ١٢١٨ هـ: وقد اجتمع علماء مكة ونجد في عام ١٢١٨ هـ فتناقشوا في مسألة دعاء غير الله تعالى فقرروا أن من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله أشرك الشرك الأكبر، وهذا نص بيانهم: "إن من قال: يا رسول الله، وقال: يا ابن عباس، أو يا عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين طالبًا بذلك دفع شر أو جلب خير من كل ما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء المريض والنصر على العدو والحفظ من المكروه ونحو ذلك - أنه مشرك الشرك الأكبر الذي يهدر دمه ويبيح ماله، وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هو الله وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء متشفعًا بهم ومتقربًا لهم لقضاء حاجته من الله بسرهم وشفاعتهم له فيها أيام البرزخ" (٣).

стр. 540

هذا وقد وافق هؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم علماء آخرون (١) من القدماء والمحدثين أعرضنا صفحًا عن حكاية أقوالهم اكتفاء بالذين أوردنا كلامهم. هذا والمسألة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار لا تحتاج إلى كل هذا لولا أن بعض الناس يظن أنها من أقوال طائفة معينة تعتبر في نظره متشددة أو أصحاب مذهب جديد فهذا هو الذي اقتضى أن نُطوِّل بذكر آراء العلماء من جميع الطوائف حتى يعلم الحق ويتضح الصواب والله ولي التوفيق .. الخلاصة: فقد اتضح مما سبق أن علماء المذاهب قد صرحوا بكفر من استغاث بغير الله تعالى وناداه من بعيد وكذلك من ادعى معرفة الغيب أو صدق من ادعاه أو من ذبح لغير الله أو حلف بغير الله أو غير ذلك مما سبق، وهذا دليل واضح على أن الحكم بكفر من دعا غير الله تعالى مما لم ينفرد به مذهب معين أو بعض العلماء كما يتوهمه بعضهم، وقد رأيت أقوال العلماء ونصوصهم الصريحة وغير الصريحة الدالة على كفر من دعا غير الله تعالى واستغاث به. وربما يقول قائل: إن المتقدمين من السلف الصالح لم يصرحوا بكفر من دعا غير الله تعالى.

стр. 541

١ - فيقال له إن القرآن الكريم قد بيَّن ذلك أوضح بيان بأساليب متنوعة ولا يمكن لأحد أن ينكر أو يتوقف في ذلك. فعلماء السلف الصالح المتقدمون لهم القدح المُعَلَّى في معرفة دلالات القرآن وأحكامه، فهم قائلون بما صرح به القرآن ومعتصمون به، فتكفير من دعا غير الله من مذهبهم إذ روي عنهم أنهم قالوا: إذا صح الحديث فهو مذهبهم (١)، فتكفير من دعا غير الله تعالى جاءت به آيات محكمات وأحاديث صحيحة، فهو إذًا من مذهبهم وهم قائلون به. ٢ - إن مسألة دعاء غير الله تعالى لم تكن موجودة في الصدر الأول وذلك لبعد وقوع الشرك في عهد السلف الصالح في وقت قوة الإسلام ولكن لما ضعف الإسلام وانتشر الجهل ببديهيات الإسلام سول الشيطان لبعض المسلمين دعاء الأولياء والاستغاثة بهم. فلهذا لم ينقل عن السلف الكلام في هذه المسألة لأن السلف يكرهون الخوض في المسائل التي لم تقع والتي هي مسائل خيالية جدلية فرضية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الحجاج إلى القبور والمتخذون لها أوثانًا ومساجد وأعيادًا هؤلاء لم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تعرف ولا كان في الإسلام قبر ولا مشهد يحج إليه بل هذا إنما ظهر بعد القرون الثلاثة" (٢). وقال غيره: "إن الاعتقاد في الأموات إنما حدث بعد موت الإمام أحمد ومن في طبقته من أهل الحديث والفقهاء والمفسرين" (٣). والسلف الصالح منهم من أنكر بعض البدع التي تتعلق بالقبور فقد

стр. 542

أنكر الإمام أحمد ما يقع عند قبر الحسين بكربلاء (١). والذي يظهر أن الذي يقع في ذلك الوقت لا يصل إلى حد دعوة القبر من دون الله تعالى لوضوح هذا الأمر في ذلك الوقت، وحتى ولو فرضنا وقوعه لا يكون بالصورة التي وقعت في المتأخرين من اتخاذ شهر معين عيدًا للقبر والحج إليه كما يشير إلى ذلك كلام شيخ الإسلام السابق، فيكون الواقع من ذلك من بعض الأفراد لا بشكل جماعي، ويكون قاصرًا في الدعاء عندها لا دعاء أصحابها والله أعلم. ٣ - إن هذا السبب الذي تقدم من وضوح العقيدة في الصدر الأول - لاسيما فيما يتعلق بتوحيد الألوهية - هو السبب في عدم كثرة التأليف والردود في هذا الباب، لأن السلف لم يكونوا يؤلفون إلا فيما يرون أن الناس يحتاجون إليه من المسائل التي أثير حولها الجدل أو يخشى أن يلتبس فيها الأمر. وأما مسألة حكم من دعا غير الله تعالى فليست محل اختلاف فيما بينهم لوضوح أمرها في كتاب الله العزيز وسنة النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه. ويشهد لهذا الذي قلناه ما ذكره شيخ الإسلام من أن السلف لم يتكلموا في القدرية الدافعين بالقدر الأمر والنهي والطاعنين به على الرب وإنما تكلموا في المكذبين به لوجود هؤلاء بكثرة دون الأولين، وقد تقدم نحو هذا فيما سبق والله أعلم. ويشهد لهذا أيضًا أن بعض أئمة السلف، وهو ابن خزيمة، عَدَّ وقوع ذلك من مسلم محالًا كما تقدم (٢) كما يشهد له أن بعض أئمة السلف تعرضوا للكلام في هذه المسألة عندما احتاجوا للكلام بسبب خوضهم في مسألة القرآن وممن تعرض للكلام فيها الإمام أحمد ونعيم بن حماد والبخاري وسوار القاضي والخلال وابن خزيمة وابن بطة والخطابي والبيهقي، وقد نقلنا عباراتهم فيما تقدم (٣).

стр. 543

هذا ومما ينبغي أن يفهم أن الحكم بالكفر الذي سبق الكلام عليه مقيد بما هو معلوم عند أهل العلم من بلوغ الدعوة وإقامة الحجة. وقد بيّن تقييد هذا الحكم بهذا القيد كثير من العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه وكرره وأعاده في عدة مواضع من كتبه الكثيرة. من ذلك قوله ﵀ في هذه المسألة التي نحن فيها وهي دعاء غير الله تعالى ما ملخصه: إننا نعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ لم يشرع لأمته دعاء الأموات كما لم يشرع السجود لميت ولا لغيره بل نعلم أنه نهى عن ذلك "وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالفه" (١). وقال أيضًا في الحكم العام في هذه المسألة: «وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفرًا فيطلق القول بتكفير صاحبه فيقال: من قال كذا فهو كافر لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها وهذا كما في نصوص الوعيد … فإن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد على معين من أهل القبلة بالنار لجواز ألا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع فقد لا يكون التحريم بلغه … وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله تعالى بها" (٢). ولشيخ الإسلام نحو هذا الكلام في عدة مواضع من كتبه (٣).

стр. 544

ومنهم أيضًا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقد بيّن أن الجاهل الذي لم تبلغه الحجة لا يكفر لا سيما الذي لم يقصر ولم يكن يعيش في بيئة انتشر التوحيد وعلماؤه فيها (١). هذا ومع تصريح شيخي الإسلام المتقدم بأن الحكم بالكفر متوقف على بلوغ الحجة نجد بعض الناس يتهمهما وكذلك يتهم من يعتني بالعقيدة الصحيحة ويحذر من الشرك ودعاء غير الله تعالى - بتكفير المسلمين وأن هذا فعل الخوارج. وهذه تهمة باطلة لا أساس لها من الصحة فقد علمنا أن التكفير إنما يكون لمن بلغته الحجة الرسالية. ثم إن بعض الناس اعتمد على ما ينقل من عدم تكفير أهل القبلة فتوسع في ذلك توسعًا غير مرضي، فصار يؤول كل ما يقع من الشركيات

стр. 545

حتى ولو قامت على أصحابها الحجة، ويعترض بهذا على من يدعو إلى التوحيد وإخلاص نوعي الدعاء لله تعالى ويحذر من الشرك ومن دعاء الأموات والاستغاثة بهم. وستأتي مناقشة هذه الشبهة (١) في الباب الرابع إن شاء الله تعالى. هذا وما تقدم من اشتراط بلوغ الدعوة وإقامة الحجة هو المذهب الراجح وهناك مذهب آخر له أدلة قوية، وهو أنه لا يشترط ذلك وقد ذهب إليه من المتقدمين الحافظ ابن منده فقد بوّب في كتابه التوحيد بعنوان "ذكر الدليل على أن المجتهد المخطئ في معرفة الله ووحدانيته كالمعاند" ثم أورد قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ وقول علي بن أبي طالب ﵁ لما سئل عن الأخسرين أعمالًا: كفرة أهل الكتاب وأن منهم أهل حروراء وذكر أدلة أخرى (٢). وعلى هذه الأدلة مؤاخذات فإن الآيات وردت في الكافر الأصلي ونحن في المسلم لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وقد قال علي ﵁ في أهل حروراء: من الكفر فروا (٣).

стр. 546

الفصل الثالث في الأدعية المبتدعة وما ورد في التحذير من الابتداع في الدعاء وغيره من العبادات، وآثارها الضارة، وأسباب انتشارها، وأنواعها ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: فيما ورد في التحذير من الابتداع في الدين عمومًا وفي الدعاء خصوصًا. المبحث الثاني: في أنواع الأدعية المبتدعة.

стр. 547

المبحث الأول فيما ورد في التحذير من الابتداع في الدين عمومًا وفي الدعاء خصوصًا من الكتاب والسنة، وآثار السلف، وأقوال العلماء، وآثار الأدعية المبتدعة الضارة وأسباب انتشارها. ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب. تمهيد: إن الدعاء من أجلّ العبادات وأعلاها، والعبادات مبناها على التوقيف من الشارع الحكيم لا على الهوى والابتداع، فإن الإسلام مبني على أصلين أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ ولا نعبده بالأهواء والبدع (١). فأي عبادة لم يتوافر فيها هذان الأصلان لا تقبل بل هي مردودة على صاحبها. فلذا ينبغي للإنسان أن يلزم الأدعية المشروعة فإنها معصومة كما يتحرى في سائر عباداته الصورة المشروعة فإن هذا هو الصراط المستقيم (٢). ثم إن الأدعية المشروعة كثيرة جدًا ووافية للغرض على أكمل الحالات فلا حاجة لابتداع أدعية أخرى. وقد وردت أدعية صحيحة تشمل جميع أحوال الإنسان من صحة وسقم ونعمة ومصيبة وفرح وسرور كما أنها تعم أغلب أوقات الإنسان من

стр. 548

ليل ونهار وصباح ومساء، وقد حفظت تلك الأدعية في دواوين السنة العامة وفي كتب خاصة بالأدعية والأذكار فالسعادة كل السعادة لمن التزم الأدعية المشروعة الصحيحة وحافظ عليها واجتنب الأدعية المبتدعة. ولا يشك من له اعتناء بالكتاب والسنة أن "الاقتصار على الدعوات الصحيحة المشروعة أولى من الدعوات المجموعات" (١) والأوراد والأحزاب الصوفية هذا في الدعوات المجموعة الخالية عن الشركيات والاعتداء، وأما التي فيها هذه الأمور فهي من باب أولى، ونحن - إن شاء الله تعالى - نبحث عن الأدعية المبتدعة لأسباب عدة منها: ١ - أن البدعة هي الباب الموصل إلى الشرك. ٢ - أن كثيرًا من الأدعية المبتدعة مشتملة على اعتداء في الدعاء وشرك وتوسل بدعي. ٣ - أن كثيرًا من الناس اعتقدوا أفضليتها على الأوراد والأدعية الواردة فصرفوا أنفس الأوقات فيها وهجروا الأدعية الثابتة وفي هذا بلاء عظيم. ٤ - أن تلك الأدعية مع بدعيتها قارنتها بدع أخرى من الاجتماع لقراءتها ورفع الصوت بها والتمايل عند قراءتها حتى يغمى على بعضهم، فوجب نصحهم وبيان الحق في ذلك. المطلب الأول: في التحذير من الابتداع في الدين: قد وردت عدة آيات في التحذير من الابتداع في الدين، فمن تلك الآيات: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].

стр. 549

وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. قال قتادة: لا تبتدعوا (١). وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وقوله عز من قائل: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وقد قرن الله البدعة بالشرك في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فالإثم والبغي قرينان والشرك والبدعة قرينان. وذلك لأن كلًا منهما يلزم منه التنقيص، فالشرك يلزم منه تنقيص الله تعالى والبدعة يلزم منها تنقيص الرسول ﷺ حيث زعم المبتدع أنها خير من السنة وأولى بالصواب أو أنها هي السنة مع أن الرسول ﷺ لم يشرعها (٢). وقد وردت أيضًا أحاديث كثيرة تكفلت كتب السنّة المطهرة بإيرادها في أبواب خاصة فبعض تلك الأبواب يسمى كتاب (٣) الاعتصام، وبعضها كتاب السنة (٤) أو اتباع السنة. وكثير من علماء الحديث أفردوا مؤلفات خاصة في الحث على الالتزام بالسنّة والحض عليها والتحذير من البدع وتسمى بكتب السنّة في

стр. 550

اصطلاح المتقدمين وهي كثيرة (١). ومن تلك الأحاديث الكثيرة التي اشتملت عليها هذه الكتب: حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢). وهذا الحديث أحد الأحاديث التي تدور عليها أصول الإسلام كما قاله أحمد وغيره (٣). وكان يقول رسول الله ﷺ في خطبة يوم الجمعة مكررًا تحذيره من الابتداع: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" (٤) فلم يستثن رسول الله ﷺ أي بدعة بل أطلق وعمم. وقال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" (٥).

стр. 551

كما وردت آثار كثيرة في التحذير من البدعة، من ذلك: ما قاله ابن مسعود ﵁: "إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها … " (١). وقال أيضًا: "القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة" (٢) ونحوه عن أبي بن كعب (٣) وأبي الدرداء (٤). وقال ابن مسعود أيضًا: "كيف أنتم إذا لبستم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير ويتخذها الناس سنّة إذا ترك منها شيء قيل تركت السنة، قالوا: متى ذلك؟ قال: إذا ذهبت علماؤكم، وكثرت قراؤكم، وقلّت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلّت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة وتفقه لغير الدين" (٥). وهذا الأثر له حكم الرفع لأنه إخبار عن أمور مغيبة تقع في المستقبل، وهذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فهو مرفوع إلى الرسول ﷺ .

стр. 552

وقد وقع هذا الذي أخبر به المصطفى صلوات الله وسلامه عليه فقد كان بعض الناس يغضب إذا أعرض من يحاول التمسك بالسنة - عن نحو التوسل المبتدع أو ترك الدعاء عقب الصلوات بالصورة الجماعية - ويتهمه بالخروج عن أهل السنة والجماعة وإنشاء مذهب خامس. وقال ابن مسعود ﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة" (١). وقال حسان بن عطية أحد التابعين: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة" (٢). وقد ورد ما يؤيد هذا الأثر مرفوعًا من حديث غضيف بن الحارث في قصة رفع الأبدي على المنبر يوم الجمعة: "ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة، فتمسكٌ بسنة، خيرٌ من إحداث بدعة" (٣).

стр. 553

قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وإذا كان هذا جواب هذا الصحابي في أمر له أصل في السنة فما ظنك بما لا أصل له فيها فكيف بما يشتمل على ما يخالفها؟ " (١). فمما يصدق هذا الأثر ما نحن فيه فإنه لما ابتدعت الأدعية المحدثة ترك الناس الأدعية المأثورة الواردة في الكتاب والسنّة، فلا تجد من يلازمها ويطبقها حسب ورودها إلا القليل من المتمسكين المعتصمين بالآثار وما أقلهم! وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن من يكتم الحق يقيم موضعه باطلًا ثم قال: وهكذا أهل البدع، لا نجد أحدًا ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة ولا نجد صاحب بدعة إلا ترك شيئًا من السنة كما جاء في الحديث: "ما ابتدع قوم بدعة إلا وتركوا من السنة مثلها" رواه الإمام أحمد، وقد قال تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤] فلما تركوا حظًا مما ذكروا به اعتاضوا بغيره فوقعت بينهم العداوة والبغضاء" (٢). المطلب الثاني: في الأدلة الدالة على منع الابتداع في الأدعية الراتبة: وهناك أدلة كثيرة تدل على أن باب الدعاء توقيفي لا ينبغي الخروج عما رسمه الشارع في الجملة وذلك في الأدعية الراتبة التي تتكرر ويلازمها المكلف، أو في التي تختص بوقت معين أو صفة معينة. وأما مطلق الأدعية التي تحصل من المكلف بدون تحرّ وتلازم فهي ليست توقيفية، ولكن الأفضل فيها الالتزام بالمأثور إلا إنّ عرضت له حاجة فينص عليها مثل أن يمرض له شخص عزيز عليه أو يخاف أحدًا (٣) فهذا ليس مما نحن فيه، لأن المقصود هنا الأدعية التي يلازمها العبد

стр. 554

ويجعلها راتبة مكررة، ففي هذه الحالة لا يجوز الابتداع فيها. قال شيخ الإسلام ﵀: "الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على الاتباع وليس لأحد أن يسنَّ منها غير المسنون، ويجعله عادة راتبة يواظب الناس عليها بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله سنة" (١). الأحاديث الواردة في ذلك: ١ - ما ورد في حديث البراء بن عازب ﵄، قال: قال النبي ﷺ : "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: "اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به" قال: فردّدتها على النبي ﷺ ، فلما بلغت: "اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت" قلت: ورسولك، قال: "لا، ونبيك الذي أرسلت" (٢). فقد منع النبي ﷺ استبدال كلمة بأخرى مع صحة المعنى واستقامة التركيب والأسلوب، فكيف يكون الأمر في اختراع أوراد وأحزاب طويلة على عدد الأيام والشهور؟ لا شك أن هذا أولى بالمنع. قال الحافظ ابن حجر: "وأولى ما قيل في الحكمة في رده ﷺ على من قال: الرسول بدل النبي، أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به … فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحى إليه بهذه الكلمات فتعين أداؤها بحروفها" (٣).

стр. 555

وقد ذكر النووي أيضًا هذا التعليل لمنع استبدال كلمة الرسول بالنبي فاستحسنه (١). ٢ - ما ورد في عدة أحاديث تتعلق بالأدعية والأذكار من أن النبي ﷺ كان يعلمهم تلك الأدعية كما يعلمهم القرآن. فهذا التشبيه بتعليم القرآن يدل على أنها تحفظ وتنقل نقلًا حرفيًا كما في القرآن ولا تغير. فمن تلك الأحاديث: حديث الاستخارة: فقد ورد فيه: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن" (٢). فقد قيل في وجه هذا التشبيه أن ذلك في تحفظ حروفه وترتيب كلماته ومنع الزيادة والنقص منه والدرس له والمحافظة عليه (٣). وحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" (٤). قال الباجي شارح الموطأ: "قوله: كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة دليل على تأكده وما ندب إليه من تحفظ ألفاظه" (٥). ٣ - ما ورد من الأحاديث في بعض الأدعية من تقييد الأجر والثواب على لفظ معين مثل من قال كذا فله كذا. فمن لم يأت بذلك اللفظ لا

стр. 556

يشمله ظاهر الحديث. فلو لم يكن هناك سر وحكمة في تلك الألفاظ المعينة لما قيد ترتب الثواب والأجر عليها ترتبَ الجزاء على الشرط. قال بعض العلماء: إن الأعداد الواردة كالذكر عقب الصلوات إذا رتب عليها ثواب مخصوص فزاد الآتي بها على العدد المذكور لا يحصل له الثواب المخصوص لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد. وعلل ذلك بعضهم بأن من شأن العظماء إذا حدوا شيئًا أن يوقف عنده ويعد الخارج عنه مسيئًا للأدب، ومثّل ذلك بعضهم بالدواء إذا زيد على وصف الطبيب لا يحصل الانتفاع به بل ربما يضر (١). ٤ - ما ورد عن بعض الصحابة أنهم طلبوا من النبي ﷺ دعاء يدعون به، فلو كان الدعاء لا يحتاج إلى توقيف وتعليم وبيان لدعوا به من عند أنفسهم، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، وقد عرفوا ما يدعى به من خيري الدنيا والآخرة، ولكن لمعرفتهم أن الدعاء عبادة وأنه يحتاج إلى توقيف من النبي ﷺ طلبوا تعليمه. ومما ورد في ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : "علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (٢). فقد طلب الصديق الأكبر ﵁ تعليم الدعاء فأرشده ﷺ إلى هذا الدعاء. قال الحافظ ﵀: "وفي هذا الحديث من الفوائد استحباب

стр. 557

طلب التعليم من العالم خصوصًا في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم" (١). وقد ورد من الصديق حديث آخر طلب فيه تعليمه ما يقوله في الصباح والمساء وهو ما ورد في صحيفة عبد الله بن عمرو ﵄: "إن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علّمني ما أقول إذا أصبحت، وإذا أمسيت، فقال يا أبا بكر قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان الرجيم وشركه وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم" (٢). الآثار الواردة في ذلك: وقد حذر السلف الصالح من الابتداع في الدعاء عندما ظهر ما يمكن عده بداية انحراف عن الدعاء المشروع وذلك في أواخر عهد الصحابة. ومن ذلك ما قاله ابن عباس ﵄ فيما أوصى به مولاه عكرمة، فإنه قال لعكرمة: "حَدِّثِ الناسَ كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات .. إلى أن قال: "فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلّا ذلك الاجتنابَ" (٣).

стр. 558

فهذا يدل على أن ابن عباس ﵄ ما كان ينهى عكرمة إلا عن أمر كان يوجد عند الناس ولو بصورة نادرة. ولكن يحتمل أن يقال: إن هذا ليس نهيًا عن الأمر الواقع، ولكنه فَهْمٌ فهمه ابن عباس من تتبع أدعية النبي ﷺ وصحابته فلم يجد فيها السجع المتكلف فخاف أن يقوله عكرمة فنهاه، أو أنه فهم من نحو قوله ﷺ : "سيأتي أقوام يعتدون في الدعاء" (١) أن السجع في الدعاء سيقع فنهاه عنه. ولكن هناك نص آخر عن ابن عباس ﵄ أصرح من هذا النص في المطلوب وهو ما ذكره أبو سليمان الخطابي ﵀ عندما ذكر غلط كثير من الناس في مثل قولهم: يا رب طه ويس ويا رب القرآن العظيم، قال: "وأول من أنكر ذلك ابن عباس ﵀" (٢) فهذا الأثر إن ثبت دليل على بداية الانحراف في الأدعية وابتداع كلمات غير واردة في الكتاب والسنة في أواخر القرن الأول لأن ابن عباس توفي في الثلث الأخير من القرن الأول عام ٦٨ هـ. ويؤيد وقوع ذلك ما روي عن عروة بن الزبير أحد فقهاء السبعة وكبار التابعين أنه كان إذا عرض عليه دعاء فيه سجع عن النبي ﷺ وعن أصحابه قال: كذبوا لم يكن رسول الله ﷺ ولا أصحابه سجاعين (٣). ويدل أثر ابن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵄ على أن

стр. 559

الابتداع في باب الذكر والدعاء قد حصل في عهد مبكر إذ وفاة ابن مسعود سنة ٣٢ من الهجرة. وهذا الأثر هو ما روي أن ابن مسعود وأبا موسى أنكرا على قوم يجلسون حلقًا في المسجد ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى فيقول: "كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة ويقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، فوقف عليهم ابن مسعود فقال لهم: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون … " (١). فقد أنكر هذان الصحابيان الجليلان الاجتماع للذكر على هذه الصورة المعينة كما أنكرا عد الذكر بالحصى. وقد علمنا في التعريف العلاقة بين الذكر والدعاء فهما متلازمان أو مترادفان، فهذه البدعة التي أنكراها من البدع الإضافية لأن أصل الذكر مشروع وإنما السبب في كونه بدعة ما قارنه من الكيفية التي لم تكن في زمان النبي ﷺ ، وأكثر الأدعية المبتدعة التي سنذكرها من هذا الباب فهي من البدع الإضافية. هذا وقد وردت قصة أخرى أسبق من هذه في زمن عمر ﵁ إذ روي أنه كتب إليه عامل له أن ههنا قومًا يجتمعون فيدعون

стр. 560

للمسلمين وللأمير، فكتب إليه عمر: أقبل وأقبل بهم معك، فأقبل وقال عمر للبواب: أعد لي سوطًا فلما دخلوا على عمر أقبل على أميرهم ضربًا بالسوط (١). فهذه الحادثة تدل على حدوث البدعة الإضافية في الدعاء في وقت مبكر جدًا وعلى أن عمر ﵁ ينكر أشد الإنكار الابتداع في كيفية الدعاء لأن أصل الدعاء للأمير والمسلمين مشروع كما سيأتي (٢). وقد حذر بعد هؤلاء الصحابة أيضًا كثيرون من السلف ومن بعدهم، وإليك كلام بعض هؤلاء. فمن علماء السلف الذين حكوا عن السلف تركهم للدعاء المبتدع الإمام إبراهيم النخعي فإنه قال حاكيًا عن الصحابة وكبار التابعين: "كانوا يجلسون ويتذاكرون العلم والخير، ثم يتفرقون لا يستغفر بعضهم لبعض، ولا يقول: يا فلان ادع لي" (٣). وممن حذر من الابتداع في الأدعية الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة فقد شدد في الابتداع في الدعاء، فإنه قال في قوم يجتمعون لقراءة القرآن: "لا بأس أن يجتمعوا ويكره الدعاء بعد فراغهم" (٤) وهذا غاية ما يكون في إنكار الابتداع في الدعاء، لأن أصل الدعاء الجماعي أحيانًا مشروع كما سيأتي (٥). كما أن مالكًا رحمه الله تعالى سئل عن الذي يقول في دعائه: يا سيدي فكرهه وقال: "أحب إلي أن يدعو بما في القرآن، وبما دعت به

стр. 561

الأنبياء يا رب وكره الدعاء بيا حنّان" (١). فرحم الله مالكًا ما أشد تمسكه بالسنة وتحذيره من البدع!! فهو ﵀ يكره الدعاء بغير الألفاظ التي ثبتت في الكتاب والسنة والتي دعا بها الأنبياء. وروي عنه أيضًا كراهته للدعاء عند ختم القرآن. فقد سئل عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو؟ قال: "ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس" (٢) هذا شأن الإمام مالك في هذه الأمور التي تعد من البدع الإضافية، فكيف لو رأى دعاء غير الله تعالى ونداء من في القبور لقضاء الحاجات والاستغاثة بهم لنيل الطلبات؟ وقد نقل عن مالك أنه ينكر دعاء الإمام في رمضان ويقول: "ولا أرى أن يعمل به" (٣). فإذا كان ينكر مثل الدعاء الذي ليس فيه أي محذور سوى تعيين الكيفية فكيف بما هو أعظم من ذلك بكثير؟ كما وردت عنه أشياء (٤) أخرى أنكرها وعدها بدعًا مما يتعلق بكيفية الدعاء.

стр. 562

ومنهم الإمام أحمد: فقد سئل عن الصلاة خلف من يقنت؟ فقال: "وقد كان المسلمون يصلون خلف من يقنت وخلف من لا يقنت، فإذا زاد في القنوت حرفًا أو دعا بمثل إنا نستعينك أو عذابك الجد أو نحفد، فإن كنت في الصلاة فاقطعها" (١). وكان الإمام أحمد ﵀ يمنع من الدعاء بحوائج الدنيا في الصلاة إلا بالمأثور (٢). يشير الإمام أحمد ﵀ بقوله بمثل إنا نستعينك .. إلخ إلى القنوت الوارد عن عمر بن الخطاب أنه قنت به. وقد صح إسناده إلى عمر ﵁ (٣). فإذا كان الإمام أحمد يمنع من ذلك مع كونه مرويًا عن عمر بن الخطاب لكن كأنه لم يثبت لديه أو رأى أنه لا ينبغي الزيادة على قنوت النبي ﷺ . فإذا كان هذا حال أحمد مع الدعاء المأثور فكيف يقول في الأدعية المخترعة المبتدعة التي امتلأت بها كتب الفقهاء المتأخرين فضلًا عن الصوفية والقبوريين الذين يجيزون دعاء غير الله تعالى؟ هذا وقد تقدم منع علماء السلف من مثل قول الداعي أعوذ بالكعبة والصفا والعرش والكرسي، فقد صرح بعدم جواز نحو هذا كل من نعيم بن حماد والبخاري وابن خزيمة والخلال وابن بطة وغيرهم (٤).

стр. 563

ومنهم الإمام أبو القاسم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ): فإنه عندما بدأ ظهور الأدعية المبتدعة في شكل مؤلفات قام إلى جمع الأدعية المأثورة الصحيحة فكان ذلك سببًا لتأليف كتاب مستقل نافع في الأدعية المأثورة وآدابها وقد بيّن في خطبة كتابه أن هذا هو الباعث له على التأليف فقال: "هذا كتاب ألفته جامعًا لأدعية رسول الله ﷺ ، حداني على ذلك أني رأيت كثيرًا من الناس قد تمسكوا بأدعية سجع، وأدعية وضعت على عدد الأيام، مما ألفها الوراقون لا تروى عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن أحد من التابعين بإحسان مع ما روي عن رسول الله ﷺ من الكراهية للسجع في الدعاء والتعدي فيه" (١). ومنهم أبو سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ): فإنه جاء بعد الطبراني فاشتكى أيضًا من انتشار الأدعية المبتدعة بين العوام فقال: "وقد أولع كثير من العامة بأدعية منكرة اخترعوها، وأسماء سموها، ما أنزل الله بها من سلطان. وقد يوجد في أيديهم دستور من الأسماء والأدعية يسمونه (ألف اسم) صنعها لهم بعض المتكلفين من أهل الجهل، والجرأة على الله أكثرها زور وافتراء على الله فليتجنبها الداعي إلا ما وافق منها الصواب … " (٢). ثم ضرب الخطابي بعض الأمثلة لما وقع على ألسنة العامة وكثير من

стр. 564

القصاص من الألفاظ المستهجنة المهجورة والتي لا تليق بمخاطبة الله تعالى ومناجاته (١). ومنهم عبيد الله بن محمد بن بطة (ت ٣٨٧ هـ): فقد قال: "ومن البدع النظر في كتب العزائم (٢) والعمل بها" (٣). والمراد بها الكتب التي ألفت في الأدعية التي يراد بها الرقية غير الشرعية وتقدم قول ابن بطة: "هل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله فيقول: أعيذ نفسي بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالعرش أو بالكرسي أو بالأرض" (٤). ومنهم محمد بن الوليد الطرطوشي (ت ٥٢٠ هـ): فإنه تعجب من الإعراض عن الدعوات المأثورة واختيار ألفاظ الشعراء والكتاب بدلًا عنها فقال في هذا المعنى: "ومن العجب العجاب أن تعرض عن الدعوات التي ذكرها الله في كتابه عن الأنبياء والأصفياء مقرونة بالإجابة ثم تنتقي ألفاظ الشعراء والكتّاب كأنك قد دعوت في زعمك بجميع دعواتهم ثم استعنت بدعوات من سواهم" (٥). ومنهم أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): فإنه ذكر الإلحاد في أسماء الله تعالى وأنه يكون بالزيادة فيها كما يكون بالنقصان منها ثم قال: "كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية

стр. 565

يسمون فيها الباري بغير أسمائه ويذكرونه بما لم يذكره من أفعاله إلى غير ذلك مما لا يليق به، فحَذَارِ منها، ولا يَدْعُوَنَّ أحدٌ منكم إلا بما في الكتب الخمسة وهي كتاب البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي فهذه الكتب هي بَدْءُ الإسلام، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف، وذروا سواها ولا يقولن أحد: أختار دعاء كذا فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله" (١). وهذا ابن العربي المالكي قد تشدد في هذا حتى منع الدعاء بما في خارج الكتب الخمسة، وما ذلك إلا لما رأى من الأدعية المبتدعة المنتشرة في وقته، فماذا يقول لو رأى الأدعية المنتشرة اليوم والتي تشتمل على الاستمداد بالأموات؟؟ ومنهم القاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ): فإنه ذكر فوائد الدعاء ثم ذكر الأدعية المنسوبة إلى الأنبياء محذرًا منها فقال: "أذن الله في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النّبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه ﷺ ، وقد احتال الشيطان للنّاس من هذا المقام، فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي ﷺ ، وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين فيقولون: دعاء نوح، دعاء يونس، دعاء أبي بكر الصديق، فاتقوا الله في أنفسكم ولا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح" (٢). وهذه الأدعية المنسوبة إلى الأنبياء والصالحين التي أشار إليها القاضي عياض توجد إلى اليوم عند الروافض في كتبهم المؤلفة في الأدعية
следующие страницы →