← Акыда

Акыда · id 1201

الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية

جيلان بن خضر العروسي

Полный текст (973 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وبقية رجاله ثقات (١). ٣ - حديث جابر أخرجه ابن شبة (٢) من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جده عبد الله بن عقيل عن جابر به. وهذه الطريقة ضعيفة جداً لأن فيها القاسم بن محمد الهاشمي، قال فيه أبو حاتم: متروك وقال أحمد: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: أحاديثه منكرة (٣). ٤ - مرسل محمد بن الحنفية: أخرجه ابن شبة (٤) من طريق عبد العزيز، وهو ابن محمد الدراوردي عن عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي بن أبي طالب به. وليس فيه التوسل المذكور إلا أن فيه أنه قرأ فيه القرآن. وهذا الإسناد فيه عبد العزيز وهو الدراوردي وهو مختلف فيه (٥) وهو مرسل أيضاً. ٥ - مرسل محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: أخرجه ابن أبي عاصم (٦) ومن طريقه ابن الأثير (٧) من طريق عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه أن رسول الله ﷺ كفن فاطمة بنت أسد في قميصه، واضطجع في قبرها وجزاها خيراً. فعبد الله بن محمد هو العلوي، قال فيه الحافظ: مقبول (٨) ووالده

стр. 772

محمد بن عمر قال فيه أيضاً: صدوق من السادسة، وروايته عن جده مرسلة (١). فإذا كانت روايته عن جده علي بن أبي طالب مرسلة فكيف بروايته المرفوعة؟ فهي معضلة. والحاصل أنه قد تحصل لنا أن الحديث قد روي من خمسة طرق، ثلاثة موصولة ومرسلان فلم تخل واحدة منها من عدة علل فهو شديد الضعف، ومع هذا لم يرد التوسل المزعوم إلا في طريقة واحدة وهي طريق أنس، فهذه الأحاديث يمكن أن يعل بها الحديث لأن الكل ضعيف فيعل بعضه ببعض. ولكن هذه الطرق الضعيفة تدل على أنه ﷺ لم يدع بالدعاء المزعوم، فتكون زيادة الدعاء الذي فيه التوسل منكرة. هذا على فرض تقوية هذه الطرق مع أنها ضعيفة جداً لا يمكن تقويتها بمجيئها من عدة طرق، فلا يزيد بعضها بعضاً إلا وهناً وضعفاً. هذا ما يتعلق بأسانيد هذا الحديث. وأما من ناحية المتن فهو منقوض من عدة وجوه أيضاً: أ - إن في (٢) هذا الحديث مبالغة وإطراء متجاوزاً المألوف في ذلك العهد النبوي. ب - إن (٣) فيه ركاكة الألفاظ. جـ - هذا الحديث يخالف هديه وسنته في غسل جنازة المرأة وذلك في أمور: ١ - سكبه بيده الشريفة لم يرد إلا في هذه القصة، وأما الذي ورد

стр. 773

في غسل بنته زينب أنه أمرهن بالغسل، ولم يسكب بنفسه، فقد روى البخاري ومسلم عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: "دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً، فإذا فرغتن فآذنني، قالت: فلما فرغنا ألقى إلينا حقوه فقال: أشعرنها إياه ولم يزد على ذلك. . ." (١). ٢ - ثم إلباسه إن كان بيده ففيه مخالفة هديه في كفن المرأة الذي دل عليه الحديث السابق. ٣ - إن الحفر بيده وإخراجه التراب بيده والاضطجاع فيه كلها لم تعهد إلا في هذا الحديث الضعيف، مخالفاً هديه ﷺ المشهور عنه وهو من المبالغة والإطراء. ٤ - ثم لفظُ الدعاء الذي بدأ بلفظ الغيبة ثم الخطاب بعيدٌ عن الأسلوب المعهود في الدعوات المأثورات "اللهم أنت … " ولم نر في غير هذا الدعاء (الله الذي. . .). ٥ - ومما يدل على ضعفه أن الراوي اعترف بأن النبي ﷺ لم يفعل هذه الأفعال إلا في هذه المرة، ولكنه أراد أن يبرر ذلك بما ذكره، وهيهات. د - يمكن أن يكون هذا من وضع الغلاة في علي ﵁ ليرفعوا من شأنه وشأن أسرته بمثل هذه المبالغات، وأن بعضهم سرق ذلك منهم، ويؤيد ما نقول من المبالغة واحتمال أن بعضهم أخذه من الشيعة، أن الكليني روى بسنده عن أبي عبد الله ما يشبه هذه الروايات مع بعض الاختلاف وذكر أنه أدخلها القبر واضطجع فيه ثم زاد "أنه انكب عليها طويلاً يناجيها ويقول لها ابنك ابنك، ثم خرج وسوى عليها ثم

стр. 774

انكب على قبرها فسمعوه يقول: لا إله إلا الله اللهم إني استودعها إياك، ثم ذكر أنهم سألوه عن سبب الانكباب فأجاب بأنها سئلت عن ربها ورسولها فأجابت وسئلت عن وليها وإمامها فارتج عليها، فقلت ابنك ابنك" (١)، وهذا واضح أنه من وضع الشيعة. من الأحاديث الموضوعة التي استدلوا بها حديث دعاء حفظ القرآن وعيسى وهو: " اللهم إني أسألك بمحمد نبيك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيك، وعيسى كلمتك وروحك، وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد. . .". استدل به بعضهم (٢) على جواز التوسل المبتدع. وهذا الحديث قد روي من حديث أبي بكر الصديق وابن مسعود وابن عباس ومرسل الزهري. أ - حديث أبي بكر الصديق أخرجه أبو الشيخ في كتاب ثواب (٣) الأعمال وأبو العباس ابن إبراهيم بن تركمان في كتاب الدعاء (٤). كلاهما من طريق الحسن بن عرفة العبدي حدثنا زيد بن الحباب العكلي حدثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني عن أبيه أن أبا بكر الصديق أتى النبي ﷺ فقال: إني أتعلم القرآن فيتفلت مني فقال النبي ﷺ قل: "اللهم. . .". وهذا الحديث بهذا الإسناد موضوع كما أشار (٥) إلى ذلك شيخ

стр. 775

الإسلام ابن تيمية وابن الجوزي لأن فيه عبد الملك بن هارون بن عنترة وقد تقدم بيان أنه وضاع (١). ٢ - ثم إن أباه ضعفه الدارقطني أيضاً فقال: "وأبوه أيضاً متروك" (٢). ٣ - ثم الانقطاع بين هارون بن عنترة وبين الصديق كما في بعض الطرق فعلى هذا فهو إعضال كما عبر به السيوطي (٣). أو بين جد عبد الملك وهو عنترة الشيباني وبين الصديق. فعلى هذا يكون انقطاعاً كما عبر به أبو موسى المديني (٤). ٤ - وقد حكم نقاد الحديث بوضع هذا الحديث منهم ابن الجوزي وشيخ الإسلام (٥) والسيوطي (٦) وابن عراق (٧). حديث ابن مسعود: أخرجه الخطيب في الجامع من طريق موسى بن إبراهيم المروزي نا وكيع عن عبيدة عن شقيق عن ابن مسعود مرفوعاً وفيه: "أسألك بحق محمد رسولك ونبيك وإبراهيم خليلك. . ." (٨). وهذا حديث موضوع أيضاً، قال الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة

стр. 776

موسى بن إبراهيم بعد أن نقل عن يحيى تكذيبه وعن الدارقطني وغيره أنه متروك. قال: فمن بلاياه، قال: حدثنا وكيع عن عبيدة فذكر ما تقدم (١) وزاد في تنزيه الشريعة نقلاً عن الذهبي قوله: "فإما وضعه أو سرقه ممن وضعه وركب له إسناداً والله أعلم (٢) ". وأخرجه ابن الجوزي أيضاً من طريق عمر بن الصبح عن أبي عبد الله الشامي ومحمد بن أبي عائشة السندي عن يزيد بن عمر عن عمر بن عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن ابن مسعود مرفوعاً. قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع والمتهم به عمر بن الصبح (٣). وقال شيخ الإسلام في هذه الطريقة: إنها أضعف من الطريق الأول (٤). وعمر بن صبح قال فيه ابن حبان: كان ممن يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب لأهل الصناعة فقط (٥). حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في الدعاء (٦) من طريق موسى بن عبد الرحمن

стр. 777

الصنعاني المفسر، حدثني ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس (ح) وحدثنا (١) مقاتل بن حيان عن مجاهد عن ابن عباس، وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين قال فيه ابن حبان: دجال يضع الحديث، وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتاباً في التفسير جمعه من عطاء كلام الكلبي ومقاتل بن سليمان وألزقه بابن جريج عن عن ابن عباس، ولم يحدث به ابن عباس ولا عطاء سمعه ولا ابن جريج سمع من عطاء (٢). وقال ابن عدي: منكر الحديث (٣). وقال الذهبي: مشهور هالك (٤). وقال فيه أيضاً: دجال (٥). مرسل الزهري: وهو ما روي من حديث أحمد بن إسحاق الجوهري، حدثنا أبو الأشعث حدثنا زهير بن العلاء العتبي (٦) حدثنا يوسف بن يزيد عن الزهري ورفع الحديث قال: "من سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام وليكن إفطاره في آخر الآيام السبعة على هؤلاء الكلمات. . ." (٧).

стр. 778

وهذا مرسل أيضاً موضوع. فإن زهير بن العلاء قال فيه أبو حاتم: أحاديثه موضوعة (١). وقال شيخ الإسلام بعد أن ساق إسناد مرسل الزهري: "وهذه أسانيد مظلمة لا يثبت بها شيء" (٢). ثم إن العلماء ذكروا أن مراسيل الزهري من أضعف المراسيل قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شر من مرسل غيره لأنَّه حافظ كلما قدر أن يسمي سمي، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه وقال فيه وفي مرسل قتادة: هو بمنزلة الريح (٣) وقال ابن معين: مراسيل الزهري ليس بشيء (٤). والحاصل أن هذا الحديث موضوع بكل طرقه لأن في كل الطرق أحد الوضاعين. وقد أصاب ابن الجوزي في حكمه عليه بالوضع (٥) وتبعه السيوطي (٦) وابن عراق (٧)، وقبلهما شيخ الإسلام (٨). هذا ما يتعلق بالإسناد. وأما من ناحية المتن ففي بعض طرقه أنه يكتب هذا الدعاء في إناء نظيف أو في صحفة قوارير بعسل وزعفران وماء مطر.

стр. 779

وهذا دليل آخر على وضعه. فكتابة القرآن والأدعية بالزعفران والعسل من التلاعب بالقرآن الكريم، ولم يعهد في شيء من الأحاديث الصحيحة كتابة الرقى بهذه الكيفية، وإنما يفعل هذا المشعوذون الدجالون الأكالون لأموال ضعفاء العقول، وقد يكون هذا من وضع بعض أهل الأهواء فقد روى الكليني في الكافي هذا الدعاء عن أبي عبد الله الصادق بهذه الكيفية (١)، فكتابة الحروز والاعتقاد بالخرافات منتشر بين هؤلاء ثم تتسرب هذه الاعتقادات إلى عوام المسلمين بطريق المتصوفة، كما أن الوضاعين للحديث يسرقون هذه الأحاديث التي عندهم ثم يركبون لها أسانيد أخر. ومن الأحاديث الموضوعة التي احتجوا بها ما روي مرفوعاً: "إذا كانت لكم إلى الله حاجة فسلوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم". قد احتج بهذا الحديث الموضوع بعضهم (٢) على جواز التوسل بالنبي ﷺ وهذا الحديث حكم عليه الحفاظ بالوضع والبطلان، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو في شيء من كتب الحديث" (٣). وقال أيضاً: "وهو كذب موضوع من الأحاديث المشينات التي ليس لها زمام ولا خطام" (٤). وقال الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى-: "لا أصل له" (٥).

стр. 780

وقال الألوسي: لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو شيء في كتب الحديث (١). وقد أراد سلامة العزامي أن يقويه بأنه ثابت المعنى وإن لم يرد التصريح بخصوص هذا اللفظ وأن المختار جواز الرواية بالمعنى متى صح فهم الراوي وحسنت معرفته بالعربية (٢)، ويلزم على قوله هذا صحة رواية الأحاديث الموضوعة إذا صح معناها واستقامت ألفاظها، والقول بهذا في غاية الخطورة لأمور: ١ - إن هذا ليس من رواية الحديث بالمعنى في شيء؛ لأن ذلك حيث يثبت الحديث لكن الراوي لا يستحضر لفظه فيجوز له روايته بالمعنى، وأما هذا الحديث المزعوم فلم يرد بهذا اللفظ ولا بمعناه حتى يصح روايته بالمعنى. ٢ - إن هذا الكلام قول من يقول: إنه يجوز نسبة كل كلام حسن إلى رسول الله ﷺ . وهذا المذهب هو مذهب الكرامية وهم يجيزون الوضع في الترغيب والترهيب (٣). ٣ - إن هذا خلاف إجماع المسلمين الذين يعتد بهم كما قاله النووي (٤). وذلك لأنَّه داخل في عموم قوله ﷺ : "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٥). وفي رواية: "من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" أخرجها البخاري من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ (٦). ٤ - إن هذا الحديث بعد ثبوت وضعه لا يجوز الاستدلال به بأي

стр. 781

حال لا بلفظه ولا بمعناه، والعلماء الذين أجازوا العمل بالضعيف لا يجيزون العمل بالموضوع بأي حال. ٥ - هذا الحديث يشبه ما يأمر به الصوفية مريديهم من أن يتوسلوا بجاههم أو جاه غيرهم وقد يصل الحال ببعضهم إلى الأمر بدعائه أو بدعاء قبره بعد الوفاة (١). ومما يشبه هذا الحديث الموضوع ما نقل عن الشاذلي أنه قال: "إذا عرضت لكم إلى الله حاجة فتوسلوا إليه بالإمام أبي حامد" (٢). ومما ينبغي أن يعلم أن الحكم بوضع هذا الحديث ليس معناه نفي جاهه ﷺ فإن جاهه ﷺ ومقامه عند الله عظيم، فقد وصف الله تعالى موسى بقوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩] وقال في عيسى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥] فإذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله فكيف بسيد ولد آدم صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب الكوثر والحوض المورود وهو إمام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا، ذو الجاه العظيم ﷺ وآله؟ ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فإنه لا يشفع أحد إلا بإذنه (٣). من الأحاديث الموضوعة التي احتجوا بها: " إذا أعيتكم الأمور -أو إذا تحيرتم في الأمور- فعليكم بأصحاب القبور، أو فاستعينوا بأهل القبور". قد احتج به بعضهم (٤) على الاستغاثة بأصحاب القبور عند

стр. 782

المدلهمات وحدوث النائبات، وهذا الحديث موضوع باتفاق أهل الحديث. قال شيخ الإسلام ﵀: "فهذا الحديث كذب مفترى على النبي ﷺ بإجماع العارفين بحديثه لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة" (١). وقال أيضاً: "هذا مكذوب باتفاق أهل العلم لم يروه عن النبي ﷺ أحد من علماء الحديث" (٢). كما أن شيخ الإسلام عده من الأحاديث المكذوبة التي هي من جنس أكاذيب الرافضة (٣). وذكره ابن القيم من الأحاديث المكذوبة التي وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية على رسول الله ﷺ وهي تناقض دينه وما جاء به (٤). ومن الأحاديث الموضوعة التي احتجوا بها: " لو اعتقد أحدكم بحجر لنفعه" وفي لفظ: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به". هذا الحديث من الأحاديث المشتهرة على الألسنة التي يستدلون بها على جواز دعاء غير الله تعالى، ولشهرته على الألسنة وضعه السخاوي في المقاصد الحسنة (٥). وقد حكم الحفاظ عليه، بالوضع، فممن حكم عليه بالوضع شيخ الإسلام (٦).

стр. 783

وابن القيم فقد ذكره من جملة الأحاديث الموضوعة التي بسببها انتشر الشرك وأنَّه من وضع المشركين عباد الأوثان (١). كما ذكره من الأحاديث التي وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية والتي تناقض دين الإسلام، والله بعث رسوله ﷺ بقتل من حسن ظنه بالأحجار (٢). وقال الحافظ ابن حجر: لا أصل له (٣). ونقل السخاوي كلام شيخ الإسلام والحافظ فأقره (٤). ونقل الملا علي القاري كلام السخاوي وابن تيمية فأقره (٥). وحكم عليه بالوضع الشيخ الألباني أيضاً (٦). ثم إن هذا الحديث وأمثاله هو الذي بسببه صار كثير من الناس يحسنون الظن بالكهنة والمشعوذين والدجالين، ولو كان مشركاً كافراً مجاهراً بذلك، ومع هذا يزورونه وينذرون له ويلتمسون دعاءه وبركته (٧) تحسيناً للظن. وبهذا القدر نكتفي في مناقشة أدلتهم من الأحاديث الواهية والموضوعة، ونبدأ في مناقشة شبههم من الحكايات والمنامات والعقليات، وبالله نستعين وعليه نتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 784

المبحث الثالث في الحكايات والمنامات والنظريات تمهيد في الجواب الإجمالي: ومما لا شك فيه أن الحكايات لها أثر كبير في انتشار الأدعية الشركية والبدعية، وقد كان كثير من الناس يصدق تلك الحكايات والمنامات ويحتج بها على صحة تلك الأدعية الباطلة ومشروعيتها، كما أن كثيراً من سدنة الأضرحة يختلقون تلك الحكايات ليكثر سواد الزائرين ضعفاء العقول. وقد تقدم ذكر (١) أثر الحكايات والسدنة في انتشار الأدعية الشركية والبدعية. والمقصود هنا مناقشة احتجاجهم بتلك الحكايات وبيان عدم حجيتها، وقبل الخوض في ذكر بعض تلك الحكايات نذكر الجواب الإجمالي عن الاحتجاج بالحكايات والنظريات، فنقول وبالله التوفيق: ١ - الجواب الإجمالي: أ - إن الله أكمل دينه وأتم شرعه، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فلا يقبل في دين الله تعالى إلا ما دل عليه الكتاب والسنة أو أجمعت عليه الأمة.

стр. 785

وأما الحكايات والمنامات فليست من الأدلة الشرعية عند أهل العلم، وكذلك القياس لا يدخل في العبادات لكون مبناها على التوقيف "وإنما المتبع عند علماء الإسلام في إثبات الأحكام هو كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ وسبيل السابقين الأولين، ولا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصاً أو استنباطاً بحال" (١). ب - إن أغلب هذه الحكايات والمنامات لا تصح عمن نقلت عنه وإنما هي من اختلاق الدجالين الأكالين لأموال الناس، الذين لا يهمهم إلا قبض النذور والدجل على ضعاف العقول واختلاق الإفك والكذب والزور. قال شيخ الإسلام ﵀: "المنقول في ذلك إما أن يكون كذباً على صاحبه مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي ﵀" فذكر الحكاية التي تأتي والتي تقول: إنه يتبرك بقبر أبي حنيفة. ثم قال: "وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف"، ومن المعلوم أننا لا نقبل مثل هذه الحكايات المجهولة الإسناد في الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ فكيف بالمنقول عن غيره؟ (٢). جـ - ثم إن هذه الحكايات لو صحت إلى أصحابها فلا يمكن أن تكون حجة أيضاً لعدة وجوه: ١ - يحتمل أنها فهمت عنهم فهماً غير صحيح، فآفة الأخبار رواتها، فيمكن أن تلك الحكايات دخل فيها زيادة أو نقصان أو تأويل على وجه لم يرده أصحابها. فيحتمل أن صاحب الحكاية قالها أو فعلها "بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه فحرف النقل عنه" (٣).

стр. 786

٢ - كما يحتمل أن صاحبها قد اجتهد وأخطأ لأنها محكية عن غير معصوم، والحكايات كما قال ابن كثير ﵀: "قصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره لأنَّه يجوز عليه الخطأ" (١) وقال شيخ الإسلام في معرض بيان حجة هؤلاء: "إن عمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة أو منقولات عمن لا يحتج بقوله، إما أن يكون كذباً عليه وإما أن يكون غلطاً منه، إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ﷺ حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه كما يفعل النصارى" (٢). ٣ - كما يحتمل أنها من تخييل الشيطان لهم فإنه كثيراً مَّا يلبس على الصالحين بتخييل الحكايات والكرامات لهم، وقد يقضي بعض حوائج من استغاث بالأموات وقد يتراءى لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، وقد تقدم ذكر (٣) هذا، وقال الصغاني بعد ذكر الأدعية المبتدعة: "والشيطان في أكثر الأحيان يظهر لتلك الأسماء تأثيرات ومنافع لأجل تغرير الجهال وافتتانهم" (٤). والحاصل أن تلك الحكايات إن صحت عن أصحابها فلا يستقيم الاحتجاج بها، بل ينبغي الرد عليهم وبيان الحق في ذلك بدون محاباة لهم، قال ابن الجوزي في معرض رده على حكايات الصوفية: "وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم، فإن كان ذلك صحيحاً عنهم توجه الرد عليهم بدون محاباة في الحق، وإن لم يصح عنهم حذرنا من مثل هذا القول وذلك المذهب من أي شخص صدر" (٥).

стр. 787

د - ثم إن مثل (١) هذه الحكايات موجود عند اليهود والنصارى والمشركين بكثرة، فهل يمكن أن نقبل منهم هذا في صحة مذهبهم؟ فكذلك فيما نحن بصدده لا يمكن أن نقبل الاحتجاج بمثل هذا. هـ - ثم إن هذه الحكايات -لو صحت من هؤلاء- تكون معارضة للقطعيات من الكتاب والسنة فتكون مردودة. و- إن العلماء (٢) رحمهم الله تعالى بينوا حكم مثل هذه الحكايات والمنامات وأنَّه لا يجوز إثبات حكم شرعي بالمنامات، حتى في رؤية النبي ﷺ الذي لا يتمثل به الشيطان كما ورد في الحديث (٣). وعللوا ذلك بأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي. والحاصل أن شرع الله تعالى كامل وواضح وهو الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ضوئهما، وأما الحكايات والمنامات وكذا القياس في العبادات فخارجة عن شرع الله تعالى ودينه. ز - إن أغلب تلك الحكايات تدور على أن الله قد استجاب لفلان عندما استغاث بالولي أو عندما دعا عند قبره إلى مثل هذه الحكايات. فهي تدور على الاستدلال بوقائع أجاب الله فيها الدعاء مع مخالفتها للشرع، وهذا لا يستقيم الاحتجاج به الأمور: ١ - إننا قد ذكرنا فيما تقدم (٤) أن إجابة الدعاء من مقتضى ربوبية الله تعالى، فلهذا إن الله قد يجيب الدعاء غير المشروع

стр. 788

فيجيب الله تعالى أحياناً دعاء المشركين، وقد يستسقون فيسقون ويستنصرون فينصرون، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦] (١). ٢ - إن الاستجابة (٢) التي تحصل في الدعاء غير المشروع قد يكون سببها اضطرار صاحبها واشتداد حاجته فيكشف الله عنه كربته لأن الله سبحانه يجيب دعوة المضطر ولو كان كافراً قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ٢٠]، وقد يكون سببها حسنة تقدمت منه جعل الله إجابة دعوته شكراً لحسنته، وقد يكون سببها أن صاحبها دعا بحرقة وانكسار وذلة وصدق لجأ فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه لا لكون دعائه مشروعاً، أو أن الله يجيبه لمحض فضله ورحمته، أو أن الله يجيبه لكونه وافق ما قدره الله تعالى أو وافق وقت الإجابة، لا لأجل مشروعية دعائه. ٣ - وقد يكون (٣) استدراجاً له، وفي ذلك هلاكه الأبدي، "فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكانت سبب هلاكه في الدنيا والآخرة". قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤]. ٤ - إن تأثير الدعاء (٤) غير المشروع لا يدل على إباحته فضلاً عن مشروعيته، فنحن نعلم أن السحر يؤثر حقيقة كما هو المذهب

стр. 789

الصحيح (١)، وهو كفر فلا ملازمة بين التأثير وبين المشروعية كما هو واضح. ٥ - إن (٢) فساد هذه الأدعية يربو على مصلحتها، ونفعها قليل وإنما يستجاب لهم في النادر، ولا يبارك لهم حتى في نفس ذلك المطلوب، فهي فتنة في حق من لم يهده الله ولم يفرق بين الأمر الشرعي والأمر الكوني. فتبين بهذا أنه لا ملازمة بين إجابة الدعاء وحصول المقصود به وبين كونه مشروعاً، قال شيخ الإسلام ﵀: "وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود مما يدل على أنه سائغ في الشريعة … فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته، وإن كان الغرض مباحاً، فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. . ." (٣). الجواب التفصيلي لبعض تلك الحكايات: فمن تلك الحكايات التي يستدلون بها ويحتجون بها ويَدَّعُوْنَ وقوعَ الاستغاثة بالأموات في الصدر الأول. أثر مالك الدار: وهو ما روي عن مالك الدار -وكان خازن عمر على الطعام- قال: "أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتى الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنكم مسقون وقل له: عليك الكيس

стр. 790

الكيس، فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر ﵁، ثم قال: "يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه"، وروى سيف بن عمر التميمي في الفتوح أن الذي رأى المنام هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة. قد استدل بهذا الأثر جماعة (١) على جواز طلب الدعاء من الرسول ﷺ بعد وفاته وقاسوا عليه غيره. الجواب عن هذا من وجهين: أ - الوجه الأول ما يتعلق بالإسناد. قد روي هذا الأثر من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار به أخرجه ابن أبي شيبة وغيره (٢). قد حكم على إسناد هذا الأثر الحافظ ابن كثير بالصحة حيث ذكر هذا الأثر من طريق البيهقي ثم قال: "وهذا إسناد صحيح" (٣). وأدق منه عبارة الحافظ ابن حجر فإنه قال: "روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار" (٤).

стр. 791

فإن عبارة الحافظ إنما تفيد صحة الإسناد إلى أبي صالح السمان فقط، وذلك لأن مالك الدار مجهول الحال، وقد قال فيه كل من الحافظ المنذري والحافظ الهيثمي: لا أعرفه (١). وهذه الجهالة هي علة هذا الأثر كما ذكرها الشيخ الألباني -حفظه الله- وقال: "إن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط وهذان شرطان أساسيان في كل سند صحيح كما تقرر في علم المصطلح، وقد أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ١ - ٢١٣) ولم يذكر راوياً عنه غير أبي صالح هذا، ففيه إشعار بأنه مجهول ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه -مع سعة حفظه واطلاعه- لم يحك فيه توثيقاً فبقي على الجهالة" (٢). ولكن يمكن أن يقال: إنه غير مجهول، فقد ذكره ابن حجر في الإصابة في القسم الثالث وهم الذين كانوا في عهد النبي ﷺ وقد أدركوا الجاهلية ولكن لم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا به ﷺ ، وهم المخضرمون (٣)، وقال: "له إدراك، وسمع من أبي بكر الصديق، وروى عن الشيخين ومعاذ وأبي عبيدة وروى عنه أبو صالح السمان وابناه عون وعبد الله ابنا مالك" (٤) فهؤلاء ثلاثة رووا عنه، ثم ذكر الحافظ قصة مروية من طريق عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي عن مالك الدار، فهؤلاء أربعة من الرواة رووا عنه، فبهذا ترتفع عنه الجهالة، ويؤيد ذلك أن ابن سعد ذكره في الطبقة الأولى من التابعين في أهل المدينة، وقال: "كان معروفاً" (٥).

стр. 792

وقال أبو عبيدة: "ولاه عمر كيلة عيال عمر، فلما قدم عثمان ولاه القسم، فسمي "مالك الدار" وقال إسماعيل القاضي عن علي بن المديني: "كان مالك الدار خازناً لعمر" (١). وذكره خليفة في حلفاء بني عدي وقال: "مولى عمر بن الخطاب" (٢). ويقال في سكوت ابن أبي حاتم (٣) والبخاري (٤) إن ذلك لا يستلزم جهالته، لا سيما إذا عرفه غيرهما. ولكن يمكن أن يقال: إن ما سبق يفيد أنه ترتفع عنه جهالة العين فقط ولم ترتفع جهالة الحال إلا أنه يقال: إن قول ابن سعد وكان معروفاً يفيد رفع جهالة الحال لكنه غير صريح في التوثيق. ولو سلمنا أنه مجهول الحال فقط يمكن أن يقال: إن مجهول الحال إنما يقبل حديثه عند الجمهور إذا لم يأت بما ينكر عليه، كما ذكره الذهبي (٥). وهنا قد أتي بما ينكر عليه، وتفرد بحادثة تتوافر الهمم على نقل مثلها. فتحصل من هذا أن علة هذا الأثر هو تفرد مالك الدار مع كونه مجهول الحال -بحادثة تعد من أهم الحوادث العظيمة- وهي مما تتوافر الهمم على نقله. وأما إعلاله (٦) بعدم علم سماع أبي صالح السمان من مالك الدار، وكذلك إدراكه له فقد يقال فيه: إنه سمع من بعض كبار الصحابة كسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وغيرهما، واللقاء ممكن لأن كليهما مدنيان ولا تضر

стр. 793

عنعنته لأنَّه لم يوصف بالتدليس، فالإسناد على شرط مسلم في الاقتصار على إمكان اللقاء مع المعاصرة، ولكن لا يزال احتمال عدم السماع وارداً ما دام أننا لم نعلم تاريخ وفاة مالك، ولم يصرح أبو صالح بالسماع. وأما إعلاله (١) بعنعنة الأعمش لكونه مدلساً فقد يقال: إن الحافظ الذهبي ذكر أن الأعمش إذا روى عن كبار شيوخه الذين أكثر عنهم كأبي صالح السمان -كما هنا- وأبي وائل وإبراهيم النخعي، فإن روايته هذا المصنف تحمل على السماع (٢). فتبين من هذا أن أقوى العلل التي في الأثر تفرد مالك الدار بهذه الحادثة العظيمة مع جهالة حاله. الوجه الثاني: ما يتعلق بالمتن: أ - إن الذي يظهر -والله أعلم- أنه قد حصل زيادة في القصة وتغيير، ومما زيد فيها قصة مجيء الرجل إلى القبر، وهذه الزيادة ضعيفة منكرة، وإنما الذي يمكن أن يتقوى من الأثر هو رؤية الرجل المنام. ويدل على هذا عدة أمور: ١ - إن الإمام البخاري ﵀ ذكر هذا الأثر فاقتصر على قول عمر ﵁: "يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه" (٣) ولم يذكر مجيء الرجل إلى القبر، فهذا يدل على أن ذلك مما زيد في الرواية. ٢ - ومما يدل أيضاً على أن قصة مجيء الرجل إلى القبر ضعيفة ما رواه عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن معمر بن راشد عن إسماعيل أبي المقدام عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أصاب الناس سنة، وكان رجل

стр. 794

في بادية فخرج فصلى بأصحابه ركعتين، واستسقى ثم نام فرأى في المنام أن رسول الله ﷺ ، أتاه وقال: اقرئ عمر السلام وأخبره أن الله قد استجاب لكم وكان عمر قد خرج فاستسقى أيضاً، وأمره فليوف العهد وليشد العقد، قال: فانطلق الرجل حتى أتى عمر فقال: استأذنوا لرسول رسول الله ﷺ قال: فسمعه عمر فقال: من هذا المفتري على رسول الله؟ فقال الرجل: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين فأخبره الخبر، فبكى عمر" (١). وهذا الإسناد رجاله ثقات وابن عمير ثقة من أوساط التابعين من الثالثة (٢) ويمكن ادعاء لقائه عمر وأن فيه انقطاعاً والله أعلم. وفي إسماعيل أبي المقدام كلام لا يضر لأن معمراً عندما سئل عنه أشار إلى أنه لم يكثر من الرواية عنه لعدم إتيانه بالكلام على وجهه (٣)، وهنا من رواية معمر انتقى من أحاديثه ما أتى به على وجهه. فهذا الأثر يبين أن الرجل فعل المشروع وهو الخروج إلى الصحراء ثم الصلاة وطلب السقيا من الله تعالى، ولم يأت القبر، والذي رآه في المنام بعد فعل المشروع لا مانع منه من ناحية الشرع. وهذا يدل على أن الرواية التي فيها أنه أتى القبر غير صحيحة ولا يقال: إن هذه القصة غير تلك القصة وذلك لأن الحمل على التعدد شأن غير المحققين من المحدثين، الذين كلما رأوا اختلافاً في ألفاظ الحديث أو نوع اختلاف في المعنى حملوه على التعدد، وأما المحققون فلا يرون ذلك كما ذكره ابن القيم (٤) ﵀.

стр. 795

٣ - ومما يؤيد أثر عبدالله بن عبيد بن عمير رواية سيف بن عمر عن سهل بن يوسف السلمي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة وأول سنة ثماني عشرة، أصاب أهل المدينة وما حولها جوع فهلك كثير من الناس حتى جعلت الوحوش تأوي إلى الأنس، فكان الناس بذلك حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال: أنا رسول رسول الله إليك، يقول لك رسول الله ﷺ : "لقد عهدتك كيسًا وما زلت على ذلك فما شأنك؟ قال: متى رأيت هذا؟ قال: البارحة، فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة، فصلى بهم ركعتين ثم قام، فقال: أيها الناس أنشدكم الله هل تعلمون مني أمرًا غيره خير منه؟ فقالوا: اللهم لا، فقال: إن بلال بن الحارث يزعم ذية وذية. قالوا: صدق بلال فاستغث بالله ثم بالمسلمين … وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب ماشيًا فخطب وأوجز وصلى ثم جثا لركبتيه وقال: "اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا … " (١). فهذا الأثر - وإن كان ضعيفًا لأن سيف بن عمر قال فيه الحافظ: ضعيف الحديث عمدة في التاريخ أفحش ابن حبان القول فيه (٢) -إلا أنه يدل على أن ما يتوهم من عبارة الحافظ في الفتح (٣) من أن الرجل الذي أتى القبر هو بلال بن الحارث المزني - كما رواه سيف في الفتوح - غير صحيح لأن الحافظ لم ينقل لنا لفظ الأثر عند سيف كما هو، وفي الحقيقة الأثر يدلّ بوضوح وجلاء على أن بلالًا لم يأت القبر وإنما رأى

стр. 796

رؤيا في المنام، وهو يؤيد ما تقدم من أثر ابن عمير وبهذا تسقط دعوى أن الرجل الذي أتى القبر صحابي وأن الحافظ صححه. ٤ - ويشهد له أيضًا ما رواه سيف أيضًا عن مبشر بن الفضيل عن جبير بن صخر عن عاصم بن عمر بن الخطاب أن رجلًا من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة. وفيه أنه ذبح الشاة ورأى في المنام الرسول ﷺ وأمره بإتيان عمر (١) … فهذه الرواية -وإن كانت ضعيفة- إلا أنها تدل كسابقتها على أن الرجل لم يأت القبر وإنما رأى المنام فقط. ب - وأما لو قلنا: إن الرواية لم يحصل فيها زيادة فنقول في الجواب: ١ - إنها على فرض صحتها لا يصح الاستدلال بها لأن الرجل الذي فعل لم يعرف من هو؟ وحتى لو عرف فلا حجة في فعل آحاد الصحابة إذا خالف السنة كما هنا وقد تقدم ذلك (٢)، ولا يقال إن عمر (٣) أقره لأنه ربما لم يخبره بالمجيء إلى القبر وإنما أخبره بالرؤيا فقط وليس في الرواية أنه أخبره بالمجيء إلى القبر. ٣ - إن مجيء الرجل إلى القبر يخالف السنة التي شرعها رسول الله ﷺ وهي الخروج إلى الصحراء للاستسقاء. وهكذا فعل الخلفاء الراشدون وكبار الصحابة فلم ينقل أنهم يستسقون بالمجيء إلى القبر.

стр. 797

٤ - إنها لو صحت يدل قوله ﷺ : "عليك الكيس الكيس" على أنه ﷺ أمر عمر بالمشروع وهذا هو الذي فهمه عمر من الرؤيا، حيث أسرع في الاستسقاء بالناس على الوجه المشروع. ٥ - ثم إن الرؤيا ليست من الأدلة الشرعية كما هو معروف ولا يقال (١) يستدل بإقرار النبي ﷺ على فعله حيث لم يؤنبه في المنام - لأنه ﷺ كان في الدنيا ربما يعطي السائل المسألة وهو كاره له، وقد قال في حديث عمر بن الخطاب ﵁: "إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني فلست بباخل" (٢). وقد علم أن الدعاء غير المشروع قد يجاب لأسباب ككون الداعي مضطرًا أو ما يخشى عليه من الفتنة إذا لم يستجب له (٣)، فلهذا فهذه الرؤية على فرض وقوعها - بعد الذهاب إلى القبر - لا تدل على تحسين النبي ﷺ وإقراره لعمل الرائي من المجيء إلى القبر والطلب منه الاستسقاء. أثر فتح الكوة: وهو ما روى أن أهل المدينة قحطوا قحطًا شديدًا فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوًا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطروا مطرًا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق. قد احتج (٤) به على جواز التوسل بالذوات ..

стр. 798

الجواب عن هذا الأثر من وجهين: الوجه الأول: ما يتعلق بنقد الإسناد: أخرج هذا الأثر الدارمي في سننه (١): حدثنا أبو النعمان، ثنا سعيد بن زيد، ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبدالله قال: قحط أهل المدينة .. إلخ. فهذا الإسناد فيه عدة علل: ١ - سعيد بن زيد فيه ضعف (٢). ٢ - إن أبا النعمان محمد بن الفضل وهو الملقب بعارم قد اختلط، ولم يذكر الدارمي فيمن سمع منه قبل الاختلاط (٣). ٣ - إن الأثر لو صح فهو موقوف، فلا حجة فيه لأنه يمكن أن يكون من قبيل الاجتهادات التي تقع من آحاد الصحابة، وقد تقدم أن فعل الصحابي إذا خالف السنة لا يحتج به (٤). وقد ذكر هذه العلل الثلاث (٥) الشيخ الألباني - حفظه الله - وبقي في الأثر علتان أخريان رابعة وخامسة (٦)، وهما: ٤ - إن عمرو بن مالك النكري قال فيه ابن عدي في ترجمة أبي

стр. 799

الجوزاء: "حدث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة" (١). وهذا الأثر من روايته عنه فيكون غير محفوظ. وقال البخاري أيضًا في أبي الجوزاء: "في إسناده نظر" (٢). وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن كلام البخاري هذا يحمل على رواية خاصة وهي رواية عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء والنكري ضعيف عنده (٣)، أي البخاري، وقال ابن حبان في ترجمة ابنه يحيى بن عمرو بن مالك النكري: "كان منكر الرواية عن أبيه -يريد يحيى- ثم قال: ويحتمل أن يكون السبب في ذلك منه أو من أبيه أو منهما معًا، ولا نستحل أن يطلق الجرح على مسلم قبل الاتضاح، بل الواجب تنكب كل رواية يرويها عن أبيه لما فيها من مخالفة الثقات والوجود من الأشياء المعضلات، فيكون هو وأبوه جميعًا متروكين من غير أن يطلق وضعها على أحدهما .... " (٤). فيفهم من هذا أن ابن حبان متوقف فيه لا يوثقه ولا يجزم بجرحه ومع هذا فقد ذكره في الثقات وقال: "ويعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه (ت ١٢٩ هـ) يخطئ ويغرب" (٥). ولكن هذا ليس توثيقًا مطلقًا فإنه إنما يفيد أنه يعتبر به في المتابعات والشواهد ولا يفيد أنه يقبل تفرده.

стр. 800

وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (١) مما يوحي إلى جهالة حاله عنده. لكن ابن معين قال فيه: ثقة (٢). ووثقه الذهبي أيضًا (٣). وقال الحافظ ابن حجر: "صدوق له أوهام" (٤). فتبين مما سبق أن النكري روايته عن أبي الجوزاء كما هنا، غير محفوظة كما قاله ابن عدي، وأنه ضعيف عند البخاري كما قاله الحافظ، ويعتبر به فقط عند ابن حبان على ما قاله في الثقات، ويتوقف في أحاديثه على ما مال إليه في المجروحين إذا كان من رواية ابنه عنه. ولم نجد له توثيقًا من المتقدمين إلا ابن معين، فيعارض هذا التوثيق بجرح البخاري وابن حبان وابن عدي وهم أكثر عددًا منه، وجرح بعضهم مفسر لاسيما إذا روي عن أبي الجوزاء، كما هنا فيقدم على توثيق ابن معين والذهبي وابن حجر. فتحصل من هذا أنه لا يقبل فيما تفرد به لاسيما عن أبي الجوراء كما هنا وإنما يعتبر به في المتابعات والشواهد. ٥ - الانقطاع بين عائشة ﵂ وبين أبي الجوزاء أوس بن عبدالله الربعي فقد قال البخاري: "في إسناده نظر" (٥).

стр. 801

وقد حمل ابن عدي كلام البخاري هذا على أنه يريد أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده (١). وقال ابن عدي أيضًا: وأبو الجوزاء روى عن الصحابة ابن عباس وعائشة وابن مسعود وغيرهم وأرجو أنه لا بأس به ولا يصحح روايته عنهم أنه سمع منهم (٢). وممن ذكر عدم سماعه عائشة الحافظ ابن عبدالبر، قال أبو عن زرعة ابن الحافظ العراقي: "وذكر ابن عبد البر في التمهيد أنه لم يسمع من عائشة وحديثه عنها مرسل" (٣) ونقله عن ابن عبدالبر أيضًا الحافظ في التهذيب فأقره (٤). فهؤلاء الحفاظ البخاري وابن عدي وابن عبد البر والعراقي وابن حجر يقررون عدم سماعه عائشة، فاتضح بهذا أن فيه انقطاعًا. وبهذه العلل الخمس يتبين ضعف إسناد الأثر ضعفًا شديدًا لأن الواحدة منها تكفي لرده فكيف وهي مجتمعة؟؟ الوجه الثاني: ما يتعلق بنقد المتن: وأما ما يتعلق بنقد متن هذا الأثر فعلى وجوه: ١ - إن هذا (٥) الأثر يخالف ما ثبت من الصحابة باتفاق أهل العلم من استسقائهم بالدعاء المشروع إما في المسجد في خطبة الجمعة ونحوها، وإما بالخروج إلى الصحراء وهذا ثابت عنهم قطعًا.

стр. 802

ومن المعلوم أن من علامة وضع الحديث مخالفته للقطعي (١). ٢ - ومما يبين (٢) كذب هذه الرواية أنه لم يكن في حياة عائشة للبيت كوة بل كان بعضه باقيًا على ما كان على عهد النبي ﷺ ، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد (٣)، ولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد وأدخلت الحجر في المسجد، ثم بنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدارًا عاليًا، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف، وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بيّن. ٣ - ولو صح (٤) هذا الأثر - لكان حجة ودليلًا على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت ولا يسألون الله به، وإنما فتحوا على القبر لتنزل الرحمة عليه، ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه فأين هذا من هذا؟؟ حكاية الإمام مالك مع المنصور: وهب ما روي من طريق يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكًا في مسجد رسول الله ﷺ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، … فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبدالله، أأستقبل القبلة

стр. 803

وأدعو أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولِمَ تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به، فيشفعك الله، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ (١) [النساء: ٦٤] وقد احتج بهذه الحكاية جماعة (٢) على جواز التوسل بالذوات. مناقشة هذه الحكاية رواية ودراية: فأما رواية فإن في إسناد هذه الحكاية العلل التالية: العلة الأولى: محمد بن حميد الرازي راوي الحكاية عن مالك متهم بالكذب، قال البخاري: في حديثه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الجوزقاني: رديء المذهب، غير ثقة، وقال إسحاق بن منصور الكوسج: أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان، وقال صالح بن محمد: كل شيء يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه، وقال أبو زرعة وابن وارة: صح عندنا أنه يكذب، وقد وثقه أحمد وابن معين، والراجح عدم توثيقه، وأما الذين وثقوه فعذرهم أنهم لم يعرفوه، قال ابن خزيمة عندما قيل له: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد فإن

стр. 804

أحمد قد أحسن الثناء عليه، قال: إنه لم يعرفه ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلًا (١). والسبب في هذا أن الذين كذبوه هم أهل بلده من الخراسانيين الذين خبروا حاله عن كثب، ولعله عندما اجتمع بأحمد وابن معين ببغداد اختار لهم أحاديثه الصحيحة، ويدل لذلك قول ابن معين عندما سأل أبا حاتم الرازي: أي شيء تنقمون عليه؟ فأخبره السبب، فذكر ابن معين أنه عندما قدم أخذوا منه كتاب يعقوب القمي ففرقوا الأوراق وسمعوه (٢)، فهذا يدل على الرجوع عن توثيقه، وهناك رواية تدل على رجوع أحمد عن توثيقه ذكرها ابن حبان من طريق صالح بن أحمد أبيه (٣). وبهذا نصل إلى أن جرحه مقدم على توثيقه للأمور التالية: ١ - إنه جرح مفسر. ٢ - إن الذين جرحوه، بعضهم من أهل بلده وهم أخبر بحاله. ٣ - ثم هناك ما يدل على أن الذين وثقوه رجعوا عن توثيقه عندما أخبروا بحاله الحقيقي. وبهذا يسقط اتهام الكوثري لابن عبد الهادي بإهمال كلام من أثنى عليه، وأنه يذكر الجرح ويغفل التعديل في الأدلة التي تساق ضد شذوذ شيخه (٤)، يعني ابن تيمية، هكذا زعم الكوثري، ولكن هذه التهمة ساقطة لأن ابن عبد الهادي من النقاد الكبار، يعرف أن ثناء من أثنى عليه لا قيمة له مع ثبوت الجرح المفسر فيتركه.

стр. 805

ثم إن الكوثري نفسه رجح عدم توثيقه في مكان آخر فقال في المقالات: محمد بن حميد الرازي مختلف فيه، وقد كذبه كثيرون أشنع تكذيب (١). كما قال في موضع آخر: "لا يحتج به عند كثيرين" (٢). وما هذا إلا من التناقض العجيب الذي يقع فيه من يتبع الهوى. العلة الثانية: الانقطاع بين ابن حميد هذا وبين مالك بن أنس الإمام فإنه لم يسمع من مالك ولم يلقه (٣) ويدل على هذا أمور: ١ - أن مولده كما قال الذهبي في حدود الستين ومئة (٤) وتوفي مالك عام ١٧٩ هـ. ٢ - ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه كما قاله شيخ الإسلام (٥). ٣ - ويؤكد هذا أن أبا جعفر المنصور قد حج عدة مرات: في عام ١٤٠ هـ و ١٤٤ و ١٤٧ و ١٥٢، وهذه الأعوام هي التي يمكن أن يجتمع بمالك في المدينة، وأما حجته الأخيرة وهي عام ١٥٨ فقد توفي في الحج ولم يصل المدينة (٦)، ولا يمكن لابن حميد أن يحضر المناظرة في هذه الأعوام التي أشرنا إليها، لأنه لا يمكن أن يحضر المدينة في آخر قدمة قدمها المنصور وهو عام ١٥٢ لأمرين: الأول: أنه لم يولد إلا في حدود الستين كما قاله الذهبي، فهذه المناظرة على فرض صحتها قبل ولادته.

стр. 806

الثاني: لو فرضنا ولادته لا يمكن حضوره المناظرة لأنه لم يرحل إلا وهو كبير، وهو في خراسان، والقصة في المدينة. وقد حاول الكوثري نفي هذا الانقطاع بأن عمر ابن حميد عند وفاة مالك لا يقل عن نحو خمس عشرة سنة، وهذا الذي قاله يشهد عليه لا له، لأن المناظرة على فرض وقوعها حصلت على أكبر تقدير عام ١٥٢ هـ، وبين هذا التاريخ ووفاة مالك عام ١٧٩ هـ سبع وعشرون سنة، وباعترافه هذا فابن حميد ولد بعد المناظرة قطعًا، وليس من أهل المدينة ولم يرحل إلا بعد ما كبر وتوفي عام ٢٤٨ هـ. العلة الثالثة: إن في الطريق إلى ابن حميد من ليس بمعروف كما قاله شيخ الإسلام (١). وقال ابن عبد الهادي: "إسناد مظلم منقطع وهو مشتمل على من يتهم بالكذب، وعلى من يجهل حاله" (٢). العلة الرابعة: إن مالكًا ﵀ لو ثبت عنه -وهيهات ذلك- لم يسندها فهي مقطوعة فليس في ذلك حجة بل الحجة فيما ثبت بالكتاب والسنة. العلة الخامسة (٣): إن محمد بن حميد تفرد برواية هذه الحكاية عن مالك، حيث لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه وهو ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف إلا من جهته؟ وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون ضعفوا روايتهم وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه كثيرة رواها واحد من الخراسانيين

стр. 807

لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث؟؟ وقد قال الخطابي في مثل هذا: "فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه -أي في الفقه- إلا ما كان من رواية ابن القاسم والأشهب وضربائهم من تلاد أصحابه، فإذا جاءت رواية عبدالله بن عبد الحكم وأضرابه لم تكن عندهم طائلًا … فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والثبت، فكيف يجوز لهم في الأمر الأهم والخطب الأعظم؟ " (١). ويؤيد هذا الوجه أن من القواعد المقررة عند النقاد أن الشيخ إذا كان ممن يجمع حديثه ويشترك في الأخذ عنه كثيرون من الحفاظ المتقنين وذلك كمالك والثوري وشعبة والأعمش، ثم انفرد عن هؤلاء التلاميذ الحفاظ أحد من الرواة ولم يكن من الحفاظ المتقنين، فإن روايته ترد كما ذكره مسلم في مقدمة صحيحة (٢) وغير واحد من النقاد (٣). مناقشة هذه الحكاية دراية: ١ - إن هذه (٤) الحكاية تخالف ما ثبت عن مالك ﵀ من نهيه عن الوقوف عند قبر النبي ﷺ . وهذا ثابت عن مالك بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره مثل العتبي. فقد ذكروا عن مالك أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لأنفسهم فأنكر مالك ذلك (٥). وقد حاول الكوثري تضعيف (٦) رواية إسماعيل القاضي بحكاية

стр. 808

ابن حميد هذه وأن ابن وهب روى ما يخالفها وقد تقدم (١) أن رواية ابن وهب لا تخالف الرواية المشهورة. كما حاول الغماري الجمع بين الروايتين نقلًا عن غيره: بأن المنع من الدعاء عند القبر للعوام الذين يخاف عليهم سوء الأدب. وأن هذه الحكاية فيمن يعلم آداب الدعاء كالمنصور (٢). وهذا الجمع غير صحيح لأن هذه الحكاية غير ثابتة عنه حتى يجمع بينهما وبين ما ثبت مما يخالفها، ثم إن منع مالك عام يشمل الجميع فمن تأمل الألفاظ الواردة عن مالك في النهي عن الوقوف، يعرف أنه يمنع الوقوف عند القبر للدعاء مطلقًا، وأحكام الشريعة الغراء تأتي عامة شاملة لا تخص طائفة دون طائفة ٢ - إن مالكًا (٣) ﵀ كان من أبعد الناس عن البدع، وقد كره قول الرجل: زرت قبر النبي ﷺ (٤) وكره تتبع (٥) الآثار التي بالمدينة حتى كره زيارة قباء مع وروده، وكل ذلك للمحافظة على السنة، فإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن أن يأمر بما لم يثبت بالسنة من الدعاء عند القبر. ٣ - إن (٦) هذه الرواية تخالف ما ثبت عن السلف، فالآثار الواردة

стр. 809

عنهم تدل على أن هذا ليس من عملهم ولا عاداتهم، فلو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعًا لكانوا أسبق إلى ذلك لحرصهم على الخير. ٤ - إن لفظ (١) الرواية فيها ركاكة من الناحية اللغوية في قوله: "استشفع به فيشفعك الله" لأن الاستشفاع به معناه في اللغة أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع به يوم القيامة، وإذا كان المراد به الاستشفاع منه أي طلب شفاعته فإنما يقال: "استشفع به فيشفعه الله فيك" ولا يقال فيشفعك الله فيه. وهذا اللفظ الذي في الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى التوسل، فيقول أحدهم اللهم إنا نستشفع إليك بفلان أي نتوسل به وهذا ليس لغة السلف ولا لغة العرب. ٥ - ثم إن عقد المناظرة بين العلماء والخلفاء غير معروف في التاريخ غالبًا لأن المناظرة إنما تعقد بين العلماء، وقد تكون في بعض الأحيان القليلة بحضور بعض الخلفاء وإشرافهم. وقد ذكر العلماء المناظرة بين مالك وأبي حنيفة وبين مالك وأبي يوسف بحضور بعض خلفاء بني العباس. ٦ - ثم لو صحت (٢) هذه الحكاية يمكن أن يكون مالك نهى عن رفع الصوت في مسجده ﷺ ، ويكون مالك آمرًا بما أمر الله به من توقيره وتعزيره ﷺ ، لكن وقع تحريف في ألفاظ الحكاية. فعلي فرض صحتها ليس معنى التوسل الذي في الحكاية هو التوسل في الدنيا بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، ولكن من الناس من يحرف نقلها مع أن أصلها ضعيف. والحاصل (٣) أن هذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون في غاية

стр. 810

الضعف والوهن مكذوبة على مالك أو تكون مغيرة، وإما أن تفسر بما يوافق مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، فعلى كل تقدير فليس فيها حجة. حكاية توسل الشافعي بأبي حنيفة رحمهما الله تعالى: وهي ما روي من طريق عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: "إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم -يعني زائرًا- فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى" (١). ١ - وقد احتج بهذه الحكاية جماعة (٢) على التوسل بالذوات والدعاء عند القبور. وسند هذه الحكاية ضعيف وليس بصحيح كما زعمه بعضهم (٣) وذلك لأن فيه عمر بن إسحاق بن إبراهيم، وهو غير معروف (٤). ثم إنه يظهر جليًا كذب هذه الحكاية من جهة المعنى، قال شيخ الإسلام ﵀: هذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل فالشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفًا. ٢ - وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من
следующие страницы →