← Акыда

Акыда · id 1201

الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية

جيلان بن خضر العروسي

Полный текст (973 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فيما يظهر على السيوطي في الدر المنثور، ولكن الطبري وابن أبي حاتم أخرجا عن الضحاك عن ابن عباس ما يخالف ذلك. كما أخرج الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء قوله: "كانوا يستفتحون على كفار العرب بخروج النبي ﷺ " (١). وأخرج هو وابن أبي حاتم عن الضحاك عن ابن عباس قوله: "كانوا يستظهرون يقولون: نحن نعين محمداً عليهم وليسوا كذلك يكذبون" (٢). فهذه الرواية التي توافق رواية الجماعة أولى على فرض ثبوت طريقة أبي نعيم عنهما، فتبين بهذا أنه لا يوجد ما يصلح للتقوية إلا طريق الكلبي وقد عرفت أنه متهم. ثم إن هذه الرواية لو كانت ضعيفة فقط فهي مخالفة للرواية الصحيحة فهي في اصطلاح المحدثين منكرة فهي إن سلمت من الوضع لا تسلم من كونها منكرة لهذه المخالفة وإليك هذه الرواية الصحيحة التي خالفتها هذه الرواية. وهي ما رواه محمد بن إسحاق صاحب السيرة قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: حدثني أشياخ منا قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله ﷺ منا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنا أصحاب وثن، فكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا: إن نبياً مبعوثاً الآن قد أظل زمانه نتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله اتبعناه وكفروا به، ففينا والله وفيهم أنزل الله : ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ (٣).

стр. 667

وهذه الرواية إسنادها لا يقل عن رتبة الحسن لأن ابن إسحاق صرح بالتحديث فزال ما يخشى من التدليس، والكلام فيه معروف والذي عليه أكثر النقاد أنه حسن الحديث إذا صرح بالسماع لاسيما في المغازي والسير كالذي نحن فيه (١). وأما عاصم بن عمر فمن رجال الجماعة قال فيه الحافظ: ثقة عالم بالمغازي وهو تابعي من الرابعة (٢). والشيوخ الذين حدث عنهم من الصحابة ولا تضر جهالتهم؛ لأن الصحابة كلهم عدول فهم أيضاً آل من الأنصار ﵃. فالحديث له حكم الرفع لأنَّه حكاية عن وقائع حدثت في عهد النبوة وكانت سبباً لنزول الآية (٣). ويؤيد هذه الرواية الصحيحة ثلاث طرق أخرى ومراسيل عن التابعين، وإليك بيان تلك الطرق. ١ - طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس: أخرجه ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه … وفيه قول معاذ بن جبل وغيره لهم: اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ وتخبروننا أنه مبعوث … إلخ (٤). وهذه الطريقة وإن كان فيها ضعف (٥) لكنها تتقوى بالأولى.

стр. 668

٢ - طريق عطية العوفي عن ابن عباس وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا" يقول: يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب" (١)، وهذه الطريقة فيها ضعف (٢) أيضاً. ٣ - طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة في الآية قال: "كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم وكانوا يجدون محمداً ﷺ في التوراة فيسألون الله تعالى أن يبعثه نبياً فيقاتلون معه العرب" (٣). وهذا الإسناد كثيراً ما يروي به السدي تفسير الصحابة ولكن فيه كلام (٤). والحاصل أن هذه الروايات الثلاثة تؤيد رواية ابن إسحاق الحسنة فترتفع من الحسن إلى الصحة، ثم يقوي هذه الرواية الصحيحة مراسيل التابعين الذين فسروا هذه الآية فمنهم قتادة وأبو العالية وعلي الأزدي وابن زيد ومجاهد وتقدم عن عطاء والضحاك، فقد قال الثلاثة الأول أنهم كانوا يقولون: "اللهم ابعث هذا الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم … " (٥). وقال ابن زيد كانت يهود يستفتحون على كفار العرب يقولون: أما

стр. 669

والله لو قد جاء النبي الذي بشر به موسى وعيسى -أحمد- لكان لنا عليكم" (١). وقال مجاهد: "يستفتحون بمحمد ﷺ تقول: إنه يخرج" (٢). وهناك رواية أخرى من طريق معمر عن قتادة قال: "كانوا يقولون إنه سيأتي نبي" (٣)، وبهذه الطرق اتضح جلياً أن الرواية المعروفة المحفوظة عن ابن عباس هي رواية ابن إسحاق وقد أيدته هذه الروايات الكثيرة المستفيضة، وبهذا يعلم نكارة رواية عبد الملك بن هارون لمخالفتها لهذه الروايات المعروفة مع ما في عبد الملك من تهمة الوضع وبهذا نصل إلى بطلان ما احتجوا به سنداً. وأما ناحية المتن فنقول وبالله التوفيق: إن هذا الأثر منقوض من جهة المعنى بعدة أوجه: ١ - إن هذا الأثر يدل على أن الآية نزلت في يهود خيبر الذين يقاتلون غطفان، وهذا يخالف ما اتفق عليه أهل التفسير والسير من أن الآية نزلت في يهود المدينة وهم بنو قينقاع وقريظة والنضير، وهم الذين كانوا يخبرون الأوس والخزرج بقرب بعثة نبي جديد، وهذه المخالفة تدل على كذب هذه الرواية. قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر هذه المخالفة: "فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان؟ فإن هذا من كذاب جاهل لم يحسن كيف يكذب" (٤).

стр. 670

٢ - إن هذا يخالف ما ثبت تاريخياً ودل عليه القرآن الكريم، وهو أن اليهود لم ينتصروا منذ أن خالفوا أنبياءهم وكتب الله عليهم الذلة والمسكنة، فلم يعرف في التاريخ غلبة اليهود للعرب ولا لغيرهم بل هم دائماً مغلوبون، أو كانوا يحالفون العرب فيحالف كل فريق فريقاً فلم يكونوا ينتصرون، بمجردهم، وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم (١). فهذه الرواية تدل على انتصار اليهود على العرب وهذا لم ينقله أحد غير هذا الكذاب ولو كان هذا مما وقع لكان مما تتوافر دواعي الصادقين على نقله. ٣ - ثم إن هذه الرواية لو صحت -مع أن دون ذلك خرط القتاد- لا يستقيم الاحتجاج بها لأمرين وهما: أ - إن هذه الحكاية عن فعل اليهود الذين كانوا قبل مبعث النبي ﷺ وقد وصفهم الله تعالى بالتحريف والتبديل فيمكن أن يكون هذا الدعاء بهذا الأسلوب التوسلي من بدعهم وتحريفهم، ويقوي هذا التحريف أن الله تعالى لم يذكر لنا عن موسى وبقية أنبياء بني إسرائيل مثل هذا التوسل المبتدع. ولا يقال إن الله تعالى قد أقرهم على هذا التوسل المبتدع؛ لأن الله تعالى إنما ذكر هذا احتجاجاً عليهم باعترافهم بهذا النبي الكريم قبل مبعثه. ويدل على هذا أن الله تعالى ذكر في النصارى أنهم ابتدعوا الرهبانية ومع ذلك لم يحافظوا عليها قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. فكما أن احتجاج الله على النصارى بما ابتدعوه من الرهبنة لا يدل (٢)

стр. 671

على إقرارهم على هذا العمل، فكذلك احتجاج الله تعالى على اليهود بما ابتدعوه من التوسل بالذات -لا يدل على إقرار الله تعالى لهم. ب - إن هذا (١) لو ثبت أنه من شريعة موسى -مع أنه لا يمكن إثبات أنه من شريعة موسى- فلا يصح دليلاً أيضاً لأن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا إلا فيما ورد شرعنا بموافقته. وقد أخبرنا الله تعالى عن سجود إخوة يوسف وأبويه له، وعن قول الذين غلبوا على أمرهم ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف: ٢١]. والسجود لغير الله، واتخاذ المساجد على القبور لا يجوز في شرعنا، وهذا التوسل بالذوات لو ثبت يكون مثل هذا فلا يجوز في شرعنا. والحاصل أن التفسير الصحيح للآية هو أن اليهود كانوا يستفتحون أي يطلبون الفتح وهو النصر كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] أي يطلبون من الله النصر بالتعجيل بإرسال الرسول الذي يقاتلون معه حتى ينتصروا، فالذي يطلبونه هو تعجيل إرسال الرسول الذي يجدونه عندهم في التوراة ويجدون انتصاره على المشركين، أو المعني أنهم كانوا يخبرون الذين يحاربونهم أنه قد قرب زمن بعثة نبي فسوف ننتصر معه عليكم. فالآية يدور معناها بين الإخبار بقرب بعثته وبين سؤال الله تعالى أن يعجّل ببعثته. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾ [البقرة: ٢٤٨].

стр. 672

استدل بهذه الآية بعضهم على التوسل بآثار الأنبياء؛ لأن هؤلاء كانوا ينصرون على الأعداء بسبب تقديمهم للتابوت. وأن "هذا في الحقيقة ليس إلا توسلاً بآثار أولئك الأنبياء، إذ لا معنى لتقديمهم التابوت بين أيديهم في حروبهم إلا ذلك، والله راض عن ذلك بدليل أنه رده إليهم وجعله علامة وآية على صحة ملك طالوت، ولم ينكر عليهم ذلك الفعل" (١). والجواب عن هذه الشبهة -بعون الله وتوفيقه- بعدة وجوه: ١ - إن هذه (٢) الآية ليس فيها ما يدل على أنهم يتوسلون بالتابوت، وإنما غاية ما في الآية أن مجيء التابوت جعل آية وعلامة على صحة ملك طالوت، وذلك دليل على صدق ما أخبرهم به رسولهم من أن الله ملك طالوت عليهم، وهذا واضح من الآية وقد فسر هذه الآية على هذا المعنى جمهور المفسرين. قال ابن جرير رحمه الله تعالى في معنى السكينة بعد أن ذكر ما قيل في معنى السكينة من الأقاويل الواردة في تفسيرها عن السلف، قال: أولى الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء ابن أبي رباح من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي يعرفونها، وذلك لأن السكينة في كلام العرب الفعيلة من قول القائل: سكن فلان إلى كذا وكذا إذا اطمأن إليه وهدأت عنده نفسه فهو يسكن سكوناً وسكينة، ثم ذكر رحمه الله تعالى أن السكينة تحتمل أن تكون كل ما ذكر لأن كل ذلك آيات كافيات تسكن إليهن النفوس وتثلج بها الصدور (٣).

стр. 673

٢ - وأما ما روي في القصة أنهم كانوا إذا لقوا عدواً لهم قدموه أمامهم، وزحفوا معه فلا يقوم لهم معه عدو ولا يظهر عليهم أحد حتى إذا كثر اختلافهم على أنبيائهم سلبوا … فهذا من الأخبار الإسرائيليات فلا نصدقه ولا نكذبه ولا نستطيع أن نحتج به على أمر شرعي لاسيما وهو يتعلق بأصل الدين وبتوحيد العبادة الله تعالى. ٣ - إن هذا لو ثبت يكون من باب التبرك وليس من باب التوسل وبينهما فرق كما تقدم (١). ٤ - ولو ثبت أنهم توسلوا بالتابوت -مع أن دون ذلك خرط القتاد- فلا يصح الاحتجاج بهذه القصة الأمور: أ - إنها شرع من قبلنا وليس شرعاً لنا إلا فيما أقرته شريعتنا، وهذه المسألة جاءت مخالفة له فقد نهينا عن تتبع آثار الأنبياء. ب - إن البقية التي في التابوت هي من آثار موسى مثل عصاه ورضاض الألواح، وقيل: عصا موسى وعصا هارون وشيء من الألواح، وقد ثبت التبرك بأثر نبينا ﷺ ، ويمكن أن يحمل هذا على مثل ذلك، ولكن لا يقاس على الأنبياء غيرهم لأنَّه قياس مع الفارق. ج - إن مما يقوي أننا لا نتبع شرع من قبلنا في مثل هذا ما روي عن عمر بن الخطاب حيث زجره الرسول ﷺ عندما رأى في يده صحيفة من التوراة (٢). د - إن تتبع الآثار هو سبب ضلال الأمم السابقة وهلاكهم، قال عمر

стр. 674

﵁: "إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا يتبعون آثار نبيهم فيتخذونها كنائس وبيعاً" (١). هـ -ويمكن أن يشرع لهم في دينهم تعظيم ذلك التابوت والاستنصار به كما أنه شرع لنا تعظيم الكعبة والحجر الأسود، ولا يقاس على ذلك كما هو معلوم. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]. هذه الآية قد اسْتُدِلَّ بها (٢) على جواز السؤال بالمخلوق والإقسام به، فيجاب عن ذلك بأنه قد ورد في "الأرحام" قراءتان (٣)، نصب الأرحام عطفاً على لفظ الجلالة وهذه القراءة هي قراءة العامة. والقراءة الأخرى جر الأرحام عطفاً على الضمير في به وهذا جائز على القول الصحيح كما قال ابن مالك: وعود خافض لدى عطف على … ضمير خفض لازماً قد جعلا وليس عندي لازماً إذ قد أتى … في النظم والنثر الصحيح مثبتاً (٤) فعلى قراءة العامة ليست الآية مما نحن فيه، وهذه القراءة رجحها الطبري والبغوي وغيرهما لأن العطف على الضمير المجرور لا يكاد يوجد في كلام العرب إلا قليلاً ومعنى الآية على هذه القراءة: اتقوا الله واتقوا

стр. 675

الأرحام أن تقطعوها أو اتقوا الله في الأرحام كما نقله ابن جرير عن كثير من مفسري السلف (١). أما على قراءة الجر وهي أيضاً جائزة في اللغة على القول الصحيح كما ذهب إليه ابن مالك -يكون المعنى- واتقوا الله الذي إذا تساءلتم بينكم، قال السائل للمسؤول: أسألك به وبالرحم وهذا ليس من باب الإقسام على المخلوق بالمخلوق، بل هو من باب طلب إيفاء حق الرحم فهو تذكير لما يستحقه من صلة الرحم أو يقال: هو إخبار عما كانوا يقولونه، ولا يدل على جوازه في الشرع، والأول أولى. قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذا إخبار عن سؤالهم، وقد يقال إنه ليس بدليل على جوازه، فإن كان دليلاً على جوازه فمعنى قوله: أسألك بالرحم ليس إقساماً بالرحم -والقسم هنا لا يسوغ- لكن بسبب الرحم أي لأن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقاً. ومن هذا الباب ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن ابن أخيه عبد الله بن جعفر كان إذا سأله بحق جعفر أعطاه، وليس هذا من باب الإقسام، فإن الإقسام بغير جعفر أعظم بل من باب حق الرحم لأن حق الله إنما وجب بسبب جعفر، وجعفر حقه على عليّ" (٢). ومما يؤيد أن الآية على قراءة الجر ليست من باب الإقسام ما تقدم (٣) من النهي عن الحلف بغير الله تعالى واتفاق العلماء على عدم جواز الإقسام بغير الله تعالى. فلا يمكن حمل معنى الآية على أمر ورد النهي عنه واتفق العلماء على منعه.

стр. 676

الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤]، استدل بهذه الآية جماعة (١) على جواز طلب الدعاء من الرسول ﷺ وقالوا: الآية وإن وردت في أقوام معينين في حالة الحياة تعم بعموم العلة كل من وجد فيه ذلك الوصف في الحياة وبعد الموت، فتعم الحالتين الحياة والموت وقالوا: ويؤيد هذا حكاية العتبي وحكاية مالك مع المنصور وستأتي مناقشة هاتين الحكايتين إن شاء الله تعالى في مبحث الحكايات. الجواب: إن هذه الآية لا تدل على ما ادعوه لوجوه: ١ - أن الآية خاصة بحياة النبي ﷺ وذلك لأن الآية نزلت فيمن ترك الرسول ﷺ وذهب إلى الطاغوت وتحاكم إليه، فهذا أساء إلى الرسول ﷺ وترك حقاً من حقوقه واعتدى على حق الرسول ﷺ وهو التحاكم إليه. فهذا لا تتحقق توبته إلا بالمجيء إلى الرسول ﷺ والاعتراف بالخطأ بترك التحاكم إليه، ويدل على ذلك أن "لو" من حروف الشرط. وحرف الشرط يدل على أن وجود الجواب يتوقف على وجود الشرط، ففي هذه الآية قد اشترط الحصول التوبة مجيئهم إلى الرسول ﷺ واستغفارهم الله واستغفار الرسول ﷺ لهم، ومثل هذا الشرط لم يأت في الكتاب والسنّة لغير هذا الذنب فدل ذلك على أن ذنب التحاكم إلى غير الرسول ﷺ مع وجوده ليس إساءة إلى الله، فقط بل فيه اعتداء على حقوق الرسول ﷺ ولذا اشترط مجيئهم إلى الرسول ﷺ (٢).

стр. 677

٢ - ثم الخطاب في جاؤوك، يدل على حال الحياة لأنه لا يقال لمن جاء إلى قبر رسول الله ﷺ إنه جاء الرسول ﷺ وإنما يقال جاء قبر الرسول ﷺ . ٣ - قوله: "استغفر لهم" يدل على حال الحياة، لأن استغفار الرسول ﷺ لمن أتاه إنما يتحقق في حياته صلوات الله وسلامه عليه، وأما أنه يستغفر بعد موته لمن أتاه فهذا يحتاج إلى نص صحيح صريح وليس هناك نص صريح صحيح، وسيأتي مناقشة حديث عرض الأعمال الذي يدل على الاستغفار مع أن حديث العرض لو صح إنما يدل على عرض جميع أعمال الأمة وليس لمن جاءه فقط. ٤ - إن الصحابة رضوان الله عليهم لم يفهموا من الآية العموم مع أنهم أعلم الناس بمعاني القرآن ومراد الله تعالى به، إذ لو فهموا من الآية عمومها لحالتي الحياة والموت لطلبوا من النبي الله ﷺ بعد موته الاستغفار لهم وحل مشكلاتهم، فقد اختلفوا بعد لحوقه بالرفيق الأعلى - مباشرة في أمور مهمة للغاية مثل اختلافهم في محل دفنه وفي ميراثه وفي الخلافة، وحصلت لهم كروب وحروب مثل وقعة الجمل وصفين، وفي هذا ظلم بعضهم لنفسه، ومع هذا لم يأتوا إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه ولم يطلبوا منه لا استغفارًا ولا غيره، وقد كانوا في حياته يراجعونه فيما هو أقل من هذا بكثير فكان الرجل منهم يراجعه فيما يقع بينه وبين أهله، فلو فهموا العموم لأتوه ولو أتوه لنقل إلينا لأنه مما تتوافر الهمم على نقله - فدل تركهم الدائم على أنهم لم يفهموا من الآية العموم. وقد سبق لنا (١) أن الترك الراتب مع وجود المقتضي وعدم المانع سنة، وقد حصل هنا المقتضي وهو ظلم بعضهم لنفسه ولا مانع من الإتيان، فدل هذا على أن ترك المجيء سنة، فعلى هذا فلو قلنا: إن الآية عامة لزم منه أن خير القرون قد عطلوا هذا الواجب وأغفلوه حتى جاء

стр. 678

المتأخرون وعملوا به وهذا لا يقول به من يعرف البون الشاسع بين السلف والمتأخرين في الحرص على الخير، ومن المعلوم "أنه لا يجوز إحداث تأويل في آية، أو سنة، لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بيّنوه للأمة؛ فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه" (١). وبهذا اتضح أن من قال: إنها تدل على العموم فقد خالف بذلك "إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين فإن أحدًا منهم لم يطلب من النبي ﷺ بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم" (٢). ٥ - ثم إن المجيء إليه ﷺ في حياته لو دُعِيَ إليه مسلم ظلم نفسه ليستغفر له -وجب عليه المجيء مع القدرة لأن المنافقين هم الذين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥]. ولا يمكن أن نقول: كذلك فيمن دعي إلى قبره "ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه غير الحق" (٣). ونكتفي بهذا القدر لأن كثيرًا من المحققين المحققين (٤) قد بيّنوا عدم الآية على ما زعم هؤلاء بأوجه كثيرة فلا حاجة للتطويل. الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ

стр. 679

وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥]. قد استدل بهذه الآية بعضهم على مشروعية الاستغاثة بالصالحين وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد، والقسم على الله تعالى بهم وعلى الطلب من الموتى والغائبين دعاء الله تعالى. وقالوا: إن الوسيلة في الآية عامة تشمل التوسل بالذوات الفاضلة (١)، وفسر بعض هؤلاء المستدلين الوسيلة في الآية بأنها "كل ما جعله الله سببًا في الزلفى عنده ووصلة إلى قضاء الحوائج منه، والمدار فيها على أن يكون للوسيلة قدر وحرمة عند المتوسل إليه" (٢). الجواب عن هذه الآية على وجوه: أ - إننا قد ذكرنا فيما مضى (٣) معنى التوسل في اللغة والشرع وعبارات السلف، وليس من معناه اللغوي ولا الشرعي التوسل بهذا المعنى المحدث الذي هو التوسل بالذات، فلا يجوز حمل الآية على المعنى الذي لم يكن متعارفًا عليه وقت النزول، فلهذا لم نجد أحدًا من مفسري السلف فسر الآية بالتوسل بالذوات وستأتي قريبًا عباراتهم

стр. 680

وألفاظهم، فعلى هذا يكون تفسير الوسيلة في الآية بالتوسل بالذات -من التفسير بالرأي المجرد وهو مذموم كما هو معروف، ولهذا لم نجد أيضًا أحدًا ممن ألف في تفسير القرآن الكريم أو شرح معاني غريبه -ذكر هذا المعنى الذي هو التوسل بالذوات، وهذا كله يدل على أن الوسيلة في الآية هو التقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة التي يكتسبها الإنسان بنفسه لا بأمر خارج عنه أجنبي لا علاقة له به. ب - إن قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أمر بطلب الوسيلة إلى الله تعالى والأمر للوجوب إن لم يصرف بدليل آخر فلو قلنا: إن الوسيلة هنا تشمل التوسل بالذوات، لزم أن التوسل بالذوات واجب إذ لا صارف لهذا الأمر، وقد أجمع المسلمون على أن التوسل بالذوات غير واجب وإنما الخلاف في الجواز وعدمه ولم يقل باستحبابه إلا بعض المتأخرين بدون دليل، ولو طلبوا بالصارف الذي صرفه عن الوجوب لم يجدوا فثبت بهذا أنه غير مراد من الآية وليس داخلًا في عمومها. ج - إن هذا الأمر بطلب الوسيلة كان ينبغي للنبي ﷺ أن يبيّنه للأمة إما بقوله أو عمله وذلك عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ولم يثبت عن النبي ﷺ في حديث صحيح أو حسن أنه توسل بذاته الشريفة أو بالأنبياء أو الملائكة المقربين أو بصحابته في أدعيته الكثيرة المتواترة، والتي صنفت فيها المجلدات والتي فيها جميع أنواع صيغ الدعاء بأساليب شتى، فكيف يعقل ترك النبي ﷺ لبيان هذا الأمر الإلهي؟ د - إن الصحابة لم يطبقوا هذا الأمر الإلهي بالتوسل بالذوات في حياة النبي ﷺ وقت وقوعهم في الشدائد والعظائم، فلم ينقل أن السرايا والمسافرين منهم توسلوا به، فلو كانت الآية تعني ابتغاء الوسيلة بذوات الأنبياء لرأينا في أدعية الصحابة التي نقلت بألفاظ كثيرة، وفي مناسبات شتي، توسلهم بالنبي ﷺ ، وبكبار الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وباقي العشرة وأصحاب بدر وبيعة الرضوان، فكيف فاتهم هذا الفهم

стр. 681

لعموم الآية وأدركه المتأخرون؟ وقد ذكرنا فيما مضى أن الترك (١) الراتب مع وجود المقتضي وعدم المانع سنة متبعة كما قرره العلماء المحققون. هـ - إن الوسيلة التي أمرنا بابتغائها من العبادات والطاعات بلا شك ولا ريب والعبادات مبناها على التوقيف، ولم يأت نص صحيح صريح في كون التوسل بالذوات من الطاعات التي يتقرب بها إلى الله تعالى فإذا لم يأت نص فهو من البدعة وليس من الطاعات التي شرع لنا التعبد بها والتي أمرنا بابتغاء الوسيلة إلى الله بها. و- الآية تدل على عكس فهم هؤلاء، لأن فيها تقديم المعمول وهو يفيد الحصر فقد قدم الجار والمجرور وهو "إليه" على المتعلق به وهو "الوسيلة"، أي اطلبوا القربة إلى الله وحده لا إلى غيره، فالتوسل البدعي توجه إلى غير الله وتعليق للقلب بغير الله، وليس فيه حصر التوجه والتعلق على الله الذي تفيده الآية بتقديم الجار والمجرور، ويدل على أن التوسل البدعي ليس فيه حصر التوجه ما خافه الإمام النووي ﵀ من التوسل بالأعمال الصالحة، فإنه ذكر حديث الغار وتوسل الثلاثة بأعمالهم وإن العلماء استحبوا لمن وقع في شدة أن يدعو بصالح عمله عملًا بحديث الغار، ثم قال ﵀: "وقد يقال في هذا شيء لأن فيه نوعًا من ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى، ومطلوب الدعاء الافتقار"، ثم أجاب عن الاستشكال بأن النبي ﷺ صَوَّبَ أعمالهم فدل على جوازه (٢). فإذا كان مثل النووي ﵀ يخاف في التوسل المشروع عدم حصر الافتقار في الله تعالى، فكيف يكون الأمر في التوسل المبتدع؟ لا شك أن ترك الافتقار المطلق فيه أولى وأظهر.

стр. 682

ز - إن لفظ الوسيلة الذي ورد في هذه الآية هو مثل لفظ الوسيلة الذي ورد في آية الإسراء ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧]. ففي هذه الآية لا يمكن تفسير الوسيلة بما يشمل التوسل بالذوات لأن ذلك خلاف سياق الآية، فالآية تبين أن المدعوين أنفسهم يطلبون إلى الله الزلفى والقربة، ويرجون رحمته ويخافون عذابه فكيف أنتم تدعونهم مع هذا؟، بل اللائق بكم أن تدعوا وتطلبوا الزلفى إلى الله كما هم يطلبونها من الله تعالى وحده وهذا واضح من الآية بحمد الله تعالى فهي في نفي الواسطة إلى الله تعالى فيشمل ذلك التوسل البدعي، فكما أن الوسيلة في آية الإسراء لا تعم التوسل البدعي فكذلك لا تعمه في آية المائدة وخير ما فسر القرآن بالقرآن، ومن فرق بين المتماثلين فعليه البيان والبرهان، ولا برهان له إلا الاحتمالات الواهية والظنون الكاذبة. ح - إن الوسيلة التي أمرنا بابتغائها لا بد أن يبينها الله لنا في كتابه لأنها مما يقربنا إليه وهي من الدين، وقد قال تعالى في أول هذه السورة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فإذا لم يرد في القرآن الكريم كله التوسل بالذوات ولا مرة واحدة، ولم يحك الله لنا هذا التوسل في أدعية الأنبياء والصالحين وابتهالاتهم ومناجاتهم مع الله تعالى وهي كثيرة جدًا في القرآن الكريم، دل ذلك على أن هذا التوسل ليس مما يقربنا إلى الله تعالى وليس من الدين في شيء وليس من أدعية الأنبياء والصالحين، فثبت أنه محدث في الدين وأنه ليس مرادًا من الآية. فثبت بما تقدم - ولله الحمد - أن معنى الآية: ليس في التوسل بذوات الصالحين وإنما معناها تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه كما

стр. 683

قاله قتادة وأبو وائل وعطاء ومجاهد والحسن وعبدالله بن كثير (١)، وقاله حذيفة أيضًا (٢) ويرجع إلى هذا المعنى تفسير (٣) عبد الرحمن بن زيد الوسيلة بالمحبة، أي تحببوا إلى الله أي تقربوا إلى الله بطلب رضاه ومحبته، وكذلك تفسير السدي (٤) بالمسألة والقربة لأن المعنى اطلبوا منه المسألة والقربة ولا تسألوا غيره. وكذلك ما روي عن ابن عباس (٥) أنه فسرها بالحاجة، أي اطلبوا منه الحاجة ولا تطلبوا من غيره، قال الألوسي: "وكأن المعنى حينئذ اطلبوا متوجهين إليه حاجتكم فإن بيده عز شأنه مقاليد السموات والأرض، ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره فتكونوا كضعيف عاذ بقرملة" (٦). فكل هذه المعاني في إخلاص الطاعة لله وإفراده بالمحبة والسؤال والحاجة وليس فيها ما يدل على طلب الحاجة من الله بواسطة الذوات، ثم إن هذه المعاني متقاربة فلذا قال ابن كثير بعد أن حكى تفسيرها بالقربة: "وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه (٧).

стр. 684

ويدل على أن هذه المعاني مآلها واحد أن ابن جرير الطبري فسر الوسيلة بالقربة ثم قال: "وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل"، ثم ساق أقوال من فسرها بالقربة والمسألة والمحبة استدلالًا على أنها مثل تفسيره (١). وصنع القرطبي مثل صنع الطبري أيضًا (٢). وذلك أن مفسري السلف قد يقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم له اختلافًا، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في أكثر الأماكن (٣). وبما تقدم من تفسير السلف وعلماء التفسير للوسيلة في الآية بما حاصله التقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، يعلم ما في قول بعضهم في تعريف الوسيلة: "كل ما جعله الله سببًا في الزلفى عنده ووصلة إلى قضاء الحوائج منه". ثم هنا أمر آخر وهو أن الخلاف في جعل الله التوسل بالذوات سببًا للزلفى عنده، فهو مورد النزاع فيحتاج إلى دليل خارجي يثبت أنه سبب للزلفى ووصلة إلى قضاء الحاجات، لأن الأسباب الشرعية لا بد من ثبوتها بالأدلة وإلا لجعل الناس أسبابًا للقربات من عند أنفسهم وادعوا أنها أسباب (٤).

стр. 685

والأسباب الشرعية للتقرب إلى الله ولقضاء الحاجات معروفة في الكتاب والسنّة، والتوسل البدعي ليس منها، فمن ادعى أنه منها فعليه البيان بالأدلة الثابتة الصحيحة التي تدل على أن الله تعالى جعل التوسل بالذوات سببًا لقضاء الحاجات، ولا يقبل ذلك بالادعاء لأنه أمر شرعي تعبدي فلا بد من النص الواضح على أنه سبب، ولا يكفي في كون الشيء سببًا يتوسل به إلى الله تعالى أن يكون له قدر وحرمة عند المتوسل إليه، وذلك لأن المتوسل إليه إذا لم يأمرنا بأن نتقرب إليه بذلك الذي له قدر وحرمة عنده يكون التوسل إليه من إساءة الأدب إليه، ومن الافتئات عليه لاسيما وقد بيّن لنا ما نتوسل به إليه وسكت عن هذا من غير نسيان، ثم إن فيه اتهامًا له بعدم النصح لنا بعدم البيان لما فيه الخير لنا أو التقصير في ذلك وحاشا الشارع الحكيم من ذلك. ثم إن هذا الكلام فتح لباب الشرك الذي أمرنا بسد الذرائع إليه، إذ أصل شرك العالم هو بسبب ادعاء الواسطة بين الله وبين خلقه وادعاء الحرمة والقدر عند الله للمعبودين، فثبت بهذا أن المدار في جواز التوسل وعدمه ليس على الحرمة والقدر، وإنما المدار على الشرع، فما أجازه الشرع وجعله سببًا للتوسل جاز، وما لم يرد في الشر، لا يكون سببًا للتوسل لأن المدار على الاتباع لا على القياس والاستحسان. ط - ويقال أيضًا: إن الآية الكريمة تحث على تقوى الله تعالى والتقرب إليه بما يرضاه من الأعمال الصالحة، كما تحث على الجهاد في سبيله، وهذه الأمور كلها الهدف منها النفع الأخروي الآجل، وليس في سياق الآية ما يدل من قريب ولا من بعيد على طلب النفع الدنيويّ العاجل، أو التقرب إليه بالذوات لطلب النفع العاجل، فالآية فيما هو أسمى من ذلك الذي هو الأمر الأخروي فقوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يكتنفه الأمر بالتقوى والأمر بالجهاد ثم هو مذيل بتعليل ذلك بأنه يؤدي إلى الفلاح، وهذا السياق كله يدل على أن المقصود من الآية الأمر الأخروي والله أعلم.

стр. 686

ويؤيد هذا الوجه الأخير ما ذكره شيخ الإسلام من أن قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ معطوف على قوله: ﴿اتقوا الله﴾ وأنه من باب عطف الخاص على العام فيكون ابتغاء الوسيلة من تمام تقوى الله تعالى، وأن الفائدة من ذكر الخاص بعد العام هو ما في الخاص من مزية تستحق التنويه بها (١). ولا يمكن لأحد أن يدعي أن التوسل بالذوات له مزية على غيره من أنواع الطاعات التي يحصل بها تقوى الله تعالى. الآية السادسة: قوله تعالى في قصة سليمان ﵇: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ [النمل: ٣٨]. استدل بها بعضهم (٢) على جواز طلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى من المخلوق. الجواب عن هذا على وجوه: ١ - إن سليمان ﵇ عندما طلب من الملأ الذين معه - كان فيهم الجن والشياطين وهم آتاهم الله تعالى قدرة يستطيعون إحضار مثل هذا وقد سخرهم الله له. قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء: ٨٢] وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ … ﴾ [سبأ: ١٣]، وقال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ [ص: ٣٧]، فهو قد طلب منهم ما يقدرون عليه فلم يطلب ما لا يقدرون عليه. ٢ - ثم (٣) إن القصة من أدلة التوحيد لأن الرجل الذي عنده علم من

стр. 687

الكتاب توسل إلى الله بتوحيده وإلاهيته وكرر ذلك في دعائه، وقد روي (١) أنه يعرف الاسم الأعظم فهو طالب من الله راغب إليه سائل له، وقد روي أنه قال: "يا ذا الجلال والإكرام" أو قال: "يا إلهنا وإله كل شيء إلهًا واحدًا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها"، وقيل إنه توضأ وصلى ركعتين ودعا الله تعالى ولم يدع سليمان ولا توسل به ولا بالأنبياء السابقين بل توجه إلى الله تعالى بالدعاء والصلاة. ٣ - ثم إن سليمان ليس داعيًا بل هو آمر وقد ذكرنا الفرق بين المعنيين فيما تقدم (٢)، وذلك لأن سليمان ﵇ ملك يأمر رعيته بما يقدرون عليه وهكذا حال الملوك وغيرهم، خصوصًا إذا كان مما يحبه الله ويرضاه … ٤ - ثم إن هذا من باب طلب الدعاء من الحي الحاضر لا سيما إذا كان معروفًا بإجابة الدعاء، فإن الرجل قيل: إنه كان يعرف الاسم الأعظم الذي إذا دعى الله به أجاب ولا يشترط في طلب الدعاء أن يكون المطلوب منه أفضل من الطالب، كما في طلب النبي ﷺ من عمر إشراكه في الدعاء وطلب عمر من العباس الاستسقاء وأمر النبي الله ﷺ لعمر بطلب الاستغفار من أويس القرني (٣)، وبهذا علم أن هذا ليس من الطلب من الغائب ولا من الميت وإنما من الحاضر. ٥ - ثم إن هذا الأمر من سليمان يمكن أن يكون بوحي من الله لأنه نبي يعمل ما يعمله بالوحي، وقد يريد الله تعالى إظهار فضل أتباع نبيه سليمان ﵇ وإظهار كرامتهم عند الله تعالى، فيأمر سليمان بأن يأمر الحاضرين بالتسابق في تقديم الدعاء إلى الله تعالى فمنهم

стр. 688

الجن والشياطين ومنهم الإنس، ففي قبول الدعاء من أتباع النبي كرامة لهذا التابع كما أنه من جهة معجزة للرسول المتبوع. فهذه القصة تحتمل أن تكون بوحي فلهذا لا يمكن القياس عليها. ٦ - ثم إن هذه القصة قد وقعت في شريعة غير شريعتنا، ومن المعلوم أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إلا فيما وافق شرعنا، وقد علم قطعًا في شرعنا أنه لا يجوز طلب ما لا يقدر عليه إلا الله إلا من الله تعالى. الآية السابعة: قوله تعالى في حق موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]. احتجوا (١) بهذه الآية على جواز الاستغاثة بالأموات والغائبين، كما احتجوا أيضًا بالأحاديث الواردة في مطلق الاستغاثة والإعانة، مثل ما ورد في حديث (٢) الشفاعة الكبرى: "فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ﷺ (٣) وحديث (٤) ابن عباس في قصة هاجر من قولها: "أغث إن كان عندك غواث" (٥)، وما روي (٦) أن جبريل قال لإبراهيم عليهما

стр. 689

السلام لما ألقي في النار ألك حاجة فقال أما إليك فلا (١). قالوا: وهذه الأمور فيها الاستغاثة بغير الله تعالى. الجواب (٢): ١ - إن هؤلاء الذين يذكرون ما تقدم على أحد احتمالين: إما أنهم لم يفهموا الاستغاثة الممنوعة من المباحة ولم يستطيعوا التمييز بينهما، وإما أنهم يتعمدون التشويش وتلفيق الحجج والشبهات، وعلى كل فنقول جوابًا لهذا ولذاك سائلين الله تعالى التوفيق. ٢ - إن الاستغاثة على قسمين جائزة وممنوعة. فالجائزة: الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه، وهي ما كان "في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال، أو إدراك عدو، أو سبع أو نحوه، كقولهم يا لَزَيْدٍ يا للمسلمين كما ذكروا ذلك في كتب النحو" (٣). وأما القسم الممنوع فهو أن يستغاث بالمخلوق الحاضر فيما لا يقدر، وكذلك بالغائب أو الميت فيما يقدر عليه حيًا ولا فيما لا يقدر. فالاستغاثة الممنوعة محصورة بالاستغاثة بالقوة والتأثير الغيبي أو في الأمور المعنوية من الشدائد، كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه (٤).

стр. 690

فهذه الاستغاثة من خصائص الله تعالى لا يطلب فيها غيره، والسبب في منع الاستغاثة بغير الله في هذا لأن "ما لا يقدر عليه من الأمور العامة الكلية كهداية القلوب ومغفرة الذنوب، والنصر على الأعداء، وطلب الرزق من غير جهة معينة والفوز بالجنة والإنقاذ من النار ونحو ذلك غايةٌ في القصد والإرادة، فسؤاله وطلبه غاية في السؤال والطلب، وفي ذلك من الذل وإظهار الفاقة والعبودية ما لا ينبغي أن يكون لمخلوق أو يقصد به غير الله" (١). وقد تقدم (٢) ذكر ما يبين في مبحث مراتب الدعاء غير المشروع، فاتضح مما سبق أن ما استدلوا به كله من القسم الأول الجائز فإن موسى ﵇ في المثال الأول قادر على إغاثة الرجل الذي استغاث به وهو حي حاضر، ومثل ذلك ما ورد في أحاديث الشفاعة فإن الأنبياء حاضرون مع الناس فيطلبون منهم الدعاء والشفاعة، وذلك في مقدورهم، ومما يدل على ذلك دلالة واضحة أن الناس يذهبون إليهم واحدًا بعد واحد، فلو كان من الاستغاثة المدعية لما تجشموا الذهاب في ذلك الموقف الحرج بل اكتفوا بذكر أسمائهم أو ندائهم والصراخ بأسمائهم بدون أن يحضروا عندهم ويتجشموا الذهاب إليهم. فدل هذا على أن هذه الاستغاثة من باب طلب الدعاء من الحي الحاضر، ومن النوع استغاثة هاجر فإنها لما سمعت صوتًا طلبت من صاحب الصوت أن يغيثها وهو حاضر قريب إليها. وأما ما روي في قصة إبراهيم على فرض صحته فإنه أيضًا من هذا النوع، فإن جبريل شديد القوى كما وصفه الله يقدر على إغاثة إبراهيم وإلقائه خارج النار، أو إلقاء النار في مكان بعيد.

стр. 691

الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٣٤، الشورى: ٢٢]. استدل (١) بهذه الآية بعضهم على جواز دعاء الأولياء في قبورهم، أي أن الأولياء إذا أرادوا شيئًا في قبورهم وطلبوه من الله فلا بد أن يحصل ويتحقق فإذا كان الأمر كذلك فإذا دعاهم أحد فإنهم يشاءون له الإجابة. الجواب عن هذا بوجوه: ١ - يلزم على تفسير الآية بقول هؤلاء الذين فسروها بالمشيئة المطلقة للأولياء أن الأولياء في قبورهم لهم التصرف المطلق في الكون، فهم لا يشاؤون أيّ شيء إلا كان، ولا يقول بهذا مسلم لأن المشيئة المطلقة ليست إلا الله تعالى. ٢ - إن الآية ليست في الأولياء فقط بل تشمل جميع المؤمنين كما يدل عليه أول الآية في سورة الشورى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الآية: ٢٢]، وفي سورة الزمر أيضًا في جميع المؤمنين كما رجحه ابن جرير الطبري مستدلًا بمقابلة هذه الآية بالآية التي قبلها ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ [آية: ٣٢]، وبقوله: ﴿أولئك المتقون﴾ [آية: ٣٣]، وبقراءة من قرأ (والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به) (٢). فإذا ثبت أن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الموضعين عام لكل المؤمنين يلزم على قولهم أن كل المؤمنين لهم المشيئة المطلقة في القبور ويتصرفون في الإجابة فيجوز دعاؤهم لقضاء الحاجات وتفريج الكربات.

стр. 692

وهؤلاء يخصون الدعاء بالأولياء فقط ولا يقولون بذلك في عامة المؤمنين. ٣ - إن هذا التفسير خلاف الأدلة الصحيحة، فقد دلت النصوص الصحيحة أن الميت ليس له تصرف في الأمور الدنيوية، وليس لمشيئته تأثير على ما يجري في الدنيا. ٤ - سياق الآية يدل على أنها جزاء في الجنة وليس في القبور، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ في آية الشورى، كما يدل على ذلك مقابلة هؤلاء الصنف المصدقين بالمكذبين الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ فكما أن هذا يقع في الآخرة فكذلك الآخر. ٥ - ثم لو سلمنا جدلًا أن المراد من الآية أن لهم المشيئة المطلقة في القبر يلزمنا أنهم يعلمون ما يجري في الدنيا وهذا يخالف النصوص وتأتي تلك النصوص في حديث عرض الأعمال. ٦ - إن التفسير الصحيح للآية هو ما تدل عليه آيات أخر مثل هذه الآية تمامًا وهي واضحة أن هذه المشيئة هي في الجنة وأنهم ما يشاءون ويشتهون شيئًا إلا حصل لهم، ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣١ - ٣٥] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ [الفرقان: ١٥، ١٦]. فهاتان الآيتان في الجنة بدون شك ولا ريب، فكذا الآية التي احتجوا بها، فكل هذه الآيات في الجنة لا في البرزخ، ومثل هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]. فتبين مما سبق أن المراد من الآية ليس مشيئة مطلقة وإنما هي مشيئة

стр. 693

خاصة بما يشتهونه في الجنة، ودل على هذه الآيات الأخرى والسياق وأقوال المفسرين. فقد فسر ابن جرير (١) وابن كثير (٢) والقرطبي (٣) وغيرهم الآية بالطلب في الجنة بعد قيام الساعة، ولم نطلع على أحد فسرها بما يدل على الطلب أيام البرزخ في القبر، فيكون تفسيرها بذلك من التفسير بالرأي المذموم الذي نهينا عنه كما يكون أيضًا مخالفًا لسياق الآية. قال الشيخ محمد صديق حسن خان ﵀ في رد هذه الشبهة: "إن ذلك وعد لهم والله لا يخلف الميعاد وهذا لهم في الآخرة كما صرحت به الآيات والأحاديث ودعوى العموم بعيدة محالة، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن … " (٤). الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]. قد احتجوا بهذه الآية على دعاء الموتى وندائهم بالحوائج، وقالوا هي الأرواح الفاضلة فإنها إذا فارقت البدن يظهر لها آثار في أحوال هذا العالم فهي المدبرات أمرًا، فإن الإنسان قد يرى شيخه في المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها (٥).

стр. 694

الجواب: ١ - إن هذا التفسير من التفسير بالرأي المجرد المذموم لأنه لم يرد عن مفسري السلف ولا يدل عليه نظم القرآن وسياقه. ٢ - قد فسر علماء التفسير من السلف المدبرات بالملائكة ولم يختلفوا في ذلك، وإنما اختلفوا في تفسير النازعات والناشطات والسابحات والسابقات، وأما المدبرات فلم يختلفوا في تفسيرها بالملائكة، قال ابن كثير ﵀: "قال علي ومجاهد وعطاء وأبو صالح والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي هي الملائكة، زاد الحسن تدبر الأمر من السماء إلى الأرض يعني بأمر ربها ولم يختلفوا في هذا" (١)، فعلى هذا فلا يجوز إحداث تفسير لم يذهبوا إليه لأن ذلك يعد مخالفة لاتفاقهم. ٣ - ثبت أن المراد من المدبرات هي الملائكة التي تدبر الأمور الكونية بأمر الله تعالى، ومع تدبيرها للكون لا يجوز دعاؤهم ولا الاستغاثة بهم. لأننا نعلم أن الملائكة يدعون لنا بالاستغفار ومع ذلك لا نطلب منهم ذلك، لأن ذلك إنما يكون منهم بالأمر الكوني لا يزيد بسؤال سائل (٢)، وفي هذا رد لما نقل عن بعضهم من القول بأن رفع اليدين إلى السماء في الدعاء لأجل دعاء الملائكة (٣) فالملائكة لا يدعون من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. وجاء تفسيرها بالملائكة كما سيأتي (٤).

стр. 695

٤ - ثم إن القول بأن أرواح الموتى هي المدبرة للأمور فيه خطورة بالغة وفتح لباب الشرك على مصراعيه، وهل عبدت الأصنام إلا بمثل هذا، بل لا يعتقد أكثر عباد الأصنام لها التدبير استقلالًا كما سيأتي (١)، فاعتقاد التدبير للأموات من أشنع المسائل التي صرّح بها بعض من ينتسب إلى الإسلام وهي من أقوال الصابئة وبعض الفلاسفة الذين يعتقدون تأثيرًا وارتباطًا لأرواح الموتى بالأحياء، ولا يتصور من مسلم أن يتفوه بمثل هذا مع وضوح مناقضته لبديهيات الإسلام، فالقول بهذا مع مناقضته للإسلام "رجوع إلى عبادة الملائكة والنجوم والأنفس المفارقة وهذا حقيقة دين الصابئة" (٢). وبهذه الآية نصل إلى الانتهاء من ذكر أهم الآيات التي احتجوا بها والإجابة عليها بما يوضح أنها لا تدل على مقصودهم بل هي على نقيض قصدهم. ومن هنا نقول: إننا لم نجد لهم دليلًا صريحًا من الكتاب العزيز يدل لما ذهبوا إليه من جواز دعاء غير الله تعالى من الأموات والغائبين أو التوسل بهم. والآن نبدأ في عرض ما بقي من حججهم من السنة الصحيحة والإجابة عليها وبالله التوفيق.

стр. 696

المبحث الثاني في مناقشة بعض ما احتجوا به من السنة الصحيحة ومن الأحاديث الصحيحة التي استدلوا بها: ١ - ما رواه أنس بن مالك ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون" (١). قد احتج بهذا الحديث طائفة (٢) ممن أجازوا السؤال بالذوات، والاستشفاع بها، أو استحبوا ذلك ومنهم من احتج به على جواز الاستغاثة بغير الله تعالى.

стр. 697

الجواب كالآتي: إن هذا الحديث ليس من التوسل بالذوات والسؤال بها. وإنما هو من التوسل المشروع وهو طلب الدعاء من الحي الحاضر، ويدل على ذلك أمور: ١ - إن علماء السلف فهموا من هذا الحديث التوسل المشروع، ويدل لذلك صنيع الإمام البخاري (١) رحمه الله تعالى فقد بوّب لهذا الحديث بقوله: "باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا" وأورد تحت هذا الباب هذا الحديث وحديث ابن عمر ﵄. ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل وقد اعترض (٢) على البخاري بعضهم، لإيراد هذين الحديثين تحت الباب المذكور لأن الحديثين في نظر المعترض ليس فيهما ما يدل على طلب الاستسقاء من الإمام، وعند التأمل يظهر دقة استنباط البخاري وصحته وأن الحديثين يدلان على سؤال الناس الإمام الاستسقاء ولا صحة لاعتراض من اعترض عليه، والسبب في هذا الاعتراض أن لفظ التوسل قد دخل فيه لبس وخلط فمفهومه في لغة الصحابة غير مفهومه عند المتأخرين. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "ولفظ التوسل والاستشفاع ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول

стр. 698

وأصحابه ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم" (١). وذلك لأن التوسل والتوجه ونحوهما لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة، فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته، ودعاؤه وشفاعته ﷺ من أعظم الوسائل عند الله . وأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى ويقسم عليه بذاته (٢)، فالمعنى الصحيح لقول عمر ﵁: "كنا نتوسل بنبينا فتسقينا" -كنا نطلب منه الدعاء والشفاعة ونطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته "ونحن نقدمه بين أيدينا شافعاً وسائلاً لنا -بأبي هو وأمي ﷺ فإنه كان يدعو للمتوسل به المستشفع به، والناس يدعون معه" (٣). وليس معناه أننا نذكر اسمه في الدعاء مع غيبته كأن يقال: اللهم إنا نسألك بحرمة نبيك وجاهه. .. إلخ. ٢ - إن الثابت في الأحاديث الصحاح أن الصحابة كان توسلهم في حياة النبي ﷺ في الاستسقاء وغيره -بطلب الدعاء منه، وذلك كما في حديث أنس وعائشة ﵄، بل قد ثبت أن الكفار كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ فكانوا يطلبون منه الدعاء ليسقيهم الله تعالى، كما في حديث ابن مسعود ﵁. فحديث أنس هو ما رواه البخاري ومسلم عن أنس، أن رجلاً دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر، ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله ﷺ قائماً فقال: يا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا

стр. 699

قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئاً … (١). وأما حديث عائشة ﵂ فهو قولها: "شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه قالت: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم … " (٢). فقد صرح في الحديث أنهم شكوا إليه تأخر المطر وهذه الشكوى لأجل أن يدعو النبي ﷺ . فالصحابة لم يكونوا يتوسلون بذكر اسمه فقط بدون أن يدعو لهم النبي ﷺ وبدون أن يعلمه وبدون أن يحضروا عنده. وأما توسل الكفار واستشفاعهم بالنبي ﷺ فقد أخرجه البخاري تحت باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط من طريق مسروق قال: أتيت ابن مسعود فقال: "إن قريشاً أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي ﷺ فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الأرحام، وإن قومك هلكوا فادع الله … فدعا

стр. 700

رسول الله ﷺ فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعاً وشكا الناس كثرة المطر فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانحدرت السحابة عن رأسه فَسُقُوا الناسُ حولهم" (١). فدلت هذه الأحاديث على أن التوسل المعهود في حياة النبي ﷺ هو المجيء إليه وطلب الدعاء منه وهذا يفسر التوسل الوارد في كلام عمر ﵁: "كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا" فكما أن قوله الأول نتوسل إليك بنبينا يحمل على هذا كما دلت عليه هذه الأحاديث، يحمل قوله: "وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" على التوسل المعهود بينهم وهو طلب الدعاء من الحي الحاضر الذي يدعو، قال شيخ الإسلام: والصحابة ﵃ "كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبي ﷺ واستسقاءه، لم ينقل عن أحد منهم أنه كان في حياته ﷺ سأل الله تعالى بمخلوق لا به ولا بغيره، لا في الاستسقاء ولا غيره" (٢). ٣ - ويدل لهذا أيضاً ما رواه عبد الرزاق من طريق عكرمة عن ابن عباس: "أن عمر استسقى بالمصلى فقال للعباس: قم فاستسق فقام العباس فقال: اللهم إن عندك سحاباً وإن عندك ماء .. اللهم شفعنا في أنفسنا وأهلينا، اللهم إنا شفعنا إليك عمن لا منطق له عن بهائمنا، وأنعامنا، اللهم لا نرغب إلا إليك وحدك لا شريك لك … " (٣). ففي هذا تصريح بطلب عمر من العباس ﵄ الدعاء،

стр. 701

وهو التوسل المشروع ولم يكتف عمر بذكر اسم العباس في الدعاء فقط، بل طلب منه الدعاء، ثم إن قول العباس فشفعنا في أنفسنا إلخ يدل على أن كل الحاضرين مشتركون في الدعاء وأنهم يشفعون في أنفسهم وأهليهم كما يشفعون عن البهائم. ثم إن قوله لا نرغب إلّا إليك يؤكد إفراد الله تعالى بالرغبة والسؤال وهذا كله يدل على أن التوسل الوارد في قول عمر معناه طلب الدعاء من الحي الحاضر. ٤ - كما يشهد لذلك أيضاً ما ورد في بعض طرق الحديث عن أنس قال: "كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا به، فيستسقي لهم فيسقون فلما كان في إمارة عمر" (١). فهذا واضح في طلب الدعاء منه ﷺ ، وكذلك العباس إنما طلب منه عمر الدعاء فكلمة استسقوا السين والتاء فيها للطلب أي طلبوا منه الدعاء بالسقيا. ٥ - ومما يشهد لذلك أيضاً صيغة ما دعا به العباس حين طلب منه عمر فإنه قال: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث" (٢). فلو كان توسل عمر بالذات لما دعا العباس ولسكت لأنَّه يكفي توسل عمر بذاته بل يكفي عدم حضور العباس معهم بذاته، فيكتفي بذكر

стр. 702

اسم العباس في الدعاء بدون أن يدعو العباس وبدون أن يحضر كما يفعله المتأخرون. ٦ - إن هذا التوسل لو كان توسلاً بالذات لما عدل عمر والصحابة عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بالعباس، وكان يمكنهم أن يأتوا قبر النبي ﷺ فيتوسلوا به أو يقولوا وهم في الصحراء: اللهم إنا نسألك بجاه نبيك أو نحوه ولكنهم عدلوا عن هذا إلى التوسل بالعباس. ولا شك أنهم أعلم منا بما أمر الله به ورسوله من الأدعية وغيرها وما هو أقرب إلى الإجابة. فدل هذا العدول عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول على أن التوسل بالأفضل لم يكن ممكناً (١). وقد ذكرنا فيما سبق (٢) أن من القواعد الأصولية المقررة أن الترك الراتب مع وجود المقتضي وعدم المانع -يدل على أن الترك سنة وأن خلافه بدعة. ومما يدل على أن الصحابة يرون أن ترك التوسل بالنبي ﷺ هو السنة أنهم لم يكونوا في حياته يتوسلون بغيره مع حضوره معهم، فلو كان التوسل به مشروعاً بعد موته لما عدلوا عنه. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "فلو كان توسلهم به في مماته كتوسلهم به في حياته لكان توسلهم به أولى من توسلهم بعمه العباس ويزيد وغيرهم. فهل كان فيهم في حياته من يعدل عن التوسل به والاستشفاع إلى التوسل بالعباس وغيره؟ وهل كانوا وقت النوازل والجدب يَدَعُونه، ويأتون

стр. 703

العباس أم هل يفعل هذا مؤمن؟ فلو كان التوسل به في مماته كما كان في حياته لزم أن يكون المهاجرون والأنصار إما جاهلين بهذه التسوية وهذا الطريق أو أنهم سلكوا في مطلوبهم أبعد طريق، وكلاهما لا يصفهم به إلا من كان من جنس الرافضة الأراذل القادحين في أولئك الأفاضل. ثم سلف الأمة وأئمتها سلكوا سبيل الصحابة في التوسل في الاستسقاء بالأحياء الصالحين الحاضرين. ولم يذكر أحد منهم ذلك التوسل بالأموات لا من الرسل ولا من الأنبياء ولا من الصالحين" (١). وأما جواب من (٢) قال: إن عمر ﵁ فعل ذلك للإشارة إلى جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل. فيقال في (٣) جوابه: ١ - إنه يمتنع في العادة أن يلجأ المضطر في حالة الشدة إلى المشكوك فيه مع وجود من يتيقن إجابة دعائه، فالمضطر يلجأ إلى أعظم من يخلصه وينسى غيره. ويدل لهذا صنيع المشركين في الشدة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]. قال شيخ الإسلام على لسان الصحابة: "فلم نعدل عن الأمر المشروع … وفي ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل وسؤال الله بأضعف السببين، مع القدرة على أعلاهما ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة الذي يضرب به المثل في الجدب" (٤).

стр. 704

٢ - ثم إن بيان الجواز يكفي فيه المرة الواحدة وقد تكرر من عمر هذا كما تدل عليه كلمة "كان". ٣ - ثم إن هذا العدول ليس من عمر فقط بل فعله معاوية أيضاً حيث استسقى بيزيد بن الأسود، فقد روي عن سليم بن عامر الخبائري. "أن السماء، قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس فأقبل يتخطى الناس فأمره معاوية فصعد المنبر فقعد عند رجليه فقال معاوية: "اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله فرفع يزيد يديه ورفع الناس أيديهم. فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم" (١). وقد صحح إسناد هذا الأثر الحافظ في التلخيص والإصابة (٢)، وكذلك فعل الضحاك بن قيس استسقى بيزيد بن الأسود (٣)، فلا يمكن أن يقال: إن معاوية والضحاك فعلا أيضاً لبيان الجواز، فاجتماع هؤلاء الثلاثة إلى العدول عن النبي ﷺ وعدم إنكار أحد من الصحابة عليهم يدل على أن العدول هو المشروع. وهناك رواية أخرى في استسقاء معاوية بأبي مسلم الخولاني (٤).

стр. 705

وأما من (١) أجاب عن عدول عمر ﵁ إلى العباس بأن ذلك - مبالغة من عمر في التوسل برسول الله ﷺ ما استطاع وذلك لقرابته من رسول الله ﷺ ، فيقال في جوابه: إن هذا يمكن أن يكون سبباً في تخصيص العباس دون غيره من الصحابة ولا يكون سبباً للعدول (٢). ثم يعترض عليه بأن التعليل بالقرابة لا يمكن في صنيع معاوية والضحاك فليست العلة مطردة. وكذلك إجابة (٣) من أجاب بأن ذلك للاقتداء بالنبي ﷺ في إكرام العباس وإجلاله، واحتج بما روي من طريق داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: "استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فخطب عمر فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله ﷺ واتخذوه وسيلة إلى الله … " (٤). وهذه الرواية فيها عدة علل (٥) وعلى فرض ثبوتها فإنما تدل على سبب التخصيص فقط، ولا تدل على سبب العدول المتنازع عليه. كما أن هذا يعترض عليه بقصة معاوية والضحاك -فلا يمكن أن
следующие страницы →