← Акыда

Акыда · id 1201

الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية

جيلان بن خضر العروسي

Полный текст (973 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الأنبياء يا رب وكره الدعاء بيا حنّان" (١). فرحم الله مالكًا ما أشد تمسكه بالسنة وتحذيره من البدع!! فهو ﵀ يكره الدعاء بغير الألفاظ التي ثبتت في الكتاب والسنة والتي دعا بها الأنبياء. وروي عنه أيضًا كراهته للدعاء عند ختم القرآن. فقد سئل عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو؟ قال: "ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس" (٢) هذا شأن الإمام مالك في هذه الأمور التي تعد من البدع الإضافية، فكيف لو رأى دعاء غير الله تعالى ونداء من في القبور لقضاء الحاجات والاستغاثة بهم لنيل الطلبات؟ وقد نقل عن مالك أنه ينكر دعاء الإمام في رمضان ويقول: "ولا أرى أن يعمل به" (٣). فإذا كان ينكر مثل الدعاء الذي ليس فيه أي محذور سوى تعيين الكيفية فكيف بما هو أعظم من ذلك بكثير؟ كما وردت عنه أشياء (٤) أخرى أنكرها وعدها بدعًا مما يتعلق بكيفية الدعاء.

стр. 562

ومنهم الإمام أحمد: فقد سئل عن الصلاة خلف من يقنت؟ فقال: "وقد كان المسلمون يصلون خلف من يقنت وخلف من لا يقنت، فإذا زاد في القنوت حرفًا أو دعا بمثل إنا نستعينك أو عذابك الجد أو نحفد، فإن كنت في الصلاة فاقطعها" (١). وكان الإمام أحمد ﵀ يمنع من الدعاء بحوائج الدنيا في الصلاة إلا بالمأثور (٢). يشير الإمام أحمد ﵀ بقوله بمثل إنا نستعينك .. إلخ إلى القنوت الوارد عن عمر بن الخطاب أنه قنت به. وقد صح إسناده إلى عمر ﵁ (٣). فإذا كان الإمام أحمد يمنع من ذلك مع كونه مرويًا عن عمر بن الخطاب لكن كأنه لم يثبت لديه أو رأى أنه لا ينبغي الزيادة على قنوت النبي ﷺ . فإذا كان هذا حال أحمد مع الدعاء المأثور فكيف يقول في الأدعية المخترعة المبتدعة التي امتلأت بها كتب الفقهاء المتأخرين فضلًا عن الصوفية والقبوريين الذين يجيزون دعاء غير الله تعالى؟ هذا وقد تقدم منع علماء السلف من مثل قول الداعي أعوذ بالكعبة والصفا والعرش والكرسي، فقد صرح بعدم جواز نحو هذا كل من نعيم بن حماد والبخاري وابن خزيمة والخلال وابن بطة وغيرهم (٤).

стр. 563

ومنهم الإمام أبو القاسم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ): فإنه عندما بدأ ظهور الأدعية المبتدعة في شكل مؤلفات قام إلى جمع الأدعية المأثورة الصحيحة فكان ذلك سببًا لتأليف كتاب مستقل نافع في الأدعية المأثورة وآدابها وقد بيّن في خطبة كتابه أن هذا هو الباعث له على التأليف فقال: "هذا كتاب ألفته جامعًا لأدعية رسول الله ﷺ ، حداني على ذلك أني رأيت كثيرًا من الناس قد تمسكوا بأدعية سجع، وأدعية وضعت على عدد الأيام، مما ألفها الوراقون لا تروى عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن أحد من التابعين بإحسان مع ما روي عن رسول الله ﷺ من الكراهية للسجع في الدعاء والتعدي فيه" (١). ومنهم أبو سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ): فإنه جاء بعد الطبراني فاشتكى أيضًا من انتشار الأدعية المبتدعة بين العوام فقال: "وقد أولع كثير من العامة بأدعية منكرة اخترعوها، وأسماء سموها، ما أنزل الله بها من سلطان. وقد يوجد في أيديهم دستور من الأسماء والأدعية يسمونه (ألف اسم) صنعها لهم بعض المتكلفين من أهل الجهل، والجرأة على الله أكثرها زور وافتراء على الله فليتجنبها الداعي إلا ما وافق منها الصواب … " (٢). ثم ضرب الخطابي بعض الأمثلة لما وقع على ألسنة العامة وكثير من

стр. 564

القصاص من الألفاظ المستهجنة المهجورة والتي لا تليق بمخاطبة الله تعالى ومناجاته (١). ومنهم عبيد الله بن محمد بن بطة (ت ٣٨٧ هـ): فقد قال: "ومن البدع النظر في كتب العزائم (٢) والعمل بها" (٣). والمراد بها الكتب التي ألفت في الأدعية التي يراد بها الرقية غير الشرعية وتقدم قول ابن بطة: "هل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله فيقول: أعيذ نفسي بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالعرش أو بالكرسي أو بالأرض" (٤). ومنهم محمد بن الوليد الطرطوشي (ت ٥٢٠ هـ): فإنه تعجب من الإعراض عن الدعوات المأثورة واختيار ألفاظ الشعراء والكتاب بدلًا عنها فقال في هذا المعنى: "ومن العجب العجاب أن تعرض عن الدعوات التي ذكرها الله في كتابه عن الأنبياء والأصفياء مقرونة بالإجابة ثم تنتقي ألفاظ الشعراء والكتّاب كأنك قد دعوت في زعمك بجميع دعواتهم ثم استعنت بدعوات من سواهم" (٥). ومنهم أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): فإنه ذكر الإلحاد في أسماء الله تعالى وأنه يكون بالزيادة فيها كما يكون بالنقصان منها ثم قال: "كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية

стр. 565

يسمون فيها الباري بغير أسمائه ويذكرونه بما لم يذكره من أفعاله إلى غير ذلك مما لا يليق به، فحَذَارِ منها، ولا يَدْعُوَنَّ أحدٌ منكم إلا بما في الكتب الخمسة وهي كتاب البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي فهذه الكتب هي بَدْءُ الإسلام، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف، وذروا سواها ولا يقولن أحد: أختار دعاء كذا فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله" (١). وهذا ابن العربي المالكي قد تشدد في هذا حتى منع الدعاء بما في خارج الكتب الخمسة، وما ذلك إلا لما رأى من الأدعية المبتدعة المنتشرة في وقته، فماذا يقول لو رأى الأدعية المنتشرة اليوم والتي تشتمل على الاستمداد بالأموات؟؟ ومنهم القاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ): فإنه ذكر فوائد الدعاء ثم ذكر الأدعية المنسوبة إلى الأنبياء محذرًا منها فقال: "أذن الله في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النّبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه ﷺ ، وقد احتال الشيطان للنّاس من هذا المقام، فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي ﷺ ، وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين فيقولون: دعاء نوح، دعاء يونس، دعاء أبي بكر الصديق، فاتقوا الله في أنفسكم ولا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح" (٢). وهذه الأدعية المنسوبة إلى الأنبياء والصالحين التي أشار إليها القاضي عياض توجد إلى اليوم عند الروافض في كتبهم المؤلفة في الأدعية

стр. 566

المعتبرة لديهم، وما أكثر أدعيتهم المبتدعة بل الشركية. ومنهم الإمام المحدث اللغوي الحسن بن محمد الصغاني (ت ٦٥٠ هـ): فإنه أشار إلى الأحاديث الموضوعة في فضيلة رجب وغيره من الشهور والليالي وذكر أن الصحيح ما ورد في الكتب الستة وغيرها من كتب أهل الحديث، ثم قال: "وهذا من جنس اعتناء بعض الأغبياء الجهال والعوام الضلال دعوتهم بدعاء "تمخيتا، وتمشيشا، وشمخيتا" ودعوتهم في الشدائد بأسماء أصحاب الكهف وبدعاء يمسح "وفي خ شمعخ" وغيره من الدعوات المجهولات بزعمهم أن هذا من الأسماء العظام، والأدعية المستجابة عند العلام، أو أنه من التوراة والإنجيل، ولسنا ملتزمين في شريعتنا بتلك الدعوات في الصباح والمساء، ولم يقل به أحد من العلماء والصلحاء بل وضعه أغبياء الأدباء، وسفهاء القصاص لتغرير العوام وجمع الحطام، والشيطان في أكثر الأحيان يُظْهر لتلك الأسماء تأثيراتٍ ومنافعَ لأجل تغرير الجهال وافتتانهم، وربما يكون التلفظ بتلك الألفاظ كفرًا لأنا لا نعرف معناها بالعربية، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وهو يقول: آهيا، شراها، آدونا لراهيا وشا (أصباؤت) فكن متفطنًا لهذه الدقيقة فقد ضل بها خلق كثير، وقانا الله تعالى البدع والأهواء والفتنة المدلهمة الظلماء كالليلة السوداء. وكذلك الاعتناء بألف اسم واسم واحد، يدعو بعض العوام بها ولم يرد فيها خبر ولا أثر عن السلف الصالحين، وأئمة الهدى بل بعضها كفر، إذ أسماء الله تعالى توقيفية لا يجوز لنا أن ندعو إلا بما ورد في الكتاب والسنة فنقول: يا كريم ولا نقول يا سخي" (١).

стр. 567

وقد تعقب الصغانيَّ عبدُ العزيز الغماري في كلامه هذا، وذكر أنه ورد الدعاء بأسماء أهل الكهف موقوفًا عن ابن عباس بسند ضعيف (١). وهذا التعقب لا قيمة له، لأن الغماري ممن يُجيز التوسل البِدْعي، فمن هنا ينكر على الصغاني لمخالفته له، وأما محاولته للتقوية فليس بشيء فكأنه يشير إلى ما ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢) عن ابن عباس أسماءهم ثم ذكر بلاغًا أن أسماءهم تسكن الحريق ومثل هذه البلاغات لا تنفع في تقوية الأدعية الموضوعة التي يظهر وضعها جليًا، إلا عند من طمس الله بصيرته، واعتاد الأدعية المبتدعة وألفها فكان يدافع عنها دفاع المستميت والله المستعان. ومنهم القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري (ت ٦٧١ هـ): فقد قال: "فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء، ويدع ما سواه، ولا يقول: أختار كذا، فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون" (٣). وقال أيضًا عند تعداده لأوجه الاعتداء في الدعاء: "ومنها: أن يدعو بما ليس في الكتاب العزيز ولا في السنّة فيتخير ألفاظًا مفقّرة، وكلمات مسجعة، وقد وجدها في كراريس لهؤلاء لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها شعاره، ويترك ما دعا به رسوله ﷺ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء" (٤). والقرطبي في هذا الكلام يشير إلى الأحزاب المجموعة التي يلتزم بها أصحابها، وأما لو دعا في بعض الأحيان بما يستحضره من حوائجه

стр. 568

التي يحتاج إليها من أمور الدنيا والآخرة من دون تقيد بالمأثور فلا حرج فيه، وإنما الممنوع جعلها شعاره وديدنه كأنها السنة. ومنهم الإمام أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي (ت ٦٨٤ هـ). فإنه ذكر الأدعية المكفرة والمحرمة التي لا تخرج عن الإسلام ثم قال: "واعلم أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليس عذرًا" ثم بيّن أن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه ليتعلموا ويعملوا وأن من ترك ذلك فهو عاص وأن الجاهل في العبادات كالعامد. ثم استدل على ذلك بقول نوح ﵇: "إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم" أي بجواز سؤاله: "فاشترط العلم بالجواز قبل الإقدام على الدعاء وهذا يدل على أن الأصل في الدعاء التحريم إلا ما دل الدليل على جوازه" ثم قال: وهذه قاعدة جليلة يتخرج عليها كثير من الفروع الفقهية". ثم قال محذرًا من الأدعية الباطلة: "فينبغي للسائل أن يحذر هذه الأدعية وما يجري مجراها حذرًا شديدًا لما تؤدي إليه من سخط الديان، والخلود في النيران، وحبوط الأعمال وانفساخ الأنكحة، واستباحة الأرواح والأموال، وهذا فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية، ولا يرجع إلى الإسلام، ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين، فإن مات على ذلك كان أمره كما ذكرنا نسأل الله العافية من موجبات عقابه" (١). فقد بيّن القرافي ﵀ مخاطر الأدعية المبتدعة وأنها تؤدي إلى فساد عظيم في الدين وأنها ربما تخرج عن الإسلام والعياذ بالله. ومنهم الإمام شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) فإنه قال: "وينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنّة فإنه لا ريب في فضله وحسنه وأنه الصراط المستقيم صراط الذين

стр. 569

أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا" (١). ونكتفي بهذا القدر من أقوال أهل العلم في التحذير من الأدعية المبتدعة. مناقشة الحنفية في قولهم بأفضلية غير المأثور خارج الصلاة: وهذه الأحاديث والآثار الماضية تدل على أفضلية الالتزام بالأدعية المأثورة وأن الابتداع فيها مذموم جدًا، وهذه الدلالة واضحة جدًا لكن بعض علماء الحنفية ذهبوا إلى أن غير المأثور أفضل، وعللوا ذلك بأن حفظ الأدعية وتكرارها يذهب برقة القلب، ولكنهم قالوا لا يجوز في الصلاة الدعاء إلا بما ورد في القرآن أو السنة، وأما إذا دعا بغير ذلك فتفسد صلاته (٢). وهذا القول الذي ذهب إليه الحنفية في الصلاة ترده الأحاديث الكثيرة الدالة على جواز الدعاء في الصلاة بما يتخيره الداعي كما في حديث ابن مسعود في التشهد المشهور، وفيه: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء" (٣) وقوله ﷺ : "وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء" (٤) ولم يقيد الدعاء بشيء (٥).

стр. 570

وأما قولهم: إن الأفضل في غير الصلاة الدعاء بغير المأثور فقول مرجوح وتعليلهم بأنه يذهب الرقة يعترض عليه بأمور منها: ١ - إن الفاتحة وغيرها مثل التشهد ونحوه تتكرر كل يوم فعلى هذا نترك هذه الأذكار ونأتي بغيرها، ولا يقول بهذا مسلم. ٢ - ثم إن بعض الأدعية المأثورة ورد تقييدها بأوقات معينة تتكرر كل وقت كأدعية النوم واليقظة والصباح والمساء فهل نتركها ونأتي بأدعية جديدة؟ ٣ - إن المفاسد التي في الدعاء غير المأثور أرجح من هذه المفسدة الواحدة المحتملة التي في المأثور فمراعاة دفع المفاسد المحققة أولى من مراعاة مفسدة واحدة محتملة، وسنذكر بعض تلك المفاسد المحققة التي في الدعاء غير المأثور. ٤ - إن ما في الدعاء المأثور من الأسرار والحكم يذهب بهذه المفسدة المحتملة ويجعلها لا قيمة لها. ٥ - ثم إن الغالب في الدعاء حضور القلب وتوجهه كما تقدم (١) فلا ترد هذه المفسدة من الأصل. المطلب الثالث: في آثار الأدعية المبتدعة ونتائجها السيئة: إن الأدعية المبتدعة لها آثارها السيئة على عقيدة المسلم وأعماله التعبدية، وتلك الآثار الخطيرة كثيرة نوجزها فيما يأتي إن شاء الله تعالى. ١ - إن الأدعية المبتدعة لا تفي بالغرض المطلوب من العبادات من تزكية النفوس، وتطهيرها من الرعونات، وتقريبها إلى باريها وتعليقها بربها رجاء ورغبة ورهبة، فهي لا تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا ولا تهدي سبيلًا. وأما الأدعية المشروعة فهي الدواء الناجع والبلسم الشافي للأدواء النفسية والأمراض القلبية والأهواء الشيطانية، فهي تحبب إلى النفوس

стр. 571

الطيبة مناجاة خالقها والتملق له والتضرع إليه والتذلل له والانطراح بين يديه، فهي تجبر القلوب المنكسرة، وتشفي النفوس العليلة ولا تحيط العبارة بما يجد الداعي الملتزم بالدعاء المشروع من لذة المناجاة وحلاوة الضراعة بين يدي الرؤوف الودود ذي العرش الكريم، إذ في ألفاظ الأدعية المشروعة ما يأخذ بالألباب ويجذبها إلى باريها ويوصلها إلى محبة الله تعالى والتعلق به خوفًا ورجاءً، فمن يستبدلها بالأدعية المبتدعة فقد استبدل الخبيث بالطيب واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وترك النصيب الأوفى والحظ الأوفر. ٢ - إن الأدعية المبتدعة تفوت العبد الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي يحصل لمن التزم بالأدعية الواردة وحافظ عليها وطبقها حسب ورودها ليل نهار، فهذا الداعي قد حاز السبق وتعرض لنفحات الرب واستفتح أبواب الرحمة وتعرض لفضل جود الرب بأقرب وسيلة، بخلاف الداعي المبتدع فقد فوت على نفسه الأجر والثواب، وتعرض لسخط الله وغضبه وابتدع في دين الله ما لم يشرعه فهو على خطر. ٣ - عدم إجابة الأدعية المبتدعة مع أن الهدف الأساسي للداعي في الغالب هو إجابة مطلوبه ونيل مرغوبه ودفع مرهوبه، والأدعية المبتدعة لا يجاب الداعي بها في الغالب وإن كان قد يجاب المضطر لأسباب سيأتي ذكرها (١). فالعاقل يجتهد في الالتزام والتقيد بالأسباب التي تسرع في إجابة دعائه كما يجتهد في الابتعاد عما يسبب له عدم الإجابة، وقد دلت الأدلة على أن المبتدع لا يقبل الله منه عمله (٢)، والدعاء هو من العمل الذي

стр. 572

يرجو الداعي قبوله، فإذا كان لا يقبل منه هذا الدعاء الذي ابتدع فيه فلماذا يسعى هذا الداعي المبتدع فيما يحبط عمله ويمنعه من الوصول إلى إجابة مطلوبه؟ كما أنه يحتمل أن لا يقبل له جميع أعماله، فعلى هذا يكون أثر الابتداع أشد حيث تسبب له في رد جميع الأعمال (١). ٤ - إن الأدعية المبتدعة تشتمل في الغالب على محذور شرعي وقد يكون ذلك المحذور وسيلة من وسائل الشرك وذرائعه، إذ البدعة تجر إلى الشرك والضلال، فمن الأدعية البدعية التي تجر إلى الشرك، التوسل البدعي فهو الذي فتح الباب لدعاء غير الله والاستغاثة والاستمداد بغير الله إذ لولا اعتماد الجهال عليه لما حصل ما حصل، وقد يكون ذلك المحذور اعتداء في الدعاء ومجاوزة للحد وسوء أدب في خطاب الرب ومناجاته، وقد يكون ذلك المحذور ما يصحب تلك الأدعية من بدع أخرى من تحديدها بأوقات معينة وبصفات خاصة ومن رفع الأصوات على نغمات معينة وإيقاعات خاصة وأسجاع مصطنعة وتراكيب ركيكة تمجها الأسماع وتستقبحها القريحة السليمة. والأدعية المبتدعة لا تخلو في الغالب من الاشتمال على بعض هذه الأمور فهي لا بد أن توقع في المحاذير والمفاسد التي لا ينجو منها إلّا من التزم بالأدعية الصحيحة واعتنى بها حفظًا وتطبيقًا ونشرًا، جعلنا الله تعالى منهم بفضله وكرمه. قال الخطابي ﵀: "أولى ما يدعى به ويستعمل منه ما صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ ، وثبت عنه بالأسانيد الصحيحة، فإن الغلط يعرض كثيرًا في الأدعية التي يختارها الناس، لاختلاف معارفهم وتباين مذاهبهم في الاعتقاد والانتحال، وباب الدعاء مطية مظنة للخطر، وما

стр. 573

تحت قدم الداعي دحض فليحذر فيه الزلل وليسلك منه الجدد الذي يؤمن معه العثار، وما التوفيق إلا بالله " (١). فرحم الله الخطابي فماذا يقول لو رأى ما وصل إليه المسلمون في باب الدعاء من تجاوزات خطيرة وصلت إلى حد دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به حتى صار ذلك أمرًا معروفًا إذا أنكر قامت القيامة واتهم المنكر بأنواع التهم من الشذوذ والتطرف والمذهب الخامس وبغض الصالحين وتنقصهم وغير ذلك؟! وقال الغزالي: "والأولى أن لا يجاوز الدعوات المأثورة فإنه قد يعتدي في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته، فما كل أحد يحسن الدعاء" (٢). ٥ - إن الأدعية المبتدعة من التزم بها واعتادها قلما يرجع عنها إلى الأدعية المشروعة إلَّا في بعض الأحيان التي يوفق الله فيها من يشاء وذلك لأن القلوب متى اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن (٣)، وذلك لأن الملتزم بتلك الأدعية المبتدعة يعتقدها مشروعة ويدافع عنها بكل قواه كل من ينكر عليه، ولا يستمع إلى حجة ولا برهان، ولا يفكر في حجة المنكر ولا يجري في خلده احتمال كونها غير مشروعة جريًا على عادته ومألوفه وتحسينًا للظن بالذين ابتدعوها. وقد ذكر السلف الصالح رضوان الله عليهم أن صاحب البدعة لا يراجع السنة الصحيحة ولا يعود إليها (٤) ويؤيد ما ورد عن السلف ما جاء في حديث الخوارج. "يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون

стр. 574

فيه" (١)، ثم إذا كان هذا الداعي هو المبتدع لها بداية يكون عليه الإثم الزائد بحسب من يتبعه. قال الإمام الشاطبي ﵀: "وإذا ثبت أن كل بدعة تبتدع فلا تزاد على طول الزمان إلا مضيًا واشتهارًا وانتشارًا فعلى وزان ذلك يكون إثم المبتدع لها، كما أن من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (٢). ٦ - إن استعمال الأدعية البدعية وترك الأدعية المشروعة من باب استبدال الطيب بالخبيث والنافع بالضار والخير بالشر وهو غبن فاحش، وتهور ظاهر وفي ذلك إماتة للسنن وإحياء للبدع، وهذا تحريف للشريعة الغراء، ولكن مع الأسف الشديد هذا هو واقع المسلمين المرير، فقد تغيرت عندهم المفاهيم الإسلامية "فجعلوا التوحيد شركًا، والشرك توحيدًا، وجاهدوا في إحياء البدع وإماتة السنن، وضاربوا بالأحزاب والأوراد والتوسلات الكتاب والسنّة، فترى الأميين منهم يحفظون الاستغاثات والمنظومات والميمة والمنبهجة وكثيرًا مما يسمونه التخمير ومع ذلك إذا قاموا إلى الصلاة وقرأوا قصار السور حرفوا وقرأوا بلغتهم العامية" (٣). وهؤلاء الذين أماتوا السنن وأحيوا البدع عليهم إثم آخر غير إثم الابتداع وذلك الإثم يتضاعف تضاعف إثم البدعة بالعمل بها لأنها كلما تجدد العمل بالبدعة تجددت إماتة السنة (٤). ونضرب مثالين ظاهرين استبدلوا فيهما بالدعاء المشروع دعاء مبتدعًا:

стр. 575

أ - استبدلوا دعاء الاستخارة المشروع وصلاتها بأشياء مبتدعة، منها ما هو شرك: ١ - وذلك كالذهاب إلى الكهنة والرمالين والسحرة. ٢ - ومنهم من استبدلها بالاستخارة بالسبحة والهمهمة عليها وعدها عددًا معينًا قائلين: "الله، محمد، علي، أبو جهل" (١). ٣ - والبعض ممن يصليها زاد في كيفية الدعاء المشروع وهو أنه ينوي قبل النوم بعد الدعاء نية حادثة، وهي قولهم: "اللهم إن كان هذا الأمر خيرًا لي فأرني في منامي بياضًا أو خضرة أو ماءً جاريًا، وإن كان شرًا فأرني في منامي سوادًا أو دخانًا أو حمرة" (٢). ٣ - ومنهم من يفتح مصحفًا أينما اتفق ويقرأ أي آية يقع النظر عليها أو سطرًا معينًا (٣). ب - استبدالهم صلاة الاستسقاء ودعاءه والخروج لها إلى ظاهر البلد بالذهاب إلى قبة الشيخ ودعائه، أو الدعاء هناك، قال النعمي ﵀: "فإن العامة في كثير من حالاتهم وتقلبهم قد أبدلوا معالم الشرع بسواها … فجعلوا الذهاب إلى قبة الشيخ والتضرع له والإلحاح عليه عوضًا عن الخروج إلى ظاهر البلد للاستسقاء، والإنابة إلى الله في كشف تلك النازلة" (٤). ٧ - ومما يؤكد هذا الذي سبق هو أنه كان للعرب قبل الإسلام أدعية وتحايا كثيرة تحمل تفاؤلات جمة وتمنيات عامة، وأصلها الدعاء بالخير والحب ثم جاء الإسلام فأبدل تلك التحايا بأنواع الأدعية المقرونة باسم الله تعالى (٥) والتي فيها طلب البركة والخير العميم، فمن ترك تلك

стр. 576

الأدعية النبوية المباركة واستبدلها بأدعية مخترعة فقد تشبه بأولئك الجاهلين، كما أنه تشبه بأهل الكتاب في اختراعهم للأدعية المخالفة لما جاءت به رسلهم، فما أشبه أوراد الصوفية وأحزابهم بتراتيل أهل الكتاب لأدعيتهم في النغمات والإيقاعات والتمايلات وغير ذلك (١). ٨ - إن الذي يلازم الأدعية المبتدعة المخترعة لاسيما التي هي مؤلفة من أحزاب وأوراد يكون في الغالب جاهلًا لمعناها وتنصرف همته إلى ألفاظها وإلى سردها سردًا بدون تدبر مع أن المطلوب في الدعاء إحضار القلب والإخلاص في السؤال، وهذا الداعي بمثل هذه الأدعية غير سائل بل هو حاك لكلام غيره ثم إن اختياره ذلك الدعاء على غيره من الأدعية لأجل الذي نظمه وإعجابه به (٢) ففي ذلك تقديس لهذا الذي جمعها ورفع له فوق منزلته من حيث يعتقد الداعي أن لأدعيته خاصية لا توجد في غيرها، وإلا لما داوم عليها ليل نهار بل يصرح أتباع الطرق الصوفية بأن ورد شيخهم وحزبه أفضل من حزب وورد الشيخ الفلاني، بل منهم من يفضله على القرآن مرات كما وقع للتيجانيين وسيأتي نقل ذلك عنهم (٣). المطلب الرابع: في أسباب انتشار الأدعية المبتدعة: تمهيد: لقد تكلمت فيما سبق (٤) عن الأسباب التي أدت إلى انتشار الأدعية الشركية وفي هذا المطلب أشير إلى نبذة يسيرة عن الأسباب التي تؤدي إلى الابتداع في الدين عمومًا معتنيًا ببيان الأسباب المباشرة لانتشار الأدعية المبتدعة خصوصًا، ومما ينبغي أن يعلم أن الأسباب التي ذكرت لانتشار

стр. 577

الأدعية الشركية هي أيضًا أسباب لانتشار الأدعية البدعية، وإنما لم أكتف بذلك لأنه قد نص بعض العلماء على ذلك في موضوع البدعة فاحتاج الأمر إلى بيان ذلك، ثم هناك بعض الجوانب التي تخص موضوع البدعة. أسباب انتشار الأدعية المبتدعة: ١ - الجهل بالكتاب والسنة، فقد ضعف لدى بعض المسلمين الاعتصام بالكتاب والسنّة والتمسك الصحيح بالعمل بما فيهما من غير زيادة ولا نقصان فلم يعتنوا العناية اللائقة بالتطبيق الصحيح للعبادات فأدى ذلك إلى جهل المشروع، فكثرت البدع والحوادث، فمن ذلك جَهْلُ كثيرٍ من المسلمين الأدعية الصحيحة ومكانتها العظيمة من الثواب العظيم والأجر الجزيل، مع وجازتها مع الفصاحة والبلاغة واشتمالها على أهم ما يطلب من خيري الدنيا والآخرة، ومع خلوها من التراكيب الفاسدة والاعتداء في الدعاء بل هي في غاية الأدب في خطاب الله تعالى ومناجاته والتضرع إليه والابتهال لديه لقد أدى جهل هذا إلى عدم الاعتناء بها حفظًا واستعمالًا ونشرًا وتعليمًا فتساهل الناس فيها شيئًا فشيئًا حتى جهلوها، فانتشرت في أوساطهم الأدعية المبتدعة المخترعة التي يروج لها أصحابها من المتصوفة ومن على شاكلتهم فانتشرت الأحزاب والأوراد المقيدة بعدد الأيام والأسابيع والشهور وانتشر التوسل المبتدع وغير ذلك من أنواع الأدعية المبتدعة. ٢ - الثاني: الإعراض عن الأدعية المشروعة التي هي كثيرة جدًا ووافية لحاجات ومتطلبات الرجل المسلم لأنها عامة لأوقاته ليل نهار وللعوارض التي تعرض له من مرض وفرح وسرور وهم وغم ولجميع المناسبات التي تحصل للإنسان، ولكن الشيطان يحبب إلى القلوب الأدعية المبتدعة فتعرض عن المشروعة. فقد ذكر شيخ الإسلام أن سبب اشتغال قلوب بعض الناس بأنواع من العبادات المبتدعة من الأدعية وغيرها إعراضهم عن المشروع أو بعضه

стр. 578

بقلوبهم حتى ولو قاموا بصورة المشروع مع هجر الحقيقة المقصودة منه "وإلَّا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه عارفًا بما اشتملت عليه من الكلم الطيب والعمل الصالح واهتم بها كل الاهتمام أغنته عن كل ما يتوهم فيه خير من جنسها" … ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته كالأسحار وأدبار الصلوات والسجود ونحو ذلك، أغناه عن كل دعاء مبتدع في ذاته أو في بعض صفاته، فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنّة في كل شيء من ذلك ويعتاض عن كل ما يظن من البدع أنه خير بنوعه من السنن فإنه من يتحرى الخير يعطه ومن يتوقى الشر يوقه (١). ٣ - الأحاديث الضعيفة والموضوعة والحكايات والمنامات: فقد يرد حديث ضعيف أو موضوع، أو تروى حكاية أو رؤية في دعاء مخصوص فيخفى ضعف تلك الأحاديث والحكايات على بعض أهل العلم ويظنها صحيحة فيعمل بها ويتقرب إلى الله تعالى بها ثم يقلده أتباعه في ذلك فتصير سنة متبعة (٢) فإذا أنكر ذلك أحد احتج بذلك العالم وبما احتج به من الأحاديث الضعيفة وأنها لو لم تكن صحيحة لما عمل بها ومن هذا الباب انتشار الأدعية التي فيها التوسل المبتدع لاعتماد من أجازه على مثل هذه الحجة الضعيفة. فمن أسباب انتشار التوسل المبتدع: اعتمادهم على الأدلة الضعيفة كما أنهم أعرضوا وانحرفوا عن الأصول الواضحة (٣) التي تدل على منع الدعاء بغير أسماء الله وصفاته. ومن هذا الباب ما يضعه بعضهم من الثواب العظيم والأجر الجزيل للدعاء المبتدع فيغتر به الجاهل ويحسن الظن بذلك الأجر العظيم، ولا

стр. 579

يخفى ما يتسبب من تحبيذ الصوفية لأدعية وأحزاب مشايخهم وأورادهم وما اخترعوه لها من الفضائل والخصائص، حتى صارت عند العوام بل بعض الفقهاء هي المقدمة على الأدعية الصحيحة بل على القرآن لدى البعض كما وقع لدى التيجانيين مع صلاة الفاتح وجوهرة الكمال وسيأتي ذلك (١). وهؤلاء الذين يضعون الأحاديث والحكايات للأدعية المبتدعة على أصناف: فمنهم الملاحدة الباطنية الذين يريدون أن يشغلوا المسلمين عن أدعية الكتاب والسنة بأدعية مبتدعة مخترعة يشغلونهم بها، فمقصودهم إفساد الدين الإسلامي بإدخال البدع فيه (٢). ومنهم من يبتدع طلباً للمال والاسترزاق أو طلباً للشهرة فقد ورد في الأثر ما يؤيد هذا وهو ما روي عن معاذ بن جبل ﵁ أنه ستأتي فتن سيكثر فيها انتشار القرآن فيقرأه المؤمن والمنافق، فيقول الرجل من هؤلاء القراء: "ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره" فيتخذ مسجداً ويبتدع كلاماً ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ (٣). وهذا الأثر -وإن روي موقوفاً على معاذ- لكن له حكم الرفع لأنَّه من الإخبار بالغيب مما ليس للرأي فيه مجال، ومثله ما روي عن شاب كان في بني إسرائيل فابتدع طلباً للمال والشرف (٤) ومنهم من يضع تلك الأدعية ظناً أنها تقوي الدين وتحببه إلى العامة قال بعضهم: "وإن كثيراً من البدع في العقائد والأحكام قد دخلت على المسلمين بتساهل رؤساء

стр. 580

الدين وتوهمهم أنها تقوي أصل العقيدة، وتخضع العامة لسلطان الدين أو لسلطانهم المستند إلى الله" (١). ٤ - صعوبة الكتب التي ألفت في الأدعية الصحيحة على العوام إما لأنها طويلة مسوقة بأساليب عالية عن فهم غير المتخصص، أو لأنها اختلط فيها الصحيح بالضعيف فلا يستطيع الإنسان العادي التمييز بينهما، كما أن بعضها مقتصر على بعض أنواع الأدعية ولا يفي المتعطش بكل رغباته (٢) فيقتصر العامي على كتب الأدعية المبتدعة المنتشرة والتي هي سهلة عليه ومرتبة على وجه جذاب يأخذ بألباب العوام وأوقاتهم فيميلون إليها فتنتشر بينهم حتى تكون هي الغالبة دون الأدعية المشروعة. ٥ - تحريف الأدلة الواردة في الأدعية الصحيحة عن مواضعها، وذلك بأن يَرِدَ دليل صحيح من الكتاب والسنة بالندب إلى دعاء مَّا مطلقاً فإذا أتى به المكلف في الجملة من غير تقييد كان إتيانه على السنة ويعضده الدليل وأما إن أتى المكلف في ذلك بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو مقارناً لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلاً أن الكيفية أو الزمان أو المكان مقصود شرعاً من غير أن يدل الدليل عليه كان الدليل بمعزل عن ذلك المعنى المستدل عليه، فعلى هذا إذا ندب الشارع إلى الذكر والدعاء مطلقاً ولكن المبتدع قيده بأوقات مخصوصة على صفة مخصوصة وذلك كالدعاء الجماعي بعد الصلوات المفروضة يكون ذلك ابتداعاً فهو حصل بسبب تحريف الدعاء الوارد الصحيح عن مناطه إلى مناط آخر موهماً أن المناطين واحد (٣). ٦ - تأثر بعض المسلمين بأهل الكتاب الذين حرفوا دينهم وأحدثوا في دينهم البدع، ومن تلك البدع التي أحدثوها في دينهم قراءتهم

стр. 581

وتراتيلهم لكتبهم ولأدعيتهم بأصوات ونغمات تشبه أصوات المتصوفة الذين يجتمعون لقراءة الأدعية والأحزاب والأوراد المبتدعة، فبين الطائفتين شبه قوي، وتَأثُّرُ إحداهما بالأخرى ظاهرٌ، قال بعضهم واصفاً لما رآه في إحدى الكنائس: "ولقد دخلت كنيسة "بيت لحم" فسمعت هناك أصواتاً خيّل إليّ أنها أصوات طائفة من أهل الطريق يقرؤون حزب البر مثلاً، ثم علمت أنهم قسيسون، فهذه البدع قد سرت إلينا منهم كما سرت إليهم من الوثنيين استحساناً منهم ما استحسنوه من أولئك توهماً أنه يفيد الدين أبهة وفخامة ويزيد الناس به استمساكاً" (١). هذه بعض الأسباب التي أدت إلى انتشار الأدعية المبتدعة على الصورة التي نراها ونكتفي بهذا القدر في ذلك، وندخل في ذكر أنواع الأدعية المبتدعة.

стр. 582

المبحث الثاني في أنواع الأدعية المبتدعة ويحتوي على أربعة أنواع: ١ - النوع الأول: الدعاء عند الأضرحة والقباب. ٢ - النوع الثاني: التوسل بالذوات. ٣ - النوع الثالث: الأدعية والأوراد الراتبة. ٤ - النوع الرابع: الأدعية الجماعية. النوع الأول: الدعاء عند الأضرحة والقباب: النوع الأول من الأدعية المبتدعة: دعاء الله تعالى عند الأضرحة والقباب. ومن المعلوم أن الدعاء من أهم العبادات شرعه الله تعالى لعباده ووعد بالإجابة عليه تفضلاً وتكرماً. وقد شرع الله له آداباً، منها الأمكنة الفاضلة والأزمنة الفاضلة جعلها أقرب في الإجابة من غيرها، كما رغب في الدعاء مطلقاً بدون تقييد بزمان أو مكان. ولكن الشيطان زيّن لبعض الناس أن يستبدلوا هذا المشروع الطيب بالمبتدع الخبيث، إذ استبدلوا الدعاء في المساجد والأسحار والسجود،

стр. 583

بالدعاء عند الأضرحة والقباب والشبابيك، وظنوا أن الدعاء عند الأضرحة أَجْوَبُ منه في المساجد والبيوت، بل تجاوزوا ذلك إلى دعاء صاحب الضريح وندائه والاستغاثة به، واستبدلوا الزيارة الشرعية التي للدعاء للميت والاستغفار له بالزيارة البدعية التي للدعاء عنده أو الإقسام به أو التوسل به، بل ربما لدعائه وطلب الحوائج منه، فاقتضى هذا الصنيع منهم يبين أن يبين الحكم الشرعي في ذلك والأدلة الدالة على منعه وبالله التوفيق. هذا ونلخص البحث في هذا في أمرين: ١ - الأدلة على كون الدعاء عند الأضرحة بدعة. ٢ - حكم الدعاء عند الأضرحة. الأدلة على كون الدعاء عند الأضرحة بدعة: ١ - إن الدعاء عبادة عظيمة من أهم العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف؛ لأن دين الإسلام مبني على أصلين عظيمين (١): ١ - أحدهما: أن لا نعبد إلا الله، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله. ٢ - وثانيهما: أن لا نعبد الله إلا بما شرع لا بالحوادث والبدع، وهو معنى شهادة أن محمد رسول الله. فالعبادة لا تصح ولا تقبل إلا بشرطين أساسيين: الإخلاص لله، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ . فثبت بهذا أن مبنى العبادة على التوقيف، ومن أهمها الدعاء، فلو كان الدعاء عند الأضرحة يتعبد به الله تعالى لشرعه الله ورسوله ولفعله السلف الصالح، فلم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على مشروعية تحري

стр. 584

الدعاء عند القبر، مع كثرة ما ورد في باب الأدعية، وكثرة مصنفات السلف فيها التي ذكروا فيها آدابها ومواقيتها وأماكنها وغير ذلك ولم نجد أحداً منهم قال بمشروعية التحري للدعاء عند القبر. فدل هذا على أنه لم يرد في الشرع ولم يفعله السلف الصالح فثبت أنه بدعة إذ لو كان خيراً لسبقونا إليه وهم أحرص الناس على الخير. وهذه المسألة بيانها يتوقف على معرفة قاعدة أصولية مهمة وهي أن "الترك الراتب سنة، كما أن الفعل الراتب سنة، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتض، أو فوات شرط، أو وجود مانع، وحدث بعده ﷺ من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في مصحف، وجمع الناس في التراويح على إمام واحد، وتعلم العربية … بما يحتاج إليه في الدين بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه ﷺ لفوات شرطه، أو وجود مانع، فأما ما تركه من جنس العبادات -مع أنه لو كان مشروعاً لفعله أو أذن فيه ولفعله الخلفاء بعده والصحابة- فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة، ويمتنع القياس في مثله" (١). هذا ويوضح هذا الدليل السابق الدليل الآتي: ٢ - إن الصحابة رضوان الله عليهم قد وقعوا في مصائب جسيمة ووقائع أليمة ومع هذا لم ينقل عنهم أنهم قصدوا قبر النبي ﷺ أو قبور كبار الصحابة رضوان الله عليهم، بل عملوا المشروع الوارد مثل خروجهم إلى الصحراء في الاستسقاء، وكذلك لم ينقل عن التابعين والأئمة بعدهم أنهم تحروا القبر للدعاء.

стр. 585

ويدل على أنهم لم يفعلوا ذلك عدم النقل عنهم إذ لو فعلوا لنقل عنهم كما نقل عملهم المشروع. لأن مثله مما تتوافر الدواعي والهمم على نقله بل على نقل ما دونه، وقد قال وارث علم السلف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وما أحفظ لا عن صحابي ولا عن تابعي ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده ولا روى أحد في ذلك شيئاً لا عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من الأئمة المعروفين، وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، وذكروا فيه من الآثار، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفاً واحداً فيما أعلم" (١). فإذا ثبت أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يكونوا يقصدون القبر للدعاء عنده، يقال لمن يستحسن ذلك: إن الأمر لا يخلو: ١ - إما أن يكون الدعاء عنده أفضل منه في غير تلك البقعة. ٢ - وإما أن لا يكون أفضل. فعلى تقدير أنه أفضل يقال له: لا يجوز أن يخفى علم ذلك على الصحابة والسلف الصالح فتكون القرون الثلاثة المفضلة جاهلة بهذا الفضل، ويعلمه من بعدهم. وكذلك لا يجوز أن يعلموا ما فيه من الفضل ويزهدوا فيه مع حرصهم على كل خير لا سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه نوع كراهة، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور ثم لا يقصدونه؟ هذا محال طبعاً وشرعاً. وأما على تقدير أن الدعاء عندها ليس بأفضل، فيقال له: إن قصد الدعاء عندها مع عدم فضله، ضلالة ومعصية (٢) لأنها

стр. 586

عبادة، فتقييدها وتخصيصها بمكان معين بدون دليل بدعة سيئة وضلال بيّن، وبدعيتها يأتي من هذا التخصيص فهي بدعة إضافية إذ أصل الدعاء مشروع وإنما صار بدعة بسبب تحري المكان وقصده بدون أن يكون هذا التحري مشروعاً. ثم إذا علمنا أن ترك الصحابة والسلف الصالح للدعاء عند القبر حجة على بدعيته نذكر دليلاً آخر وهو سعي الصحابة في منع الدعاء عند القبر واجتهادهم في منع وسائله وذرائعه وهو الدليل الآتي: ٣ - إن الصحابة رضوان الله عليهم: "لما فتحوا أرض الشام والعراق وغيرهما إذا وجدوا قبراً يقصد الدعاء عنده غيبوه" (١) وأخفوه. كما أنهم لما فتحوا بيت المقدس لم يقصدوا قبر الخليل ولا غيره من الأنبياء للدعاء ولا للصلاة، بل إذا رأوا أحداً ينتاب مكاناً معيناً للصلاة ونحوها نهوه وزجروه، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا رآهم ينتابون مكاناً يصلون فيه لكونه صلى فيه النبي ﷺ نهاهم عن ذلك ويقول: "هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً، من عرضت له منكم فيها الصلاة فليصل، ومن لم يعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل" (٢). ومن ذلك ما فعل الصحابة بقبر دانيال، فقد روى ابن إسحاق عن أبي خلدة خالد بن دينار قال: حدثنا أبو العالية قال: "لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر بن الخطاب، فدعا له كعباً، فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثلما أقرأ القرآن هذا، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ فقال: سيرتكم وأموركم، ولحون

стр. 587

كلامكم، وما هو كائن بعد، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان الليل دفناه، وسوينا القبور كلها، لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قال: "كانت السماء إذا حبست عليهم، برزوا بسريره فيمطرون، قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال … " (١). وهذا الأثر ثابت عن أبي العالية (٢) رفيع بن مهران الرياحي التابعي الكبير وكان حاضراً للقصة فصح بذلك هذا الفعل من الصحابة رضوان الله عليهم. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية (٣). وقد ورد في رواية أخرى أن الذي أمرهم بإخفاء قبره هو عمر بن الخطاب ﵁، فقد روى ابن أبي شيبة بإسناده عن أنس "أنهم لما فتحوا تستر، قال: فوجد رجلاً أنفه ذراع في التابوت كانوا يستظهرون ويستمطرون به فكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب عمر أن هذا نبي من الأنبياء، والنار لا تأكل الأنبياء والأرض لا تأكل الأنبياء فكتب أن انظر أنت وأصحابك -يعني أصحاب أبي موسى- فادفنوه في مكان لا يعلمه أحد غيركما قال: فذهبت أنا وأبو موسى فدفناه" (٤). وهذا الصنيع من الصحابة رضوان الله عليهم للمحافظة على صفاء العقيدة وحماية الأمة الإسلامية من الشرك ووسائله، وهو دليل على دقة

стр. 588

فهم الصحابة لما يفسد العقيدة أو يشوبها بالخلل والنقصان، وأما المتأخرون فلو ظفروا بمثل هذا القبر المنسوب إلى نبي لاحتفلوا به وبنوا عليه قبة مذهبة وطافوا به واعتكفوا حوله ودعوه من دون الله تعالى، وهذا ليس تخميناً بل يصدقه الواقع فكم من قباب وأضرحة شيدت على قبور بسبب حكايات ومنامات وليس لها دليل ولا حجة سوى من يدعي المنام إما حلماً من الشيطان وتلبيساً منه، أو للتأكل والاسترزاق، قال ابن القيم: ولو ظفر به المستأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله فهم قد اتخذوا من القبور أوثاناً يداني من لا هذا ولا يقاربه" (١). ٤ - إن السلف الصالح رضوان الله عليهم كرهوا تحري الدعاء عند القبر واعتبروه بدعة. أ - فمن ذلك ما روي عن علي بن الحسين زين العابدين ﵄، فإنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه فقال: "ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله قال: "لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم وصلاتكم" (٢). ب - ومن ذلك ما روي عن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃: قال سهيل بن أبي سهيل: رآني الحسن بن الحسن بن

стр. 589

علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي عيداً ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء" (١). فتبين من هذين الأثرين أن قصد قبر النبي ﷺ للدعاء عنده من اتخاذه عيداً وذلك أن علي بن الحسين زين العابدين وهو أفضل التابعين من أهل البيت -نهى ذلك الرجل من أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ واستدل بالحديث الذي سمعه من أبيه عن جده وهو أعلم بمعناه من غيره، وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته -كره أن يقصد القبر للسلام ونحوه، غير دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً. فهذه السنة مخرجها من أهل البيت وأهل المدينة الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط (٢). جـ - ومن ذلك ما روي عن مالك ﵁ أنه قال: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضي" (٣).

стр. 590

وقال مالك أيضاً: "ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول: "السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت أو يا أبتاه" ثم ينصرف، ولا يقف يدعو (١) فرأى مالك ذلك من البدع" (٢). وقال مالك أيضاً: "لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له، ولأبي بكر وعمر، فقيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون، ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلَّا لمن جاء من سفر أو أراده" (٣) فإذا كان هذا في حق خير خلق الله وأكرمهم على الله وسيد ولد آدم (٤) فكيف يكون رأي الإمام مالك في قبر غيره؟. فكلام الإمام مالك هذا يدل على أنه يرى الدعاء عند القبر بدعة (٥). ولا شك في أن ذلك بدعة وضلالة ومخالف للسنة (٦).

стр. 591

وهو مما ابتدعه بعض أهل القبلة مضاهاة للنصارى وغيرهم من المشركين فأصله من دين المشركين لا من دين عباد الله المخلصين (١)، ويحتمل كلام مالك أنه يريد بالدعاء الذي كرهه هو الدعاء للنبي ﷺ بصيغة الصلاة أو غيرها مع طول القيام. وهذا الاحتمال هو الذي فهمه بعض العلماء، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما ما زاد على ذلك مثل الوقوف للدعاء للنبي ﷺ مع كثرة الصلاة والسلام عليه فقد كرهه مالك وقال: هو بدعة لم يفعلها السلف ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" (٢). ومثله ابن عبد الهادي (٣). ويحتمل أن الإمام مالكاً ﵀ يريد ما يعم كل ذلك من الدعاء للنبي ﷺ أو الدعاء لنفسه. وهذا الذي يقتضيه صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه استدل به في كل ذلك (٤). ومما يستفاد من كلام الإمام مالك ﵀ أنه إذا كان يكره أن يطيل الرجل الوقوف عند قبره ﷺ للدعاء له أو عنده فكيف بمن لا يقصد لا السلام عليه ولا الدعاء له، وإنما يقصد دعاءه وطلب حوائجه منه، ويرفع صوته عنده، فيؤذي الرسول ويشرك بالله، ويظلم نفسه؟ (٥). ولا يخالف هذا الذي سبق عن مالك، ما قاله مالك في رواية ابن وهب: "إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة ويدنو ويسلم، ولا يمس القبر بيده" (٦).

стр. 592

فإن المراد بقوله: "ودعا" هو الدعاء للنبي ﷺ بلفظ الصلاة ويؤيد هذا سياق الكلام لقوله فيما بعد "ويدنو ويسلم" إلخ. كما يؤيده أن أبا الوليد الباجي (١) أنه قال: "وعندي يدعو للنبي ﷺ بلفظ الصلاة ولأبي بكر لما في حديث ابن عمر من الخلاف" (٢)، أي يدعو لأبي بكر وعمر بلفظ السلام، لا بلفظ الصلاة. كما يؤيده ما نقله في المبسوط عن مالك أنه قال: "لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر" وقد تقدم نقله كاملاً قريباً. كما يؤيد ذلك الجمع بين الروايات عن مالك فلا يكون هناك اختلاف فيما روي عن مالك من كون الدعاء عند القبر بدعة، وكونه جائز (٣). ويحتمل أنه أراد الدعاء اليسير (٤) الذي يجيء ضمناً وتبعاً، ولكن سياق الحكاية عن مالك لا يؤيد هذا الاحتمال بل يدل على أن مالكاً يرى عدم جواز الدعاء مطلقاً. ٥ - ومما يدل على أن السلف يرون الدعاء عند القبر بدعة أنهم قالوا في الرجل يسلم على النبي ﷺ أنه لا يدعو مستقبلًا القبر الشريف، بل عليه إذا أراد الدعاء أن يستقبل القبلة. هذا هو مذهب الأئمة الأربعة، وغيرهم من أئمة الإسلام قالوا: إن الرجل إذا سلم على النبي ﷺ ، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة

стр. 593

ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو لنفسه. واختلفوا في وقت السلام عليه فقال الثلاثة -مالك والشافعي وأحمد-: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم. ثم في مذهبه قولان: قيل يستدبر الحجرة وقيل يجعلها عن يساره، فهذا نزاعهم في وقت السلام، وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة لا الحجرة كما يستقبل القبلة إذا دعا بعرفة والصفا والمروة، وعند الجمرات (١). وأما ما يروى عن بعض العلماء أنهم ذكروا الدعاء بعد السلام على النبي ﷺ فهو إن ثبت محمول على أنهم إنما أرادوا الدعاء اليسير الذي لم يُتَحَرَّ وإنما جاء ضمناً، وسيأتي أن الدعاء اليسير بدون تحر والذي يجيء ضمناً جائز، ويدل على هذا الحمل ألفاظ الأدعية المروية عنهم في ذلك فإنها يسيرة وفي ضمن السلام: فقد روي عن أحمد ﵀ في منسك المروذي (٢) أنه قال: "ثم ائت الروضة، وهي ما بين القبر والمنبر فصل فيها وادع بما شئت ثم ائت قبر النبي ﷺ ، ثم ذكر صيغة السلام والشهادتين والثناء على الرسول الله ﷺ ثم ذكر الدعاء للرسول ﷺ بقوله: "فجزاك الله أفضل ما جزى نبياً عن أمته، ورفع درجتك العليا وتقبل شفاعتك الكبرى، وأعطاك سؤلك في الآخرة والأولى، كما تقبل من إبراهيم" ثم ذكر الدعاء لنفسه بقوله: "اللهم احشرنا في زمرته وتوفنا على

стр. 594

سنته، وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشرباً روياً لا نظمأ بعده أبداً" (١). فهذا الدعاء للنفس بعد الدعاء للنبي ﷺ إنما جاء ضمناً ولم يتحر ثم، إنه يسير، ومما يستفاد من ألفاظ الأدعية التي ذكرها الإمام أحمد أنه "لم يذكر أن يطلب منه ﷺ شيئاً ولا يقرأ عند القبر قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية، كما لم يذكر مالك ذلك ولا المتقدمون من جمهور العلماء" (٢) لأن هذه الأمور مما أحدث بعد القرون المفضلة، "فالسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئاً ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته، ويطلب منه يوم القيامة لا شفاعة، ولا استغفاراً ولا غير ذلك، وإنما نزاعهم في الوقوف للدعاء له والسلام عليه عند الحجرة" (٣). هذا ومما يدل على أن هذا الدعاء اليسير الذي ذكره أحمد لم يتحر فيه أن أحمد ﵀ قال قبل ذلك: "ثم ائت الروضة … وادع بما شئت" فهذا يدل على أن الروضة هي المكان الذي يتحرى فيه الدعاء فلهذا أطلق الإمام أحمد الدعاء فيها، والزائر للمسجد عليه التحري والاجتهاد للدعاء في الروضة لا عند القبر. وهذه النصوص من أئمة السلف وبعض الأئمة الأربعة ترد على المتأخرين الذين يَدَّعُوْن أنهم على مذهبهم فإن بعضهم قد استحب الدعاء عند قبر النبي ﷺ وغيره (٤).

стр. 595

فتبين مما سبق أن علماء السلف أجمعوا في قبر النبي ﷺ مع أنه أشرف الخلق وأكرمهم على الله، وأفضل الأولين والآخرين، على أنه لا يستقبل عند الدعاء فضلاً أن يدعي من دون الله ويتخذ قبره عيداً، فكيف بقبر غيره ممن هو دونه بكثير؟ (١). ويعلم من هذا أنه إذا اتفق السلف في أن قبر النبي ﷺ لا يتحرى الدعاء عنده دل ذلك على أن السلف يرون أن تحري باقي القبور بدعة من باب أولى وأحرى. ٦ - ومما يدل على بدعية تحري الدعاء عند القبور أن النبي الله ﷺ نهى عن الصلاة عند القبور وإليها، ونهى عن اتخاذها مساجد. فقد روى أبو مرثد الغنوي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" (٢)، وقال في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" (٣)، وقد نصح أمته وأوصاهم قبل أن يموت بخمس، فقال: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" (٤). والعلة في النهي عن الصلاة عند القبور كون ذلك يؤدي إلى الافتتان بها، فمن باب أولى النهي عن الدعاء عندها لأن الفتنة هنا أشد. قال شيخ الإسلام: "إن العلة التي نهى النبي ﷺ لأجلها عن الصلاة عندها إنما هو لئلا تتخذ ذريعة إلى نوع الشرك بقصدها، وبالعكوف عليها وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة، ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة، فيدعو لاستجلاب خير كالاستسقاء أو لدفع شر كالاستنصار، فحاله بافتتانه بالقبور إذا رجا الإجابة عندها أعظم من حال

стр. 596

من يؤدي الفرض عندها في حال العافية، فإن أكثر المصلين في حال العافية لا تكاد تفتن قلوبهم بذلك إلا قليلاً، أما الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جداً، فإذا كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهي عن الصلاة عندها متحققة في حال هؤلاء كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد" (١)، وذلك لأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، وقد تحقق وجود العلة هنا فالدعاء عند القبر ذريعة بدون شك ولا ريب إلى دعاء صاحب القبر فيكون منهياً عنه عند القبر كما نهي عن الصلاة عنده. وهذا الذي سبق يبين أن علة النهي عن اتخاذ القبور مساجد هو الخوف من عبادتها وقد نص على هذه العلة الإمام الشافعي (٢) وغيره، وهذا القول هو القول الصحيح من قولي العلماء (٣). وقيل النجاسة، وهذا قول ضعيف (٤) لأنَّه لا يمكن في قبور الأنبياء ادعاء النجاسة كما هو واضح. ثم من العجب العجاب، أنه مع صحة الأحاديث الناهية عن اتخاذ القبور مساجد يقول بعض الناس: "إنّ من اتخذ مسجداً قرب رجل صالح أو صلى في مقبرة قصداً للتبرك بآثاره وإجابة دعائه هناك والاستظهار بروحه فلا حرج" (٥).

стр. 597

ولا يخفى أن هذا مصادمة للنص الصحيح الصريح في دلالته، ولا سبب لهذا -والله أعلم- إلا الجري وراء مألوفات العوام والتقليد الأعمى. وقد يكون هذا من تأثير الروافض في عوام أهل السنّة؛ لأن من آداب زيارة الأئمة عندهم صلاة الزائر عند الفراغ وإهداءها إلى المزور وإن كان ممن يدعون له العصمة فالأفضل الصلاة عند رأسه، ولا يتقدم على القبر ولا يساويه ولا يستدبره، كما أن من الآداب عندهم الدعاء بعد الصلاة وتقبيل العتبة (١). ومما يدل على تأثيرهم في أهل السنة ما ذكره ابن كثير من بعض ملوك أهل السنّة من قصد قبور أئمتهم للدعاء عنده (٢). وذكر نحوه ابن الجوزي (٣). ومما يزيد هذا الدليل وضوحاً: أن النبي ﷺ نهى (٤) عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها واستوائها لسد ذريعة الشرك لئلا يفضي ذلك إلى التشبه بالذين يسجدون لها ويدعونها، كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها بأنواع الأدعية، فيعلم من هذا أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم في نفسه أعظم تحريماً من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي إلى دعاء الكواكب، كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد -فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى

стр. 598

دعائهم والسجود لهم - كان دعاؤهم والسجود لهم أعظم تحريماً من اتخاذ قبورهم مساجد (١)، وذلك لأن الحكم في المقاصد والغايات أشد من الوسائل والذرائع، وهذا كله يدل على أن الدعاء عند القبور وسيلة وذريعة إلى دعاء صاحب القبر أكثر من كون الصلاة عند طلوع الشمس ذريعة إلى عبادتها أو دعائها فيكون أولى بالمنع وأحرى وأوكد. ٧ - إن من قواعد الشرع الأصلية العظيمة قاعدة سد الذرائع، فهي قاعدة اتفق عليها العلماء، والدعاء عند القبر ذريعة إلى دعاء صاحب القبر، وذلك أن الشيطان العدو اللدود للإنسان يتلطف في إغوائه فيزين له في بداية أمره الدعاء عند القبر وأنَّه أرجح منه في بيته ومسجده وأوقات الأسحار، فإذا تقرر ذلك عنده نقله إلى درجة أخرى وهي الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذه الدرجة أعظم من التي قبلها، فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به، والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه، وأنجع في قضاء حاجته، نقله إلى درجة أخرى، وهي دعاء صاحب القبر من دون الله تعالى، فإذا تقرر ذلك نقله إلى درجة أخرى وهي اتخاذ قبره وثناً يعكف عليه ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور ويبني عليه القبة، ويعبده بالسجود له والطواف به وتقبيله واستلامه، والحج إليه والذبح عنده. ثم إذا تقرر هذا ينقله إلى درجة أخرى وهي دعوة الناس إلى عبادته واتخاذه عيداً ومنسكاً وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم (٢).

стр. 599

ولهذا سد الشارع الحكيم على الشيطان هذه المداخل وحسم مادة الشرك ومنع من كل ما يؤدي إلى دعاء غير الله تعالى، ومن هنا يعلم سر منع الشريعة الإسلامية من تحري الدعاء عند القبر؛ لأن ذلك من أقرب الوسائل التي توصل إلى دعاء صاحب القبر، ومع أن الشارع قد سد هذه الطرق ومنعها، قد وقع ذلك، وحصل من بعض المسلمين اعتقاد إجابة الدعاء عند القبور فأدى ذلك إلى مفاسد كثيرة، وفتن بسببه خلائق من القبوريين حتى صاروا يقيمون الأعياد عندها في يوم معين من السّنة ويقصدون ذلك اليوم كما تقصد عرفة ومنى ومزدلفة بل ربما أكثر من ذلك، وصاروا يسافرون إليها من مسافات بعيدة ويشدون الرحل لقصد الدعاء والعبادة عندها أو الدعاء بها أو دعائها، وهذا الذي يفعل عندها هو بعينه الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: "لا تتخذوا قبري عيداً" (١). وقد أنكر العلماء ذلك إنكاراً شديداً، منهم الإمام أحمد ﵀، فإنه أنكر ذلك وقال: وقد أفرط الناس في هذا جداً وأكثروا وذكر ما يفعل عند قبر الحسين (٢). فإذا كان هذا الحال في وقت الإمام أحمد وشدة إنكاره لما يقع في زمانه، فكيف لو رأى ما يفعله القبوريون في هذا الزمان؟ وهذه المفاسد الكثيرة سببها اعتقادهم استجابة الدعاء عند القبر أكثر من غيره، وأنَّه أفضل هناك، وإلا فلو لم يقم بالقلب اعتقاد فضل الدعاء عند القبور لانمحت هذه الفتن والمفاسد التي عمّت بلاد المسلمين وشب عليها الصغير وشاب عليها الكبير، فتحصل من هذا أنه إذا كان اعتقاد فضل إجابة الدعاء عندها يؤدي إلى هذه المفاسد كان حراماً، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق وفتحاً لباب الشرك، وإغلاقاً لباب الإيمان (٣).

стр. 600

حكم الدعاء عند الأضرحة: إن الدعاء عند قبر ولي أو نبي أو ما يعتقد أنه قبر نبي أو ولي ولم يكن كذلك له ثلاث صور - كما تقدم (١) - والحكم يختلف بحسب اختلاف الصور: فالصورة الأولى: أن يقصد القبر ويتحراه للدعاء عنده فقط معتقداً أن الدعاء هناك أجوب وأن لذلك المكان خصوصية في إجابة الدعاء، وأن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت. الثانية: أن يقصد القبر للزيارة والدعاء عنده معتقداً لما تقدم. الثالثة: أن يحصل الدعاء عند القبر بحكم الاتفاق بدون قصد وتحر كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور، أو من يزورها فيسلم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنّة (٢). الحكم في هذه الصور: إن الصورة الأولى والثانية فيهما تحري الدعاء عند القبر، والتحري له حكم خاص لأن الرجل ما يتحرى ويخصص مكاناً معيناً للدعاء إلا وقد سيطر على لبه وعقله اعتقاد أن لذلك المكان خصوصية ودخلاً في إجابة الدعاء، فلذا توجه إلى تلك البقعة، والأصل في الشرع "أنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء" (٣) فمن هنا صار تحري الدعاء عند القبر ممنوعاً. وأما لو وقع الدعاء ضمناً بدون تحر فالحكم يختلف "كما أن من دخل المسجد فصلى تحية المسجد ودعا في ضمنها لم يكره ذلك، أو
следующие страницы →