طرق متعددة، فهو مشهور مستفيض عن الثوري قد رواه عنه عدد كثير اطلعنا على رواية نحو عشرة منهم، وهم: عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعبدالله بن المبارك، ومعاذ بن معاذ، وعبد الرزاق بن همام وعبدالله بن نمير، ومحمد بن يوسف الفريابي وأبو إسحاق الفزاري، وفضيل بن عياض.
وإليك تفصيل هذه الطرق ومن أخرجها:
طريق عبد الرحمن بن مهدي: أخرجه أحمد في المسند (١).
طريق القطان: أخرجه إسماعيل القاضي (٢).
طريق وكيع: أخرجه ابن أبي شيبة (٣)، وأحمد (٤)، والنسائي (٥)، وابن حبان (٦).
طريق ابن المبارك: أخرجه النسائي (٧).
طريق معاذ بن معاذ: أخرجه أحمد (٨)، والنسائي (٩).
طريق عبد الرزاق: أخرجه هو في مصنفه (١٠)، ومن طريقه النسائي والطبراني (١١).
طريق عبدالله بن نمير: أخرجه أحمد (١٢).
стр. 737
طريق الفريابي: أخرجه الدارمي (١).
طريق أبي إسحاق الفزاري: أخرجه الحاكم (٢)، والطبراني (٣)، وأبو نعيم (٤).
طريق فضيل بن عياض أخرجه الطبراني (٥).
وقد روى أبو إسحاق الفزاري هذا الحديث عن الأعمش والثوري فيكون الأعمش متابعًا للثوري.
وقد ذكر الدارقطني أن ممن رواه من أصحاب الثوري، فضيل بن عياض وغيره.
كما ذكر ممن تابع الثوري -الأعمش والحسين الحلقاني ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والعوام بن حوشب وشعبة كل هؤلاء تابعوا الثوري فرووه عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن ابن مسعود (٦) به واقتصروا على الشطر الأول.
والحاصل أن الذين عرفنا أسماءهم ممن روى هذا الحديث عن الثوري مقتصرين على الشطر الأول، هم عشرة وهم ثقات أثبات، وهم أوثق أصحاب الثوري، بل أوثق تلك الطبقة على الإطلاق، وخالفهم عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، فزاد الشطر الثاني: "حياتي خير لكم … ".
стр. 738
فهذه الزيادة شاذة، أو منكرة، فعلى قول من وثق عبد المجيد فهي شاذة، وعلى قول من ضعفه فهي منكرة وذلك لتفرده بها ومخالفته بذلك الثقات، مع أنه مختلف فيه فقد وثقه بعضهم وضعفه بعضهم، وهم كثيرون وممن وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود.
وهؤلاء الذين وثقوه بينوا مع ذلك أنه مبتدع داعية في الأرجاء.
وممن ضعفه الحميدي وأبو حاتم وعبد الرزاق والدارقطني ومحمد بن يحيى وابن سعد والساجي وابن حبان، وبين هؤلاء الذين ضعفوه أنه روي أحاديث عن ابن جريج لم يتابع عليها، وروي عن مالك أحاديث أخطأ فيها، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار ويروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك (١).
وهذا الجرح المفسر مقدم على التوثيق مع أن الذين وثقوه بينوا أنه داعية إلى الإرجاء.
وأيضًا فلو قلنا: إنه ثقة يكون هذا الحديث شاذًا لأنه من مخالفة الثقة لمن هو أرجح منه ضبطًا واتقانًا وعددًا.
كل واحد منهم أعلى مكانة من عبد المجيد، ويعرف هذا بالرجوع إلى تراجمهم، وفيهم من هو في أعلى درجات الحفظ والإتقان باتفاق المحدثين، كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان ووكيع بن الجراح وابن المبارك وأبي إسحاق الفزاري فهؤلاء أئمة الحديث ورؤساء تلك الطبقة وأخص أصحاب الثوري.
стр. 739
فلو خالف عبد المجيد واحدًا من هؤلاء -يعد شاذًا فكيف وقد خالف جميعهم؟ فهو شاذ بدون أدنى شك، بل يمكن اعتبار هذه الزيادة منكرة باعتبار الكلام الذي في عبد المجيد.
وربما يقول قائل: إن هذه الزيادة تعد من زيادة الثقة باعتبار قول من وثق عبد المجيد فلا بأس بها. فنقول جوابًا لهذا الادعاء المفترض:
هذه القاعدة ليست مطردة عند نقاد الحديث، وإنما كانوا ينظرون إلى القرائن والأحوال (١).
فالذي يدل عليه كلام الحفاظ مثل أحمد وغيره أن زيادة الثقة إن لم يكن مبرزًا في الحديث والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة ولم يتابع عليها فلا يقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزًا في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عن أحمد روايتان (٢).
وقد نقل الحافظ ابن حجر عن العلائي قوله: "وكلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث حديث" (٣).
ووجه عدم قبول زيادة الثقة مطلقًا -هو لأجل ما يحصل من غلبة الظن أن الثقة الواحد الزائد هو الذي أخطأ، حيث إن مخرج الحديث واحد فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه، ويرويه ثقة دونهم في
стр. 740
الضبط والاتقان على وجه يشتمل على زيادة تخالف ما رووه إما في المتن وإما في الإسناد، فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو كثرتهم، أو لهما معًا كما هنا؟ ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعتني بمروياته كالزهري وأضرابه مثل الثوري كما هنا.
بحيث يقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها ولما تطابقوا على تركها، والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة (١).
فحاصل كلام الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظًا متقنًا حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر منه عددًا أو كان فيهم من هو أحفظ منه أو كان غير حافظ، ولو كان في الأصل صدوقًا فإن زيادته لا تقبل (٢).
فاتضح مما سبق أن هذا الحديث ضعيف، وقد ضعفه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة رقم ٩٧٥، وفي ضعيف الجامع رقم ٢٧٤٥ و ٢٧٤٦، وقال: "فاتفاق جماعة من الثقات على رواية الحديث عن سفيان دون آخر الحديث: "حياتي … " ثم متابعة الأعمش له على ذلك، مما يدل عندي على شذوذ هذه الزيادة لتفرد عبد الحميد بن عبد العزيز بها، لاسيما وهو متكلم فيه من قبل حفظه … ثم نقل الكلام فيه وقال:
"وإذا عرفت ما تقدم فقول الحافظ الهيثمي في المجمع: ٦/ ٢٤ رواه البزار ورجاله رجال الصحيح فهو يوهم أنه ليس فيهم من هو متكلم فيه.
ولعل السيوطي اغتر بهذا حين قال في الخصائص الكبرى: ٢/ ٢٨١، سنده صحيح، ولهذا فإني أقول: إن الحافظ العراقي -شيخ الهيثمي- كان أدق في التعبير عن حقيقة إسناد البزار حين قال عنه في تخريج الإحياء: ٤/ ١٢٨:
стр. 741
"ورجاله رجال الصحيح إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي فقد ضعفه بعضهم".
قلت: وأما قوله هو أو ابنه في طرح التثريب في شرح التقريب: ٣/ ٢٩٧: "إسناده جيد" فهو غير جيد عندي، وكان يكون كذلك لولا مخالفة عبد المجيد للثقات على ما سبق فهي علة الحديث (١) ".
وقد أشار إلى هذه العلة البزار (٢) والحافظ ابن كثير (٣). وقد سبقا الألباني.
ولهذا فاتهام الألباني (٤) بعدم الإنصاف مردود بقول هذين الحافظين.
هذا وفي الحديث علة أخرى وهي أن عبد المجيد قد وصفه كثير من النقاد بأنه داعية إلى الإرجاء وأنه غال في ذلك.
وهذا الحديث يؤيد مذهبه لأنه يدل على أن النبي ﷺ يستغفر لأمته ومن يستغفر له الرسول ﷺ دائمًا فلا يخاف عليه من المعاصي ما دام يشهد بالإسلام، وهذا المعنى يقوي مذهب الإرجاء.
وقد ذهب علماء الجرح والتعديل إلى أن الداعية لا يقبل حديثه فيما يؤيد مذهبه لا سيما إذا كان غاليًا في هواه، وهذا المذهب هو الصحيح في رواية المبتدع (٥).
стр. 742
كما أن في الحديث علة أخرى وهي أن هذا الحديث روي عن ابن مسعود مرفوعًا في عرض الأعمال على الله تعالى.
وهو ما رواه ابن عدي من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال:
"تعرض أعمال بني آدم في كل يوم اثنين، وفي كل يوم خميس فيرحم المترحمين ويغفر للمستغفرين ويترك أهل الحقد بغلهم".
أخرجه ابن عدي في ترجمة عبيد الله بن زحر مشيرًا إلى أنه مما أنكر عليه حيث قال في آخر كلامه: "ولعبيد الله بن زحر غير ما ذكرت من الحديث ويقع في أحاديثه ما لا يتابع عليه" (١).
وقد وثقه بعضهم وضعفه بعضهم حتى قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيدالله وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن - لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم (٢).
وهذه الطريقة وإن كانت ضعيفة لكنها يمكن أن يعل بها الحديث، إذ هذه الطريقة واردة في حق الله تعالى، والسابقة في حق الرسول ﷺ .
هذا وللحديث طريقان آخران:
أ - أحدهما: عن أنس وله عنه طريقان فيهما كذابان:
أولاهما: طريق أبي سعيد الحسن بن علي العدوي ثنا خراش ثنا مولاي أنس قال رسول الله ﷺ : "حياتي خير لكم، وموتي خير لكم، أما حياتي فأحدث لكم وأما موتي فتعرض علي أعمالكم عشية الاثنين
стр. 743
والخميس، فما كان من عمل صالح حمدت الله عليه، وما كان من عمل سيئ، استغفرت لكم" (١).
فالعدوي الحسين بن علي كذاب اتهمه بالكذب ابن عدي (٢) وابن حبان (٣) وقال الدارقطني: كذاب على رسول الله ﷺ يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل (٤).
وخراش بن عبدالله قال ابن عدي: مجهول (٥) وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا للاعتبار ثم ذكر حديثًا من روايته فقال مع أشياء تشبه هذا إذا تأملها من هذا الشأن صناعته علم أنه كان يضع الحديث (٦).
فبهذا يعرف أن هذه الطريقة موضوعة فلا يفرح بها (٧).
ثانيهما: طريق يحيى بن خدام حدثنا محمد بن عبد الملك بن زياد أبو سلمة الأنصاري ثنا مالك بن دينار عن أنس به نحوه وفيه: "تعرض علي أعمالكم كل خميس" (٨). فهذه الطريقة أيضًا موضوعة لأن الأنصاري أبا سلمة قال فيه العقيلي: منكر الحديث (٩). وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، لا يجوز الاحتجاج به بحال (١٠).
стр. 744
وقال ابن طاهر: "كذاب وله طامات" (١)، وقال الذهبي: متهم (٢).
وأما يحيى بن خدام فقال الذهبي: صدوق إن شاء الله ما علمت به بأسًا إلا قول أبي أحمد الحاكم الحافظ في الكنى في ترجمة أبي سلمة وروى عنه يحيى بن خدام أحاديث منكرة فالله أعلم الحمل فيها على أبي سلمة أو على ابن خدام (٣).
ب - وثانيهما: حديث عن التابعي بكر بن عبدالله المزني مرسلًا، وله عنه ثلاث طرق:
الأولى: عن غالب القطان عنه أخرجه ابن سعد من طريق (٤) وإسماعيل القاضي (٥) قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: ثنا حماد بن زيد قال: حدثنا غالب القطان به.
وقد صحح هذا الإسناد ابن عبد الهادي إلى بكر المزني (٦).
الثانية: عن كثير بن يسار أبي الفضل عنه، أخرجه إسماعيل القاضي (٧) حدثنا الحجاج بن منهال قال: ثنا حماد بن سلمة عن كثير أبي الفضل به.
الثالثة: عن جسر بن فرقد عنه، أخرجه الحارث بن أبي أسامة عنه في مسنده (٨) من طريق جسر بن فرقد عن بكر به، وهذا إسناد ضعيف
стр. 745
لاتفاقهم على ضعف جسر بن فرقد (١) وبهذا نعلم مدى عدم صحة ما قاله بعضهم: رواه أيضًا الحارث بن أسامة في مسنده بسند صحيح (٢). فكيف يكون السند صحيحًا وفيه من اتفق النقاد على تضعيفه؟
والحاصل أن الحديث بجميع طرقه ضعيف، وأحسنها مرسل بكر بن عبدالله المزني، ومن المعروف أن المرسل من أقسام الضعيف لا يحتج به، ولا يمكن تقويته بالطريقين الآخرين لشدة ضعف حديث أنس، حيث إن فيه وضاعًا ولنكارة حديث ابن مسعود.
وهذا هو الذي تقتضيه الصناعة الحديثية لا ما ادعاه الغماري من أنها تقتضي تصحيحه وأن من ضعفه ليس بمنصف (٣).
وأما من ناحية المتن فمن وجوه:
أ - إنه ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الأعمال تعرض على الله يوم الاثنين والخميس، فقد روى أبو هريرة مرفوعًا: "تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين، فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا إلا امرءًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اركوا (٤) هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا" (٥).
وفي حديث أسامة بن زيد ﵄: "ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" (٦).
стр. 746
فإذا ثبت بهذا عرض الأعمال على الله كل خميس واثنين يكون القول بثبوت هذا العرض على النبي ﷺ تشريكًا للمخلوق بالخالق، وتشبيهًا للمخلوق بالخالق، مع أن النبي ﷺ نفسه في حياته كان يحب أن تعرض أعماله على الله وهو صائم فكيف يقال: إن الأعمال تعرض عليه ﷺ ؟
وعلى هذا فيحتمل أن بعض الرواة جعل للنبي ﷺ ما ورد في حق الله تعالى، ويقوى هذا الاحتمال ما تقدم من أن حديث ابن مسعود في عرض الأعمال على النبي ﷺ قد ورد في لفظ بعرض الأعمال على الله، وإن كانت الرواية ضعيفة، لأن الحديث طرقه لا تخلو من ضعف فيمكن إعلال بعضها ببعض.
ب - إن النبي صلوات الله وسلامه عليه لما كان في الحياة الدنيوية لم يكن يعلم بأحوال من غاب عنه إلا عندما يوحى إليه.
وقد أمره الله تعالى أن يبين للناس أنه لا يعلم الغيب إلا في الأمور التي أوحى إليه فيها، وأما العلم بكل الأشياء من جميع المغيبات وجميع أحوال من غاب عنه من أصحابه - فهذا هو الذي أمره الله أن يبين للناس أنه لا يعلمه-، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
والأحاديث الدالة على هذا كثيرة، منها قصة الإفك، فلم يعلم النبي ﷺ براءة عائشة ﵂ إلا بعد نزول القرآن، وقصة ضياع عقد عائشة حيث أمر بطلبه مع وجوده تحت البعير الذي تركبه عائشة ﵂ (١).
والحاصل أنه إذا كان صلوات الله وسلامه عليه لا يعلم الغيب إلا ما
стр. 747
علّمه الله في الدنيا، فكيف نقول بعلمه في البرزخ؟ إلا على قول الغلاة الذين قالوا: إن علم الله تعالى وعلم النبي ﷺ ، متساويان، وأن آية سورة الأعراف الماضية إنما كانت في أول الأمر قبل أن يوحى إليه بجميع الغيب (١).
فعلى هذا القول فقط يمكن الادعاء، وبطلان هذا القول واضح لا شك فيه وكذلك ما يلزم منه هذا القول فهو باطل.
جـ - إن هذا الحديث يخالف الأحاديث الصحيحة الثابتة، منها حديث الحوض المتواتر حيث ورد فيه: "ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول أصحابي فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي" (٢). وفي رواية أبي هريرة عند البخاري: "إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك" (٣).
فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على عدم علم النبي ﷺ بما أحدثه هؤلاء بعده صلوات الله وسلامه عليه، فيناقض حديث عرض الأعمال
стр. 748
الذي يدل على علمه بأعمال أمته، فهذا ضعيف وذاك متواتر، ومن المعروف أن القطعي لا يعارض بالضعيف وإنما يكون مردودًا.
د - إن العرض إنما ثبت في الصلاة على النبي ﷺ خاصة دون سائر الأعمال كما في حديث أوس بن ثابت ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي، قال: فقالوا: يا رسول الله فكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟، قال: يقولون بليت، قال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء ﷺ " (١).
وإذا ثبت عرض الصلاة على النبي ﷺ فيقال: لماذا خص الصلاة إذا كانت كل الأعمال تعرض عليه فيكون التخصيص بدون فائدة؟
فعلى هذا يحتمل أن بعض الرواة ظن عموم عرض الأعمال استنباطًا من عرض الصلاة فروى بالعموم.
ومما يقوي هذا الاحتمال أن حديث ابن مسعود السابق اتفق أغلب الرواة على رواية عرض الصلاة فقط، وانفرد عبد المجيد بن عبد العزيز
стр. 749
برواية عرض الأعمال عامة، وقد قال شيخ الإسلام ﵀ بعد أن أورد نصوصًا في عرض الصلاة على النبي ﷺ : "فهذه النصوص التي ذكرنا تدل على أنه يسمع سلام القريب، ويبلغ سلام البعيد وصلاته، لا أنه يسمع ذلك من المصلي والمسلم، وإذا لم يسمع الصلاة والسلام من البعيد إلا بواسطة فإنه لا يسمع دعاء الغائب واستغاثته بطريق الأولى والأحرى، والنص إنما يدل على أن الملائكة تبلغه الصلاة والسلام ولم يدل على أنه يبلغه غير ذلك" (١).
وقال ﵀ أيضًا: "وقول القائل: إنه يسمع الصلاة من البعيد ممتنع، فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه هو يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد، فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق أصوات العباد كلهم … " (٢).
هـ - ثم إنه لو ثبت عرض الأعمال لا يصح الاستدلال به علي جواز الدعاء بالرسول ﷺ أو دعائه، وذلك لأمور:
١ - إنه ﷺ كان يستغفر لأمته في حياته فلم يكن الصحابة يسألون الله تعالى بذلك الاستغفار، ولم يدعوا الرسول ﷺ به مع أنه أبلغ وأقطع من استغفاره بعد موته.
٢ - الدعاء عبادة، ولم يشرع لنا هذا الدعاء لأنه لو شرع لسبقنا إليه خير القرون، ومن قال بمشروعيته فقد جهلهم (٣).
стр. 750
٣ - إن عرض الأعمال على فرض ثبوته يكون مثل ما كان يقع في حياة النبي ﷺ من الأخبار التي تصله عن بعض الصحابة الذين غابوا عنه، إما في سرية أو تجارة أو الذين هاجروا إلى الحبشة أو المدينة وهو في مكة، ولم يثبت أن أحدًا من هؤلاء الصحابة ممن وقعوا في الشدة والكرب أنهم استغاثوا بالنبي ﷺ ، فقد وقع كثير منهم في الشدة كما في قصة خبيب بن عدي، وأصحاب بئر معونة (١)، والمهاجرين إلى الحبشة الذين طال مكثهم هناك أكثر من عشر سنوات ومرت عليهم ظروف قاسية (٢). لم ينقل أنهم استغاثوا بالنبي ﷺ ولا توسلوا بجاهه، وقد قال خبيب بن عدي عندما أرادوا قتله:
لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا … قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
إلى أن قال:
إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي … وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي … فقد بضعوا لحمى وقد ياس مطمعي" (٣).
ولم يقل خبيب: إلى رسول الله أشكو بل إلى الله أشكو بصيغة الحصر بتقديم الجار والمجرور. وقد أُقِرُّوا على هذا من الرسول الكريم ﷺ .
ولو تتبع ما وقع للصحابة من الشدائد في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته لطال البحث.
والمقصود أنهم لم يدعوا باستغفار الرسول ﷺ ولا توسلوا بذلك.
٤ - ثم إن الله حذر من دعاء الملائكة والأنبياء في
стр. 751
قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧]، فنهى سبحانه عن دعاء الملائكة والأنبياء مع إخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون، ومع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم، وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإن قُدِّرَ أنهم تعرض عليهم أعمال الأحياء وأنهم يدعون لذلك فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك ولم يفعل ذلك أحد من السلف، لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله تعالى، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته، فإنه لا يفضي إلى الشرك لأنهم لا يقرون أحدًا على الشرك.
ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالأمر الكوني، فلا يؤثر فيه سؤال السائلين، بخلاف سؤال أحدهم في حياته، فإنه يشرع إجابة السائل، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم فما يفعلونه بعد الموت فهو أمر محدود يفعلون منه ما أمر الله به، لا يزداد بسؤال السائلين فليس في سؤالهم إياه منفعة بل مضرة (١).
ثم إنهم إذا شفعوا لعبد بعد إذن الله لهم - شفعوا رغبة في رضا الله تعالى وطاعة له فقط (٢).
وأما تأييد الحديث (٣) بما ثبت من شهادته ﷺ على أمته يوم القيامة بالقول بأن ذلك يستلزم علمه بأعمالها - فمنقوض من وجوه:
١ - إن شهادته ﷺ لا يلزم أن تكون على أعمالهم بالتفصيل وإنما
стр. 752
هي خاصة بالشهادة بإيمانهم به وبما جاء به وبأنه بلغهم، كما قاله ابن جرير ونقله أيضًا عن عطاء وقتادة (١)، وهذا هو قول المفسرين.
٢ - إن هذه الشهادة قد جاء تفسيرها مرفوعًا من حديث ابن مسعود: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ قال: قال رسول الله ﷺ : "شهيدًا عليهم ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد" (٢).
فعلى هذا التفسير فهي خاصة بدوام النبي ﷺ في الأمة ولا تشمل ما بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه.
٣ - هذه الشهادة التي ثبتت للرسول ﷺ مثل شهادة باقي الأنبياء على أممهم، وقد صرح في قصة عيسى أنها شهادة مقيدة بدوام عيسى ﵇ في قومه ولا تعم ما بعد الموت، قال تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٧].
стр. 753
٤ - هذه الشهادة مثل شهادة هذه الأمة على الأمم السابقة، ولم يلزم من ذلك اطلاع هذه الأمة على تفاصيل أحوال الأمم السابقة كما هو واضح.
٥ - هذه الشهادة جاء تفسيرها وبيان كيفيتها في الأحاديث الصحيحة منها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًا، فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط: العدل" (١). فقد صرح في هذا الحديث بأن هذه الأمة ونبيها يشهدون لنوح ﵇ بالتبليغ فقط وعلى هذا تكون شهادة النبي ﷺ لهذه الأمة أيضًا بتبليغها وإيمانها فقط، وليس على جميع أعمال الأمة والله أعلم، فاتضح مما سبق أن شهادته ﷺ على أمته لا تقتضي ولا تستلزم أن تعرض أعمالهم عليه.
وأما الأثر الذي استدل به (٢) الغماري لتقوية الحديث وهو ما رواه ابن المبارك أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: "ليس من يوم إلا يعرض فيه على النبي ﷺ أمته غدوة وعشيًا، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم. يقول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ (٣).
فقد قال ابن كثير ﵀: "إنه أثر، وفيه انقطاع، فإن فيه رجلًا مبهمًا لم يسم وهو من كلام سعيد بن المسيب لم يرفعه" (٤) أي فهو
стр. 754
ضعيف لوجود هذه العلل من جهالة الرجل الأنصاري، وكونه مقطوعًا أي من كلام التابعي لم يرفعه، حتى تقول: إنه مرسل يحتج به عند بعضهم، ثم هو معارض بالأدلة القطعية مثل ما سبق في حديث الحوض حيث صرح هنا بأنه يعرفهم بأسمائهم وأعمالهم مع أنه يقال له: لا تدري ما أحدثوا بعدك. وعبارة ابن كثير المتقدمة أدق من قول الحافظ ابن حجر في أثر سعيد بن المسيب إنه مرسل (١).
فقد تعلق الغماري بعبارة الحافظ بأنه مرسل، والصحيح ما قاله ابن كثير من أنه ليس مرسلًا لأنه لم يرفعه فلا ينفع القول بأن مراسيل ابن المسيب قوية.
ثم هذا الأثر في هذه الآية معارض بثلاثة أحاديث مرفوعة وردت في تفسير الآية وهي:
١ - حديث ابن فضالة، فقد أخرج الطبراني وابن أبي حاتم وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن فضالة الظفري عن أبيه "أن النبي ﷺ أتاهم في بني ظفر ومعه ابن مسعود وناس من أصحابه فأمر قارئًا فقرأ، فأتى على هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فبكى حتى ضرب لحياه ووجنتاه، فقال: يا رب هذا على من أنا بين ظهرانيه فكيف بمن لم أره؟ " (٢).
٢ - حديث عبد الرحمن بن لبيبة عن أبيه قال: "كان إذا قرأ هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا … ﴾ بكى رسول الله ﷺ : وقال: "يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهرانيه فكيف بمن لم أره؟ " (٣).
٣ - حديث ابن مسعود الذي تقدم (٤).
стр. 755
٤ - ويؤيد هذه الأحاديث ما ورد في عيسى من قوله: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا .... ﴾ الآية [المائدة: ١١٧]، وأما ما قاله الحافظ ابن حجر ﵀ بعد ذكره لأثر سعيد بن المسيب: "ففي هذا المرسل ما يرفع الإشكال الذي تضمنه حديث ابن فضالة والله أعلم" (١) فقد سبق أنه ليس مرسلاً وإنما هو مقطوع، ويعترض عليه بما سبق بيانه من الأدلة القاطعة على عدم العرض، فلو صحت أحاديث العرض يمكن أن يلجأ إلى الجمع، وأما ما دام أنها ضعيفة فلا يمكن أن تعارض الأدلة الصحيحة كما هو معروف في فمن المصطلح من أنه لا يعل الصحيح بالضعيف، كما أن الأحاديث الواردة في تفسير الآية أقوى بمجموعها من أثر ابن المسيب.
وقد ذهب ابن كثير (٢) إلى ترجيح حديثي ابن فضالة وابن مسعود على أثر سعيد بن المسيب، وهذا الذي ذهب إليه ابن كثير هو الراجح لما تقدم من الأدلة الكثيرة الشاهدة له والله أعلم ..
وبهذا اتضح سقوط احتجاجهم بحديث العرض وعليه نقتصر لأنَّه أهم حديث ضعيف يدل لقولهم، والآن نبدأ في مناقشة الأحاديث الواهية والموضوعة وبالله التوفيق ومنه نستمد العون والسداد.
стр. 756
المبحث الثاني الأحاديث الواهية والموضوعة
ومن الأحاديث الواهية التي احتجوا بها (١):
ما روي عن سواد بن قارب من أنه أنشد بين يدي رسول الله ﷺ أبياتاً منها:
فأشهد أن الله لا رب غيره … وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة … إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة … بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
قالوا: لم ينكر عليه رسول الله ﷺ قوله أدنى المرسلين وسيلة، ولا قوله وكن لي شفيعاً.
الجواب عن هذين البيتين من ناحيتين:
أولاً: ناحية الإسناد:
قد روي خبر سواد بن قارب في صحيح البخاري في سؤال عمر بن الخطاب له عن إسلامه وما كانت تأتي به الجن وإخبارها له ببعثة النبي ﷺ
стр. 757
ولا يوجد في الصحيح محل الشاهد، وأما الطرق التي فيها محل الشاهد فكلها واهية جداً، وهذه الطرق هي نحو ستة طرق، وإليك بيانها:
أ - ما روي من طريق علي بن منصور الأنباري عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن محمد بن كعب القرظي قال: "بينما عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم جالس … فذكر سؤال عمر عن كهانته في الجاهلية وفي آخره أنه أتى النبي ﷺ فأنشده شعراً وفيه البيتان (١)، وهذا الإسناد فيه عدة علل:
١ - علي بن منصور مجهول كما قاله الذهبي (٢).
٢ - عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي متفق على تركه كما قاله الذهبي أيضاً (٣).
٣ - الانقطاع بين محمد بن كعب القرظي وعمر بن الخطاب إذ ولادة محمد بن كعب في سنة ٤٠ على الصحيح كما قاله الحافظ (٤)، فلم يدرك قصة عمر مع سواد بن قارب ﵄.
ولهذا قال الحافظان الذهبي وابن كثير رحمهما الله تعالى أن هذا الطريق منقطع (٥)، وذكر الهيثمي هذا الطريق وطريقاً آخر ثم قال: "وكلا الإسنادين ضعيف" (٦).
стр. 758
فتبين مما سبق أن هذه الطريقة واهية جداً لاجتماع هذه العلل الثلاثة فيها، إذ الواحدة منها كافية لإسقاطه عن الاعتبار فكيف وهي مجتمعة؟
ب - ما روي من طريق سعيد بن عبيد الله الوصافي عن أبيه عن أبي جعفر محمد بن علي وهو الباقر قال: دخل سواد بن قارب السدوسي على عمر بن الخطاب به وفيه قوله: وإنك أدنى المرسلين وسيلة، وليس فيه فكن لي شفيعاً (١)، وهذه الطريقة فيها عدة علل أيضاً.
١ - سعيد بن عبيد الله الوصافي ضعفه أبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات (٢). ومن المعروف تساهل ابن حبان في توثيق المجاهيل.
٢ - أبوه عبيد الله الوصافي تركه الفلاس والنسائي وابن حبان، وضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم (٣).
٣ - الانقطاع بين أبي جعفر الباقر وعمر بن الخطاب فإن أبا جعفر وُلِدَ وَالِدُه الذي هو زين العابدين بعد وفاة عمر فضلاً عنه (٤).
فتبين بهذا أن هذا الطريق ضعيف جداً لا يصلح للاعتبار والاعتضاد، وبما تقدم يعلم أن قول الحافظ في الفتح: وهما طريقان مرسلان يعضد أحدهما الآخر (٥). فيه نظر إذ أن كلاً منهما إسناده ضعيف جداً فكيف يصلح للاعتضاد؟ إلا إن أراد الحافظ أصل القصة لورودها في
стр. 759
الصحيح دون الزيادة التي في الطريقين المرسلين.
جـ - ما روي من طريق زياد بن يزيد بن بادويه أبو بكر القصري قال: حدثنا محمد بن تراس الكوفي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء قال: بينما عمر إلخ .. وفيه البيتان، وفيه أنك أدنى المرسلين شفاعة بدل وسيلة (١). فهذا الإسناد فيه عدة مقادح:
١ - أبو بكر القصري زياد بن يزيد مجهول.
٢ - محمد بن تراس الكوفي كذلك مجهول، قال ذلك فيهما الذهبي وسيأتي نص كلامه.
٣ - أبو بكر بن عياش ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه (٢).
٤ - وأبو إسحاق هو السبيعي، ثقة إلا أنه مدلس وقد اختلط (٣) ولم يصرح بالسماع، كما أن سماع أبي بكر بن عياش منه ليس بالقوي كما قاله أبو حاتم (٤)، وهذه العلل الثلاث الأخيرة ربما يستغنى عنها لأن الحمل على الضعيف أولى من الحمل على الثقة ولهذا لم يتعرض لها الذهبي، بل حمل على العلتين الأوليتين فقال: "هذا حديث منكر بالمرة، ومحمد بن تراس وزياد مجهولان لا تقبل روايتهما وأخاف أن يكون موضوعاً على أبي بكر بن عياش، ولكن أصل الحديث مشهور" (٥).
يريد قصة سواد بن قارب مع عمر بن الخطاب ﵄ وليس في أصل الحديث البيتان المذكوران.
стр. 760
وهذه الطريقة لا تصلح للاعتبار فقد خاف الذهبي أن تكون موضوعة.
د - ما روي من طريق الفضل بن عيسى القرشي عن العلاء بن زيدل عن أنس بن مالك فذكر القصة بطولها وفي آخرها قوله:
فكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة … سواك بمغن عن سواد بن قارب (١)
وهذه الطريقة فيها العلاء بن زيدل، قال فيه ابن المديني: يضع الحديث، وقال البخاري والعقيلي وابن عدي: منكر الحديث، وقال ابن حبان والحاكم: روى عن أنس نسخة موضوعة (٢).
وهذه الطريقة في غاية الضعف لا تصلح للاعتضاد كما هو واضح.
هـ - ما روي من طريق محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن عمر بن حفص، وفيه قوله: وكن لي شفيعاً (٣). والكلبي متهم بالكذب (٤).
و- ما روي من طريق الحسن بن عمارة عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: دخل سواد بن قارب على عمر فذكر الحديث بطوله (٥).
فهذه الطريقة أيضاً في غاية الوهن فالحسن بن عمارة قال فيه الحافظ: متروك (٦).
فتبين مما سبق أن هذه الطرق كلها واهية جداً لأنها لا تخلو من كذاب، أو متروك، أو مجهول، فمن هنا يعرف أنه لا يصلح الاحتجاج
стр. 761
بما ورد فيها من البيتين المذكورين، إذ يعد زيادة البيتين رواية منكرة لعدم وقوعها في روايات الثقات الذين رووا أصل القصة ولم يذكروا البيتين.
هذا ما يتعلق بناحية الإسناد.
ثانياً: ناحية المتن:
وأما ما يتعلق بالمتن فنقول وبالله التوفيق: إنه لو صحت هذه الطرق فلا دليل على المدعي لأمور (١):
فإن قوله: وإنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يحتمل في معناه أوجهاً:
أظهرها: أنه ﷺ أقرب المرسلين إلى الله منزلة ورتبة وقدراً وقد تقدم ذكر معنى الوسيلة وأنها تطلق على المنزلة (٢).
وثانيها: أنه وسيلة إلى الله في التبليغ والرسالة وأن شريعته أقرب إلى الله تعالى من شرائع المرسلين.
وثالثها: أنه وسيلة في الدعاء للناس حال حياته على معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ … ﴾ [النساء: ٦٤].
ومثل ذلك كونه وسيلة في الشفاعة العظمى يوم القيامة ..
ولا يفهم منه أنه وسيلة بعد الممات في الحياة البرزخية مع تلك الاحتمالات الظاهرة فمن ادعى فعليه البرهان، والدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال لاسيما أن تلك الاحتمالات أظهر من الاحتمال المدعي.
وأما قوله: وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة، فعلى تقدير ثبوته
стр. 762
فمعناه طلب الدعاء منه ﷺ بالشفاعة يوم القيامة بعد الإذن.
وهذا طلب من الرسول ﷺ ما يقدر عليه وهو الدعاء فلا يمكن أن يدعي أنه يدل على طلب الشفاعة أو الدعاء منه في الحياة البرزخية.
ومن الأحاديث الواهية التي احتجوا بها (١): خبر مازن بن الغضوب أو الغضوبة وهو ما روي من طريق هشام بن الكلبي عن أبيه قال: حدثني عبد الله العماني قال مازن بن الغضوبة فذكر حديثاً طويلاً وفيه أنه أنشد رسول الله ﷺ :
إليك رسول الله خبت مطيتي … تجوب الفيافي من عمان إلى العرج
لتشفع لي يا خير من وطئ الحصا … فيغفر لي ذنبي وأرجع بالفلج (٢)
الإسناد فيه:
هشام بن محمد بن السائب الكلبي متروك رافضي (٣)، وأبوه الكلبي كذلك متروك رافضي وقد تقدم (٤) آنفاً.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وكلاهما متروك (٥). وعلى كل فالحديث ضعيف جداً.
ولو صح فالمعنى واضح لا غبار عليه فهو في طلب الشفاعة من الرسول ﷺ في مغفرة الذنب مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤]، وذلك في حياة النبي ﷺ وهذا ليس من مورد النزاع.
стр. 763
توسل آدم بالنبي ﷺ :
وهو ما روي من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري حدثنا إسماعيل بن مسلمة أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر مرفوعاً: "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال: غفرت لك، ولولا محمد لما خلقتك" (١).
قد احتج جماعة بهذا (٢) الحديث على جواز التوسل بذات النبي ﷺ وقالوا: إن هذا توسل بذاته ولا يمكن القول بأن هذا توسل بدعائه لكونه قبل وجوده.
مناقشة هذا الحديث سنداً:
قد تكلم كبار نقاد الحديث وجهابذاته على هذا الحديث فحكموا بوضعه وبطلانه فمن الحفاظ الذين حكموا بوضعه وبطلانه:
стр. 764
١ - الذهبي فقد حكم بوضعه وبطلانه (١).
١ - وابن حجر حكم ببطلانه (٢).
٣ - وابن تيمية حكم بوضعه وبأنه لا أصل له (٣).
٤ - وابن عبد الهادي (٤).
٥ - والألباني (٥).
وعِيْبَ على الحاكم إخراج هذا الحديث وقوله: "صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب" (٦) مع أن الحاكم نفسه ذكر عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في كتابه "المدخل" في المجروحين وقال: "روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصناعة أن الحمل فيها عليه" (٧).
وأما محاولة (٨) تقوية عبد الرحمن بن زيد بأنه لم يتهم بالكذب فيرده كلام الحاكم نفسه السابق من أنه روى أحاديث موضوعة فهذه محاولة يائسة.
стр. 765
وكذلك تأييده (١) بالحكاية المكذوبة عن مالك وسيأتي مناقشتها قريباً.
هذا من ناحية السند، ومن ناحية المتن فالحديث منقوض بأوجه:
١ - إن الراجح في تفسير الكلمات التي تلقاها آدم ما ورد في آية أخرى ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وهذا ما رجحه إمام المفسرين الطبري (٢) ﵀، وأولى ما يفسر القرآن بالقرآن فإذا وجد فلا يعدل عنه.
٢ - قد ذكر ابن جرير وأبو حاتم الأقوال الواردة في تفسير الكلمات وليس فيها هذا المزعوم، وقد نص ابن أبي حاتم بأنه قد اختلف في تفسير الآية على ستة أوجه، ثم ذكرها واحدة تلو الأخرى ولم يذكر هذا (٣).
٣ - إن التفسير الذي ورد عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يخالف هذا.
فقد أخرج الطبري عن يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الآية، قال: لقاهما هذه الآية: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (٤).
فلو كان عند عبد الرحمن بن زيد حديث مرفوع في تفسير الآية لما عدل عنه إلى غيره.
٤ - ثم إن في الرواية أن آدم هو الذي اطلع بنفسه على اسم
стр. 766
النبي ﷺ والآية تدل على أنه تلقى الكلمات من الله تعالى، فهذه الرواية المكذوبة تخالف الآية.
٥ - لو كان آدم ﵇ قد قال هذا وحصلت له التوبة به لكانت أمة محمد ﵊ أحق به منه.
وقد علم كل عالم بالآثار أن النبي ﷺ لم يأمر أمته به، ولا نقل عن أحد من الصحابة الأخيار، ولا نقله أحد من العلماء الأبرار (١).
٦ - إن التوبة تكون بالاعتراف بالذنب والإقرار له والاستغفار، ويتضمن ذلك قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾.
وإذا حصلت المغفرة بالتوبة حصل المقصود بها لا بغيرها (٢).
٧ - إن من المعلوم بالاضطرار أن الكفار والفساق لا يحتاج أحدهم إذا تاب إلى الله بالإقسام بأحد فكيف يحتاج آدم إلى ما لا يحتاج إليه أحد من المذنبين؟ (٣).
٨ - ثم إنه لو ثبت لم يكن فيه حجة. لأنَّه شرع من قبلنا، وليس شرعاً لنا إلا إذا ورد شرعنا بموافقته ومن المعلوم أن شرعنا لم يرد بالإقسام بالمخلوق على الخالق في التوبة وغيرها.
٩ - إن (٤) هذه الرواية تخالف القطعي من خلق آدم وبنيه لأجل العبادة لا لأجل محمد ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقد ذكر علماء علوم الحديث أن علامات وضع الحديث من مخالفته للقطعي كما تقدم (٥).
стр. 767
١٠ - ومما يقوي وضع الحديث وبطلانه أن بعض الشيعة ذكروا بأسانيدهم عن أبي عبد الله (جعفر الصادق)، أن الله عرض على آدم في الميثاق ذريته وفيهم النبي ﷺ وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين فحسدهم، وفي رواية عندهم لم يقر بالولاية لهم فطرد لهذا من الجنة، فلما تاب من حسده وأقر بالولاية ودعا بحق الخمسة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين -غفر الله له- وذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (١).
والظاهر أن بعض الضعفاء نقل عن هؤلاء الروافض هذا الذي عندهم من توسل آدم بحق هؤلاء الخمسة، فقصره على النبي ﷺ ، ومثل هذا الصنيع معروف من الذين يسرقون الأحاديث فيركبون لها أسانيد أو متوناً بزيادة أو نقصان تعمية وإخفاء.
ومن العجب أن هؤلاء الذين ادعوا توسل آدم بالنبي ﷺ لم يقتصروا عليه، بل ما نجا نوح في السفينة ولا إبراهيم في النار إلا بالدعاء به وهذا عين ما تزعمه الروافض في أئمتهم.
قال زيني دحلان في المواهب: ويرحم الله ابن جابر حيث قال:
به قد أجاب الله آدم إذا دعا … ونجى في بطن السفينة نوح
وما ضرت النار الخليل لنوره … ومن أجله نال الفداء ذبيح" (٢).
حديث فاطمة بنت أسد:
وهو ما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما ماتت فاطمة
стр. 768
بنت أسد أم علي ﵂ دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها فقال: "رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعينني، وتعرين وتكسينني، وتمنعين نفسك طيباً وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة"، ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله ﷺ بيده، ثم خلع رسول الله ﷺ قميصه، فألبسها إياه، وكفنها ببرد فوقه ثم دعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ فاضطجع فيه، وقال: "الله الذي يحيى ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين" وكبر عليها أربعاً وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر ﵄.
فقد احتجوا (١) بهذا الحديث على جواز التوسل بالذوات.
والجواب عن هذا الحديث من ناحيتين:
أ - ناحية الإسناد: روي هذا الحديث عن أنس وابن عباس وجابر ﵃ وروي مرسلاً عن محمد بن الحنفية، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب.
١ - حديث أنس أخرجه الطبراني في الكبير (٢) والأوسط (٣)، ومن
стр. 769
طريقه أبو نعيم في الحلية (١) عن أحمد بن حماد -زغبة- (٢) حدثنا روح بن صلاح حدثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أنس، وهذا الإسناد فيه عدة علل:
أ - روح بن صلاح قد اختلفوا فيه وثقه ابن حبان والحاكم، وضعفه ابن عدي وقال بعد أن ساق له حديثين: له أحاديث ليست بالكثيرة، وفي بعض حديثه نكرة، وقال ابن ماكولا: ضعفوه، وقال ابن يونس: رويت له مناكير، وقال الدارقطني: ضعيف في الحديث (٣).
فالجرح هنا مقدم لأمرين:
١ - إن الذين ضعفوه الدارقطني، وابن عدي، من المعتدلين (٤)، وأما الذين وثقوه ابن حبان والحاكم فمعروفون بالتساهل (٥).
٢ - الجرح هنا مفسر وهو روايته المناكير.
ب - تفرده بهذا الحديث حيث لم يرو عن سفيان غيره، والتفرد عن مثل سفيان الثوري علة؛ لأن الشيخ إذا كان ممن يجمع حديثه كالثوري وانفرد أحد تلامذته عنه بحديث ولم يكن من الحفاظ المتقنين فإنه يرد ويعد منكراً (٦)، وهنا انفرد روح بهذا دون بقية أصحاب سفيان وليس هو من الحفاظ المتقنين، وقد أشار إلى هذه العلة الطبراني فقال: لم يرو هذا الحديث عن عاصم الأحول إلا سفيان الثوي تفرد به روح بن صلاح (٧)
стр. 770
كما أشار إلى ذلك أبو نعيم، فقال: غريب من حديث عاصم والثوري لم نكتبه إلا من حديث روح بن صلاح تفرد به (١).
وقد أعل هذا الحديث بهاتين العلتين الشيخ الألباني (٢) حفظه الله
ج - ثم إن في النفس شيئاً من سماعه من سفيان الثوري لأن صلاحاً توفي ٢٣٣ وهو مصري، ووفاة الثوري عام ١٦١ وبين الوفاتين ما يقارب ٧٤ سنة فلا بد لصحة سماعه من الثوري أن يكون سنه نحو عشرين سنة قبل وفاة الثوري حتى يمكن طلبه للعلم وسماعه من كبار الشيوخ.
ويقوي هذا أن ابن حبان عندما ذكره في الثقات قال: روح بن صلاح من أهل مصر يروي عن يحيى بن أيوب وأهل بلده (٣).
فخص روايته عن أهل بلده، والثوري كوفي، كما أنه لم يذكره المزي في تهذيبه في تلاميذ الثوري مع محاولته الاستقصاء.
٢ - حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في الأوسط (٤)، وابن عبد البر (٥) تعليقاً من طريق سعدان بن الوليد السابري عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله ﷺ قميصه، واضطجع معها في قبرها، فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه؟ فقال: إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منها إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت معها ليهون عليها.
وفي هذا الإسناد سعدان بن الوليد السابري، وهو مجهول، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعدان بن الوليد، ولم أعرفه
стр. 771
وبقية رجاله ثقات (١).
٣ - حديث جابر أخرجه ابن شبة (٢) من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جده عبد الله بن عقيل عن جابر به.
وهذه الطريقة ضعيفة جداً لأن فيها القاسم بن محمد الهاشمي، قال فيه أبو حاتم: متروك وقال أحمد: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: أحاديثه منكرة (٣).
٤ - مرسل محمد بن الحنفية: أخرجه ابن شبة (٤) من طريق عبد العزيز، وهو ابن محمد الدراوردي عن عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي بن أبي طالب به.
وليس فيه التوسل المذكور إلا أن فيه أنه قرأ فيه القرآن.
وهذا الإسناد فيه عبد العزيز وهو الدراوردي وهو مختلف فيه (٥) وهو مرسل أيضاً.
٥ - مرسل محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب:
أخرجه ابن أبي عاصم (٦) ومن طريقه ابن الأثير (٧) من طريق عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه أن رسول الله ﷺ كفن فاطمة بنت أسد في قميصه، واضطجع في قبرها وجزاها خيراً.
فعبد الله بن محمد هو العلوي، قال فيه الحافظ: مقبول (٨) ووالده
стр. 772
محمد بن عمر قال فيه أيضاً: صدوق من السادسة، وروايته عن جده مرسلة (١).
فإذا كانت روايته عن جده علي بن أبي طالب مرسلة فكيف بروايته المرفوعة؟ فهي معضلة.
والحاصل أنه قد تحصل لنا أن الحديث قد روي من خمسة طرق، ثلاثة موصولة ومرسلان فلم تخل واحدة منها من عدة علل فهو شديد الضعف، ومع هذا لم يرد التوسل المزعوم إلا في طريقة واحدة وهي طريق أنس، فهذه الأحاديث يمكن أن يعل بها الحديث لأن الكل ضعيف فيعل بعضه ببعض.
ولكن هذه الطرق الضعيفة تدل على أنه ﷺ لم يدع بالدعاء المزعوم، فتكون زيادة الدعاء الذي فيه التوسل منكرة.
هذا على فرض تقوية هذه الطرق مع أنها ضعيفة جداً لا يمكن تقويتها بمجيئها من عدة طرق، فلا يزيد بعضها بعضاً إلا وهناً وضعفاً.
هذا ما يتعلق بأسانيد هذا الحديث.
وأما من ناحية المتن فهو منقوض من عدة وجوه أيضاً:
أ - إن في (٢) هذا الحديث مبالغة وإطراء متجاوزاً المألوف في ذلك العهد النبوي.
ب - إن (٣) فيه ركاكة الألفاظ.
جـ - هذا الحديث يخالف هديه وسنته في غسل جنازة المرأة وذلك في أمور:
١ - سكبه بيده الشريفة لم يرد إلا في هذه القصة، وأما الذي ورد
стр. 773
في غسل بنته زينب أنه أمرهن بالغسل، ولم يسكب بنفسه، فقد روى البخاري ومسلم عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: "دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً، فإذا فرغتن فآذنني، قالت: فلما فرغنا ألقى إلينا حقوه فقال: أشعرنها إياه ولم يزد على ذلك. . ." (١).
٢ - ثم إلباسه إن كان بيده ففيه مخالفة هديه في كفن المرأة الذي دل عليه الحديث السابق.
٣ - إن الحفر بيده وإخراجه التراب بيده والاضطجاع فيه كلها لم تعهد إلا في هذا الحديث الضعيف، مخالفاً هديه ﷺ المشهور عنه وهو من المبالغة والإطراء.
٤ - ثم لفظُ الدعاء الذي بدأ بلفظ الغيبة ثم الخطاب بعيدٌ عن الأسلوب المعهود في الدعوات المأثورات "اللهم أنت … " ولم نر في غير هذا الدعاء (الله الذي. . .).
٥ - ومما يدل على ضعفه أن الراوي اعترف بأن النبي ﷺ لم يفعل هذه الأفعال إلا في هذه المرة، ولكنه أراد أن يبرر ذلك بما ذكره، وهيهات.
د - يمكن أن يكون هذا من وضع الغلاة في علي ﵁ ليرفعوا من شأنه وشأن أسرته بمثل هذه المبالغات، وأن بعضهم سرق ذلك منهم، ويؤيد ما نقول من المبالغة واحتمال أن بعضهم أخذه من الشيعة، أن الكليني روى بسنده عن أبي عبد الله ما يشبه هذه الروايات مع بعض الاختلاف وذكر أنه أدخلها القبر واضطجع فيه ثم زاد "أنه انكب عليها طويلاً يناجيها ويقول لها ابنك ابنك، ثم خرج وسوى عليها ثم
стр. 774
انكب على قبرها فسمعوه يقول: لا إله إلا الله اللهم إني استودعها إياك، ثم ذكر أنهم سألوه عن سبب الانكباب فأجاب بأنها سئلت عن ربها ورسولها فأجابت وسئلت عن وليها وإمامها فارتج عليها، فقلت ابنك ابنك" (١)، وهذا واضح أنه من وضع الشيعة.
من الأحاديث الموضوعة التي استدلوا بها حديث دعاء حفظ القرآن وعيسى وهو:
" اللهم إني أسألك بمحمد نبيك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيك، وعيسى كلمتك وروحك، وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد. . .".
استدل به بعضهم (٢) على جواز التوسل المبتدع.
وهذا الحديث قد روي من حديث أبي بكر الصديق وابن مسعود وابن عباس ومرسل الزهري.
أ - حديث أبي بكر الصديق أخرجه أبو الشيخ في كتاب ثواب (٣) الأعمال وأبو العباس ابن إبراهيم بن تركمان في كتاب الدعاء (٤). كلاهما من طريق الحسن بن عرفة العبدي حدثنا زيد بن الحباب العكلي حدثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني عن أبيه أن أبا بكر الصديق أتى النبي ﷺ فقال: إني أتعلم القرآن فيتفلت مني فقال النبي ﷺ قل: "اللهم. . .".
وهذا الحديث بهذا الإسناد موضوع كما أشار (٥) إلى ذلك شيخ
стр. 775
الإسلام ابن تيمية وابن الجوزي لأن فيه عبد الملك بن هارون بن عنترة وقد تقدم بيان أنه وضاع (١).
٢ - ثم إن أباه ضعفه الدارقطني أيضاً فقال: "وأبوه أيضاً متروك" (٢).
٣ - ثم الانقطاع بين هارون بن عنترة وبين الصديق كما في بعض الطرق فعلى هذا فهو إعضال كما عبر به السيوطي (٣). أو بين جد عبد الملك وهو عنترة الشيباني وبين الصديق. فعلى هذا يكون انقطاعاً كما عبر به أبو موسى المديني (٤).
٤ - وقد حكم نقاد الحديث بوضع هذا الحديث منهم ابن الجوزي وشيخ الإسلام (٥) والسيوطي (٦) وابن عراق (٧).
حديث ابن مسعود:
أخرجه الخطيب في الجامع من طريق موسى بن إبراهيم المروزي نا وكيع عن عبيدة عن شقيق عن ابن مسعود مرفوعاً وفيه: "أسألك بحق محمد رسولك ونبيك وإبراهيم خليلك. . ." (٨).
وهذا حديث موضوع أيضاً، قال الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة