وهو التوسل المشروع ولم يكتف عمر بذكر اسم العباس في الدعاء فقط، بل طلب منه الدعاء، ثم إن قول العباس فشفعنا في أنفسنا إلخ يدل على أن كل الحاضرين مشتركون في الدعاء وأنهم يشفعون في أنفسهم وأهليهم كما يشفعون عن البهائم.
ثم إن قوله لا نرغب إلّا إليك يؤكد إفراد الله تعالى بالرغبة والسؤال وهذا كله يدل على أن التوسل الوارد في قول عمر معناه طلب الدعاء من الحي الحاضر.
٤ - كما يشهد لذلك أيضاً ما ورد في بعض طرق الحديث عن أنس قال: "كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا به، فيستسقي لهم فيسقون فلما كان في إمارة عمر" (١).
فهذا واضح في طلب الدعاء منه ﷺ ، وكذلك العباس إنما طلب منه عمر الدعاء فكلمة استسقوا السين والتاء فيها للطلب أي طلبوا منه الدعاء بالسقيا.
٥ - ومما يشهد لذلك أيضاً صيغة ما دعا به العباس حين طلب منه عمر فإنه قال: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث" (٢).
فلو كان توسل عمر بالذات لما دعا العباس ولسكت لأنَّه يكفي توسل عمر بذاته بل يكفي عدم حضور العباس معهم بذاته، فيكتفي بذكر
стр. 702
اسم العباس في الدعاء بدون أن يدعو العباس وبدون أن يحضر كما يفعله المتأخرون.
٦ - إن هذا التوسل لو كان توسلاً بالذات لما عدل عمر والصحابة عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بالعباس، وكان يمكنهم أن يأتوا قبر النبي ﷺ فيتوسلوا به أو يقولوا وهم في الصحراء: اللهم إنا نسألك بجاه نبيك أو نحوه ولكنهم عدلوا عن هذا إلى التوسل بالعباس.
ولا شك أنهم أعلم منا بما أمر الله به ورسوله من الأدعية وغيرها وما هو أقرب إلى الإجابة.
فدل هذا العدول عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول على أن التوسل بالأفضل لم يكن ممكناً (١).
وقد ذكرنا فيما سبق (٢) أن من القواعد الأصولية المقررة أن الترك الراتب مع وجود المقتضي وعدم المانع -يدل على أن الترك سنة وأن خلافه بدعة.
ومما يدل على أن الصحابة يرون أن ترك التوسل بالنبي ﷺ هو السنة أنهم لم يكونوا في حياته يتوسلون بغيره مع حضوره معهم، فلو كان التوسل به مشروعاً بعد موته لما عدلوا عنه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:
"فلو كان توسلهم به في مماته كتوسلهم به في حياته لكان توسلهم به أولى من توسلهم بعمه العباس ويزيد وغيرهم.
فهل كان فيهم في حياته من يعدل عن التوسل به والاستشفاع إلى التوسل بالعباس وغيره؟ وهل كانوا وقت النوازل والجدب يَدَعُونه، ويأتون
стр. 703
العباس أم هل يفعل هذا مؤمن؟ فلو كان التوسل به في مماته كما كان في حياته لزم أن يكون المهاجرون والأنصار إما جاهلين بهذه التسوية وهذا الطريق أو أنهم سلكوا في مطلوبهم أبعد طريق، وكلاهما لا يصفهم به إلا من كان من جنس الرافضة الأراذل القادحين في أولئك الأفاضل. ثم سلف الأمة وأئمتها سلكوا سبيل الصحابة في التوسل في الاستسقاء بالأحياء الصالحين الحاضرين.
ولم يذكر أحد منهم ذلك التوسل بالأموات لا من الرسل ولا من الأنبياء ولا من الصالحين" (١).
وأما جواب من (٢) قال: إن عمر ﵁ فعل ذلك للإشارة إلى جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل.
فيقال في (٣) جوابه:
١ - إنه يمتنع في العادة أن يلجأ المضطر في حالة الشدة إلى المشكوك فيه مع وجود من يتيقن إجابة دعائه، فالمضطر يلجأ إلى أعظم من يخلصه وينسى غيره.
ويدل لهذا صنيع المشركين في الشدة. قال تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].
قال شيخ الإسلام على لسان الصحابة: "فلم نعدل عن الأمر المشروع … وفي ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل وسؤال الله بأضعف السببين، مع القدرة على أعلاهما ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة الذي يضرب به المثل في الجدب" (٤).
стр. 704
٢ - ثم إن بيان الجواز يكفي فيه المرة الواحدة وقد تكرر من عمر هذا كما تدل عليه كلمة "كان".
٣ - ثم إن هذا العدول ليس من عمر فقط بل فعله معاوية أيضاً حيث استسقى بيزيد بن الأسود، فقد روي عن سليم بن عامر الخبائري.
"أن السماء، قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس فأقبل يتخطى الناس فأمره معاوية فصعد المنبر فقعد عند رجليه فقال معاوية: "اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله فرفع يزيد يديه ورفع الناس أيديهم.
فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم" (١).
وقد صحح إسناد هذا الأثر الحافظ في التلخيص والإصابة (٢)، وكذلك فعل الضحاك بن قيس استسقى بيزيد بن الأسود (٣)، فلا يمكن أن يقال: إن معاوية والضحاك فعلا أيضاً لبيان الجواز، فاجتماع هؤلاء الثلاثة إلى العدول عن النبي ﷺ وعدم إنكار أحد من الصحابة عليهم يدل على أن العدول هو المشروع.
وهناك رواية أخرى في استسقاء معاوية بأبي مسلم الخولاني (٤).
стр. 705
وأما من (١) أجاب عن عدول عمر ﵁ إلى العباس بأن ذلك - مبالغة من عمر في التوسل برسول الله ﷺ ما استطاع وذلك لقرابته من رسول الله ﷺ ، فيقال في جوابه:
إن هذا يمكن أن يكون سبباً في تخصيص العباس دون غيره من الصحابة ولا يكون سبباً للعدول (٢).
ثم يعترض عليه بأن التعليل بالقرابة لا يمكن في صنيع معاوية والضحاك فليست العلة مطردة. وكذلك إجابة (٣) من أجاب بأن ذلك للاقتداء بالنبي ﷺ في إكرام العباس وإجلاله، واحتج بما روي من طريق داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال:
"استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فخطب عمر فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله ﷺ واتخذوه وسيلة إلى الله … " (٤).
وهذه الرواية فيها عدة علل (٥) وعلى فرض ثبوتها فإنما تدل على سبب التخصيص فقط، ولا تدل على سبب العدول المتنازع عليه.
كما أن هذا يعترض عليه بقصة معاوية والضحاك -فلا يمكن أن
стр. 706
يقال فيه: إن ذلك للقرابة أو للاقتداء بالنبي ﷺ .
ثم إن قول عمر في هذه الرواية على فرض صحتها -وأنَّى لها الصحة؟ -: "واتخذوه وسيلة إلى الله" أي اجعلوه يدعو لكم، وليس معناه: اذكروا اسمه فقط، فلا حجة فيه كما ادعاه بعضهم (١).
وأما من (٢) أجاب بأن عمر إنما عدل إلى العباس ﵄ خوفاً على ضعفاء المسلمين وعوامهم.
١ - فيقال: هذا الظن لا دليل عليه لأن الاطلاع على مقاصد عمر ﵁ من الغيب، ولم يرد في لفظ الحديث ما يدل عليه.
٢ - ثم هل يقال مثل هذا في معاوية والضحاك، هل العلة في الكل الخوف؟
٣ - ثم لو سلم ذلك فيقال إذا كان الخليفة الملهم ﵁ يخاف على الذين في القرن الأول المفضل مع قوة نور النبوة، فكيف لا يخاف على الخلوف الذين بعدوا عن نور النبوة وعادوا إلى الجاهلية الأولى؟
فلا بد من القول إما بأن المتأخرين أعلم منهم وأفقه .. إلخ، فلا يخاف عليهم، وإما بأن الخوف في المتأخرين أشد وأنهم أولى بأن يبتعدوا عما يزلزل إيمانهم بالله تعالى من ذرائع الشرك ووسائله، ومن تلك الذرائع التوسل بالذوات الذي باسمه أجاز من أجاز الاستغاثة بغير الله تعالى.
وأما قول الكوثري: إن قول عمر: كنا نتوسل إليك بنبينا غير خاص بعهده ﷺ ، بل يشمله وما بعده إلى عام الرمادة والتقييد تقييد بدون مقيد (٣).
стр. 707
وقوله أيضاً: إن قوله: وإنا نتوسل إليك بعم نبينا إنشاء للتوسل بذات العباس وليس خبراً وكذلك كنا نتوسل إليك بنبينا إنشاء وليس خبراً، أو أنه منصب على ما قبل هذا القول، فالصحابة على هذا كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ في حياته، وبعد لحوقه بالرفيق الأعلى.
وأما قصر ذلك على ما قبل وفاته ﷺ تقصير عن هوى، وتحريف لنص الحديث وتأويل بدون دليل (١).
فهذا القول الذي زعمه الكوثري باطل وافتراء على الصحابة بل هو الأنسب بأن يوصف بما قاله من كونه تقصيراً عن هوى وتحريفاً وتأويلاً بلا دليل، وهذا ليس تحاملاً عليه ولكن لما ثبت وورد في طرق الحديث من التقييد بعهد النبي ﷺ نصاً مصرحاً به.
فقد أخرج الحديث نفسه ابن حبان والإسماعيلي في مستخرج البخاري مقيداً وإليك لفظه: "عن أنس قال: كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا بالنبي ﷺ فيستسقى لهم، فيسقون، فلما كان بعد وفاة النبي ﷺ في إمارة عمر قحطوا فخرج عمر بالعباس يستسقي به فقال: "اللهم إنا كنا إذا قُحِطنا على عهد نبيك ﷺ واستقينا به فسقيتنا به، وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك ﷺ فاسقنا، قال فسقوا" (٢). فتبين بهذا أنه جاء مقيداً بعهده ﷺ وأنَّه خبر لا إنشاء، وفائدة الخبر هو ذكر إجابة الله لهم سابقاً وأنَّه لا يخيبهم كما قال زكريا ﵇: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٤].
وأما القول بأن قول عمر كنا نتوسل بنبينا إذا قلنا توسل بالذات لا يحتاج إلى تقدير، وأما إذا قلنا إنه توسل بدعائه فيحتاج إلى تقدير مضاف محذوف ولا حاجة إلى الحذف والقول به بدون أي حاجة (٣).
стр. 708
فيقال: بأنه لا حاجة إلى تقدير مضاف لأن معنى التوسل والتوجه والاستشفاع في عرف الصحابة ولسانهم هو التوسل بالدعاء، ولا يفهمون منه غير هذا كما تقدم بيان ذلك فلا نقدر أَيَّ محذوف.
أو يقال: "بأنه لا بد من تقدير مضاف إما بدعاء أو بذات نبينا والأدلة تؤيد تقدير بدعاء نبينا" (١).
والجواب الأول أولى لأن هذا التوهم لحاجة الكلام إلى التقدير إنما وقع عندما حصل خلط ولبس في معنى التوسل، وأما الأوائل فلا يفهمون منه إلا التوسل بالدعاء.
وبهذا اتضح أن الحديث إنما يدل على التوسل بدعاء الحي الحاضر ولا يدل على التوسل بذوات الموتى أو الغائبين.
ومن الأحاديث الصحيحة التي استدلوا (٢) بها على نفع الأموات وجواز دعائهم ما ورد في أحاديث الإسراء من قوله ﷺ : "مررت على موسى يصلي في قبره"، ومراجعته للنبي ﷺ في تخفيف الصلاة.
وحديث صلاة موسى في قبره أخرجه مسلم (٣)، وأما حديث المراجعة فمتواتر من طرق كثيرة في أحاديث الإسراء (٤).
ولكن صلاة موسى، وقصة مراجعته، وكذلك صلاة الأنبياء خلف
стр. 709
الرسول ﷺ ، كل هذا لا يدل إلَّا على حياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية لا نعلم حقيقتها وكيفيتها، وثبوت هذه الحياة لا يستلزم جواز دعائهم ولا الاستغاثة بهم لأوجه:
١ - الأنبياء في حال حياتهم الدنيوية لا يجوز دعاؤهم ولا الاستغاثة بهم إلا فيما يقدرون عليه، فمن باب أولى إذا انتقلوا من هذه الدار أن لا يجوز ذلك.
٢ - الغائب عن النبي ﷺ في حال حياة النبي ﷺ لا يمكن أن يطلب منه الدعاء والشفاعة والاستغاثة فمن باب أولى في حال وفاته صلوات الله وسلامه عليه.
٣ - إن دعاء الأنبياء -وإن كانوا أحياء في قبورهم- يستلزم اعتقاد أنهم يعلمون بمن يدعوهم ويستغيث بهم، ويسمعون نداءه واستغاثته والعلم المحيط والسمع المحيط من خواص الله تعالى.
٤ - ولو فرضنا علمهم وسمعهم لذلك فلا يجوز دعاؤهم لأن الأنبياء كانوا يحذرون من يفعل ذلك معهم في حال حياتهم بل يحذرون مما هو أقل من ذلك، فقد ورد عن نبينا ﷺ قوله لمن قال له: ما شاء الله وشئت: "أجعلتني الله ندًا" (١)، ولما سمع قول الفتاة في العرس: "وفينا نبي يعلم ما في غد" نهاها (٢).
٥ - ثم ما يفعلونه في الحياة البرزخية من الأمر الكوني فلا يزيد بسؤال السائل، وذلك مثل دعاء حملة العرش والملائكة للمؤمنين فلا يجوز مع علمنا بأن الملائكة يدعون لنا أن ندعوهم وكذلك الأنبياء بعد مماتهم، وسيأتي بيان هذا (٣).
стр. 710
ومن تلك الأحاديث الصحيحة التي استدلوا بها "اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي ﷺ أعوذ بك من النار".
استدل به بعضهم (١) على التوسل وزعم أن "تخصيص هؤلاء بالذكر في معنى التوسل بهم فكأنه يقول: "اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بجبريل … إلخ".
الجواب:
١ - الحديث ليس فيه توسل بالذوات، وإنما هو توسل بصفة من صفات الله وهي ربوبيته لهؤلاء الملائكة، فهو يدعو رب هؤلاء ولم يدع هؤلاء كما أنه لم يدع بهؤلاء، والحكمة في التوسل بربوبية الله لهؤلاء الثلاثة كما قال ابن القيم: إن الله وكلهم بالحياة فجبريل بالوحي الذي به حياة القلوب، وميكائيل بالمطر وبه حياة الأبدان، وإسرافيل بالنفخ في الصور وبه حياة العالم وعود الروح إلى الجسد، فالتوسل إليه سبحانه في حياة القلب بالهداية بربوبيته لهؤلاء الموكلين بالحياة له مناسبة وتأثير في حصول المطلوب (٢).
٢ - ثم إن الحديث باللفظ الذي استدلوا به ضعيف (٣) ولكن الحديث جاء من طريق صحيح وفيه ما يدل على أن المراد بالإضافة إلى هؤلاء هو التوسل بربوبية الله لهم وهو ما روي من طريق عائشة ﵂ قالت: "كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت
стр. 711
تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (١).
ففي هذا الحديث جاء قوله: "فاطر السموات … " فلا يمكن ادعاء أنه من باب التوسل بالذوات.
فدل هذا الحديث على أن هذا الدعاء توسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا من ربوبيته لملائكته المقربين وخلقه السموات والأرض وعلمه للغيب والشهادة وأما تأويل ذلك إلى التوسل البدعي وادعاء أنه أراد اللهم إني أتوسل إليك بهؤلاء ادعاء باطل لا دليل عليه، ولا قرينة لفظية ولا معنوية تدل عليه، وهل الرسول ﷺ عجز أن يقول: اللهم إني أتوسل إليك بجبريل بدل أن يقول: اللهم رب جبريل … وهو أفصح الخلق صلوات الله وسلامه عليه؟.
ثم إن قوله: "ومحمد النبي ﷺ " يلزم منه على ادعاء أنه توسل بالذوات -توسل النبي ﷺ بذاته- فيلزم الدور.
ويلزم (٢) هؤلاء أيضاً التوسل بالمخلوقات الحقيرة أو الشياطين فإنه قد ورد إضافة الرب إلى الشياطين، ففي حديث بريدة بن الحصيب ﵁ مرفوعاً: "إذا أويت إلى فراشك: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت: كن لي جاراً من شر خلقك … " (٣)، وفي حديث صهيب نحوه (٤).
حديث الضرير:
وهو ما رواه أبو جعفر عمير بن يزيد عن عمارة بن خزيمة عن
стр. 712
عثمان بن حنيف: "أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ ، فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخرت ذلك فهو خير"، وفي رواية: "وإن شئت صبرت فهو خير لك" فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء:
"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربك في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فَشَفْعْهُ فِيَّ وشَفِّعْنِي فيه، قال: ففعل الرجل فبرأ".
قد استدل بهذا الحديث طائفة (١) ممن أجازوا السؤال بالذوات الفاضلة.
كما استدل به الذين أجازوا نداء الموتى والاستغاثة بهم وقالوا: إن فيه نداء النبي ﷺ ، وهو غائب، واحتجوا في هذا بقصة تعليم عثمان للرجل التي في بعض طرق الحديث.
وقد ذكر بعض (٢) هؤلاء الذين استدلوا بهذا الحديث أن هذا الحديث أصرح حديث وأصح حديث في الباب وحجة قاصمة.
ولتشبث هؤلاء بهذا الحديث واعتنائهم به ظناً منهم أنهم وجدوا الدليل القوي فيما ذهبوا إليه -لا بد من دراسة هذا الحديث سنداً ومتناً ومناقشة ما ادعوه ليعلم عدم دلالة الحديث على دعواهم بل دلالته على نقيضها.
стр. 713
دراسة الإسناد:
قد اشتهر هذا الحديث عن أبي جعفر.
فقد رواه عنه أربعة: شعبة بن الحجاج، وحماد بن سلمة، وهشام الدستوائي، وروح بن القاسم.
فهؤلاء الأربعة وإن اتفقوا في الرواية عن أبي جعفر إلا أنهم اختلفوا في شيخ أبي جعفر، فشعبة وابن سلمة روياه عن أبي جعفر عن عمه عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حُنَيْف.
وأما هشام الدستوائي وروح بن القاسم فروياه عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف، وسيأتي الكلام على هذا الاختلاف في الإسناد والمتن إن شاء الله تعالى.
فأقوى هذه الطرق طريق شعبة لأنَّه أحفظهم وأتقنهم، وقد رواه عن شعبة ثلاثة عثمان بن عمر وروح بن عبادة، وغندر.
فأما رواية عثمان فقد أخرجها الترمذي (١) والنسائي (٢) كلاهما عن محمود بن غيلان.
وأخرجه أحمد (٣) وعبد بن حميد (٤) وابن ماجه (٥) عن أحمد بن منصور بن يسار. وابن خزيمة (٦) عن محمد بن بشار وأبي موسى.
والطبراني عن إدريس بن جعفر العطار (٧)، والحاكم من طريق
стр. 714
الحسن بن مكرم (١)، ومن طريق العباس بن محمد الدوري (٢)، والبيهقي عن الحاكم بطريق الدوري (٣).
وأخرجه البيهقي أيضاً من طريق محمد بن يونس (٤)، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير على صورة التعليق عن شيخه علي وهو ابن المديني (٥).
كل هؤلاء -وهم: محمود بن غيلان وأحمد وابن حميد وابن يسار وابن بشار وأبو موسى والعطار وابن مكرم والدوري وابن يونس وابن المديني- عن عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف به.
وأما رواية روح بن عبادة:
فقد أخرجها أحمد ثنا روح قال: ثنا شعبة به (٦).
والبيهقي في الدعوات من طريق أحمد بن الوليد، ثنا روح (٧).
وقال البيهقي في الدلائل: ورويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شعبة (٨).
وأما رواية غندر محمد بن جعفر، فقد أخرجها الحاكم من طريق عبد الله بن أحمد عن أبيه ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة به (٩).
стр. 715
وأما بالنسبة إلى لفظ الحديث فقد اتفقت رواية شعبة في قوله: "اللهم فشفعه فيّ" ثم اختلفت في قوله: "وشفعني فيه" فبعضهم شك في زيادتها.
وأما طريق حماد بن سلمة، فقد أخرجه الإمام أحمد ﵀ عن مؤمل وهو ابن إسماعيل قال: ثنا حماد يعني ابن سلمة، قال: ثنا أبو جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف به (١)، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير تعليقاً عن شيخه شهاب بن عباد عن حماد به (٢)، وأخرجه أيضاً النَّسَائِي عن محمد بن معمر قال: حدثنا حبان قال: حدثنا حماد به (٣)، وأخرجه ابن أبي خيثمة حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة به (٤).
وأما طريق هشام بن أبي عبد الله الدستوائي فأخرجه النَّسَائِي عن محمد بن المثنى قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه به (٥)، وأخرجه البخاري في التاريخ تعليقاً عن شيخه محمد بن المثنى به (٦).
ولفظ هشام الدستوائي: "فشفعه فيّ وشفعني في نفسي"، ولفظ حماد بن سلمة عند النَّسَائِي: "اللهم شفع فيَّ نبيي وشفِّعْنِي في نفسي".
وأما طريق روح بن القاسم فقد روى عنه راويان:
شبيب بن سعيد الحبطي، وعون بن عمارة البصري.
стр. 716
رواية شبيب بن سعيد:
فقد روى عنه ثلاثة: ولداه أحمد وإسماعيل ابنا شبيب، وعبد الله بن وهب.
وأما رواية أحمد بن شبيب:
فلها أربعة طرق، وقد أخرجها ابن السني من طريق العباس بن فرح الرياشي، والحسين بن يحيى الثوري (١).
والحاكم من طريق أبي عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغ (٢).
ومن طريق الحاكم البيهقي (٣).
ثلاثتهم -العباس الرياشي، والحسين الثوري، والصائغ- عن أحمد بن شبيب بن سعيد به، بدون ذكر القصة في أول الحديث.
وخالف هؤلاء الثلاثة يعقوب الفسوي، فزاد في أول الحديث قصة أخرجها في تاريخه فقال: ثنا أحمد بن شبيب بن سعيد، ثنا أبي عن روح بن القاسم إلخ وذكر القصة (٤).
ومن طريقه البيهقي في الدلائل (٥)، ومن طريقه أيضاً عبد الغني المقدسي في كتاب الترغيب في الدعاء (٦).
وأما رواية إسماعيل بن شبيب:
فقد أخرجها البيهقي من طريق أبي عروبة عن العباس بن الفرج ثنا
стр. 717
إسماعيل بن شبيب وذكر القصة (١).
ولكن هذه الرواية فيها احتمال خطأ أحد الرواة لأن ابن السني أخرجها من هذه الطريقة فجعلها من رواية أحمد لا إسماعيل وليس فيها كما تقدم.
أما رواية عبدالله بن وهب:
فقد أخرجها البخاري في تاريخه عن شيخه عبد المتعال بن طالب حدثنا ابن وهب عن أبي سعيد وهو شبيب عن روح بن القاسم به ولم يسق لفظه (٢) وأخرجها الطبراني في كتبه الدعاء (٣)، والمعجم الصغير (٤)، والمعجم الكبير (٥) عن طاهر بن عيسى عن أصبغ بن الفرج عن ابن وهب عن أبي سعيد المكي وهو شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف وزاد قصة في أوله وهي:
"إن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: ايت الميضأة فتوضأ ثم ايت المسجد فصل فيه ركعتين، وقل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك، فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان ﵁، فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة فقال: حاجتك، فذكر حاجته،
стр. 718
وقضاها له، وقال له: ما فهمت حاجتك حتى كان الساعة، وقال له: ما كان لك من حاجة فسل، ثم إن الرجل خرج من عند عثمان فأتى عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرًا ما كان ينظر إلي في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: ما كلمته فيك، ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير فذكر الحديث وفي آخره، قال ابن حنيف: والله ما تفرقنا حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط".
رواية عون بن عمارة البصري:
أخرجه الحاكم من طريق العباس الدوري ثنا عون بن عمارة البصري ثنا روح بن القاسم به بدون القصة (١).
فتكون رواية عون بن عمارة المجردة عن القصة راجحة على رواية شبيب بن سعيد التي فيها القصة لموافقتها لرواية الجماعة، وإن كان ضعيفًا ولأنه قد اختلف على شبيب في زيادة القصة، وقد يقال: إن عونًا قد اختلف عليه فقد أخرج الطبراني في الدعاء هذا الحديث من طريقه عن روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله ﵁ فذكر القصة، وقال الطبراني: "وَهِمَ عون في الحديث وهمًا فاحشًا" وأبدى محقق كتاب الدعاء احتمال كون الوهم من شيخ الطبراني وليس من عون بدليل رواية الحاكم السابقة (٢).
الخلاصة:
١ - أن أقوى الطرق طريق شعبة لكونه أحفظ من روى هذا الحديث عن أبي جعفر، ولأنه لم يختلف عليه فيه.
٢ - أن شعبة وحماد بن سلمة اتفقا على أن شيخ أبي جعفر هو عمارة بن خزيمة بن ثابت.
стр. 719
٣ - وخالفهما هشام الدستوائي وروح بن القاسم فجعلا شيخ أبي جعفر أبا أمامة بن سهل بن حنيف.
٤ - اتفقت رواية شعبة وابن سلمة وهشام الدستوائي في عدم زيادة القصة في أول الحديث.
٥ - اختلف على روح بن القاسم بذكر القصة في أوله وعدم ذكرها فروى عنه عون بن عمارة البصري بدون القصة مثل الجماعة، وروى عنه شبيب بن سعيد فاختلف عليه فروى عنه ابنه أحمد بدون القصة في أكثر الروايات عنه، وانفرد يعقوب الفسوي عنه بزيادة القصة في أولها.
وروي عن شبيب ابنه إسماعيل وابن وهب بزيادة القصة، فاتضح من هذا أن زيادة القصة في أول الحديث منكرة وذلك للآتي:
١ - ضعف المتفرد بها وهو شبيب (١).
٢ - مخالفته للثقات الذين لم يذكروها.
٣ - اضطرابه فيها حيث يزيد مرة ولا يزيد مرة أو يقال: الاختلاف عليه فيها.
وقد ذكر شيخ الإسلام (٢) ابن تيمية ما في هذه الزيادة من علل ونقدها سندًا ومتنًا، وإليك خلاصة كلامه في ذلك، فقد ذكر أربعة علل تتعلق بالإسناد فقال: فهذه الزيادة فيها عدة علل:
١ - انفراد هذا بها عمن هو أكبر وأحفظ منه:
стр. 720
٢ - وإعراض أهل السنن عنها.
٣ - واضطراب لفظها.
٤ - وأن راويها عرف له عن روح هذا أحاديث منكرة.
ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة فلا حجّة فيها.
ثم أجاب رحمه الله تعالى على فرض صحتها:
١ - بأن الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على فهمه بل على خلافه لأن قوله: "فشفعه فيّ" لا يستقيم فيمن لم يشفع له الرسول الله ﷺ لو لم يدع له، لأن الشفاعة إنما تكون في حياته ﷺ لمن أتى إليه ودعا له الرسول ﷺ .
٢ - ثم إن مثل هذا الأمر لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات - إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه - وكان ما يثبت عن النبي ﷺ يخالفه لا يوافقه لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول، مثل إدخال ابن عمر الماء في عينيه في الوضوء، وغسل أبي هريرة إلى العضد، وغير ذلك مما فعله آحاد الصحابة ولم يجمعوا عليه.
٣ - وأما قول من قال من العلماء: إن قول الصحابي حجة فمقيد بما إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولم يعرف نص يخالفه أو اشتهر ولم ينكروه، وأما إذا كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في السنة بلا ريب عند أهل العلم.
٤ - ثم إنه لو ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه يستحب التوسل بالنبي ﷺ بعد موته من غير أن يكون النبي ﷺ داعيًا وشافعًا- يرد أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته كما كان يشرع في حياته لأنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء فلما مات لم يتوسلوا به وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره بالتوسل بذاته لا بشفاعته، ولم يأمر
стр. 721
بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمّن للتوسل بشفاعته- كان ما فعله عمر هو الموافق للسنة، وكان المخالف لعمر محجوجًا بسنة رسول الله ﷺ وكان الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ حجة عليه لا له.
رجال الإسناد:
ليس في رجال الإسناد من يحتمل أن يكون فيه كلام إلا أبا جعفر وهو الخطمي، كما جاء مصرحًا به في مصادر كثيرة التي أخرجت الحديث والتي تقدمت الإشارة إليها (١).
كما يؤيد ذلك أن أبا جعفر الذي يروي عنه شعبة ويروي عن عمارة بن خزيمة هو الخطمي (٢) واسمه عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب الأنصاري المدني البصري الخطمي، وقد وثقه ابن معين والنسائي وابن مهدي وابن نمير والعجلي والطبراني، وقال أبو الحسن ابن المديني هو مدني قدم البصرة، وليس لأهل المدينة عنه أثر ولا يعرفونه (٣).
وقال الحافظ فيه: صدوق الحافظ السادسة (٤)، وهذه العبارة من الحافظ تدل على أن حديثه في مرتبة الحسن، وبهذا يعرف عدم صحة قول من ذهب إلى أن أبا جعفر ليس الخطمي وأنه الرازي وهو ضعيف (٥).
стр. 722
أقوال النقاد في الحديث:
قد رجع أبو زرعة الرازي رواية شعبة عن أبي جعفر عن عمارة عن عثمان، على رواية الدستوائي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عثمان لكون شعبة أحفظ (١) لكن خالفه ابن أبي حاتم فرجح رواية الدستوائي فقال في ترجيحه تابع هشامًا الدستوائي روح بن القاسم وهو ممن يجمع حديثه ثقة، وهو أشبع متنًا، فروايتهما أصح (٢).
وقال علي بن المديني: "وما أرى روح بن القاسم إلا قد حفظه" (٣)، فعلى قول ابن المديني وابن أبي حاتم تكون رواية الدستوائي وروح بن القاسم أرجح لتقوية رواية أحدهما بمتابعة الآخر، ولكن يعترض على هذا بأن شعبة أيضًا توبع، تابعه حماد بن سلمة، ثم إن شعبة أقوى من الدستوائي وروح بن القاسم فتساوت الروايتان فلا يمكن ترجيح إحداهما على الأخرى، فيحتمل أن هذا الاختلاف من أبي جعفر فهو الذي اضطرب فيه فمرة روى هكذا ومرة هكذا، وإن كان الأمر كذلك دل على ضعف حفظه.
وأبدى الحافظ ابن حجر احتمال كون أبي جعفر روى بطريقين (٤)، ولكن هذا الاحتمال لا يلجأ إليه إلا عند التأكد من كون الراوي المختلف عليه حافظًا ضابطًا، وأبو جعفر ليس من الحفاظ المتقنين ويدل على ذلك هذا الاضطراب في اسم شيخه، وفي المتن حيث يقول مرة: فشفعني في نفسي، ومرة وشفعني فيه، ومرة فشفعه فيّ.
والحاصل: أن الحديث فيه الأمور التالية:
١ - اضطراب أبي جعفر في اسم شيخه فيما يتعلق بالسند وكذلك
стр. 723
في المتن تارة يقول فشعفه فيّ وتارة يقول: فشفعني فيه، ومرة وشفعني في نفسي وتارة يذكر الوضوء والصلاة وتارة لا يذكر، وهذا يدل على أقل تقدير على عدم ضبطه للقصة، أو روايته لها بالمعنى.
٢ - ليس قويًا يعتمد عليه فيما انفرد به من السنن التي لم يشاركه فيها غيره، لأنه ليس من الحفاظ المتقنين الذين يقبل ما تفردوا به، ويدل على ذلك أن الحافظ ابن حجر قال فيه: صدوق، وهذه المرتبة هي مرتبة الحسن وهو من ليس تام الضبط.
٣ - تفرده (١) بقصة وقعت بمحضر الصحابة وتعد من أقوى المعجزات الدالة على صدقه ﷺ ، ومثل هذا مما تتوافر الدواعي والهمم على نقله.
فهذه الأمور تجعل في النفس في صحة هذا الحديث وفي ضبط أبي جعفر لألفاظه شيئًا والله أعلم.
الكلام على حديث الأعمى من جهة المعنى:
فحديث الأعمى -إن ثبت- يدل على التوسل المشروع وهو طلب الدعاء من الحي الحاضر، لأن ألفاظ الحديث: "تدل على أن ذلك مشروع إذا كان -الرسول ﷺ حيًا مسؤولًا سائلًا لله" (٢) ولا تدل على التوسل به إذا لم يكن سائلًا وإليك تفصيل هذا:
أ- إن الأعمى (٣) جاء إلى النبي ﷺ طالبًا منه الدعاء له، فلو كان يكفي مجرد التوسل بذكر اسم الرسول ﷺ لجلس في بيته وقال: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد أن ترد علي بصري، أو مثل هذا ولم يتعب نفسه بالمجيء والحضور إلى النبي ﷺ .
стр. 724
ب - إنه لم يكتف بالحضور فقط بل طلب صراحة من النبي ﷺ الدعاء له فقال: "ادع الله أن يعافيني".
ولم يفعل مثل ما يفعله بعض المريدين مع شيوخهم حيث يعتقدون أن الشيخ مطلع على الأسرار وأنه يعرف حوائج المريدين، فلا حاجة لإخباره ولا للطلب منه، ومثل ذلك ما يفعله بعض القبوريين الذين يقولون للولي عند زيارته: "العارف لا يعرف" (١).
جـ ـ وعده (٢) ﷺ إياه بالدعاء إن لم يصبر، "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك"، والرسول ﷺ خير من وفي بما وعد، فلا يقال: لم يثبت في ألفاظ الحديث أنه دعا له.
د - إصرار (٣) الأعمى على الدعاء فقد ورد في بعض طرقه أنه قال: "ادع الله لي مرتين أو ثلاثًا" (٤) وفي رواية: "ألا تصبر؟، قال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي … " (٥).
فبعد هذا الإصرار على الدعاء لا بد أن النبي ﷺ أن يفي له بما وعد وهو الدعاء له.
هـ ـ ما ورد في لفظ الدعاء الذي علمه النبي ﷺ : "اللهم شفع في نبيي … " (٦) وفي رواية: "اللهم شفعه فيّ" (٧)، وهذا يدل علي أن النبي ﷺ شفع له، ودعا الله له. وإلا فكيف يطلب الأعمى من الله تعالى قبول شفاعة النبي ﷺ إذا لم تحصل الشفاعة ولم تقع من النبي ﷺ ؟.
стр. 725
وـ ما ورد في الروايات من قوله "وتشفعني فيه" (١). إذ يطلب الأعمى أن يقبل الله تعالى شفاعته التي يطلب فيها من الله تعالى قبول شفاعة النبي ﷺ في حاجة الأعمى، وليس المراد أنه يشفع للنبي ﷺ في حاجة للنبي، وإنما المراد أنه يدعو الله تعالى أن يقبل شفاعة النبي ﷺ فيه فهو كالشفاعة في الشفاعة (٢)، فهذا يدل على أن النبي ﷺ قد شفع له ودعا له.
ز - إن العلماء فهموا من هذا الحديث التوسل بدعاء النبي- ﷺ ، ولهذا: "ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره" (٣).
ح - قد ثبت بهذه الأدلة دعاء الرسول ﷺ للأعمى، فإذا ثبت دعاؤه له فلا يمكن أن يقاس عليه من لم يدع الرسول ﷺ له، إذ من شرط القياس المماثلة ولا توجد هنا مماثلة، إذ الفرق "ثابت شرعًا وقدرًا بين من دعا له النبي ﷺ ، وبين من لم يدع له فلا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخرة" (٤).
ط - وقد دل عمل الصحابة ومن بعدهم على الفرق المذكور لأنه "لو كان كل أعمى توسل به وإن لم يدع له الرسول ﷺ بمنزلة ذلك الأعمى لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، وأن كل أعمى دعا بدعاء ذلك الأعمى وفعل كما فعل من الوضوء والصلاة بعد موت النبي ﷺ وإلى زمننا هذا لم يوجد على وجه الأرض أعمى،
стр. 726
فعدولُهم عن هذا إلى هذا - مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فإنهم أعلم منا بالله ورسوله، وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء، وينفع، وما لم يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره … - دليلٌ على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه" (١).
وقد ذكرنا فيما مضى (٢) أن الترك الراتب سنة متبعة وأن خلافه بدعة.
ي - لو سلمنا دلالته على التوسل بالذات الغائبة - لا نسلم أنه عام في كل الأحوال والأشخاص بل هو قضية عين (٣) عموم لها فهو خاص بمن دعا له الرسول الله ﷺ وهو هذا الأعمى الذي جاءه وطلب منه الدعاء.
ولو تنازلنا وقلنا: إنه ليس خاصًا بهذا الأعمى أو بمن دعا له في حياته - لا نسلم أنه يعم غير النبي ﷺ فهو خاص به، لأنه لا يمكن قياس غير النبي ﷺ على النبي ﷺ وإلى هذا ذهب العز بن عبد السلام ﵀ على فرض صحة الحديث (٤).
ك - ثم لو سلمنا دلالته على العموم - وهيهات ذلك - فهو حديث عن قواعد الشرع فلا يعمل به لمخالفته للقطعيات من نصوص الكتاب والسنّة (٥).
ل ـ ثم لو سلمنا دلالته على التوسل بالذوات تنازلًا مع المخالف-
стр. 727
لا نسلم دلالته على الاستغاثة ونداء الموتى ودعائهم، لأن هذا الحديث غاية ما يدل عليه أن الأعرابي طلب من النبي ﷺ أن يدعو مع حضوره في حياته ﷺ ، فأين هذا من دعاء الأموات والالتجاء إليهم في الشدائد؟ ومن هنا يعلم أننا لو تنازلنا وقلنا: إن الحديث يدل على جواز التوسل بالنبي ﷺ في مغيبه فلا يدل على جواز دعائه والاستغاثة به والاستنجاد به وذلك لأن "الفرق بين هذين متفق عليه بين المسلمين: المتوسل إنما يدعو الله ويخاطبه ويطلب منه لا يدعو غيره إلا على سبيل استحضاره لا على سبيل الطلب منه، وأما الداعي والمستغيث فهو الذي يسأل المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه" (١).
والذي يستحق السؤال والاستغاثة والتوكل هو الله وحده، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ولا يمكن أن يدعى ويسأل غير الله تعالى، كما لا يمكن قياس سؤاله ﷺ ودعائه على السؤال به والتوسل به فالفرق شاسع بين البابين.
وأما تعليمه ﷺ الأعمى الدعاء فلا ينافي دعاءه ﷺ له، لأن دعاء الأعمى ووضوءه وصلاته من التوسل بالأعمال الصالحة، ويكون دعاء النبي ﷺ له من التوسل بدعاء الحي الحاضر "فحصل الدعاء من الجهتين" (٢).
وبهذا تسقط دعوى من يقول: إن الرسول ﷺ لم يدع للأعمى وإنما أرشده إلى الصلاة والتوسل به فقط (٣).
وأما قوله: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد" فليس معناه بذات أو جاه نبيك وذلك لأن معنى التوسل والتوجه في لسان
стр. 728
الشرع وسلف هذه الأمة هو التوسل بالدعاء، وقد تقدم شرح ذلك (١).
أو نقول: إنه لا بد من التقدير إما أن يقدر بذات أو بدعاء والأدلة تدل على أن المقدر، دعاء، وهذا الجواب الثاني - وإن ذكره بعض العلماء (٢) - لكن الجواب الأول أولى لأن أصل وضع الكلمة لا يحتاج إلى تقدير مضاف محذوف، والأصل عدم التقدير، وأما قوله: "وشفعني في نفسي" فأقوى الطرق ليس فيه هذا اللفظ وهي رواية شعبة، وأقواها رواية فشفعه فيّ وشفعني فيه، لورودها في طريق شعبة القوية.
وأما على تقدير كونها محفوظة فمعناه "إنه طلب أن يكون شفيعًا لنفسه مع دعاء النبي ﷺ ، ولو لم يدع له النبي ﷺ كان سائلًا مجردًا كسائر السائلين، ولا يسمى مثل هذا شفاعة، وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا فيكون أحدهما شفيعًا للآخر بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره" (٣).
وأما توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ في قول الأعمى: "إني توجهت بك إلى ربي" وفي رواية: "يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي". فليس فيه دليل على نداء الغائب والاستغاثة به وذلك:
١ - لأن النبي ﷺ كان حاضرًا عند الأعمى، كما يدل على ذلك سياق الرواية، وليس هناك دليل على أن الأعمى ذهب إلى مكان آخر، فصلى فدعا فيه بهذا الدعاء.
وأما ما ورد في بعض رواية شبيب عن روح بن القاسم من زيادة
стр. 729
القصة والقول في آخرها، قال ابن حنيف: والله ما تفرقنا حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط.
فقد ذكرنا أن هذه الرواية منكرة وبيّنا ما فيها من العلل، فتبين بهذا أنها لا يقوم بها حجة.
٢ - ثم لو سلمنا صحتها -يكون معنى الخطاب والنداء هو خطاب ونداء استحضار-: "يطلب به استحضار المنادى في القلب فيخاطب الشهوده بالقلب كما يقول المصلي: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" والإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب" (١).
٣ - وأما الإجابة (٢) بأن الخطاب والنداء لم يثبت في طرق الحديث ففيه نظر، فأكثر طرق الحديث إما فيها النداء بيا محمد أو فيها الخطاب بقوله: "إني توجهت بك إلى ربي" فإذا ثبت أصل الحديث فالخطاب ثابت ولكن قد عرفت أن أصل الحديث في ثبوته تردد، واحتمال رواية هذا الحديث بالمعنى وارد بسبب ما نراه من الاختلاف في ألفاظه.
وأما ما ورد في بعض طرق حديث حماد بن سلمة فيما رواه ابن أبي خيثمة حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا حماد بن سلمة "اللهم فشفعني في نفسي وشفع نبيي في رد بصري"، وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك أو قال: "افعل مثل ذلك" فهذه الرواية فيها عدة علل:
أ - تفرد حماد (٣) بن سلمة بها من بين سائر من روى هذا الحديث أحفظ وأقوى منه فهو لو خالف واحدًا منهم يعتبر شاذًا فكيف وقد خالف جميعهم؟
стр. 730
وأما الإجابة (١) عن هذا التفرد بأنه من زيادة الثقة وهي مقبولة فسيأتي أن هذا ليس مطردًا (٢).
ب - ومما يقوي شذوذ هذه الزيادة أن الرواة عن حماد بن سلمة لم يتفقوا على ذكرها فقد روى عنه ثلاثة: مسلم بن إبراهيم، ومؤمل بن إسماعيل، وحبان بن هلال، فرواية مسلم عند ابن أبي خيثمة ورواية مؤمل عند أحمد ورواية حبان عند النسائي، ولم تذكر هذه الزيادة إلا في رواية مسلم بن إبراهيم فهي أيضًا شاذة عن حماد بن سلمة.
جـ - ويحتمل أن هذه الزيادة رويت بالمعنى فحصل فيها تغيير، قال شيخ الإسلام: "واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى" (٣).
د - ويحتمل أيضًا أن هذه الزيادة قد تكون مدرجة من كلام عثمان بن حنيف لا من كلام النبي ﷺ ، ويدل على ذلك لفظ هذه الزيادة إذ وردت بلفظ: "وإن كانت حاجة فعل ذلك" والمفترض أنها إذا كانت من كلام النبي ﷺ أن تكون بلفظ الخطاب: "وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك" (٤).
وقد اتضح مما سبق - ولله الحمد - أن حديث الأعمى - على فرض ثبوته - لا يدل على التوسل بالذوات وإنما يدل على التوسل بدعاء الحي الحاضر.
وقد تقدم (٥) ذكر استدلالهم بحديث الشفاعة الكبرى وبحديث هاجر: "أغث إن كان عندك غواث"، وبينا عدم دلالتهما على مرادهم بما لا يدع مجالًا للشك.
стр. 731
ومن هنا نقول: لم نجد لهم دليلًا صريحًا من السنة الصحيحة يدل على جواز دعاء الأموات أو الغائبين أو التوسل بذواتهم.
وبعد أن أنهينا الكلام على الأدلة الصحيحة ندخل في ذكر أدلتهم غير الصحيحة ومناقشتها وبالله التوفيق وهو المستعان.
стр. 732
الفصل الثاني
في مناقشة ما احتجوا به
من الأدلة غير الصحيحة
ويحتوي على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الأحاديث الضعيفة.
المبحث الثاني: الأحاديث الواهية والموضوعة.
المبحث الثالث: الحكايات والنظريات.
стр. 733
المبحث الأول في الأحاديث الضعيفة
احتج من يجيز الدعاء غير المشروع بأحاديث ضعيفة جدًا، وغالبها خارجة عن الموضوع، والباقي لا يمكن انجباره للضعف الشديد الذي فيه، وسأذكر هنا أهم حديث ضعيف احتجوا به وأناقشه وبالله التوفيق وهو:
حديث عرض الأعمال على النبي ﷺ -:
وهو ما روي مرفوعًا: "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض أعمالكم علي، فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم".
فهذا الحديث قد احْتُجَّ (١) به على جواز دعاء النبي ﷺ والطلب منه
стр. 734
لعلمه بذلك، ثم لم يكتف هؤلاء بالنبي ﷺ ، بل عدوا الحكم إلى غيره لأن هذا الحديث هو عمدة من يدعي أن الموتى يعلمون بندائهم ودعاء الأحياء لهم، لأن شفاعتهم ووساطتهم للسائلين فرع عن علمهم بسؤالهم وحوائجهم.
وقد بلغ الأمر ببعضهم إلى القول بأن "مخاطبته ﷺ بعد موته أبلغ، لأن أعمال أمته تعرض عليه في قبره" (١).
فادعى أن الخطاب بعد الموت أبلغ من الخطاب في الحياة وهذه مبالغة وغلو شديد.
هذا وإن عرض الأعمال لم يقتصروا فيه على النبي ﷺ كما قلنا بل جاوزوا به إلى غيره، فالروافض قالوا بعرض الأعمال على أئمتهم، فقد روى الكليني في كافيه الذي هو عمدة عندهم: أن قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أنهم الأئمة (٢).
وروي أيضًا عن علي الرضا أحد الأئمة عندهم أنه قال له أحدهم: "ادع الله لي ولأهل بيتي فقال: أو لست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض على في كل يوم وليلة، قال: فاستعظمت ذلك فقال لي: أما تقرأ كتاب الله : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قال: هو والله علي بن أبي طالب ﵇" (٣).
وقد عقد الصفار (٤) عدة أبواب (٥) في إثبات عرض الأعمال على
стр. 735
الأئمة في كتابه بصائر الدرجات، الذي يعتبر من أهم مصادرهم الأصلية، ثم ساق عجائب وغرائب، في تلك الأبواب، فانظر إلى مدى ما وصل إليه اعتقاد عرض الأعمال، لأنه لو اقتصر على النبي ﷺ لكان الأمر أخف، ولكن ادعى ذلك هؤلاء لأئمتهم كما ترى، وادعى آخرون من المريدين لشيوخهم.
فعقيدة عرض الأعمال على الأموات هي أصل لدعائهم، لأن الواحد من هؤلاء الذين يدعون الأموات لو تصور أن مدعوه لا يعلم بأعماله لم يدعه، ولم يطمع في أنه يشفع له عند الله تعالى ويتوسط له فكل ذلك فرع عن تصوره بعلمه ومعرفته به وبأحواله.
هذا ومناقشة حديث العرض من ناحيتين ناحية الإسناد وناحية المتن:
مناقشة الحديث من ناحية الإسناد:
قد أخرج هذا الحديث البزار في مسنده فقال: "حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن سفيان، عن عبدالله بن السائب، عن زاذان عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "إن الله ملائكة سياحين يبلغون عن أمتي السلام"، قال: وقال رسول الله ﷺ : "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم … ".
قال البزار: لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد" (١).
هذا الحديث يشتمل على شطرين وقد رواه كثيرون فاقتصروا على الشطر الأول، وخالفهم عبد المجيد بن أبي رواد فزاد الشطر الثاني.
فالشطر الأول قد روي عن سفيان وهو الثوري بهذا الإسناد من
стр. 736
طرق متعددة، فهو مشهور مستفيض عن الثوري قد رواه عنه عدد كثير اطلعنا على رواية نحو عشرة منهم، وهم: عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعبدالله بن المبارك، ومعاذ بن معاذ، وعبد الرزاق بن همام وعبدالله بن نمير، ومحمد بن يوسف الفريابي وأبو إسحاق الفزاري، وفضيل بن عياض.
وإليك تفصيل هذه الطرق ومن أخرجها:
طريق عبد الرحمن بن مهدي: أخرجه أحمد في المسند (١).
طريق القطان: أخرجه إسماعيل القاضي (٢).
طريق وكيع: أخرجه ابن أبي شيبة (٣)، وأحمد (٤)، والنسائي (٥)، وابن حبان (٦).
طريق ابن المبارك: أخرجه النسائي (٧).
طريق معاذ بن معاذ: أخرجه أحمد (٨)، والنسائي (٩).
طريق عبد الرزاق: أخرجه هو في مصنفه (١٠)، ومن طريقه النسائي والطبراني (١١).
طريق عبدالله بن نمير: أخرجه أحمد (١٢).
стр. 737
طريق الفريابي: أخرجه الدارمي (١).
طريق أبي إسحاق الفزاري: أخرجه الحاكم (٢)، والطبراني (٣)، وأبو نعيم (٤).
طريق فضيل بن عياض أخرجه الطبراني (٥).
وقد روى أبو إسحاق الفزاري هذا الحديث عن الأعمش والثوري فيكون الأعمش متابعًا للثوري.
وقد ذكر الدارقطني أن ممن رواه من أصحاب الثوري، فضيل بن عياض وغيره.
كما ذكر ممن تابع الثوري -الأعمش والحسين الحلقاني ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والعوام بن حوشب وشعبة كل هؤلاء تابعوا الثوري فرووه عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن ابن مسعود (٦) به واقتصروا على الشطر الأول.
والحاصل أن الذين عرفنا أسماءهم ممن روى هذا الحديث عن الثوري مقتصرين على الشطر الأول، هم عشرة وهم ثقات أثبات، وهم أوثق أصحاب الثوري، بل أوثق تلك الطبقة على الإطلاق، وخالفهم عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، فزاد الشطر الثاني: "حياتي خير لكم … ".
стр. 738
فهذه الزيادة شاذة، أو منكرة، فعلى قول من وثق عبد المجيد فهي شاذة، وعلى قول من ضعفه فهي منكرة وذلك لتفرده بها ومخالفته بذلك الثقات، مع أنه مختلف فيه فقد وثقه بعضهم وضعفه بعضهم، وهم كثيرون وممن وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود.
وهؤلاء الذين وثقوه بينوا مع ذلك أنه مبتدع داعية في الأرجاء.
وممن ضعفه الحميدي وأبو حاتم وعبد الرزاق والدارقطني ومحمد بن يحيى وابن سعد والساجي وابن حبان، وبين هؤلاء الذين ضعفوه أنه روي أحاديث عن ابن جريج لم يتابع عليها، وروي عن مالك أحاديث أخطأ فيها، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار ويروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك (١).
وهذا الجرح المفسر مقدم على التوثيق مع أن الذين وثقوه بينوا أنه داعية إلى الإرجاء.
وأيضًا فلو قلنا: إنه ثقة يكون هذا الحديث شاذًا لأنه من مخالفة الثقة لمن هو أرجح منه ضبطًا واتقانًا وعددًا.
كل واحد منهم أعلى مكانة من عبد المجيد، ويعرف هذا بالرجوع إلى تراجمهم، وفيهم من هو في أعلى درجات الحفظ والإتقان باتفاق المحدثين، كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان ووكيع بن الجراح وابن المبارك وأبي إسحاق الفزاري فهؤلاء أئمة الحديث ورؤساء تلك الطبقة وأخص أصحاب الثوري.
стр. 739
فلو خالف عبد المجيد واحدًا من هؤلاء -يعد شاذًا فكيف وقد خالف جميعهم؟ فهو شاذ بدون أدنى شك، بل يمكن اعتبار هذه الزيادة منكرة باعتبار الكلام الذي في عبد المجيد.
وربما يقول قائل: إن هذه الزيادة تعد من زيادة الثقة باعتبار قول من وثق عبد المجيد فلا بأس بها. فنقول جوابًا لهذا الادعاء المفترض:
هذه القاعدة ليست مطردة عند نقاد الحديث، وإنما كانوا ينظرون إلى القرائن والأحوال (١).
فالذي يدل عليه كلام الحفاظ مثل أحمد وغيره أن زيادة الثقة إن لم يكن مبرزًا في الحديث والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة ولم يتابع عليها فلا يقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزًا في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عن أحمد روايتان (٢).
وقد نقل الحافظ ابن حجر عن العلائي قوله: "وكلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث حديث" (٣).
ووجه عدم قبول زيادة الثقة مطلقًا -هو لأجل ما يحصل من غلبة الظن أن الثقة الواحد الزائد هو الذي أخطأ، حيث إن مخرج الحديث واحد فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه، ويرويه ثقة دونهم في
стр. 740
الضبط والاتقان على وجه يشتمل على زيادة تخالف ما رووه إما في المتن وإما في الإسناد، فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو كثرتهم، أو لهما معًا كما هنا؟ ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعتني بمروياته كالزهري وأضرابه مثل الثوري كما هنا.
بحيث يقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها ولما تطابقوا على تركها، والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة (١).
فحاصل كلام الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظًا متقنًا حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر منه عددًا أو كان فيهم من هو أحفظ منه أو كان غير حافظ، ولو كان في الأصل صدوقًا فإن زيادته لا تقبل (٢).
فاتضح مما سبق أن هذا الحديث ضعيف، وقد ضعفه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة رقم ٩٧٥، وفي ضعيف الجامع رقم ٢٧٤٥ و ٢٧٤٦، وقال: "فاتفاق جماعة من الثقات على رواية الحديث عن سفيان دون آخر الحديث: "حياتي … " ثم متابعة الأعمش له على ذلك، مما يدل عندي على شذوذ هذه الزيادة لتفرد عبد الحميد بن عبد العزيز بها، لاسيما وهو متكلم فيه من قبل حفظه … ثم نقل الكلام فيه وقال:
"وإذا عرفت ما تقدم فقول الحافظ الهيثمي في المجمع: ٦/ ٢٤ رواه البزار ورجاله رجال الصحيح فهو يوهم أنه ليس فيهم من هو متكلم فيه.
ولعل السيوطي اغتر بهذا حين قال في الخصائص الكبرى: ٢/ ٢٨١، سنده صحيح، ولهذا فإني أقول: إن الحافظ العراقي -شيخ الهيثمي- كان أدق في التعبير عن حقيقة إسناد البزار حين قال عنه في تخريج الإحياء: ٤/ ١٢٨: