الدعاء إلا بالمأذون فيه من الدعاء بالله وأسمائه وصفاته، وأن قوله بمعاقد العز من عرشك أو بحق فلان غير جائز لأنه ليس من الدعاء المأذون فيه من أسماء الله وصفاته.
وأن قول أبي يوسف ضعيف لأمرين:
١ - كون الأثر الذي احتج به موضوعًا.
٢ - ما ذكره علماء الحنفية في رد حجة أبي يوسف من أن هذا الأثر الذي احتج به أبو يوسف خبر واحد فيما يخالف القطعي، والمتشابه الذي كهذا الدعاء إنما يثبت بالقطعي (١).
ومعلوم أن خبر الواحد إذا خالف القطعي يرد ما لم يمكن الجمع.
ومن هنا قال بعض علماء الحنفية: "فالحق أن مثله لا ينبغي أن يطلق إلا بنص قطعي أو بإجماع قوي، وكلاهما منتف، فالوجه المنع" (٢).
ولهذا قال ابن عابدين بعد أن ذكر بعض صيغ الصلاة على النبي ﷺ المبتدعة، وذكر اختلاف المتأخرين في جوازها وعدمه: "أقول: ومقتضى كلام أئمتنا المنع من ذلك إلا فيما ورد عن النبي ﷺ … " (٣).
علماء الحنفية المتأخرين الذين قالوا بمثل هذا القول: الشيخ علي محفوظ صاحب كتاب الإبداع، فإنه ذكر التوسل بمعنى الإقسام بذاته ﷺ وأنه لم يرد عن الصحابة ولا يعرف في شيء من الأدعية المشهورة المأثورة عنهم ثم قال: "وما يروى في ذلك فضعيف لا يصلح حجة في باب العقائد" (٤).
стр. 632
وإذا اتضح أن المنع من التوسل بغير أسماء الله تعالى وصفاته - هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأنهم اتفقوا في منع مثل "بحق أنبيائك ورسلك" بدون اختلاف فيما بينهم تبين كذب من زعم أن ابن تيمية هو الذي ابتدع منع التوسل بالذوات.
وأن العلماء مجمعون على جوازه، كما ادعى ذلك السبكي (١) والنبهاني (٢). والكوثري الذي قال: "وقد جرى عمل الأمة على التوسل والزيارة إلى أن ابتدع إنكار ذلك - الحراني فرد أهل العلم كيده في نحره … (٣).
ومن العجب العجاب أن الكوثري متفان في تقليد أبي حنيفة في الفروع والدفاع عنه ولو أدى ذلك إلى اتهام بعض الصحابة كما فعل مع أنس بن مالك (٤)، ومن هنا لقبه بعض أصدقائه بمجنون أبي حنيفة (٥).
ومع هذا كله يترك تقليد أبي حنيفة في الأصول كما هو شأن المقلدين المتأخرين، فهذه المسألة التي نحن بصددها خير شاهد على ما نقول.
فقد اتضح بدون أدنى شك أن مذهب أبي حنيفة المنع من التوسل البدعي، وهذا منقول عن أبي حنيفة في أغلب كتب علماء الحنفية. وقد تقدمت الإشارة في الحاشية إليها، ويبعد كل البعد ألا يطلع الكوثري على تلك الكتب الحنفية لأن المسألة مذكورة في أغلب كتبهم، والكوثري
стр. 633
حريص على فقههم، ويرى أن له ميزات على غيره من المذاهب (١).
فكيف يمكن عدم اطلاعه على تلك النصوص في تلك الكتب؟
والظاهر أن الهوى وبغضه لشيخ الإسلام ابن تيمية هو الذي حمله على ما قال، وأعماه عن تقليد إمامه في هذه المسألة وغيرها من مسائل أصول العقيدة والله أعلم.
ومثل الكوثري البوطي فإنه قال: "وأما ما يتعلق بالتوسل بجاه رسول الله ﷺ أو غيره من الصالحين والمقربين، فلا نعلم أي نقاش أو بحث دار حول ذلك في عصر السلف بقرونه الثلاثة المشهود لها بالفضل"، ثم ذكر بعض الأحاديث التي يتعلق بها من يجيز التوسل البدعي ثم قال: "والمهم أن هذا هو كل ما وصلنا عن رسول الله ﷺ وأصحابه وبقية السلف في شأن التوسل، وظل الأمر على ذلك حتى جاء الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى ففرق بين التوسل بالأنبياء والصالحين في حال حياتهم والتوسل بهم بعد موتهم فأجاز ذلك بهم في الحالة الأولى وحرمه في الحالة الثانية، ولا ندري لهذا التفريق أي مستند يرجع إلى عصر السلف" (٢).
ثم زعم أن أدلة التوسل في حال الحياة مطلقة تجري على إطلاقها (٣).
وفي هذا الكلام الذي ذكره البوطي عدة دعاوي:
١ - إن السلف لم يتكلموا في هذا الموضوع.
٢ - إن ابن تيمية هو المبتدع لهذا الكلام.
٣ - إنه فرق بين الحالتين الحياة والموت.
стр. 634
٤ - إنه لا دليل على هذا التفريق.
٥ - بل الدليل على عدم التفريق لإطلاق أدلة التوسل التي تعم الحالتين.
الجواب عن هذه الدعاوي:
إن هذه الدعاوي التي ادعاها البوطي غير صحيحة بل هي باطلة وبيان ذلك كالآتي:
أ - أما ما ادعاه من عدم كلام السلف في هذا الموضوع فغير صحيح لما عرفت من كلام أبي حنيفة وأصحاب مذهبه.
ثم من غير الحنفية قد تكلم فيه آخرون منهم العز بن عبد السلام فقد تكلم في هذه المسألة وأشار إلى حديث الضرير وأنه إن صح فهو مقصور على النبي ﷺ (١). وهو قبل شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه توفي عام ٦٦٠ هـ.
وبهذا اندفعت الدعوتان الأوليتان فثبت أن ابن تيمية ليس مبتدعًا تلك المسألة وليس أول قائل بها بل سبقه أبو حنيفة وأصحابه والعز بن عبد السلام وقد يكون هناك آخرون لم نطلع على كلامهم، بل شيخ الإسلام ابن تيمية يمنع من إحداث قول لم يسبق إليه من السلف، فتبين بهذا أنه متبع للأدلة متبع ولكلام السلف وليس مبتدعًا.
ب - والتفريق بين الحالتين الذي ادعاه غير حاصل وذلك للأمور التالية:
стр. 635
١ - إن التوسل الذي أجازه ابن تيمية غير التوسل الذي منعه وهذا يعرف مما سبق لنا ذكره في تعريف التوسل.
٢ - إن ابن تيمية لا يعلق الحكم على الحياة والموت وإنما مدار الحكم عنده على المشروع الوارد فما ورد في الشرع أجازه، وما لم يرد منعه لأن الدعاء عبادة توقيفية، والدليل على ذلك أن ابن تيمية لا يجيز التوسل بالحي الغائب لأنه لم ينقل أن الصحابة في غزواتهم وهجراتهم توسلوا بالنبي ﷺ الغائب عنهم والذي لم يدع لهم، فلو كانت المسألة تدور على الحياة والموت لأجاز التوسل بالحي الغائب.
٣ - ثم إن الفرق بين حالتي الحياة والموت -واضح جدًا، وأمر منطقي تقتضيه الأدلة الشرعية والعقلية فليس بصحيح قوله إنه لا دليل على الفرق بين الحالتين وسيأتي بيان الفرق بين الحالتين إن شاء الله تعالى (١).
د - إن ادعاء الإطلاق في الأدلة فيه نظر لا يخفى، فهل يريد به أنها مطلقة ولم تقيد بحال الحياة؟ فهذا غير مقبول، فإن حديث الضرير الذي استدل به - في حال الحياة، مع العلم بأنه ليس توسلًا بالغائب فضلًا عن الميت بل هو توسل بالحاضر، وحديث التوسل بالعباس على نقيض دعواه كما هو واضح لأنه توسل بالحاضر، وحديث فاطمة بنت أسد موضوع، وحديث مالك الدار منكر، فلو صح يمكن الاستدلال به فقط دون غيره من الأدلة، فلم يبق مما استدل به إلا ما زعمه من الاستدلال على التوسل بالتبرك الواقع من الصحابة بعرقه ﷺ وشعره ووضوئه، فهذا التبرك صحيح، ولكن الفرق واضح بين التوسل والتبرك، وذلك لأن التوسل لا يستلزم حضور المتوسل به، وأما التبرك فيقتضي حضور الشيء المتبرك به (٢).
стр. 636
وسيأتي تفصيل مناقشة هذه الشبهات التي أجبنا عليها إجمالًا في الباب الرابع إن شاء الله تعالى. .
وقد اتضح مما تقدم -ولله الحمد- أن التوسل بالذوات في الدعاء بدعة، وأن الأدلة الكثيرة تشهد ببدعيته، وأن كثيرًا من العلماء منعوه منهم الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية لم ينفرد بمنعه.
النوع الثالث: الأحزاب والأوراد الراتبة:
إن الدعاء عبادة وهي توقيفية، فلا يجعل ما كان مطلقًا مقيدًا وبالعكس، ومع ذلك قد التزم أناس بأدعية معينة في أوقات معينة على هيئات خاصة من الاجتماع وغير ذلك، وانتشر هذا في كثير من الناس، حتى صار كثير من المتصوفة والمتفقرة وكثير من العامة لا يعرفون إلا الأدعية المبتدعة.
وأما الأدعية الصحيحة الثابتة فلا يستعملها إلا المتمسكون بالسنّة وقليل ما هم.
وأما الآخرون فلكل شيخ طريقة دعاء خاص، يسمى بحزب فلان أو ورده، فأتباع ذلك الشيخ يحافظون عليه قراءة وتبركًا وتقديسًا أشد من محافظتهم على القرآن الكريم، وهذا ليس مبالغة بل هو الواقع المرير.
فقد ألزموا أنفسهم أو ألزموا أن يقرأوا لكل يوم حزبًا معينًا، فإذا يجب أن يقضى.
وكل أهل طريقة يرون أن حزبهم أفضل من الأحزاب الأخرى، بل جاوز بعضهم هذا إلى أن فضل حزبه المخترع على القرآن الكريم بستة آلاف مرة، فقد ادعى التيجاني الكذاب الدجال أنه سأل النبي ﷺ عن فضل صلاة الفاتح، فأخبرني "أولًا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيًا بأن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبير أو صغير، ومن القرآن ستة
стр. 637
آلاف مرة لأنه من الأذكار (١).
كما أن التيجانيين يعتقدون أنها من كلام الله تعالى، وأنها وردت من الحضرة القدسية مكتوبة بقلم القدرة في صحيفة نورانية، وأنها لم تكن من تأليف أحد من البشر، وإنما هي من كلام الله تعالى كالأحاديث القدسية (٢).
بل وصل الأمر إلى أن قالوا: "من لم يعتقد أنها -أي صلاة الفاتح- من القرآن لم يصب الثواب فيها" (٣).
وأما وجه كون هذه الأحزاب والأوراد بدعة فهو كونها راتبة مقيدة بوقت خاص فلكل يوم ورد خاص فلا يدعي في ذلك اليوم بورد اليوم الآخر.
فأشبه شيئًا مشروعًا فكأن الشيخ الذي وضعه صار مُشَرعًا لا يجوز تجاوز ما وضعه.
فمثل هذا يسمى بدعة إضافية من حيث إن أصل الدعاء مشروع ولكن التقييد ليس مشروعًا، فصار بدعة من حيث التقييد والتخصيص، فالبدعة الإضافية لها جهتان: جهة أصل المشروعية وجهة الكيفية، قال الإمام الشاطبي ﵀:
وأما البدعة الإضافية فلها شائبتان: إحداهما لها من الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة، والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، وسميت إضافية لأنها لم تتخلص لأحد الطرفين فهي من جهة
стр. 638
الأصل لها دليل قائم، ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها دليل، مع أنها محتاجة إلى الدليل أيضًا في الكيفيات (١).
فمن هنا لا يقال: لا مانع من الأدعية المبتدعة ما لم تشتمل على المحظور من الاعتداء وغيره، لأننا نقول: إن الدوام على الأدعية وملازمتها مدة طويلة يجعلها سنة راتبة ويجعلها في مصاف الأدعية المشروعة.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على الاتباع، وليس لأحد أن يسن منها غير المسنون ويجعله عادة راتبة يواظب الناس عليها، بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله سنة" (٢).
ثم إن هذه الأحزاب لو كانت خالية مما يقارنها من أنواع البدع لا يشك مسلم أن الأفضل والأحسن أن يلتزم الأكمل والأفضل وهي الأدعية النبوية "فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك وإن قالها بعض الشيوخ -فكيف يكون في عين الأدعية ما هو خطأ أو إثم أو غير ذلك، ومن أشد الناس عيبًا من يتخذ حزبًا ليس بمأثور عن النبي ﷺ وإن كان حزبًا لبعض المشايخ، ويدع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيد بني آدم وإمام الخلق، وحجة الله على عباده" (٣) فالمتخذ حزبًا مبتدعًا قد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
والأدعية والأوراد التي عند بعض المتصوفة قد تضم إلى كونها مبتدعة اشتمالها على الشرك والاعتداء في الدعاء والتوسل البدعي، كما يقارئها أنواع أخر من البدع والمفاسد.
стр. 639
١ - فمن اشتمالها على الشرك: أنهم ذكروا (١) أنه ينبغي للمريد أثناء الذكر استحضار صورة الشيخ في القلب، والتصور بأن عموداً من النور يخرج من قلبه، ويدخل قلب المريد ويسمون هذا استمداداً، أي الشيخ يهدي القلب ويمده بالهداية، وهذا كفر صريح.
ومن العجب أنه وصل الأمر ببعضهم إلى استحضار صورة الشيخ أثناء الصلاة بحجة منع الوسواس (٢).
وهذا الاستحضار يسمى عندهم بالمراقبة، استبدلوا مراقبة الله تعالى الذي هو الإحسان الوارد في حديث جبريل ﵇ بمراقبة الشيخ واستحضاره، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن أمثلة أحزاب وأوراد المتصوفة التي فيها الشرك الصريح مع الاعتداء ما جاء في وظيفة ابن مشيش وهي:
"اللهم انشلني من أوحال التوحيد وألقني في بحار الوحدة" (٣) فتوحيد الرسل أوحال من الطين فيدعو الله أن ينشله منها، كما أنه يدعو بإغراقه في بحار الوحدة فيتحد مع الله تعالى عما يقول الظالمون (٤)، وهذه الوظيفة يلازمها المبتدعة ليل نهار، قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل يخبر عن ذكرياته في الصبا: "وما زال الصبي يذكر أن صلوات ابن بشيش، ومنظومة الدردير كانتا أحب التراتيل إلى أولئك الشيوخ -أي شيوخ قريته-
стр. 640
وما زال يذكر أن أصوات الشيوخ كانت تشرق بالدموع وتئن فيها الآهات حين كانوا ينطقون من الأولى: "اللهم انشلني من أوحال التوحيد!! " ومن الثانية: "وجد لي بجمع الجمع منك تفضلاً" يا للصبي الغرير التعس المسكين … فما كان يدري أنه بهذه الصلوات المجوسية يطلب أن يكون هو الله هوية وماهية وذاتاً وصفة، ما كان يدري ما التوحيد الذي يضرع إلى الله أن ينشله من أوحاله ولا ما جمع الجمع الذي يبتهل إلى الله أن يمن به عليه؟ " (١).
فالصلاة البشيشية لها قدر عظيم عند الصوفية حيث يعتنون بها أشد الاعتناء، ومن مظاهر اعتنائهم أنهم يأخذون إجازتها عن شيوخهم ويهتمون بتلك الإجازة حتى وصل الأمر أن ادعوا أن من طرقها الإجازية ما كان من طريق الخضر ﵇ عن عبد السلام بن مشيش صاحبها (٢)، فقد جعلوا الخضر الذي كان النبي ﷺ يتمنى أن يصبر موسى ليقص الله علينا من أخباره جعلوه يأخذ الإجازة عن ابن بشيش، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ب - ومن اشتمالها على الاعتداء في الدعاء ما يوجد في تلك الأدعية من سوء مناجاة الله تعالى وخطابه حيث يطلبون من الله تعالى ما لا يليق بهم، كمنازل الأنبياء وتعطيل الأمر والنهي نحو الذي يوجد في حزب البحر للشاذلي من قوله: "اللهم اعصمني في الحركات والسكنات" فهذا طلب للعصمة وهي من منازل الأنبياء (٣)، قال شيخ الإسلام: "ويوجد في كلامه -أي الشاذلي- وكلام غيره، أقوال وأدعية وأحزاب، تستلزم تعطيل الأمر والنهي، مثل أن يدعو أن يعطيه الله إذا عصاه أعظم مما يعطيه إذا أطاعه، ونحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده أن يجعل الذين اجترحوا
стр. 641
السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات بل أفضل منهم، ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما يوجد في حزب الشاذلي" (١).
ولا يقولن قائل: إن تلك الأحزاب هي أذكار وتسابيح وتحاميد وليست من الدعاء الذي نحن نبحث فيه، وذلك لعدة أمور منها ما تقدم في تعريف الدعاء من ترادفهما أو تلازمهما، ومنها أن تلك الأحزاب الشاذلية بالخصوص وغيرها بالعموم ممزوجة بالدعاء.
يقول الدكتور عبد الحليم محمود في ثنائه على طريقة الشاذلي في الذكر: "وكانت طريقته في أكثر الأحيان أن يمزج الذكر بالدعاء … " (٢).
ومع هذا الاعتداء السافر الذي هو منهي عنه في الدعاء، فالصوفية يفضلون أحزابهم وأورادهم على الأدعية المأثورة كما يفضل كل شيخ حزبه ويذكر له خصوصية، فمن ذلك أن الشاذلي كان يحبذ قراءة أحزابه فمما قال في حزبه الكبير: "من قرأه كان له ما لنا وعليه ما علينا" (٣) ويقول في حزب البحر: "حفظوه لأولادكم فإن فيه اسم الله الأعظم" (٤) مع أن حزب البحر تراكيبه العربية غير مستقيمة في بعض المواضع من ناحية المعنى ولا ترابط بينها.
وهناك أوائل السور المبدوءة بالحروف المقطعة (٥)، مع أن مثل هذه الحروف المقطعة لم ترد في الأدعية المأثورة.
ومثل الشاذلي التجاني، فقد ادعى لصلاة الفاتح إتيان الملك بها ومعادلتها للقرآن مرات، كما ادعى لجوهرة الكمال أفضليتها على جميع
стр. 642
العبادات (١)، مع أن جوهرة الكمال المزعومة كلام ركيك وفيها كلمات لا يستقيم بناؤها على القواعد العربية مثل الصراط الأسقم والمطلسم.
قال الشيخ تقي الدين الهلالي ﵀: "وأنت إذا نظرت في كلمات هذه الصلاة -من أولها إلى آخرها- وجدتها في غاية البعد عن الكلام الفصيح ولم تستبعد صدور الأسقم والمطلسم من مؤلفها" (٢).
جـ - وتشتمل تلك الأوراد والأحزاب على التوسل المبتدع، فهو كثير في تلك الأحزاب وكلما تأخر الزمان واشتدت غربة الإسلام كثر انتشاره في أحزاب متأخري الصوفية، وقلدهم العوام، ثم انتشر هذا الوباء حتى في أدعية الفقهاء المتأخرين.
ومن دعاء الشاذلي -إن صح- "اللهم إني أسألك بجاه محمد المصطفى، وإبراهيم الذي وفي، وبحرمة كل رسول ونبي، وصديق وولي وشهيد، وصالح، وتقي … " (٣).
ويقول في حزب الفتح: "أسألك بحرمة الأستاذ بل بحرمة النبي الهادي ﷺ ، وبحرمة الاثنين، والأربعة، وبحرمة السبعين والثمانية، وبحرمة أسرارها منك إلى محمد رسولك … " (٤).
د - ثم إن الأحزاب والأوراد الصوفية يقترن بها مع بدعيتها أشياء أخرى من المحاذير والمفاسد والبدع الأخرى، ومن ذلك:
١ - أن المريد الصوفي يبقى في هذه الأوراد سنين عديدة يكررها فيتعودها فتصير له عادة، وطبعاً لا يتنبه عند قراءتها فيغفل عن ذكر الله تعالى.
стр. 643
فأما لو لم يقيد نفسه بهذه الأوراد التي ما أنزل الله بها من سلطان وذكر الله تعالى ودعاه بما حضر له متى وجد نشاطاً وهمة وإقبالاً على الله تعالى فإن ذلك يكون له تأثير على نفسه وعلى قبول دعوته.
٢ - أنهم يأخذون العهد من المريد لئلا يترك فيوجبون عليه شيئاً لم يكلفه الله، فربما يقع في حرج شديد إن لم يتركها (١).
٣ - إن بعضها يكتنفه الغموض (٢) والخفاء فلا يدري ما معناه؟ فعندهم إشارات غامضة تارة إلى وحدة الوجود، وتارة إلى رفع التكليف، وتارة إلى الحب والغرام.
٤ - إنهم يجتمعون لقراءة تلك الأحزاب بصوت واحد ويرفعون أصواتهم على نغمات معينة، وقد يصحب ذلك الصفق بالأيدي والضرب بالدف مع تمايل وتكسر وصياح حتى يغمى على بعضهم إلى غير ذلك مما هو معروف.
وأشهر كتاب عندهم في الأدعية والأذكار والصلاة والسلام على النبي المختار ﷺ هو كتاب دلائل الخيرات" وهذا الكتاب متداول بكثرة بين الناس حتى أن بعض الفقهاء يروونه بالإجازات (٣).
وهذا الكتاب مشتمل على اعتداء في الدعاء والصلاة على النبي ﷺ زيادة على ما يترتب على التزام صيغة مبتدعة من الصلاة واعتقاد أنها أفضل من الصيغ الواردة في الصلاة والسلام، واعتقاد أن تلك الصيغ فيها
стр. 644
خصائص وميزات ما أنزل الله بها من سلطان، وربما اعتقد بعضهم فضله على القرآن (١)، وإن لم يصرح بلسانه ولكنه عملياً يفضل حيث يلازم قراءته ويعتني به أكثر من القرآن.
ومن أمثلة الاعتداء الذي في دلائل الخيرات قوله في ثلاثة مواضع: "اللهم صل على سيدنا محمد عدد معلوماتك وأضعاف ذلك" (٢)، ففي هذا جعل معلومات الله معلومات محدودة (٣).
وقوله: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد حتى لا يبقى من الصلاة شيء" وقوله: "اللهم ارحم سيدنا محمداً حتى لا يبقى من الرحمة شيء" وقوله: "اللهم بارك على سيدنا محمد حتى لا يبقى من البركة شيء".
ثم في الكتاب أشياء عليها لوائح الوضع والكذب مثل حزب يوم الجمعة، وثواب من قرأه، ذكر أن له ثواب حجة مقبولة وعتق رقبة من ولد إسماعيل، وإعطاء قصر في الجنة بكل حرف، وأن وجهه كالقمر وكفه في كف حبيبي محمد ﷺ .
وهذا الحزب قال شارح الدلائل: العمدة في ذلك على المؤلف فلم يجدوا له أصلاً غير ما ذكره المؤلف (٤).
الخلاصة: أن الالتزام بالأحزاب والأوراد التي لم يرد بها الشرع -بدعة- وأن الأولى التزام الأدعية المأثورة، فالأوراد المبتدعة فيها مفاسد جسيمة من الاشتمال على الشرك أو الاعتداء أو غير ذلك.
النوع الرابع: الأدعية الجَمَاعية:
وهي الأدعية التي يدعو بها جماعة من الناس على كيفية معينة أو
стр. 645
يدعو واحد منهم ويُؤمِّن الآخرون على دعائه، وهي أدعية كثيرة نذكر بعضها على سبيل الإيجاز.
١ - الأدعية الجَمَاعية بعد الصلوات:
فالدعاء في أثناء الصلاة لا سيما في السجود، وفي التشهد الأخير، مشروع ومتفق عليه، فهو أولى بدون شك.
وأما الدعاء بعد الفراغ من الصلاة فقد اختلف فيه، فمن قائل باستحبابه ومن قائل بعدم ذلك (١).
والذي تدل عليه أحاديث صفة النبي ﷺ وأنَّه لم يكن يداوم على ذلك لأنَّه لو كان يداوم عليه لنقله من نقل صفة صلاته ﷺ ، ويدل على أصل مشروعيته أدلة أخرى مثل قوله ﷺ لمعاذ: أوصيك يا معاذ لا تدعن في
стр. 646
دبر كل صلاة أن تقول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (١).
وقد مال ابن القيم ﵀ إلى أنه لا بأس بالدعاء بعد الفراغ من الصلاة ولكن بعد أن قدم بين يدي دعائه الأذكار المشروعة بعد السلام (٢).
هذا الذي تقدم في الدعاء بعد الصلاة بدون اجتماع عليه، وأما إذا اجتمعوا عليه بأن يدعو الإمام أو أحد المصلين ويؤمن الآخرون كما هو منتشر في كثير من بلدان المسلمين فهو بدعة إلا إن وقع أحياناً فيجوز.
وأما إذا كان دائماً بعد كل صلاة فهو بدعة لأنَّه لم يعهد ذلك من النبي ﷺ وصحابته والسلف الصالح (٣).
قال شيخ الإسلام ﵀: "الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم يتخذ ذلك عادة راتبة كالاجتماعات المشروعة ولا اقترن به بدعة منكرة" (٤).
وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه أجاز الدعاء للإخوان إذا اجتمعوا بدون تعمد مسبق، وبدون الإكثار من ذلك حتى لا يصير عادة تتكرر (٥).
стр. 647
وقال الإمام الشاطبي ﵀:
"لو فرضنا أن الدعاء بهيئة الاجتماع وقع من أئمة المساجد في بعض الأوقات للأمر يحدث عن قحط أو خوف من ملم لكان جائزاً. . . إذا لم يقع ذلك على وجه يخاف منه مشروعية الانضمام، ولا كونه سنة تقام في الجماعات ويعلن به في المساجد كما دعا رسول الله ﷺ دعاء الاستسقاء بهيئة الاجتماع وهو يخطب … " (١).
فأصل الدعاء عقب الصلوات بهيئة الاجتماع بدعة وإنما يباح منه ما كان لعارض كقنوت النازلة.
وإنما كان هذا الدعاء بعد الصلوات بهيئة الاجتماع بدعة، مع ثبوت مشروعية الدعاء مطلقاً وورود بعض الأحاديث بمشروعية الدعاء بعد الصلوات خاصة لما قارنه من هذه الهيئة الاجتماعية ثم الالتزام بها في كل الصلوات حتى تصير شعيرة من شعائر الصلاة.
فقد وصل الأمر في بعض البلاد إلى أن اعتقد الجهال بأن الدعاء بعد الصلوات بالصورة الجَمَاعية من مستحبات الصلاة، مثل الراتبة التي تصلى بعد الصلاة أو أوكد منها.
فإذا لم يدع لهم الإمام -بعد الصلاة- يرون أن صلاتهم ناقصة ويسيئون الظن فيه ويتهمونه بأنواع من التهم، فهذه المفسدة إنما حصلت من التزام الأئمة بالدعاء عقب الصلوات في تلك البلدان.
فأما لو دعا الإمام بعض الأحيان مثل أن تقع نازلة فيدعو بها عقب الصلوات وأَمَّن على ذلك المأمومون ففي هذه الحالة لا يكون الدعاء
стр. 648
بدعة، فيكون مثل ما دعا به النبي ﷺ بالاستسقاء في خطبة الجمعة عندما طلب منه الأعرابي ذلك (١).
٢ - ومثل الدعاء عقب الصلوات -الدعاء للأئمة في خطبة الجمعة. فقد نص العلماء على أن الالتزام به في كل خطبة بدعة وأما لو دعا لهم للحاجة فليس ببدعة (٢).
وأتت بدعيته من جهة الالتزام وعدم الترك -لأن ذلك يؤدي إلى الاعتقاد بأنه من شروط الخطبة وأنَّه شعيرة من شعائره، مع أن أصل الدعاء للأئمة مشروع ومطلوب، فإن إمام المسلمين أحق من يدعي له؛ لأن بصلاحه صلاح الأمة، فالدعاء له دعاء للأمة.
٣ - ومثل ذلك الاجتماع للدعاء بصفة دورية في مكان معين فقد عده كثير من العلماء من البدع (٣).
стр. 649
٤ - ومن الأدعية البدعية الجماعية ما يحصل من بعض الناس في أعمال الحج من الطواف والسعي، وغيرها، حيث إن بعضهم يؤجرون من يدعو لهم ويرددون وراءه أدعية معينة لكل شوط، بدون أن يكون لكل أحد الدعاء في حاجته الخاصة التي يريدها، وقد يكون بعض هؤلاء المرددين لصوت الداعي لا يعرفون معنى ما يدعو به الداعي، إما لكونهم لا يعرفون اللغة العربية أو للأخطاء التي تحصل من الداعي وتحريفه للكلام ومع هذا يحاكونه في دعائه، وهذه الأدعية إنما جاءتها البدعية من جهتين:
الأولى تخصيص كل شوط بدعاء خاص مع عدم وروده.
الثانية: الهيئة الجماعية مع رفع صوت وحكاية ألفاظ بدون تدبر واستحضار معنى.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله:
"وأما ما أحدثه بعض الناس من تخصيص كل شوط من الطواف أو السعي بأذكار مخصوصة أو أدعية مخصوصة فلا أصل له، بل مهما تيسر من الذكر والدعاء كفي" (١).
ومثل الطواف والسعي ما يقع عند الزيارة للقبر النبوي أو قبور الشهداء أو البقيع أو غير ذلك من ترديد الزائرين صوت المزورين، قال الشيخ الألباني -حفظه الله- في تعداده لبدع الزيارة في المدينة النبوية: تلقين من يعرفون بالمزورين جماعات الحجاج بعض الأذكار والأوراد عند الحجرة أو بعيداً عنها بالأصوات المرتفعة، وإعادة هؤلاء ما لقنوا
стр. 650
بأصوات أشد منها (١). وبما تقدم اتضح أنواع الأدعية المبتدعة وبهذا القدر نكتفي في سرد أنواع الأدعية المبتدعة، وبه نختم مباحث باب الدعاء غير المشروع، ونبدأ الآن في الإجابة على بعض الشبهات التي أوردها المجيزون للدعاء غير المشروع، والله المستعان وعليه التكلان.
стр. 651
الباب الرابع في مناقشة بعض شبه المجيزين للدعاء غير المشروع
ويحتوي على تمهيد وثلاثة فصول:
التمهيد: في أنواع الشبهات وأسبابها والجواب الإجمالي عنها.
الفصل الأول: في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة الصحيحة.
الفصل الثاني: في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة غير الصحيحة.
الفصل الثالث: في مناقشة ردودهم وإجاباتهم عن الأدلة المانعة للدعاء غير المشروع.
стр. 652
الفصل الأول في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة الصحيحة
ويحتوي على مبحثين:
المبحث الأول: ما احتجوا به من القرآن.
المبحث الثاني: ما احتجوا به من السنّة الصحيحة.
стр. 653
تمهيد
إن الشيطان لبس على كثير من الناس فأوقع في قلوبهم الشبهات التي أظهر لهم أنها تدل على جواز دعاء الموتى والغائبين والاستغاثة من دون الله تعالى.
وقد سعى بعض أهل الضلال بترويج تلك الشبه، فألفوا فيها رسائل تدافع عن صنيع القبوريين وأعمالهم الشركية، وتبحث لهم عن الشبهات ولو كانت أوهى من خيط العنكبوت.
فاغتر بتلك الرسائل بعض الناس وظن أن فيها حججاً وبراهين وإنما هي في الحقيقة أوهام وظنون، وخيالات، وزبالة أفكار في مقابلة ومعارضة الآيات البينات والحجج القاطعات المانعة من الدعاء غير المشروع.
وقد ظهر لي بالتتبع أنه لا يوجد لديهم دليل صحيح صريح، وإنما يوجد لهم دليل صحيح غير صريح، أو صريح ضعيف، أو مكذوب، ثم إن أغلب تلك الشبهة إنما تدل على جواز التوسل بالذوات، وأما ما يدل على جواز دعاء الموتى فقليل جداً، ولكن هؤلاء يفسرون التوسل بما يشمل الطلب من الموتى كما تقدم (١). وهذا هو السبب الذي اقتضى مناقشتهم فيما يستدلون به على التوسل. والسبب الثاني أن التوسل هو السبب الرئيسي الذي جر إلى فتح باب الشرك ودعاء غير الله تعالى على
стр. 654
مصراعيه كما تقدم.
فلهذا فمناقشتهم في أدلتهم في التوسل مهمة جداً لأن الخلاف فيه خلاف في أصل من أصول العقيدة، ألا وهو إخلاص الدعاء الله تعالى وليس خلافاً فرعياً لا يمس العقيدة حتى نتركهم فيما ذهبوا إليه أو نعذرهم فيما اجتهدوا فيه إن كان هناك اجتهاد.
فلهذا فإني أرى أن مناقشتهم في أدلتهم التي استدلوا بها على جواز التوسل من ضروريات البحث في هذه الرسالة، كما أن مناقشتهم فيما استدلوا به على جواز الاستغاثة بغير الله ضرورة، فكلاهما سواء لأن مآلهما واحد، ولهذا فإني عند ذكر احتجاجهم أجمع بين استدلالهم على التوسل وبين استدلالهم على الاستغاثة، فأناقش كليهما بدون تفريق، وقد أخص واحداً منهما على حسب ما يقتضيه المقام.
وهذه الشبهات قد لا يدرك مدى الحاجة إلى بيانها وكشف زيفها من يعيش في مجتمع انتشرت فيه العقيدة السلفية الصحيحة، وإنما يدرك ذلك من يعيش في بعض البلاد التي يوجد فيها من يدعو إلى دعاء الموتى والغائبين، ويلبس على العوام بتلك الشبه ويعارض بها الداعين إلى إخلاص نوعي الدعاء الله تعالى.
فالدعاة إلى التوحيد الخالص يحتاجون في مثل تلك البلاد إلى معرفة هذه الشبه وكيفية مناقشتها، حتى يستطيعوا دحضها وإبطالها فبذلك تقوم الحجة وتبرأ الذمة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.
ومما ينبغي أن يعلم أن أصحاب هذه الشبه يتبع بعضهم بعضاً في الاحتجاج بها، ويقلد لاحقهم سابقهم بدون تبصر ولا بحث عن أدلة حتى إن بعض معاصريهم كان ينتحل كلام من سبقه من أهل مشربه بحروفه.
стр. 655
وهذا هو الذي اقتضى تتبع من احتج بهذه الشبه حتى يتضح تقليدهم الأعمى.
أنواع الشبهات التي احتجوا بها:
يمكن حصر تلك الشبه في أنواع ثلاثة:
النوع الأول (١):
نصوص صحيحة مجملة غير صريحة لم يفهموها فهماً صحيحاً ولم يفقهوا ما دلت عليه، ويحتجون بها من غير فهم لمعناها، إما لجهلهم الحاصل لهم من قصورهم في أدوات الفهم أو في مقاصد الشريعة، أو للهوى الذي يُعْمِيهم عن معناها الحقيقي الذي يوافق المحكم، وهذا ما نتكلم عليه -إن شاء الله تعالى- في الفصل الأول.
النوع الثاني:
أدلة غير صحيحة، وقد تكون صريحة فيما يحتجون بها، وربما تكون غير صريحة، فهم يحتجون بها مع عدم صحتها؛ لأنَّه لا يهمهم صحتها ما دامت توافق أهواءهم ورغباتهم ومألوفاتهم.
وهذا النوع الثاني سنتكلم عليه -بعون الله- في الفصل الثاني.
النوع الثالث:
إجاباتهم عن الأدلة المانعة للدعاء غير المشروع، وشبهاتهم التي يوردونها على الأدلة الصحيحة، ومرادهم بها دفع دلالتها الصريحة على منع الدعاء غير المشروع، وأن تلك الأدلة لا تنطبق عليهم.
وهذا النوع الثالث سنتكلم عليه في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.
стр. 656
وقبل الخوض في الجواب التفصيلي عن هذه الشبهات نتكلم بإيجاز عن الأسباب الرئيسية الباعثة لإثارة هذه الشبهات، والله الموفق.
الأسباب الباعثة على إثارة هذه الشبهات:
الأسباب (١) الرئيسية لإثارة هذه الشبهات ثلاثة:
السبب الأول: الجهل:
وهو إما جهل بأدوات الفهم، أو جهل بمقاصد الشريعة، وذلك لأن الجهل إنما يحصل في مسائل الدين "إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب، والعلم بمقاصدها، وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية وإما لعدم الأمرين جميعاً" (٢).
فعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب يجعل الإنسان يفهم من الآيات والأحاديث الصحيحة غير ما تدل عليه فيستدل بها على حكم لا تدل عليه.
وعدم الرسوخ في قواعد الأحكام، ومقاصد الشريعة، يجعله يحتج لنفسه "بأدلة فاسدة وبأدلة صحيحة اقتصاراً بالنظر على دليل مَّا، واطراحاً للنظر في غيره من الأدلة الأصولية والفروعية العاضدة لنظره، أو المعارضة له" (٣).
فيأخذ ببعض الأدلة دون الإحاطة بباقي الأدلة، ودون النظر إلى مقاصد الشريعة التي جاءت متكاملة متناسقة متعاضدة فيأتي هذا الجاهل إلى دليل مَّا فيأخذ بظاهره دون الإحاطة بمراميه ومقاصده، ودون النظر
стр. 657
إلى ملابساته وما يكتنفه من أدلة أخرى من عمومات الكتاب والسنة.
السبب الثاني (١): تحسين الظن بالعقل:
إن الله سبحانه جعل للعقول في إدراكها حداً لا تتعداه، فالعقول مداركها محدودة ومتناهية، ولا تحيط بالشيء من جميع الجوانب، فلا يمكن أن تستقل بإدراك مصالحها الدنيوية فضلاً عن الأخروية، فلهذا وغيره لا يمكن أن يجعل العقل حاكماً بإطلاق بل الحاكم بإطلاق هو الشرع، ومع هذا فإن العقل السليم لا يخالف النص الصريح الصحيح بل يعاضده ويناصره، ولا تأتي الشريعة بما يناقض العقل، ولكن قد تأتي بما تحار فيه العقول.
وهذا هو حقيقة العقل مع الشرع فهو تابع ومنقاد للشرع، فهو معه كالعامي مع العالم (٢) وأما عدم إدراك هذه الحقيقة لمقدار العقل، ورفعه فوق منزلته، فينشأ عنه مفاسد، منها تحسين الظن بالعقل حتى يعارض النصوص الواضحة بالشبهات التي هي من زبالة الأفكار وحثالة الأوهام، فيترك النص الواضح الجلي لما يتصور في عقله القاصر من شبهات وهمية واعتراضات خيالية التي هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
السبب الثالث: اتباع الهوى:
فاتباع الهوى من الأسباب الرئيسية لمعارضة أدلة الكتاب والسنة الصحيحة، وهو ملازم لمن يترك الاعتصام بهما، ومن هنا سمي من يترك الاعتصام بهما -في الأحاديث وكلام السلف- بأهل الأهواء لأنهم "اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها
стр. 658
حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها من وراء ذلك" (١).
فمن هنا اشتق لهم الاسم مما غلب عليهم وهو الهوى فسمّوا أهل الأهواء (٢).
ولكونهم متبعين لأهوائهم تركوا الأصول الواضحة المحكمة التي تمنع من الدعاء غير المشروع وأخذوا بالمشتبهات، وحرفوا الأدلة الصحيحة عن مدلولاتها وأولوها إلى غير مقصودها، كما لجأوا إلى الأدلة الواهية من الموضوعات والحكايات والمنامات، فنسأل الله تعالى أن يقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وهو الهادي إلى الصراط المستقيم.
الجواب الإجمالي عن هذه الشبهات:
١ - الجواب الأول (٣):
إن هذه الشبهات التي احتجوا بها ما صح منها يعد من المتشابهات والواجب في مثل هذا رد المتشابهات إلى المحكمات، وهذا هو شأن الراسخين في العلم.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
فالآيات والأحاديث الدالة على منع الدعاء غير المشروع محكمات
стр. 659
فهي صريحة في دلالتها، قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة، وذلك أن القرآن الكريم كله في التوحيد وبيان ما يناقضه أو يناقض كماله من الذرائع والوسائل، وبيان جزاء أهل التوحيد وأهل من اتصف بضده في الدنيا والآخرة (١).
وقد تقدم أنه لم يرد في القرآن الكريم في نوع من أنواع الشرك والكفر -مثل ما ورد في الدعاء بنوعيه- مما يدل على التحذير منه وكفر من ارتكبه، ومثل القرآن السنة النبوية التي تشرح القرآن وتبينه، فإذا كان الأمر كذلك فالواجب أن يرد ما يشتبه أنه يخالف هذا المحكم البين إليه لا أن يؤخذ بالمتشابهات ويتعسف في تأويل المحكمات كما هو صفة الذين في قلوبهم زيغ، وقد حذر الرسول ﷺ من الذين يتبعون المتشابهات فقال في حديث عائشة ﵂: "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" (٢).
٢ - الجواب الثاني:
إن هؤلاء الذين يحتجون بهذه الشبهات لا يقبلون في باب العقائد -حسب زعمهم- إلّا القطعي من الأدلة، إذ من أصولهم (٣) المقررة لديهم أن غير قطعيِّ الثبوتِ والدلالةِ -يريدون بذلك ما لم يكن متواتراً صريح الدلالة- لا يقبل، فالأحاديث المشهورة الصحيحة الثابتة الصريحة الدلالة-
стр. 660
يردونها في باب العقائد بهذه القاعدة المقررة لديهم ولكنهم تناقضوا -في هذه المسألة التي معنا- لاحتجاجهم إما بما هو ليس صريح الدلالة أو بما هو غير ثابت أصلاً، وهكذا شأن من لم يعتصم بالكتاب والسنّة فلا بد أن يتناقض.
قال ابن عبد البر ﵀ في معرض رده على من احتج بحديث ضعيف في مسألة الاستواء: "وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا من الحديث لو عقلوا أو أنصفوا؟ " (١).
وقد تنبه بعض علماء الحنفية إلى هذا الذي يلزم من استدل بهذه الحجج المتشابهات من التناقض فمنع من التوسل بالذوات بهذه الحجة كما تقدم (٢)، وهذا هو اللازم لكل من يريد أن لا يتناقض في قواعده التي أَصَّلَها وقررها بنفسه، فعليه أن يلتزم بها سواء كانت له أو عليه.
٣ - الجواب الثالث:
إن النصوص التي استدلوا بها إما نصوص صحيحة ولكنها غير صريحة، وإما نصوص صريحة ولكنها ضعيفة أو موضوعة مكذوبة وليس لديهم دليل صحيح ثابت صريح، ففي الأدلة الصحيحة -نطالبهم بدلالتها الصريحة على مرادهم، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً.
وفي الأدلة غير الصحيحة نطالبهم بإثبات صحتها، فإذا لم يثبتوا صحتها وثبوتها -يسقط احتجاجهم بها ولا يلتفت إليه.
٤ - الجواب الرابع:
إننا لو سلمنا دلالة تلك الأدلة التي ساقوها -على ما احتجوا به-
стр. 661
دلالة صريحة تكون تلك الأدلة معارضة للأدلة الأخرى الدالة على المنع أليس الواجب في هذه الحالة -الجمع إن أمكن- ثم الترجيح-؟؟
فإذا اخترنا الجمع وذهبنا إليه فإننا نجد أن تلك الأدلة التي احتجوا بها الصحيح منها يدل على ما يوافق الأدلة المانعة من الدعاء غير المشروع، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك عند المناقشة التفصيلية.
وإذا لم يمكن الجمع نذهب إلى الترجيح، وقد أشرنا أن الأدلة الدالة على المنع من الدعاء غير المشروع أقوى ثبوتاً ودلالة لأنها قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، وأما الأدلة التي احتجوا بها فهي ما بين صريح غير صحيح الدلالة وما بين ضعيف أو مكذوب صريح الدلالة.
هذا بعض ما يجاب به عن شبههم إجمالاً، وبعد أن رأينا أنه يمكن الاكتفاء بهذه الأجوبة الإجمالية لقوتها ووضوحها لمن يريد الحق ويتحراه وينشده، فإننا نشرع في الإجابة التفصيلية زيادة في البيان ورغبة في إقناع من بقيت عنده شبهة أو شك فيما يتعلق بهذا الباب.
وإليك مناقشة بعض الآيات التي احتجوا بها أولاً، ثم بعض الأحاديث الصحيحة ثم الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة، ثم الحكايات والنظريات القياسية، ثم ردودهم وإجاباتهم فهذا أوان الشروع في ذلك وبالله التوفيق.
стр. 662
المبحث الأول في مناقشة بعض ما احتجوا به من كتاب الله العزيز
لقد تعلق المجيزون للدعاء غير المشروع بعدة آيات زعموا أنها تدل لهم، فنحن نورد هنا تسع آيات من أهم الآيات التي استدلوا بها مبينين ما وجهة نظرهم ثم نناقشهم حسب يسره الله تعالى.
الآية الأولى:
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩].
استدل بهذه الآية بعضهم (١) على التوسل بالذوات لأن اليهود استفتحوا بالنبي ﷺ قبل وجوده أي توسلوا به واحتج هؤلاء على هذا بما رواه عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال:
"كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود خيبر،
стр. 663
فعاذت اليهود بهذا الدعاء: "اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلَّا نصرتنا عليهم" قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث النبي ﷺ كفروا به فأنزل الله وقد كانوا يستفتحون بك يا محمد على الكافرين" (١).
الجواب عن هذا من ناحيتين: إحداهما: ناحية الإسناد، وثانيتهما: ناحية المتن.
أما ناحية الإسناد: فنقول وبالله التوفيق:
إن عبد الملك بن هارون قال فيه ابن معين: كذاب، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: متروك ذاهب الحديث، وقال ابن حبان: يضع الحديث، وقال أحمد ضعيف الحديث، وقال الدارقطني عن أبيه: وأبوه أيضاً متروك أي فهما متروكان، وقال السعدي: دجال كذاب، وقال ابن عدي: له أحاديث غرائب عن أبيه عن جده عن الصحابة مما لا يتابعه عليه أحد، وقال الحاكم: روي عن أبيه أحاديث موضوعة (٢).
وأبوه هارون بن عنترة قال فيه ابن حبان: منكر الحديث جداً يروي المناكير الكثيرة حتى يسبق إلى قلب المستمع لها أنه المتعمد لذلك من كثرة ما روى مما لا أصل له، لا يجوز الاحتجاج به بحال وقد تقدم قول الدارقطني فيه، ولكن وثقه بعضهم، وقال الذهبي: الظاهر أن النكارة من الراوي عنه (٣).
стр. 664
وقد ضعف الحفاظ هذه الرواية:
فقد قال الحاكم بعد أن أخرج الحديث: "أدت الضرورة إلى إخراجه في التفسير وهو غريب من حديثه" وتعقبه الذهبي بقوله: "لا ضرورة في ذلك، فعبد الملك متروك هالك" (١).
وقال الحافظ ابن حجر تعقيباً على كلام الحاكم: "وأي ضرورة تحوج إلى إخراج من يقول فيه يحيى بن معين: كذاب في المستدرك على البخاري ومسلم؟ وما هذا إلا اعتذار ساقط" (٢)، وضعف إسنادها أيضاً السيوطي (٣).
ثم إن الحاكم نفسه قد قال في عبد الملك: روى عن أبيه أحاديث موضوعة كما سبق، فكيف يخرج له بعد هذا في المستدرك؟ وما هذا إلا من تناقضاته، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر قول ابن معين السابق: "وهذا الحديث من جملتها" (٤) وبهذا نصل إلى سقوط هذه الرواية من ناحية الإسناد.
ومع وضوح سقوط هذه الرواية من جهة الإسناد حاول الغماري تقويتها مع اعترافه بضعفها فذكر أن للأثر طرقاً، فقد أخرج أبو نعيم من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس نحوه.
كما أخرج أبو نعيم أيضاً من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به (٥).
стр. 665
الجواب عن هذا أن هذه الطرق الثلاثة لا تزيد هذا الأثر قوة لأنها في غاية الضعف والوهن لأن عطاء هو الخراساني فعطاء الذي يروي التفسير عن ابن عباس هو الخراساني كما ذكره الحافظ (١).
وعطاء الخراساني مختلف فيه ومع هذا لم يسمع من ابن عباس كما قاله أحمد ويحيى بن معين وغيرهما (٢).
والضحاك هو ابن مزاحم وثقه الجمهور وضعفه القطان، واتفق كل علماء الجرح على أنه لم يسمع من ابن عباس شيئاً ولم يره (٣).
وأما الكلبي عن أبي صالح فالكلبي كذبه كثيرون وقد قال هو عن نفسه لسفيان الثوري: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب، فهو اعترف بكذبه وقال الحافظ: متهم بالكذب ورمي بالرفض (٤).
وكذلك شيخه أبو صالح وهو باذام مولى أم هانئ قال فيه الحافظ: ضعيف يرسل وضعفه كثيرون، ثم إنه لم يسمع من ابن عباس أيضاً (٥).
وبهذا عرفنا أن هذه الطرق كلها في غاية الضعف والوهن فلا تزيد الأثر إلا وهنًا على وهن، وقد يكون فيها علل أخرى ولكن لم نستطع الكشف عنها لأن السيوطي في الدر المنثور لم يسق الإسناد ولم أجدها في دلائل النبوة لأبي نعيم المطبوع وإنما الذي في المطبوع: ص ١٩ رواية سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس وستأتي، ولعله حذف من المطبوع أو وهم السيوطي في إسناده إلى الدلائل والله أعلم.
ثم هاهنا أمر مهم وهو أن ما زعمه الغماري من تقوية الأثر بطريق عطاء والضحاك فيه نظر واضح وهو أن الغماري اعتمد في هذه الروايات
стр. 666
فيما يظهر على السيوطي في الدر المنثور، ولكن الطبري وابن أبي حاتم أخرجا عن الضحاك عن ابن عباس ما يخالف ذلك.
كما أخرج الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء قوله: "كانوا يستفتحون على كفار العرب بخروج النبي ﷺ " (١).
وأخرج هو وابن أبي حاتم عن الضحاك عن ابن عباس قوله: "كانوا يستظهرون يقولون: نحن نعين محمداً عليهم وليسوا كذلك يكذبون" (٢).
فهذه الرواية التي توافق رواية الجماعة أولى على فرض ثبوت طريقة أبي نعيم عنهما، فتبين بهذا أنه لا يوجد ما يصلح للتقوية إلا طريق الكلبي وقد عرفت أنه متهم.
ثم إن هذه الرواية لو كانت ضعيفة فقط فهي مخالفة للرواية الصحيحة فهي في اصطلاح المحدثين منكرة فهي إن سلمت من الوضع لا تسلم من كونها منكرة لهذه المخالفة وإليك هذه الرواية الصحيحة التي خالفتها هذه الرواية.
وهي ما رواه محمد بن إسحاق صاحب السيرة قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: حدثني أشياخ منا قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله ﷺ منا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنا أصحاب وثن، فكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا: إن نبياً مبعوثاً الآن قد أظل زمانه نتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله اتبعناه وكفروا به، ففينا والله وفيهم أنزل الله : ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ (٣).
стр. 667
وهذه الرواية إسنادها لا يقل عن رتبة الحسن لأن ابن إسحاق صرح بالتحديث فزال ما يخشى من التدليس، والكلام فيه معروف والذي عليه أكثر النقاد أنه حسن الحديث إذا صرح بالسماع لاسيما في المغازي والسير كالذي نحن فيه (١).
وأما عاصم بن عمر فمن رجال الجماعة قال فيه الحافظ: ثقة عالم بالمغازي وهو تابعي من الرابعة (٢).
والشيوخ الذين حدث عنهم من الصحابة ولا تضر جهالتهم؛ لأن الصحابة كلهم عدول فهم أيضاً آل من الأنصار ﵃.
فالحديث له حكم الرفع لأنَّه حكاية عن وقائع حدثت في عهد النبوة وكانت سبباً لنزول الآية (٣).
ويؤيد هذه الرواية الصحيحة ثلاث طرق أخرى ومراسيل عن التابعين، وإليك بيان تلك الطرق.
١ - طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس:
أخرجه ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه … وفيه قول معاذ بن جبل وغيره لهم: اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ وتخبروننا أنه مبعوث … إلخ (٤). وهذه الطريقة وإن كان فيها ضعف (٥) لكنها تتقوى بالأولى.
стр. 668
٢ - طريق عطية العوفي عن ابن عباس وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا" يقول: يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب" (١)، وهذه الطريقة فيها ضعف (٢) أيضاً.
٣ - طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة في الآية قال: "كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم وكانوا يجدون محمداً ﷺ في التوراة فيسألون الله تعالى أن يبعثه نبياً فيقاتلون معه العرب" (٣).
وهذا الإسناد كثيراً ما يروي به السدي تفسير الصحابة ولكن فيه كلام (٤).
والحاصل أن هذه الروايات الثلاثة تؤيد رواية ابن إسحاق الحسنة فترتفع من الحسن إلى الصحة، ثم يقوي هذه الرواية الصحيحة مراسيل التابعين الذين فسروا هذه الآية فمنهم قتادة وأبو العالية وعلي الأزدي وابن زيد ومجاهد وتقدم عن عطاء والضحاك، فقد قال الثلاثة الأول أنهم كانوا يقولون: "اللهم ابعث هذا الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم … " (٥).
وقال ابن زيد كانت يهود يستفتحون على كفار العرب يقولون: أما
стр. 669
والله لو قد جاء النبي الذي بشر به موسى وعيسى -أحمد- لكان لنا عليكم" (١).
وقال مجاهد: "يستفتحون بمحمد ﷺ تقول: إنه يخرج" (٢).
وهناك رواية أخرى من طريق معمر عن قتادة قال: "كانوا يقولون إنه سيأتي نبي" (٣)، وبهذه الطرق اتضح جلياً أن الرواية المعروفة المحفوظة عن ابن عباس هي رواية ابن إسحاق وقد أيدته هذه الروايات الكثيرة المستفيضة، وبهذا يعلم نكارة رواية عبد الملك بن هارون لمخالفتها لهذه الروايات المعروفة مع ما في عبد الملك من تهمة الوضع وبهذا نصل إلى بطلان ما احتجوا به سنداً.
وأما ناحية المتن فنقول وبالله التوفيق:
إن هذا الأثر منقوض من جهة المعنى بعدة أوجه:
١ - إن هذا الأثر يدل على أن الآية نزلت في يهود خيبر الذين يقاتلون غطفان، وهذا يخالف ما اتفق عليه أهل التفسير والسير من أن الآية نزلت في يهود المدينة وهم بنو قينقاع وقريظة والنضير، وهم الذين كانوا يخبرون الأوس والخزرج بقرب بعثة نبي جديد، وهذه المخالفة تدل على كذب هذه الرواية.
قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر هذه المخالفة: "فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان؟ فإن هذا من كذاب جاهل لم يحسن كيف يكذب" (٤).
стр. 670
٢ - إن هذا يخالف ما ثبت تاريخياً ودل عليه القرآن الكريم، وهو أن اليهود لم ينتصروا منذ أن خالفوا أنبياءهم وكتب الله عليهم الذلة والمسكنة، فلم يعرف في التاريخ غلبة اليهود للعرب ولا لغيرهم بل هم دائماً مغلوبون، أو كانوا يحالفون العرب فيحالف كل فريق فريقاً فلم يكونوا ينتصرون، بمجردهم، وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم (١).
فهذه الرواية تدل على انتصار اليهود على العرب وهذا لم ينقله أحد غير هذا الكذاب ولو كان هذا مما وقع لكان مما تتوافر دواعي الصادقين على نقله.
٣ - ثم إن هذه الرواية لو صحت -مع أن دون ذلك خرط القتاد- لا يستقيم الاحتجاج بها لأمرين وهما:
أ - إن هذه الحكاية عن فعل اليهود الذين كانوا قبل مبعث النبي ﷺ وقد وصفهم الله تعالى بالتحريف والتبديل فيمكن أن يكون هذا الدعاء بهذا الأسلوب التوسلي من بدعهم وتحريفهم، ويقوي هذا التحريف أن الله تعالى لم يذكر لنا عن موسى وبقية أنبياء بني إسرائيل مثل هذا التوسل المبتدع.
ولا يقال إن الله تعالى قد أقرهم على هذا التوسل المبتدع؛ لأن الله تعالى إنما ذكر هذا احتجاجاً عليهم باعترافهم بهذا النبي الكريم قبل مبعثه.
ويدل على هذا أن الله تعالى ذكر في النصارى أنهم ابتدعوا الرهبانية ومع ذلك لم يحافظوا عليها قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧].
فكما أن احتجاج الله على النصارى بما ابتدعوه من الرهبنة لا يدل (٢)