من يؤدي الفرض عندها في حال العافية، فإن أكثر المصلين في حال العافية لا تكاد تفتن قلوبهم بذلك إلا قليلاً، أما الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جداً، فإذا كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهي عن الصلاة عندها متحققة في حال هؤلاء كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد" (١)، وذلك لأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، وقد تحقق وجود العلة هنا فالدعاء عند القبر ذريعة بدون شك ولا ريب إلى دعاء صاحب القبر فيكون منهياً عنه عند القبر كما نهي عن الصلاة عنده.
وهذا الذي سبق يبين أن علة النهي عن اتخاذ القبور مساجد هو الخوف من عبادتها وقد نص على هذه العلة الإمام الشافعي (٢) وغيره، وهذا القول هو القول الصحيح من قولي العلماء (٣).
وقيل النجاسة، وهذا قول ضعيف (٤) لأنَّه لا يمكن في قبور الأنبياء ادعاء النجاسة كما هو واضح.
ثم من العجب العجاب، أنه مع صحة الأحاديث الناهية عن اتخاذ القبور مساجد يقول بعض الناس: "إنّ من اتخذ مسجداً قرب رجل صالح أو صلى في مقبرة قصداً للتبرك بآثاره وإجابة دعائه هناك والاستظهار بروحه فلا حرج" (٥).
стр. 597
ولا يخفى أن هذا مصادمة للنص الصحيح الصريح في دلالته، ولا سبب لهذا -والله أعلم- إلا الجري وراء مألوفات العوام والتقليد الأعمى.
وقد يكون هذا من تأثير الروافض في عوام أهل السنّة؛ لأن من آداب زيارة الأئمة عندهم صلاة الزائر عند الفراغ وإهداءها إلى المزور وإن كان ممن يدعون له العصمة فالأفضل الصلاة عند رأسه، ولا يتقدم على القبر ولا يساويه ولا يستدبره، كما أن من الآداب عندهم الدعاء بعد الصلاة وتقبيل العتبة (١).
ومما يدل على تأثيرهم في أهل السنة ما ذكره ابن كثير من بعض ملوك أهل السنّة من قصد قبور أئمتهم للدعاء عنده (٢). وذكر نحوه ابن الجوزي (٣).
ومما يزيد هذا الدليل وضوحاً: أن النبي ﷺ نهى (٤) عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها واستوائها لسد ذريعة الشرك لئلا يفضي ذلك إلى التشبه بالذين يسجدون لها ويدعونها، كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها بأنواع الأدعية، فيعلم من هذا أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم في نفسه أعظم تحريماً من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي إلى دعاء الكواكب، كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد -فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى
стр. 598
دعائهم والسجود لهم - كان دعاؤهم والسجود لهم أعظم تحريماً من اتخاذ قبورهم مساجد (١)، وذلك لأن الحكم في المقاصد والغايات أشد من الوسائل والذرائع، وهذا كله يدل على أن الدعاء عند القبور وسيلة وذريعة إلى دعاء صاحب القبر أكثر من كون الصلاة عند طلوع الشمس ذريعة إلى عبادتها أو دعائها فيكون أولى بالمنع وأحرى وأوكد.
٧ - إن من قواعد الشرع الأصلية العظيمة قاعدة سد الذرائع، فهي قاعدة اتفق عليها العلماء، والدعاء عند القبر ذريعة إلى دعاء صاحب القبر، وذلك أن الشيطان العدو اللدود للإنسان يتلطف في إغوائه فيزين له في بداية أمره الدعاء عند القبر وأنَّه أرجح منه في بيته ومسجده وأوقات الأسحار، فإذا تقرر ذلك عنده نقله إلى درجة أخرى وهي الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذه الدرجة أعظم من التي قبلها، فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به، والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه، وأنجع في قضاء حاجته، نقله إلى درجة أخرى، وهي دعاء صاحب القبر من دون الله تعالى، فإذا تقرر ذلك نقله إلى درجة أخرى وهي اتخاذ قبره وثناً يعكف عليه ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور ويبني عليه القبة، ويعبده بالسجود له والطواف به وتقبيله واستلامه، والحج إليه والذبح عنده.
ثم إذا تقرر هذا ينقله إلى درجة أخرى وهي دعوة الناس إلى عبادته واتخاذه عيداً ومنسكاً وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم (٢).
стр. 599
ولهذا سد الشارع الحكيم على الشيطان هذه المداخل وحسم مادة الشرك ومنع من كل ما يؤدي إلى دعاء غير الله تعالى، ومن هنا يعلم سر منع الشريعة الإسلامية من تحري الدعاء عند القبر؛ لأن ذلك من أقرب الوسائل التي توصل إلى دعاء صاحب القبر، ومع أن الشارع قد سد هذه الطرق ومنعها، قد وقع ذلك، وحصل من بعض المسلمين اعتقاد إجابة الدعاء عند القبور فأدى ذلك إلى مفاسد كثيرة، وفتن بسببه خلائق من القبوريين حتى صاروا يقيمون الأعياد عندها في يوم معين من السّنة ويقصدون ذلك اليوم كما تقصد عرفة ومنى ومزدلفة بل ربما أكثر من ذلك، وصاروا يسافرون إليها من مسافات بعيدة ويشدون الرحل لقصد الدعاء والعبادة عندها أو الدعاء بها أو دعائها، وهذا الذي يفعل عندها هو بعينه الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: "لا تتخذوا قبري عيداً" (١).
وقد أنكر العلماء ذلك إنكاراً شديداً، منهم الإمام أحمد ﵀، فإنه أنكر ذلك وقال: وقد أفرط الناس في هذا جداً وأكثروا وذكر ما يفعل عند قبر الحسين (٢).
فإذا كان هذا الحال في وقت الإمام أحمد وشدة إنكاره لما يقع في زمانه، فكيف لو رأى ما يفعله القبوريون في هذا الزمان؟
وهذه المفاسد الكثيرة سببها اعتقادهم استجابة الدعاء عند القبر أكثر من غيره، وأنَّه أفضل هناك، وإلا فلو لم يقم بالقلب اعتقاد فضل الدعاء عند القبور لانمحت هذه الفتن والمفاسد التي عمّت بلاد المسلمين وشب عليها الصغير وشاب عليها الكبير، فتحصل من هذا أنه إذا كان اعتقاد فضل إجابة الدعاء عندها يؤدي إلى هذه المفاسد كان حراماً، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق وفتحاً لباب الشرك، وإغلاقاً لباب الإيمان (٣).
стр. 600
حكم الدعاء عند الأضرحة:
إن الدعاء عند قبر ولي أو نبي أو ما يعتقد أنه قبر نبي أو ولي ولم يكن كذلك له ثلاث صور - كما تقدم (١) - والحكم يختلف بحسب اختلاف الصور:
فالصورة الأولى: أن يقصد القبر ويتحراه للدعاء عنده فقط معتقداً أن الدعاء هناك أجوب وأن لذلك المكان خصوصية في إجابة الدعاء، وأن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت.
الثانية: أن يقصد القبر للزيارة والدعاء عنده معتقداً لما تقدم.
الثالثة: أن يحصل الدعاء عند القبر بحكم الاتفاق بدون قصد وتحر كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور، أو من يزورها فيسلم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنّة (٢).
الحكم في هذه الصور:
إن الصورة الأولى والثانية فيهما تحري الدعاء عند القبر، والتحري له حكم خاص لأن الرجل ما يتحرى ويخصص مكاناً معيناً للدعاء إلا وقد سيطر على لبه وعقله اعتقاد أن لذلك المكان خصوصية ودخلاً في إجابة الدعاء، فلذا توجه إلى تلك البقعة، والأصل في الشرع "أنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء" (٣) فمن هنا صار تحري الدعاء عند القبر ممنوعاً.
وأما لو وقع الدعاء ضمناً بدون تحر فالحكم يختلف "كما أن من دخل المسجد فصلى تحية المسجد ودعا في ضمنها لم يكره ذلك، أو
стр. 601
توضأ في مكان وصلى هناك ودعا في ضمن صلاته لم يكره ذلك، ولو تحرى الدعاء في تلك البقعة أو في مسجد لا خصيصة له في الشرع دون غيره من المساجد نهي عن هذا التخصيص" (١).
فتبين من هذا أن تحري الدعاء عند القبر بدعة منكرة وهي من البدع التي تضارع دين النصارى بل يخشى أن تصل في بعض الأحوال إلى الشرك الواضح (٢)، فهو وإن لم يصل في جميع صوره إلى الشرك لكنه باب واسع يوصل إلى الشرك وذريعة إليه.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "أما بناء القباب عليها فيجب هدمها ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر، وكذلك الصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء فكذلك لا أعلمه يصل إلى ذلك، ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك فيشتد نكير العلماء لذلك … وذكر العلماء أنه يجب التغليظ في هذه الأمور لأنَّه يفتح باب الشرك" (٣).
وأما الحكم في الصورة الثالثة: وهي ما إذا لم يتحر الدعاء عند القبر، وجاء عند القبر للزيارة فقط، أو مر على المقبرة فسلم ودعا لأهل المقبرة ثم دعا لنفسه، فالحكم في هذه الصورة أن الدعاء لا بأس به لأنَّه وقع ضمناً وتبعاً، ولم يقصد ويدل على ذلك الأحاديث الواردة في السلام على أهل القبور.
стр. 602
فقد ورد في حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قوله ﵊: "أسأل الله لنا ولكم العافية" (١)، وفي حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: "ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين" (٢).
وهذا الدعاء الذي لم يتحر فيه يكون في الغالب يسيراً وخفيفاً كما في الحديثين السابقين، وعلى هذا يحمل ما ورد عن بعض السلف أنهم ذكروا في المناسك أنه بعد تحية النبي ﷺ والصلاة والسلام عليه يدعو مستقبل القبلة "فقد ذكر الإمام أحمد وغيره أنه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام، ثم يدعو لنفسه، وذكر أنه إذا حَيَّاه وصلى عليه يستقبل وجهه -بأبي هو وأمي ﷺ ، فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا وهذا مراعاة منهم لذلك، فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقاً، بل يؤمر به للميت كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمناً وتبعاً، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء للقبر للدعاء عنده" (٣) فتقرر بهذا جواز الدعاء الواقع عند القبر بدون تحر.
ولكن جواز الدعاء إذا وقع بدون تحر ليس أمراً متفقاً عليه بين العلماء فقد اختلف السلف في ذلك، فمنهم من منع الدعاء مطلقاً، ومنهم من أجاز ذلك بشروط.
فالمنقول عن السلف والذي تقتضيه عباراتهم أنهم يكرهون الوقوف عند القبر مطلقاً وقد تقدم قول مالك ﵀: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضي".
فهذا يقتضي أن مالكاً يرى عدم الوقوف عند القبر مطلقاً سواء تحرى الدعاء أم لا.
стр. 603
وهذا هو الذي مال إليه شيخ الإسلام، فإنه بعد أن ذكر هذا القول قال: "وهو أصح" (١) وذلك لأن الوقوف عند القبر للدعاء حتى ولو لم يتحر فيه صاحبه فإنه يخشى أن يكون ضرراً لغيره ممن يرونه لاسيما إذا كان الداعي ممن يقتدى به ففيه تغرير لهم وإيهام.
فالأولى الاقتصار على السلام الوارد في زيارة القبور وعلى الدعاء الذي تضمنه بدون زيادة عليه.
الخلاصة:
إن جواز الدعاء عند القبر له عدة شروط، قلما تتوافر في غير الملتزم بالزيارة الشرعية وتلك الشروط هي:
١ - عدم التحري.
٢ - وقوعه ضمناً وتبعاً لا استقلالاً.
٣ - أن يكون يسيراً.
٤ - أن لا يحصل به تغرير علي غيره (٢).
٥ - واشترط ابن الهمام الحنفي صاحب فتح القدير أن يكون قائماً (٣).
وهذا الشرط يقتضيه المنقول عن النبي ﷺ فلم ينقل أنه عكف عند القبر، وأما ما تفعله بعض الطوائف من الجلوس عند البقيع وغيره من القبور وقراءة الأدعية المكتوبة فبدعة ظاهرة لمخالفته لهذه الشروط كلها مع ما فيه من التوسل المبتدع، والسجع المتكلف، والبكاء المفتعل، وقراءة الادعية بأصوات تشبه الغناء، والاجتماع على ذلك إلى غير ذلك من البدع المصاحبة لعمل أولئك الطوائف من الرافضة ومقلديهم من القبوريين.
стр. 604
النوع الثاني: التوسل بالذوات:
إن التوسل بالذوات قد انتشر في أدعية المتأخرين حتى كاد أن لا يخلو منه دعاء من أدعيتهم، كأنه شرط أساسي لقبول الدعاء، وكأن الله لا يقبل الدعاء إلا إذا توسل إليه الداعي بأنبيائه وأوليائه وأحبابه.
ثم إن بعض الناس جعلوه ذريعة لإباحة وتسويغ دعاء غير الله والاستغاثة بالأموات والغائبين، وسموا ذلك توسلاً بهتاناً وكذباً وزوراً وافتراءً.
فاقتضى هذا الحاجة إلى معالجة قضايا التوسل وبيان بعض جوانبه المهمة؛ لأن دراسة جميع مسائله وقضاياه تحتاج إلى رسالة مستقلة تلم بجميع جوانبه.
فلهذا أقتصر على بعض مسائله التي هي ضرورة لاكتمال جوانب البحث في الرسالة والله ولي التوفيق.
المعنى اللغوي لكلمة التوسل:
التوسل (١) مصدر لتوسل يقال: توسلت إليه أي تقرّبت إليه، وتوسلت إلى الله وسيلة أي عملت عملاً أتقرب به إليه، فمعناه التقرب، ومن معناه الرغبة والطلب، يقال: وسل إذا رغب، والواسل الراغب إلى الله تعالى ومنه قول الشاعر:
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم … بلى كل ذي دين إلى الله واسل (٢)
стр. 605
ويقال أيضاً: وَسَّل فلان إلى ربه وسيلة، إذا عمل عملاً تقرب به إليه، والوسيلة هي الفعيلة من قول القائل توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه، ومنه قول عنترة:
إنَّ الرجال لهم إليكِ وسيلةٌ … أَنْ يأخذوكِ تَكَحْلِي وتَخَضَّبِي (١)
يعني بالوسيلة القربة وفيه معنى الرغبة، قال الراغب الأصفهاني: "والوسيلة التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة لتضمنها لمعنى الرغبة".
والوسيلة أيضاً ما يتقرب به إلى الغير والجمع الوسيل والوسائل، ويحتمل أنه بمعنى الحاجة في بيت عنترة المتقدم كما قال أبو عبيدة معمر بن المثنى.
فتحصل من هذا أن الوسيلة تطلق على الأمور التالية:
١ - القربة.
٢ - الرغبة.
٣ - الحاجة.
٤ - وورد إطلاقها على المنزلة عند الملك، ومنه اللهم رب هذه الدعوة. . . آت محمداً الوسيلة".
وهذه المعاني متقاربة بل هي متداخلة ومتلازمة فإن الرغبة والحاجة والتقرب قرائب في المعنى ويستلزم بعضها بعضاً.
فهذا هو معنى التوسل والوسيلة حسبما تدور عليه عبارات اللغويين.
وأما المعنى الشرعي فهو أيضاً مأخوذ من هذا المعنى اللغوي، فهو:
التقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة على وفق ما شرعه الله تعالى.
ويكون معنى ابتغاء الوسيلة إلى الله الوارد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
стр. 606
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]. هو "التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول ﷺ " (١).
هذا هو إطلاق التوسل في اللغة وفي الشرع.
وأما التوسل في عرف بعض المتأخرين فيطلق على التوسل بالذوات الفاضلة كما يطلق على دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به.
فقد تغيرت المفاهيم عندهم ودخل في الأسماء الشرعية تحريف عن وضعها الشرعي، فالعبادة عندهم لا تطلق إلا على نحو السجود والركوع، ومثل ذلك يقال في معنى الشرك والكفر وغير ذلك.
وقد تسبب هذا في أنهم أجازوا دعاء الموتى ونداءهم باسم التوسل.
فهذا هو السبب الذي اقتضى البحث في موضوع التوسل؛ لأنَّه لو سد باب إباحة التوسل البدعي لانسد باب دعاء غير الله تعالى؛ لأن التوسل البدعي هو الباب الرئيسي الذي يدخل منه الشيطان ليزين لبعض الناس دعاء غير الله تعالى.
خلاصة الكلام في هذه المسألة (٢):
إن لفظ التوسل فيه اشتراك وإجمال قد حصل بسببه لبس وخلط وإيهام.
وذلك لأن التوسل يطلق شرعاً وفي عبارة السلف على أمرين:
أحدهما: التوسل والتقرب إلى الله تعالى بما شرعه من الإيمان به
стр. 607
وتوحيده والإيمان برسوله وتصديقه ومحبته وطاعته، وجميع الأعمال الصالحة المشروعة.
وثانيهما: طلب الدعاء والشفاعة من الرجل الحي الحاضر مثل قول عمر ﵁: كنا نتوسل إليك بنبينا إلى آخره، وسيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى.
وهذان الإطلاقان صحيحان ثابتان واردان في الشرع وفي عبارة السلف، إلا أن هناك إطلاقين آخرين عند المتأخرين لا يعرفون من التوسل إلا إياهما.
وهذان الإطلاقان:
أحدهما التوسل بذوات الصالحين.
وثانيهما: نداء الأموات والغائبين واستغاثتهم، والصراخ والهتاف بأسمائهم.
فهذان المعنيان يطلق عليهما لفظ التوسل عند المتأخرين، مع أن هذا إطلاق لم يكن معروفاً لا في اللغة العربية ولا في الشرع ولا في إطلاقات السلف.
وحتى لا يقول أحد: إننا نفتري على الآخرين ننقل هنا كلام أحد المتأخرين وهو سلامة العزامي (١)، فإنه ذكر أن التوسل بالذوات الفاضلة على ثلاثة أنواع فقال:
النوع الأول: أن يسأل الله مستشفعاً بهم كأن يقول: اللهم إني
стр. 608
أسألك بنبيك محمد أو أتوجه إليك به … (١).
النوع الثاني: أن يطلب المتوسل من المتوسل به أن يشفع إلى الله في حوائجه بأن يدعو الله له في قضائها (٢).
النوع الثالث: أن يطلب نفس الحوائج منه وهو يريد منه وهو يريد أن يتسبب في قضائها من الله بشفاعته فيها عند الله سبحانه (٣).
فقد صرح العزامي في هذا الكلام بأن التوسل بالذوات يطلق ويراد منه ثلاثة أنواع:
١ - السؤال بهم.
٢ - التشفع بهم والمراد به الشفاعة الشركية التي تقدمت.
٣ - طلب الحوائج منهم أنفسهم.
فهو قد أدخل الشفاعة أيضاً في معنى التوسل كما أطلقها أيضاً على الاستغاثة ونداء الميت لطلب الحوائج منه، فهو بهذا يجيز بل يستحسن طلب قضاء الحوائج من الموتى وهو يصرح بهذا، والشرط الوحيد الذي يشترطه هو عدم اعتقاد الربوبية فإنه قال: "ولا يفسد التوسل بالأنبياء والصالحين إلَّا أن يجعلهم أرباباً من دون الله ويتخذ هذا الجعل وسيلة إليهم أن يشفعوا له، فهذا لا ينفعه شيء من التوسل ولا غيره" (٤).
وسيأتي (٥) مناقشة ما يتعلق بمسألة قولهم: إن عدم اعتقاد الربوبية كاف في عدم الشرك.
стр. 609
إن هذا التوسع في معنى التوسل والخلط بين الأسماء الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنّة وبين الأسماء المبتدعة المستحدثة، هو أحد الأمور التي يلبس بها الشيطان على كثير من الناس فيظنون البدعة سنة والمنكر معروفاً.
مع العلم بأننا لم نجد أحداً من المفسرين واللغويين فسر التوسل بالتوسل بالذوات على هذا الوجه الذي ذكروه، وقد تقدم نقل كلام اللغويين الذي لا يخرج عن معنى التوسل المشروع.
وبعد أن انتهينا من التعريف لمعنى التوسل نذكر أنواعه وبالله التوفيق.
أقسام التوسل:
ينقسم التوسل إلى قسمين: مشروع، وممنوع. وكلاهما ينقسم إلى أنواع:
أنواع التوسل المشروع:
أوصلها بعضهم (١) إلى ستة أنواع، وعند التأمل ترجع تلك الأنواع المشروعة إلى ثلاثة أنواع:
أ - التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا:
ويدخل تحته التوسل بإضافة اسم الرب جل وعلا إلى عباده الصالحين كما في حديث عائشة ﵂: "اللهم رب جبريل
стр. 610
وميكائيل وإسرافيل … " (١).
فإن هذا توسل إلى الله تعالى بربوبيته لهؤلاء العباد المكرمين، فالربوبية صفة من صفاته العليا، فهذا قسم داخل تحت التوسل بالأسماء الحسنى والصفات العليا وليس قسيماً له فلا حاجة لعده قسماً آخر.
والتوسل بأسماء الله الحسنى مشروع قد أمرنا الله به، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وفي الأمر بالدعاء بالأسماء الحسنى نهى عن الدعاء بغيرها.
وفي معنى هذه الآية قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" (٢).
فمن معاني الإحصاء السؤال بها، وقد ذكر بعض العلماء أنه لا يجوز الدعاء بغير الأسماء التسعة والتسعين (٣) فهذا القول وإن كان فيه نظر -لما ثبت من الدعاء بغيرها- لكنه يدل بطريق الأولى على عدم جواز الدعاء بغير أسماء الله وصفاته من أسماء المخلوقين.
ب - التوسل بالأعمال الصالحة:
ويدخل تحته التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ وتصديقه وطاعته واتباعه، والتوسل بمحبة الصالحين في الله ولله، لأن هذا توسل بعمل الداعي وليس قسيماً له فلا حاجة لعده قسماً آخر، كما يدخل تحته التوسل بالصلاة على النبي ﷺ ، فهذا أيضاً توسل بعمل الداعي وليس قسيماً له كما هو واضح.
وقد شرع الله لنا التوسل بالأعمال الصالحة التي عملها الداعي، وقد ورد هذا التوسل في آيات عدة ذكر الله فيها أدعية الأنبياء والصالحين التي
стр. 611
توسلوا فيها بأعمالهم الصالحة، فمن تلك الآيات ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦]. ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣]. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣]. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
ومنه حديث أصحاب الغار المشهور (١) حيث توسل أحدهم ببره لوالديه والثاني بعفته والثالث بأدائه للحقوق.
وهذا النوع الثاني تحته صورتان:
إحداهما: التوسل بالأعمال الصالحة إلى طلب حصول ثواب الله تعالى ورحمته ورضوانه فإن الأعمال الصالحة هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدارين.
ومن هذه الصورة الآيات السابقة، ففي تلك الآيات توسل بالإيمان إلى طلب المغفرة والرحمة.
وثانيتهما: التوسل بالأعمال الصالحة التي سبق للمتوسل أن عملها -إلى طلب إجابة دعائه وإعطاء سؤله وقضاء حوائجه ونيل مرامه في الدنيا (٢).
ويظهر من تتبع الأدعية المأثورة الواردة في الكتاب والسنة -كثرة الصورة الأولى التي الهدف الأكبر منها الأمر الأخروي.
وأما الصورة الثانية فأقل من الأولى، فهي ليست بكثيرة بالنسبة إلى الأولى ولكنها جائزة ثبتت بأدلة صحيحة منها حديث الغار.
والمقصود بهذا الكلام أن التوسل بالأعمال الصالحة إلى طلب قضاء الحاجات الدنيوية قليل في الأدعية الواردة إذا قسناه إلى التوسل بها إلى
стр. 612
طلب النجاة من النار وطلب المغفرة ونحو ذلك من الأمور التي تتعلق بالآخرة، فهذا كثير في الأدعية الواردة.
وأما التوسل بالأعمال على قضاء الحوائج بإجابة الدعوات فهو أيضاً مأثور وثابت -وإن كان أقل من ذلك- ولم يرد في الأدعية القرآنية ولكنه ثابت صحيح، ومما ورد من ذلك حديث أصحاب الغار السابق.
ومن ذلك ما روي بإسناد صحيح عن هلال الوزان حدثنا عبد الله بن عكيم الجهني أحد الصحابة: "أنه أرسل إليه الحجاج بن يوسف، فقام فتوضأ ثم صلى ركعتين"، ثم قال: "اللهم إنك تعلم أني لم أزن قط، ولم أسرق قط، ولم آكل مال يتيم قط، ولم أقذف محصنة قط، إن كنت صادقاً فادرأ عني شره" (١).
هذا الصحابي قد توسل بأعماله الصالحة السابقة، ولم يتوسل بالنبي ﷺ ولا بأبي بكر وعمر وغيرهما من السابقين الأولين، فالتوسل بالأعمال الصالحة التي عملها المتوسل في حياته جائز ومشروع، فيدخل في ذلك توسل الرجل بإيمانه بالنبي ﷺ وطاعته ومحبته فإن هذه الأمور من عمل الرجل المتوسل وليست أمراً أجنبياً عنه ولكن من المعروف أن غالب المتوسلين بالذوات لا يعرفون هذا المعنى الصحيح ولا يخطر في مخيلتهم إلا المعنى المبتدع، فلهذا لا يصح تأويل توسلهم المبتدع بهذا المعنى الصحيح؛ لأنَّه حمل لكلام المتكلم على غير مراده.
جـ - التوسل بطلب الدعاء من الحي الحاضر:
فهذا النوع من التوسل جائز لثبوته من فعل الصحابة مع النبي ﷺ
стр. 613
وإقراره لهم حيث كان أحدهم يأتيه فيطلب منه صلوات الله وسلامه عليه الاستسقاء لعموم المسلمين، أو يأتي فيطلب حاجته الخاصة كما طلب منه الأعمى الدعاء له برد البصر وغير ذلك من الأمثلة.
ولا يشترط في هذا أن يكون المطلوب منه أفضل من الطالب، فقد طلب عمر ﵁ ومعه السابقون الأولون من العباس بن عبد المطلب الاستسقاء، ومما لا شك فيه أن عمر أفضل من العباس رضي الله عن الجميع.
وهذا النوع الثالث تحته صورتان (١):
إحداهما: أن يطلب من الحي الحاضر الدعاء فيدعو الحي الحاضر بدون أن يدعو الطالب المتوسل.
وثانيتهما: أن يطلب الدعاء من الحي الحاضر، ثم يدعو بنفسه أن يتقبل الله دعاء المتوسَّل به، أو يؤمِّنَ على دعائه، ففي هذه الصورة يوجد دعاء أن أحدهما من الحي المطلوب منه الدعاء، والآخر من الطالب نفسه.
وهذا مثل ما وقع في حديث استسقاء عمر وطلبه من العباس الدعاء فدعا العباس ودعا معه عمر والحاضرون. ومثله ما وقع في حديث الأعمى حيث دعا له النبي ﷺ ودعا الأعمى أيضاً أن يتقبل الله دعاء النبي ﷺ له ومن جملة دعائه "فشفعه في" أي تقبل شفاعته ودعاءه لي وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى (٢).
التوسل غير المشروع:
إن أنواع التوسل غير المشروع ثلاثة قد تقدم (٣) ذكرها آنفاً ولا
стр. 614
حاجة لإعادتها وقد علمنا أن إطلاق اسم التوسل عليها لم يرد في الكتاب والسنّة وكلام السلف، لاسيما القسم الثاني الذي بمعنى الشفاعة الشركية والقسم الثالث الذي بمعنى الاستغاثة وطلب الحوائج والاستمداد من الموتى.
فهذه الإطلاقات محدثة مبتدعة ابتدعها المتأخرون، لتبرير وتسويغ دعاء غير الله تعالى بهذا الاسم -التوسل- المفتري عليه والذي حرفوا معناه وحقيقته الشرعية للتستر على دعاء غير الله تعالى.
والحقيقة لا تتغير بالادعاء وتغيير الأسماء، فإن العبرة بالمعاني والمقاصد لا بالألفاظ والعبارات.
فهذا التوسل بأنواعه الثلاثة ممنوع وبعضه أشد منعاً من بعض، وقد تقدم الكلام على النوعين الأخيرين في مبحث مراتب الدعاء غير المشروع، وهنا نتكلم على النوع الأول الذي هو السؤال بالذوات. وإليك بيان ذلك:
الأدلة على بدعية التوسل بالذوات:
إن التوسل بالذوات الفاضلة من البدع التي انتشرت في أدعية المتأخرين انتشاراً واسعاً مع بدعيته، حتى كاد أن لا يخلو منه دعاء من أدعيتهم وهم يزعمون مشروعيته واستحبابه مع وضوح بدعيته، ونحن نوجز هنا الأدلة الدالة على بدعيته وبالله التوفيق وعليه التكلان.
١ - إن الدعاء من أهم العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف، والتوسل بالذوات لم يشرع في كتاب ولا سنة صحيحة صريحة، فهو بدعة لا يجوز التعبد به في الدعاء الذي هو من أهم العبادات، وقد سبق كيف نهى الشارع الحكيم عن الابتداع في الدين وحذر من ذلك أشد التحذير.
فدين الإسلام مبني على أصلين عظيمين ألا نعبد إلا الله وألا نعبده إلا بما شرع، فلم يثبت أن الله شرع لنا التعبد بالتوسل بالذوات فلا يجوز التعبد به.
стр. 615
٢ - إن الله (١) قد ذكر في كتابه أدعية الأنبياء وأتباعهم وهي كثيرة جداً، فلم يذكر في واحدة منها هذا التوسل البدعي، وإنما الذي ذكره الله هو التوسل المشروع وهو التوسل بالإيمان والعمل الصالح.
ولنضرب نماذج من أدعية الأنبياء وأتباعهم حتى تتضح الصورة الصحيحة للتوسل المشروع ولا يلتبس الحق بالباطل.
من ذلك دعاء يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١]، فقد توسل يوسف ﵇ بالثناء على الله تعالى بما أنعم عليه من الملك وعلم الرؤيا، كما توسل باسم من أسماء الله تعالى وهو فاطر السموات والأرض، وتوسل بولاية الله له، وهذا هو التوسل المشروع ولم يتوسل بالأنبياء السابقين قبله من آبائه الكرام وغيرهم فلم يقل: "اللهم إني أسألك بجاه أو منزلة أو شرف آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈".
ومن ذلك دعاء سليمان ﵇: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ [النمل: ١٩] فقد سأل الله تعالى وتوسل إليه برحمته التي هي من صفاته العليا أن يدخله في عباده الصالحين ولم يتوسل إليه بآبائه إبراهيم ومن بعده إلى داود ﵈.
ومن ذلك دعاء أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]. فقد توسل إلى الله تعالى بكونه أرحم الراحمين وهو توسل بالأسماء الحسنى ولم يتوسل بآدم ولا نوح ولا الملائكة المقربين ولا بحملة العرش كما يفعله المولعون بالتوسل المبتدع.
стр. 616
وإذا تجاوزنا أدعية الأنبياء ﵈ إلى أدعية أتباعهم التي ذكرها الله تعالى في كتابه نجدهم يتوسلون إلى الله تعالى بالتوسل المشروع ولا نجد حرفاً واحداً من توسلهم بأنبيائهم مع أنهم بلا شك يحبون أنبيائهم أكثر من غيرهم.
فمن أمثلة ذلك ما ذكره الله تعالى عن الحواريين الذين مع عيسى ﵇ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٢، ٥٣] فقد توسلوا بإيمانهم بما أنزل الله وباتباعهم الرسول عيسى ﵇، ولم يتوسلوا بذات عيسى ولا بجاهه ولا بحرمته ولا شرفه.
ومن ذلك ما ذكره الله عن الذين يقاتلون مع نبي من أنبياء بني إسرائيل ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾ [البقرة: ٢٥٠].
فهؤلاء توسلوا إلى الله تعالى بربوبيته التي هي من مقتضى إجابته للدعاء ولم يتوسلوا بأنبياء بني إسرائيل ولا بالنبي الذي يقاتلون معه.
ومن ذلك ما ذكره الله في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٦، ١٤٧].
ومن ذلك ما ذكره الله عن أدعية صحابة رسول الله ﷺ لم نجد فيها حرفاً واحداً من التوسل المبتدع، فمن أمثلتها قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ [النساء: ٧٥]. فهؤلاء المستضعفون لم يتوسلوا بالنبي ﷺ ولا بصحابته الكرام وإنما توجهوا إلى الله تعالى بربوبيته فقط بل طلبوا منه أن يجعل لهم من عنده من يتولاهم وينصرهم ففي
стр. 617
قولهم ﴿مِن لَدُنكَ﴾ ما يشعر أنهم لم يلتفتوا في هذا الدعاء لا إلى الرسول ﷺ ولا صحابته بل جردوا الطلب الله تعالى أن ييسر لهم من يشاء لينصرهم.
ومنها قول النصارى الذين آمنوا بالنبي ﷺ : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣]. ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠]. فقد توسلوا بربوبيته ورأفته ورحمته، وطلبوا الدعاء لمن سبقهم فجاء المتأخرون فعكسوا القضية فتركوا المأمور به وهو الدعاء لمن سبقهم وارتكبوا المحظور وهو الدعاء بهم أو دعاؤهم من دون الله تعالى.
٣ - إن الرسول ﷺ قد علم أمته كل خير، ومما علمها الأدعية المباركة وقد جمعها علماء السنّة المشرفة، فبعضهم جمعها ضمن الموضوعات المتفرقة كأصحاب السنن الستة والمسانيد والمعاجم، وبعضهم جمعها في مؤلف مستقل وهؤلاء أيضاً كثيرون كما سبق (١). وهؤلاء الجامعون للأدعية النبوية لم ينقلوا حرفاً واحداً من توسل النبي ﷺ بالأنبياء السابقين بطريق صحيح صريح، كما لم يذكروا أنه أمر أصحابه بالتوسل به وبجاهه أو بجاه الأنبياء السابقين وشرفهم، ولا نجد في تلك الأدعية المباركة، التوسل المبتدع الذي يلهج به المتأخرون والذي لا يخلو منه دعاء من أدعيتهم.
اللهم إلا ما قد يشتبه من ذلك في حديث الضرير وسيأتي التنبيه عليه وما يشبهه وأن ذلك ليس من التوسل المبتدع على فرض صحة تلك الأحاديث.
стр. 618
٤ - قد ذكر علماء السنة والآثار أدعية الصحابة والتابعين فإذا بحثنا فيها فلا نجد توسلهم بحبيبهم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنهم، ولا نجد توسلهم بكبار الصحابة أبي بكر وعمر، فهل ترى أن المتأخرين يحبون النبي ﷺ أكثر منهم؟ كلا.
٥ - إن التوسل بالذوات لو كان جائزاً عند الصحابة لما جاء الأعمى إلى الرسول ﷺ بل جلس في بيته وتوسل بجاهه، ولما عدل عمر وَمن معه إلى العباس ولما أمر النبي ﷺ عمر أن يطلب من أويس القرني الاستغفار بل كان يكفيه أن يقول: اللهم أني أسألك بحق أويس القرني (١).
٦ - أننا قد ذكرنا (٢) تشدد السلف الصالح في الأدعية وتحذيرهم الشديد من الابتداع في الدين عموماً وفي الأدعية خصوصاً وذكرنا -بحمد الله- ما يدل على أن الالتزام بالأدعية المأثورة هو الأولى، وإن كان غير المأثور الذي هو المفضول جائزاً لكن السلف الصالح ومن تبعهم من الفقهاء المعتبرين حذروا من الأدعية المبتدعة، فدل هذا على أن التوسل المبتدع قد حذر منه السلف ضمناً، مع أنه لم يقع في زمانهم الابتداع بالتوسل ونحوه إلا بصورة نادرة إذا قارناه بما وقع للمتأخرين، هذا على فرض ثبوت ما يروى عن بعضهم من التوسل بالذاوات وإلا فيظهر أنه لم يقع التوسل المبتدع إلَّا في القرون المتأخرة.
فإذا كان السلف ينكرون على من يقول: يا سبحان يا غفران ونحو هذا (٣) مع أنه إنما نادى صفة من صفات الله وأراد التوسل بها إلى الله تعالى، فكيف يكون إنكارهم على من ينادي الولي أو القبر متوسلاً به إلى الله تعالى؟ بل كيف يكون إنكارهم على من يطلب المدد والاستغاثة من دون الله تعالى؟
стр. 619
السلف الذين أنكروا الابتداع في الأدعية الإمام مالك ﵀ ومن فإنه كان يكره أن يقول الداعي يا سيدي بل يقول كما قالت الأنبياء يا رب، كما أنكر (١) غير هذا مما ابتدع في الدعاء في زمانه، فإذا كان مالك إمام دار الهجرة يكره في الدعاء إلا متابعة الأنبياء في قولهم مع صحة المعنى في نحو يا سيدي، فكيف تكون كراهة مالك للتوسل المبتدع بل ولطلب المدد؟ فلا يشك عاقل أن كراهته له أشد.
٧ - إن الذي يتوسل (٢) في الدعاء يعتقد أنه مشروع في الدعاء وينوي به التعبد والتقرب والطاعة وأنه مما يستجاب به الدعاء وما كان من هذا النوع فإما أن يكون واجبًا وإما أن يكون مستحبًا، إذ العبادات لا تكون إلا أحدهما، فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة ودعاء الله تعالى عبادة، والتوسل بالذوات ليس بواجب ولا مستحب، فثبت بهذا كون التوسل بالذوات غير عبادة فهو إذن بدعة.
٨ - إن العلماء اختلفوا (٣) في مسألة دعاء الله تعالى والتوسل إليه بغير التسعة والتسعين اسمًا التي وردت في الحديث، فمن العلماء من قال: لا يدعي بغير التسعة والتسعين وإن كان يسمى بها ويخبر بها عنه، فالدعاء لا يجوز إلا بما في هذا العدد، فهذا القول وإن كان مرجوحًا لكن المقصود أنه إذا كان العلماء منهم من يجيز الدعاء بغير التسعة والتسعين مع ثبوت كونه من الأسماء الحسنى، دل هذا على تشدد العلماء في باب الدعاء وتحذيرهم عن الابتداع فيه، فيدل هذا على أنه لا يجوز من باب أولى دعاء الله تعالى بما لم يثبت كونه من الأسماء الحسنى ولا من صفاته نحو الأنبياء والأولياء، وذلك لأن الله تعالى قيد دعاءه بالأسماء الحسنى فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ففي هذه الآية أمر
стр. 620
بالدعاء بها ونهى عن الدعاء بغيرها كما قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:]، فهو نهى أن يدعوا لغير آبائهم، وفي هذه الآية أيضًا أن الله تعالى لا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، فالحسنى اسم تفضيل أي لا يدعى إلا بالاسم الأحسن، وأما الاسم الحسن أو الذي ليس بسيء وإن لم يحكم بحسنه فلا يدعى به وإن كان يجوز ذلك في باب الإخبار عنه وأما في باب الدعاء فلا.
٩ - إن علماء السلف رحمهم الله تعالى قد فهموا من أحاديث الاستعاذة بالله وكلماته أنه لا تجوز الاستعاذة بالمخلوق.
وقد تقدم -بحمد الله- ذكر نصوص كلامهم في ذلك (١).
وكذلك ينبغي لنا أن نفهم مما ورد في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ من الأمر بالتوسل بأسماء الله تعالى أنه لا يجوز التوسل بذوات المخلوقين.
فكلا المسألتين - متطابقة والمأخذ واحد.
١٠ - إن السؤال بالذوات سؤال بسبب لا يقتضي المطلوب، لأن الله لم يجعل السؤال بالذوات سببًا لحصول المطلوب لأنه سؤال بذات لا رابط بينها وبين ذات السائل، لأن السائل إذا توسل بإيمانه وأعماله الصالحة فقد توسل بسبب له علاقة وارتباط به لأن أعماله له الأجر عليها، ومن ذلك إجابة الدعاء، وأما ذات مخلوق آخر فأي وسيلة بينهما وأي علاقة تربطهما؟ (٢).
اللهم إلا إن توسل بإيمانه بالنبي ﷺ ومحبته له أو محبته للصالحين ولكن هذا القصد قلما يخطر ببال المتوسلين بالذوات.
стр. 621
وحاصل هذا الوجه أنهم يقولون إن التوسل سبب لإجابة الدعاء، فهم مطالبون بأمرين: أحدهما الدليل على أنه سبب لتحصيل الإجابة، وثانيهما الدليل على أنه سبب مشروع لا يحرم فعله فإنه ليس كل ما كان سببًا كونيًا يجوز تعاطيه، فإن قتل المسافر قد يكون سببًا لأخذ ماله وكلاهما محرم (١).
وهؤلاء المدافعون عن مشروعية التوسل ليس لديهم الأدلة الكافية لإثبات هذين الأمرين إلا بعض الشبهات وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
١١ - إن اعتقاد مشروعية التوسل بالذوات أدى إلى مفاسد جسيمة وعواقب وخيمة، وما كان كذلك فلا يمكن أن يشرعه الله تعالى، لأن الشريعة الإسلامية إنما جاءت بترجيح المصالح وتكثيرها وتقليل المفاسد وإزالتها فثبت بهذا أنه بدعة لم يشرعه الله تعالى.
وإليك بيان بعض تلك المفاسد التي في التوسل بالذوات:
أ- إن التوسل بالذوات هو الباب الرئيسي الذي دخل منه الشيطان إلى المسلمين لنشر دعاء غير الله تعالى والاستغاثة بالأموات والاستمداد بهم.
ولا يستريب في هذا من له اهتمام ومعرفة بأسباب انتشار الشركيات والبدع، فتجويز التوسل يؤدي بلا شك إلى انتشار دعاء غير الله تعالى لأن الشيطان يزين للإنسان أولًا الدعاء بمن يعتقد فيه ثم ينقله إلى دعائه نفسه والعياذ بالله.
ب - إن من مفاسده صرف الافتقار إلى غير الله تعالى، فقد قال الإمام النووي ﵀ في التوسل المشروع، الذي هو التوسل بالأعمال الصالحة إن في ذلك نوعًا من ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى (٢).
стр. 622
فإذا كان الإمام النووي ﵀ يخاف من ترك الافتقار المطلق في التوسل بالأعمال مع ثبوته ومشروعيته فكيف يكون الأمر في التوسل بالذوات حيث علق الداعي قلبه بغير الله والتفت في دعائه إلى غير الله تعالى؟ فالتوسل المبتدع يتضح فيه ترك الافتقار المطلق من العبد أكثر من وضوحه في التوسل المشروع، فإذا قدرنا أنه لم يلتفت بقلبه إلى المتوسل به ولم يترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى فلماذا أقحم اسم المخلوق في مخاطبة الله ومناجاته؟
ففيه بلا شك ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى وهذه مفسدة عظيمة.
جـ - إن التوسل بالذوات هو الذي فتح للعوام نداء الأموات والاستغاثة بهم بحجة أن ذلك توسل لعدم معرفة بعضهم بالفرق بين الأمرين، ولتساهل آخرين، ولاعتقاد البعض أن الكل جائز من باب واحد فالولي أعطي السلطة الغيبية والتصرف المطلق عند هؤلاء فلا مانع من الطلب منه إلى غير ذلك.
د - إن التوسل له أثر واضح في اعتقاد المتوسل أن المتوسل به له أثر في إجابة الدعاء إذ لو كان يعتقد أنه ليس له أثر مَّا في استجابة الدعاء فوجوده وعدمه سواء، لما أجهد نفسه بزيادة ذكر اسم المتوسل به أثناء مخاطبة الله تعالى.
مع أن المعلوم أن المتوسل به ليس له دخل في الاستجابة إذ لا علم له بمن يتوسل به حتى يقال: إنه دعا الله تعالى أو شفع عند الله. ولهذه المفاسد وغيرها يترجح منع التوسل البدعي وبدعيته وأن الله لا يشرع ما يترتب عليه مثل هذه المفاسد حاشا وكلا شرع الله من ذلك.
ثم إن من القواعد المقررة سد الذرائع ولا يخفى أن التوسل المبتدع ذريعة إلى هذه المفاسد والتي منها دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به.
стр. 623
فلو أن العلماء منعوا العوام من التوسل البدعي، لما وصل العوام إلى ما نراهم فيه من دعاء الأموات ليلًا ونهارًا واللهج بأسمائهم عند كل ملمة، وجعل ذلك هجيراهم ودأبهم.
١٢ - التوسل بالذوات هو مثل الإقسام بالذوات وقد ورد النهي عن القسم بمخلوق فقد قال ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (١).
فكما أنه لا يجوز أن يحلف بمخلوق فكذلك لا يجوز أن يقسم على الله بمخلوق ولا يسأل بنفس مخلوق، فالسؤال بالمخلوق والإقسام به كلاهما من باب واحد، وقد تقدم بيان أن العلماء منعوا الحلف بغير الله ومنهم من جعله من الشرك الأكبر كما منعوا الإقسام على الله تعالى بالمخلوق (٢).
ومن هذا الباب التوسل البدعي. فهو مثل القسم والحلف بغير الله تعالى فلا فرق بين ذلك.
١٣ - ثم يقال لمن يجيز الإقسام على الله تعالى بالمخلوق أو السؤال به: ما هو الضابط الذي تتبعه في السؤال بالمخلوقات والإقسام بها؟ هل يقسم بكل مخلوق أو بالمخلوقات المعظمة أو ببعضها؟.
فإن قال بكل مخلوق لزمه أن يسأل بالشياطين، فهذا لا يقوله مسلم وإن قال بالمعظمة فيقال: هل هو خاص بنوع معين أم لا؟ فإن قال بالمخلوقات التي أقسم الله بها لزمه السؤال بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وبكل ذكر وأنثى ولزمه أن يسأله بالشمس والقمر والكواكب مع أنها عبدت من دون الله.
وإن قال بمعظم دون معظم فيقال له: بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض فكلها مشتركة في أنه لا يجعل شيء منها ندًا لله تعالى، فلا يعبد ولا يتوكل على أحد من المخلوقات كائنًا ما كان، ونهى الله عن
стр. 624
الشرك به في أي مخلوق، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
والله سبحانه سوى بين المخلوقات فلم يجعل لأحد منها سواء كان نبيًا أو غيره أن يقسم به ولا يتوكل عليه ولا يرغب إليه، فكذلك السؤال إما أن يسوغ بالكل وإما ألا يسوغ مطلقًا أو بكل معظم والتفريق بين معظم ومعظم كتفريق من فرق، فزعم أنه يجوز الحلف ببعض المخلوقات دون بعض فكما أن هذا فرق باطل فكذلك الآخر (١).
١٤ - ثم إن مسألة التوسل أمر اختلف فيه العلماء ما بين مجيز ومحرم أفلا يكون منعه من باب اجتناب الشبهات التي أمرنا بالاجتناب ومحرم عنها في مثل قوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٢)، فإذا كان الفقهاء يراعون الخلاف حتى في المسائل التي أدلتها ضعيفة فلماذا لا نراعي هنا الخلاف مع قوة الأدلة التي تدل على المنع وقد ذكرناها؟
فالإنصاف يقتضي أن نراعي هنا أكثر فأكثر لعلاقة المسألة بإخلاص العبادة لله الذي ضده الكفر والعياذ بالله، وسيأتي قريبًا (٣) قول بعض علماء الحنفية: إن مثل هذا لا ينبغي أن يطلق إلَّا بنص قطعي أو إجماع قوي وكلاهما ممتنع، فالوجه المنع، وقول آخرين منهم: إنما يروي في مثل هذا لا يكون حجة في باب العقائد.
١٥ - ثم إن التوسل بالذوات لو قلنا بجوازه فلا يخلو إما أن نقول: إن التوسل المشروع أفضل منه أو هو أفضل ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه هو الأفضل، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نترك الأفضل ونبحث عن
стр. 625
المفضول؟ فهل هذا إلا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
١٦ - إن كثيرًا من العلماء السابقين ذهبوا إلى منع التوسل بالذوات ونص غير واحد منهم على أنه لا يجوز.
قال الإمام أبو حنيفة ﵀ ونقله عنه أصحابه مقررين له:
"ويكره أن يدعو الله إلا به". وفي رواية عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به"، والدعاء المأذون فيه المأمور به - ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. "ويكره أن يقول في دعائه أسألك بمعقد العز من عرشك"، وقالوا أيضًا: "ويكره أن يقول في دعائه أعطني بحق فلان كذا وبحق محمد ﷺ كذا أو بحق أنبيائك وأولياءك أو بحق البيت أو المشعر الحرام … " (١).
والمراد من قول أبي حنيفة ﵀ يكره أن يدعو الله إلا به أو لا ينبغي … كراهة التحريم كما هي عادة السلف يطلقون هذه العبارات على ما هو محرم وهي لغة الكتاب والسنة والسلف الصالح، قبل أن يحدث
стр. 626
المصطلح المتعارف عليه بين الفقهاء المتأخرين من التفريق بين الكراهة والتحريم.
فاللائق حمل كلام أئمة السلف على ما هو مرادهم لا على مصطلحات المتأخرين وقد بيّن ابن القيم ﵀ غلط المتأخرين على الأئمة، بسبب عدم مراعاة مراد الأئمة من إطلاق مثل هذه العبارات (١).
وقد نص علماء الحنفية على أن مراد الإمام في هذه العبارة السابقة -التحريم-.
قال ابن عابدين: "وتحمل الكراهة المذكورة على كراهة التحريم" (٢).
وقال غيره: "إن المروي عن محمد ﵀ نصًا أن كل مكروه حرام إلا أنه لما لم يجد فيه نصًا قاطعًا لم يطلق عليه الحرام، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه إلى الحرام أقرب" (٣).
وبما تقدم يتبين أن الإمام أبا حنيفة ﵀ لا يجيز الدعاء إلا بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا وهذا هو التوسل الشرعي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ولهذا قال رحمه الله تعالى:
"والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
فرحم الله الإمام ما أدق فقهه، فقد فهم رحمه الله تعالى أن الدعاء
عبادة وأنه لا يجوز بغير المأذون فيه والمأثور عن النبي ﷺ ، لأن العبادة توقيفية، وأن الدعاء بغير أسمائه الحسنى وصفاته العليا -غير مأذون فيه-.
стр. 627
فلهذا كره أن يقول الرجل أسألك بمعقد العز من عرشك لأنه ليس دعاء بأسماء الله وصفاته فلا يجوز. والعلة في المنع من الدعاء المذكور هو ما صرح به الإمام ﵀ من أن الدعاء خاص بالوارد المأذون فيه، وهو ما دلت عليه الآية المذكورة، ويتبين من هذا أن سبب منعه من الدعاء المذكور هو عدم كونه توسلًا بالأسماء الحسنى والصفات العليا.
وبهذا يتضح ضعف ما علل به متأخروا فقهاء الحنفية منع الإمام أبي حنيفة من الدعاء المذكور بأن العبارة توهم - على رواية معقد العز من عرشك بتقديم العين - تعلق عزه بالعرش، وهو محدث، والله تعالى بجميع صفاته قديم، لم يزل موصوفًا بها في الأزل (١)، وقالوا: إن معناه لا ينكشف لكل أحد (٢).
وقالوا على رواية مقعد العز من عرشك بتقديم القاف على العين (٣): لا ريب في منعه لأنه يكون من القعود الذي هو الجلوس لاستحالته على الله تعالى.
ووجه ضعف ما عللوا به، هو أن علة المنع في كلام الإمام واضحة جدًا وهو عدم جواز دعاء الله تعالى إلا ما دلت عليه الآية، وهي علة عامة تعم هذا المثال الذي ذكره الإمام وغيره مما يدخل في التوسل البدعي أو الشركي.
وهؤلاء المتأخرون ظنوا أن علة المنع هو ما في المثال من الإيهام.
وقد يقال: إن الإيهام المذكور سبب من أسباب المنع إلا أنه ليس هو السبب الذي يدل عليه كلام الإمام.
ثم على كلام هؤلاء إن هذا الإيهام لو لم يكن لجاز هذا الدعاء، وهذا خلاف مراد الإمام المفهوم من سياق كلامه.
стр. 628
ومما يدل على ضعف قولهم اعتراض بعضهم على الإيهام الذي ذكروه وأنه لا محذور فيه، لأن تعلق الصفة بشيء حادث لا يوجب حدوث تلك الصفة (١).
وبعضهم تأول وقال: إن العز صفة للعرش ولا مانع من ذلك (٢).
وهذا كله يدل زيادة على ما سبق على ضعف ما عللوا به، وأن الصحيح ما يدل عليه كلام الإمام من اشتراط كونه بالله وأسمائه وصفاته.
ولهذه العلة نفسها كره الإمام قول الرجل في دعائه أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك، لأنه ليس دعاء بالله ولا بأسمائه وصفاته.
ولكن فقهاء الحنفية المتأخرون عللوا أيضًا سبب المنع بأنه لا حق لمخلوق على الله تعالى، فيعترض عليهم بأن الله أثبت على نفسه تفضلًا وتكرمًا حقًا لعباده الموحدين كما في حديث معاذ المتفق عليه "أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ " (٣).
فثبت بهذا ضعف علتهم هذه أيضًا.
وبهذا يعلم دقة فقه السلف وغوصهم على المعاني، وأن المتأخرين قد يصعب عليهم معرفة مرادهم، وأنهم يعللون كلام السابقين بغير مرادهم.
ويعلم أيضًا أن أبا حنيفة وأصحابه لا يجيزون التوسل البدعي، ولم يخالف في هذا من أصحابه إلا أبو يوسف في بعض صوره، وتبعه الفقيه أبو الليث فقد قالا: بجواز قوله: بمعاقد العز من عرشك".
стр. 629
وأما قول الرجل بحق فلان وحق أنبيائك ورسلك … إلخ، فقد اتفق (١) جميع أصحاب أبي حنيفة أبو يوسف وغيره على عدم جوازه، فلم يختلفوا في هذه المسألة وإنما خلاف أبي يوسف خاص بمسألة "معاقد العز من عرشك" وذلك لأن أبا يوسف إنما أجازه احتجاجًا بما ورد من الأثر إلا أن الأثر الذي احتج به ضعيف جدًا بل هو موضوع، وهو ما روي من طريق عمر بن هارون البلخي عن ابن جريج، عن داود بن أبي عاصم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال:
"اثنتا عشرة ركعة تصليهن من ليل أو نهار، وتتشهد بين كل ركعتين، فإذا تشهدت في آخر صلاتك فائن على الله وصل على النبي ﷺ واقرأ وأنت ساجد فاتحة الكتاب سبع مرات، وآية الكرسي سبع مرات وقل: لا إلا إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، ثم قال: "اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك واسمك الأعظم، وكلماتك التامة، ثم سل حاجتك، ثم ارفع رأسك ثم سلم يمينًا وشمالًا، ولا تعلموها السفهاء فإنهم يدعون بها فيستجاب" (٢).
قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع بلا شك، وإسناده [مخبط] كما ترى، وفي إسناده عمر بن هارون قال ابن معين فيه كذاب، وقال ابن حبان يروى عن الثقات المعضلات ويدعي شيوخًا لم يرهم (٣).
وقد قال فيه ابن مهدي وأحمد والنسائي: متروك الحديث، وقال أبو داود: غير ثقة، وقال علي بن المديني والدارقطني: ضعيف جدًا (٤).
стр. 630
ثم تفرد به عن عمر بن هارون - عامر بن خداش وهو صاحب مناكير (١).
هذا ما يتعلق بنقد هذا الحديث من جهة الإسناد.
وقد انتقده ابن الجوزي أيضًا من جهة المعنى بأنه قد صح (٢) عن النبي ﷺ النهي عن القراءة في السجود.
وقد نقل كلام ابن الجوزي الحافظ الزيلعي وأقره (٣) وقال الشوكاني: هذا من أعظم الدلائل على كون هذا المروي موضوعًا (٤).
وهذا الانتقاد من جهة المتن قوي جدًا يدل على وضع هذا الحديث دلالة واضحة لأن علماء مصطلح الحديث ذكروا أن مما يدل على وضع الحديث مخالفته للحديث الصحيح، وقد تقدم ذكر هذا (٥).
وقد روي نحوه من طريق آخر من رواية أنس ولكنه فيه كذاب (٦) أيضًا.
فثبت بهذا أن الأثر الوارد في السؤال بمعاقد العز الذي تمسك به أبو يوسف في إجازته لهذا الدعاء - موضوع.
وقد اتضح من هذا أن الصواب قول أبي حنيفة من عدم جواز
стр. 631
الدعاء إلا بالمأذون فيه من الدعاء بالله وأسمائه وصفاته، وأن قوله بمعاقد العز من عرشك أو بحق فلان غير جائز لأنه ليس من الدعاء المأذون فيه من أسماء الله وصفاته.
وأن قول أبي يوسف ضعيف لأمرين:
١ - كون الأثر الذي احتج به موضوعًا.
٢ - ما ذكره علماء الحنفية في رد حجة أبي يوسف من أن هذا الأثر الذي احتج به أبو يوسف خبر واحد فيما يخالف القطعي، والمتشابه الذي كهذا الدعاء إنما يثبت بالقطعي (١).
ومعلوم أن خبر الواحد إذا خالف القطعي يرد ما لم يمكن الجمع.
ومن هنا قال بعض علماء الحنفية: "فالحق أن مثله لا ينبغي أن يطلق إلا بنص قطعي أو بإجماع قوي، وكلاهما منتف، فالوجه المنع" (٢).
ولهذا قال ابن عابدين بعد أن ذكر بعض صيغ الصلاة على النبي ﷺ المبتدعة، وذكر اختلاف المتأخرين في جوازها وعدمه: "أقول: ومقتضى كلام أئمتنا المنع من ذلك إلا فيما ورد عن النبي ﷺ … " (٣).
علماء الحنفية المتأخرين الذين قالوا بمثل هذا القول: الشيخ علي محفوظ صاحب كتاب الإبداع، فإنه ذكر التوسل بمعنى الإقسام بذاته ﷺ وأنه لم يرد عن الصحابة ولا يعرف في شيء من الأدعية المشهورة المأثورة عنهم ثم قال: "وما يروى في ذلك فضعيف لا يصلح حجة في باب العقائد" (٤).
стр. 632
وإذا اتضح أن المنع من التوسل بغير أسماء الله تعالى وصفاته - هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأنهم اتفقوا في منع مثل "بحق أنبيائك ورسلك" بدون اختلاف فيما بينهم تبين كذب من زعم أن ابن تيمية هو الذي ابتدع منع التوسل بالذوات.
وأن العلماء مجمعون على جوازه، كما ادعى ذلك السبكي (١) والنبهاني (٢). والكوثري الذي قال: "وقد جرى عمل الأمة على التوسل والزيارة إلى أن ابتدع إنكار ذلك - الحراني فرد أهل العلم كيده في نحره … (٣).
ومن العجب العجاب أن الكوثري متفان في تقليد أبي حنيفة في الفروع والدفاع عنه ولو أدى ذلك إلى اتهام بعض الصحابة كما فعل مع أنس بن مالك (٤)، ومن هنا لقبه بعض أصدقائه بمجنون أبي حنيفة (٥).
ومع هذا كله يترك تقليد أبي حنيفة في الأصول كما هو شأن المقلدين المتأخرين، فهذه المسألة التي نحن بصددها خير شاهد على ما نقول.
فقد اتضح بدون أدنى شك أن مذهب أبي حنيفة المنع من التوسل البدعي، وهذا منقول عن أبي حنيفة في أغلب كتب علماء الحنفية. وقد تقدمت الإشارة في الحاشية إليها، ويبعد كل البعد ألا يطلع الكوثري على تلك الكتب الحنفية لأن المسألة مذكورة في أغلب كتبهم، والكوثري
стр. 633
حريص على فقههم، ويرى أن له ميزات على غيره من المذاهب (١).
فكيف يمكن عدم اطلاعه على تلك النصوص في تلك الكتب؟
والظاهر أن الهوى وبغضه لشيخ الإسلام ابن تيمية هو الذي حمله على ما قال، وأعماه عن تقليد إمامه في هذه المسألة وغيرها من مسائل أصول العقيدة والله أعلم.
ومثل الكوثري البوطي فإنه قال: "وأما ما يتعلق بالتوسل بجاه رسول الله ﷺ أو غيره من الصالحين والمقربين، فلا نعلم أي نقاش أو بحث دار حول ذلك في عصر السلف بقرونه الثلاثة المشهود لها بالفضل"، ثم ذكر بعض الأحاديث التي يتعلق بها من يجيز التوسل البدعي ثم قال: "والمهم أن هذا هو كل ما وصلنا عن رسول الله ﷺ وأصحابه وبقية السلف في شأن التوسل، وظل الأمر على ذلك حتى جاء الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى ففرق بين التوسل بالأنبياء والصالحين في حال حياتهم والتوسل بهم بعد موتهم فأجاز ذلك بهم في الحالة الأولى وحرمه في الحالة الثانية، ولا ندري لهذا التفريق أي مستند يرجع إلى عصر السلف" (٢).
ثم زعم أن أدلة التوسل في حال الحياة مطلقة تجري على إطلاقها (٣).
وفي هذا الكلام الذي ذكره البوطي عدة دعاوي:
١ - إن السلف لم يتكلموا في هذا الموضوع.
٢ - إن ابن تيمية هو المبتدع لهذا الكلام.
٣ - إنه فرق بين الحالتين الحياة والموت.
стр. 634
٤ - إنه لا دليل على هذا التفريق.
٥ - بل الدليل على عدم التفريق لإطلاق أدلة التوسل التي تعم الحالتين.
الجواب عن هذه الدعاوي:
إن هذه الدعاوي التي ادعاها البوطي غير صحيحة بل هي باطلة وبيان ذلك كالآتي:
أ - أما ما ادعاه من عدم كلام السلف في هذا الموضوع فغير صحيح لما عرفت من كلام أبي حنيفة وأصحاب مذهبه.
ثم من غير الحنفية قد تكلم فيه آخرون منهم العز بن عبد السلام فقد تكلم في هذه المسألة وأشار إلى حديث الضرير وأنه إن صح فهو مقصور على النبي ﷺ (١). وهو قبل شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه توفي عام ٦٦٠ هـ.
وبهذا اندفعت الدعوتان الأوليتان فثبت أن ابن تيمية ليس مبتدعًا تلك المسألة وليس أول قائل بها بل سبقه أبو حنيفة وأصحابه والعز بن عبد السلام وقد يكون هناك آخرون لم نطلع على كلامهم، بل شيخ الإسلام ابن تيمية يمنع من إحداث قول لم يسبق إليه من السلف، فتبين بهذا أنه متبع للأدلة متبع ولكلام السلف وليس مبتدعًا.
ب - والتفريق بين الحالتين الذي ادعاه غير حاصل وذلك للأمور التالية:
стр. 635
١ - إن التوسل الذي أجازه ابن تيمية غير التوسل الذي منعه وهذا يعرف مما سبق لنا ذكره في تعريف التوسل.
٢ - إن ابن تيمية لا يعلق الحكم على الحياة والموت وإنما مدار الحكم عنده على المشروع الوارد فما ورد في الشرع أجازه، وما لم يرد منعه لأن الدعاء عبادة توقيفية، والدليل على ذلك أن ابن تيمية لا يجيز التوسل بالحي الغائب لأنه لم ينقل أن الصحابة في غزواتهم وهجراتهم توسلوا بالنبي ﷺ الغائب عنهم والذي لم يدع لهم، فلو كانت المسألة تدور على الحياة والموت لأجاز التوسل بالحي الغائب.
٣ - ثم إن الفرق بين حالتي الحياة والموت -واضح جدًا، وأمر منطقي تقتضيه الأدلة الشرعية والعقلية فليس بصحيح قوله إنه لا دليل على الفرق بين الحالتين وسيأتي بيان الفرق بين الحالتين إن شاء الله تعالى (١).
د - إن ادعاء الإطلاق في الأدلة فيه نظر لا يخفى، فهل يريد به أنها مطلقة ولم تقيد بحال الحياة؟ فهذا غير مقبول، فإن حديث الضرير الذي استدل به - في حال الحياة، مع العلم بأنه ليس توسلًا بالغائب فضلًا عن الميت بل هو توسل بالحاضر، وحديث التوسل بالعباس على نقيض دعواه كما هو واضح لأنه توسل بالحاضر، وحديث فاطمة بنت أسد موضوع، وحديث مالك الدار منكر، فلو صح يمكن الاستدلال به فقط دون غيره من الأدلة، فلم يبق مما استدل به إلا ما زعمه من الاستدلال على التوسل بالتبرك الواقع من الصحابة بعرقه ﷺ وشعره ووضوئه، فهذا التبرك صحيح، ولكن الفرق واضح بين التوسل والتبرك، وذلك لأن التوسل لا يستلزم حضور المتوسل به، وأما التبرك فيقتضي حضور الشيء المتبرك به (٢).