الثاني: لو فرضنا ولادته لا يمكن حضوره المناظرة لأنه لم يرحل إلا وهو كبير، وهو في خراسان، والقصة في المدينة.
وقد حاول الكوثري نفي هذا الانقطاع بأن عمر ابن حميد عند وفاة مالك لا يقل عن نحو خمس عشرة سنة، وهذا الذي قاله يشهد عليه لا له، لأن المناظرة على فرض وقوعها حصلت على أكبر تقدير عام ١٥٢ هـ، وبين هذا التاريخ ووفاة مالك عام ١٧٩ هـ سبع وعشرون سنة، وباعترافه هذا فابن حميد ولد بعد المناظرة قطعًا، وليس من أهل المدينة ولم يرحل إلا بعد ما كبر وتوفي عام ٢٤٨ هـ.
العلة الثالثة: إن في الطريق إلى ابن حميد من ليس بمعروف كما قاله شيخ الإسلام (١).
وقال ابن عبد الهادي: "إسناد مظلم منقطع وهو مشتمل على من يتهم بالكذب، وعلى من يجهل حاله" (٢).
العلة الرابعة: إن مالكًا ﵀ لو ثبت عنه -وهيهات ذلك- لم يسندها فهي مقطوعة فليس في ذلك حجة بل الحجة فيما ثبت بالكتاب والسنة.
العلة الخامسة (٣): إن محمد بن حميد تفرد برواية هذه الحكاية عن مالك، حيث لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه وهو ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف إلا من جهته؟ وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون ضعفوا روايتهم وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه كثيرة رواها واحد من الخراسانيين
стр. 807
لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث؟؟
وقد قال الخطابي في مثل هذا: "فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه -أي في الفقه- إلا ما كان من رواية ابن القاسم والأشهب وضربائهم من تلاد أصحابه، فإذا جاءت رواية عبدالله بن عبد الحكم وأضرابه لم تكن عندهم طائلًا … فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والثبت، فكيف يجوز لهم في الأمر الأهم والخطب الأعظم؟ " (١).
ويؤيد هذا الوجه أن من القواعد المقررة عند النقاد أن الشيخ إذا كان ممن يجمع حديثه ويشترك في الأخذ عنه كثيرون من الحفاظ المتقنين وذلك كمالك والثوري وشعبة والأعمش، ثم انفرد عن هؤلاء التلاميذ الحفاظ أحد من الرواة ولم يكن من الحفاظ المتقنين، فإن روايته ترد كما ذكره مسلم في مقدمة صحيحة (٢) وغير واحد من النقاد (٣).
مناقشة هذه الحكاية دراية:
١ - إن هذه (٤) الحكاية تخالف ما ثبت عن مالك ﵀ من نهيه عن الوقوف عند قبر النبي ﷺ .
وهذا ثابت عن مالك بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره مثل العتبي. فقد ذكروا عن مالك أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لأنفسهم فأنكر مالك ذلك (٥). وقد حاول الكوثري تضعيف (٦) رواية إسماعيل القاضي بحكاية
стр. 808
ابن حميد هذه وأن ابن وهب روى ما يخالفها وقد تقدم (١) أن رواية ابن وهب لا تخالف الرواية المشهورة. كما حاول الغماري الجمع بين الروايتين نقلًا عن غيره: بأن المنع من الدعاء عند القبر للعوام الذين يخاف عليهم سوء الأدب. وأن هذه الحكاية فيمن يعلم آداب الدعاء كالمنصور (٢).
وهذا الجمع غير صحيح لأن هذه الحكاية غير ثابتة عنه حتى يجمع بينهما وبين ما ثبت مما يخالفها، ثم إن منع مالك عام يشمل الجميع فمن تأمل الألفاظ الواردة عن مالك في النهي عن الوقوف، يعرف أنه يمنع الوقوف عند القبر للدعاء مطلقًا، وأحكام الشريعة الغراء تأتي عامة شاملة لا تخص طائفة دون طائفة
٢ - إن مالكًا (٣) ﵀ كان من أبعد الناس عن البدع، وقد كره قول الرجل: زرت قبر النبي ﷺ (٤) وكره تتبع (٥) الآثار التي بالمدينة حتى كره زيارة قباء مع وروده، وكل ذلك للمحافظة على السنة، فإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن أن يأمر بما لم يثبت بالسنة من الدعاء عند القبر.
٣ - إن (٦) هذه الرواية تخالف ما ثبت عن السلف، فالآثار الواردة
стр. 809
عنهم تدل على أن هذا ليس من عملهم ولا عاداتهم، فلو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعًا لكانوا أسبق إلى ذلك لحرصهم على الخير.
٤ - إن لفظ (١) الرواية فيها ركاكة من الناحية اللغوية في قوله: "استشفع به فيشفعك الله" لأن الاستشفاع به معناه في اللغة أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع به يوم القيامة، وإذا كان المراد به الاستشفاع منه أي طلب شفاعته فإنما يقال: "استشفع به فيشفعه الله فيك" ولا يقال فيشفعك الله فيه.
وهذا اللفظ الذي في الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى التوسل، فيقول أحدهم اللهم إنا نستشفع إليك بفلان أي نتوسل به وهذا ليس لغة السلف ولا لغة العرب.
٥ - ثم إن عقد المناظرة بين العلماء والخلفاء غير معروف في التاريخ غالبًا لأن المناظرة إنما تعقد بين العلماء، وقد تكون في بعض الأحيان القليلة بحضور بعض الخلفاء وإشرافهم.
وقد ذكر العلماء المناظرة بين مالك وأبي حنيفة وبين مالك وأبي يوسف بحضور بعض خلفاء بني العباس.
٦ - ثم لو صحت (٢) هذه الحكاية يمكن أن يكون مالك نهى عن رفع الصوت في مسجده ﷺ ، ويكون مالك آمرًا بما أمر الله به من توقيره وتعزيره ﷺ ، لكن وقع تحريف في ألفاظ الحكاية.
فعلي فرض صحتها ليس معنى التوسل الذي في الحكاية هو التوسل في الدنيا بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، ولكن من الناس من يحرف نقلها مع أن أصلها ضعيف.
والحاصل (٣) أن هذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون في غاية
стр. 810
الضعف والوهن مكذوبة على مالك أو تكون مغيرة، وإما أن تفسر بما يوافق مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، فعلى كل تقدير فليس فيها حجة.
حكاية توسل الشافعي بأبي حنيفة رحمهما الله تعالى:
وهي ما روي من طريق عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: "إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم -يعني زائرًا- فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى" (١).
١ - وقد احتج بهذه الحكاية جماعة (٢) على التوسل بالذوات والدعاء عند القبور.
وسند هذه الحكاية ضعيف وليس بصحيح كما زعمه بعضهم (٣) وذلك لأن فيه عمر بن إسحاق بن إبراهيم، وهو غير معروف (٤). ثم إنه يظهر جليًا كذب هذه الحكاية من جهة المعنى، قال شيخ الإسلام ﵀: هذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل فالشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفًا.
٢ - وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من
стр. 811
قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده؟
٣ - ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وغيرهما، لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند أبي حنيفة ولا غيره.
٤ - ثم قد تقدم (١) عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها (٢).
٥ - ومما يؤكد كذب هذه الحكاية ما ذكر من مجيء الشافعي إلى قبر أبي حنيفة كل يوم، وهذه مبالغة مكشوفة، إذ لا يتصور في العقل أن الشافعي ليس له عمل كل يوم إلا التردد إلى المقبرة، والوقوف لديها.
حكاية التوسل بقبر موسى الكاظم:
وهي ما روي عن الحسن بن إبراهيم الخلال يقول: "ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله لي ما أحب" (٣).
احتج بهذه الحكاية جماعة (٤) على جواز التوسل بالذوات والدعاء عند القبور.
الجواب:
إن الحكايات والمنامات لا تقوم بها حجة في شرع الله الذي أكمله الله وأتمه على لسان نبيه ﷺ ، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
стр. 812
وهذه الحكاية تؤكد ما سبق عند ذكر أسباب انتشار دعاء غير الله تعالى من أن الشيعة لهم أثر في نشر ذلك، إذ موسى الكاظم رحمه الله تعالى يَدَّعُون أنه من أئمتهم الإثني عشر، فاقتدى بهم جهال أهل السنة في التردد على مقبرتهم والدعاء عندها أو دعائها.
شبهة (١) الوساطة والشفاعة:
ولهؤلاء المدافعين عن دعاء الموتى والاستغاثة بهم شبه نظرية أرادوا بها إثبات مشروعية نداء الأموات من دون الله تعالى والاستغاثة بهم، وهذه الشبه النظرية هي من باب قياس الخالق بالمخلوق مع عدم المماثلة، ومن تلك الشبه شبهة الوساطة والشفاعة:
إذ قالوا نحن مذنبون بعيدون عن الله تعالى وليس لنا قدر ولا جاه عند الله فلذا نجعل أحبابه وأولياءه وسطاء بيننا وبينه، لما نعلم من أن لهم عند الله جاهًا ومنزلة وقدرًا فلا يرد شفاعتهم ووساطتهم، كما أن الملوك يتشفع لديهم بالمقربين لديهم من الوزراء والندماء وفي ذلك سلوك للأدب مع الله تعالى لعدم، أهليتنا لخطاب الله تعالى وعدم معرفتنا لآداب خطابه، كما أن ذلك في سرعة لقضاء حوائجنا (٢).
الجواب من وجوه:
الوجه الأول:
إن هذه العقيدة هي عقيدة المشركين، فهم لا يعتقدون غير الوساطة والشفاعة لمعبوديهم. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا
стр. 813
﴿يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية: "وحاصل الكلام لعباد الأصنام أن قالوا: إن الإله الأعظم أجل من أن يعبده البشر لكن اللائق بالبشر أن يشتغلوا بعبادة الأكابر من عباد الله، مثل الكواكب ومثل الأرواح السماوية ثم إنها تشتغل بعبادة الإله الأكبر فهذا هو المراد من قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ " (١).
فهذه الآية نص قاطع في أن عبادتهم لغير الله ليست إلا لشيء واحد وهو طلب القربى والزلفى إلى الله تعالى وذلك لأن الآية وردت بصيغة القصر والحصر وهي النفي والاستثناء ففي الآية حصر غرض عبادة الأولياء في التقريب إلى الله تعالى.
وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣].
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨].
والقربان: ما يتقرب به إلى المعبود كما هو معروف وفسره به العلماء.
وإنما قيل للآلهة قربانًا لما أنها غير مقصودة لذواتها ألا تراه يقول في غير هذا الموضع (شفعاء) ويحكى ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢).
وقال تعالى في قصة صاحب آل يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [يس: ٢٣].
فهذه الآيات قد دلت على أن مقصود المشركين الأوائل هو الشفاعة والوساطة لا غير.
стр. 814
ثم إن الذين يدعون الملائكة والصالحين على عدة (١) أنواع وكلهم مجمعون على اعتقاد الشفاعة وهم أربع فرق:
١ - ففرقة قالت: ليس لنا أهلية مباشرة دعاء الله ورجائه بلا واسطة تقربنا إليه وتشفع لنا لعظمته، فتوهموا أن عبادة الواسطة أشد في تعظيم الله من عبادته.
٢ - وفرقة قالت: الأنبياء والملائكة ذو وجاهة عند الله ومنزلة عنده، فاتخذوا صورهم من أجل حبهم لهم ليقربوهم إلى الله زلفى.
٣ - وفرقة جعلتهم قبلة في دعائها وعبادتها.
٤ - وفرقة اعتقدت أن لكل صورة مصورة على صورة الملائكة والأنبياء وكيلًا موكلًا بأمر الله، فمن أقبل على دعائه ورجائه وتبتل إليه قضى ذلك الوكيل ما طلب منه بأمر الله وإلا أصابته نكبة بأمره تعالى.
والحاصل أن المشركين بأصنافهم من عبدة الملائكة والأنبياء والكواكب والأوثان والفلاسفة الذين يعتقدون في العلويات، كلهم يقصدون من دعائهم لمعبوديهم التقريب والوساطة، وإنما يدعون الأصنام والأوثان والهياكل باعتبار أنها تماثيل للصالحين وهي من وسائل التقريب فقط، وهذا حاصل عقيدتهم ومنتهى مزاعمهم، فلم يقولوا: إن المطلوب الذي يطلبونه صار رهينًا في أيدي الوسائط والشفعاء وأنهم مسلطون على الرفع والوضع والنفع والدفع والعطاء والمنع، ويدل على ذلك التعبير القرآني بالشفعاء والقربان والحكاية عنهم بيقربونا، وأن مصب إنكار الأنبياء عليهم هو اتخاذهم للشفعاء (٢).
هذه الشبهة جاءت إليهم من قبل تعظيمهم في الظاهر الله تعالى وهي
стр. 815
من كيد الشيطان. قال عبد الرحمن بن مهدي: "قد هلك قوم من هذا الوجه قالوا: الله أعظم من أن ينزل كتابًا أو يرسل رسولًا وثم قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ثم قال: فهل هلكت المجوس إلا من جهة التعظيم، قالوا: الله أعظم من أن نعبده نحن ولكن نعبد من هو أقرب إليه منا فعبدوا الشمس وسجدوا لها فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١)
وقد اتضح مما سبق أن هؤلاء الذين يدعون الأموات لا فرق بينهم وبين المشركين السابقين، لاعتقاد الكل الشفاعة والوساطة دون الخلق والإيجاد.
قال الرازي بعد أن ذكر عقيدة السابقين في الأصنام التي وضعت على صور الأنبياء والأكابر، قال: "ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله" (٢)
الوجه الثاني:
إن هذا الاعتقاد بالوساطة فيه مفاسد ومحاذير تهدم العقيدة وتزلزل أركانها من ذلك إساءة الظن بالله تعالى.
والاعتقاد بالوساطة يستلزم إساءة الظن بالله تعالى، وبعلمه وسمعه وجوده وكرمه وذلك أن الذي ظن أن الرب لا يسمع له ولا يستجيب له إلا بواسطة تطلعه على ذلك، أو تسأل ذلك منه فقد ظن بالله ظن السوء، فإنه إن ظن أنه لا يعلم أو لا يسمع إلا بإعلام غيره له وإسماعه، فذاك نفي لعلم الله وسمعه وكمال إدراكه وكفى بذلك ذنبًا، وإن
стр. 816
ظن أنه يسمع ويرى ولكن يحتاج إلى من يلينه ويعطفه عليه فقد أساء الظن بإفضال ربه وبره وإحسانه وسعة جوده.
وقد قال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦، ٨٧] أي: فما ظنكم أن يجازيكم إذا عبدتم معه غيره وظننتم أنه يحتاج في الاطلاع على ضرورات عباده لمن يكون بابًا للحوائج إليه، وهذا بخلاف الملوك فإنهم محتاجون إلى الوسائط لعجزهم وقصور علمهم، فأما من لا يشغله سمع عن سمع وسبقت رحمته غضبه، وكتب على نفسه الرحمة فما تصنع الوسائط عنده؟
فمن اتخذ واسطة بينه وبين الله تعالى فقد ظن به أقبح الظن، ومستحيل أن يشرعه لعباده بل ذلك يمتنع في العقول والفطر (١).
لأنه قد ثبت في العقول والفطر أن الله سبحانه هو المدبر لأمور الخلائق بدون الاستغاثة بأحد، وأنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وأنه "يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين" (٢).
وأي عقل سليم يترك هذا الرب الجليل ويترك الالتجاء إلى بابه ويطلب الوسطاء فإنه عقل مختل.
٣ - ومن المحاذير التي في ذلك تشبيه الخالق بالمخلوق:
وقد اعترفوا بهذا التشبيه في تجويزهم الوساطة وعللوا جوازها بأن الناس جبلوا على معرفة "أن إكرام عبيد السلطان وأتباعه وتعظيمهم هو من
стр. 817
أحسن وجوه التقرب إليه لقضاء حوائجهم عنده، وكلما كان ذلك العبد أو التابع أقرب له وأحب إليه كان إكرامه وتعظيمه والتوسل به إليه أقرب في نجاح الحاجة وحصول المقصود … " (١).
ولا يخفى ما في هذا التشبيه من المفاسد العظيمة فالله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولا يمكن أن يشبه بالملوك والرؤساء وقد علم أن الوسائط بين الملوك والناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة، وكلها مستحيلة في حق الله تعالى والوجوه الثلاثة هي:
١ - لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه.
٢ - أو يكون الملك عاجزًا عن تدبير الرعية فيحتاج إلى مساعد.
٣ - أو يكون الملك لا يريد الخير لرعيته فيحتاج إلى من يحركه وينصحه (٢)، وهذه الأوجه الثلاثة مستحيلة في حق الله تعالى، والاعتقاد بالوساطة يستلزم هذه الأوجه.
٤ - ثم من المحاذير التي في اعتقاد الوساطة أن ذلك الاعتقاد يلزم منه الخضوع والتذلل، والتأله من العبد لتلك الوسائط حتى ترفع أمره إلى الله تعالى.
وهذا التأله قبيح في الشرع والعقل صرفه لغير الله تعالى (٣).
فلو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه من قلب من يطلب الشفاعة والوساطة بسبب قسمته ذلك بينه وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من يطلب شفاعته - لكفى في شناعة اعتقاد الوساطة (٤).
стр. 818
٥ - ومن المحاذير التي في ذلك أنه قول على الله بغير علم، حيث زعم هؤلاء أن الله وسطاء بينه وبين خلقه لا يفعل شيئًا بدون وساطتهم، فحولوا بذلك قلوب عباده عنه وعن سنته في خلقه ووجهوها إلى القبور وإلى عبيد ضعفاء لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ثم سموا هذا توسلًا إليه فهم يتقربون إليه بالشرك به ودعاء غيره من دونه أو معه (١).
وهذا كله يدل على فساد قياس الذين قاسوا الخالق بالمخلوق الملك أو الرئيس فالملك يقبل الشفاعة تارة لحاجته إلى من يشفع إليه، وتارة لخوفه منه، وتارة لجزاء إحسانه ومكافأة له حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته وخدمه فإنه محتاج إليهم لأنه لو لم يقبل شفاعتهم لتضرر بذلك.
وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة أو حياء أو مودة أو غير ذلك، وهذا بخلاف الشفاعة عند الله فإنه سبحانه لا يخاف أحدًا ولا يرجوه ولا يحتاج إلى أحد (٢).
الوجه الثالث:
إن الله لم يجعل واسطة بينه وبين عباده في رفع الحوائج ودفع المضار والله قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
قال بعضهم: والسر في أن الله لم يقل: فقل إني قريب الآية، كما هو عادة أساليب القرآن في الجواب عن الأسئلة الموجهة للرسول ﷺ ، السر في ذلك الإشارة إلى عدم الوساطة في الدعاء حيث لم يجعل الله الوساطة في الجواب على السؤال فكيف بالوساطة في الدعاء نفسه؟ (٣).
стр. 819
وهذا مما يعلم فساده بالضرورة من دين الإسلام فإنه لا يوجد في الإسلام وساطة بين الله وبين خلقه، "في الخلق والتدبير، والرَّزْقِ والإحياء والإماتة، وسماع الدعاء وإجابة الداعي، بل الرسل كلهم وأتباع الرسل متفقون على أنه لا يعبد إلا الله وحده فهو الذي يسأل ويعبد، وله يصلى ويسجد، وهو الذي يجيب دعاء المضطرين ويكشف الضر عن المضرورين، ويغيث عباده المستغيثين ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (١) [فاطر: ٣] ".
ومن هذا يتبين أن المسلمين بل الحنفاء جميعًا "ليس بينهم وبين الله تعالى واسطة في العبادة والدعاء والاستغاثة بل يناجون ربهم ويدعونه ويعبدونه بلا واسطة" (٢).
والوساطة التي جعلها الله تعالى للأنبياء إنما هي في (٣) تبليغ رسالته وأمره ونهيه ووعده ووعيده كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨] و [الكهف: ٥٦].
وقال نوح ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود: ٣١].
ومثل هذا ما أمر الله به خاتم رسله أن يقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ … ﴾ [الأنعام: ٥٠].
الوجه الرابع
ثم إن هذه الشفاعة والوساطة التي يريدها هؤلاء من الأنبياء
стр. 820
والصالحين لا يتصور من عباد الله الصالحين أن يشفعوا فيها ويطلبوا من الله ذلك، لأنهم ممتثلون لأمر الله تعالى فلا يفعلون ما لا يرضاه الله تعالى من الإشراك به.
فإذا دعاهم رجل وتوسط بهم فهم لا يرضون ذلك فيتبرؤون منه ومن دعائه.
ولقد نهى الله تعالى النبي ﷺ والمؤمنين من الاستغفار للمشركين فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [براءة: ١١٣].
وقال في دعوة نوح لابنه: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ (١) [هود: ٤٦].
فتحصل من هذا أن الداعي إن كان مستحقًا للعقاب ورد الدعاء، فالنبي أو الصالح لا يعين على ما يكرهه الله ولا يسعى فيما يبغضه الله، وإن لم يكن كذلك فالله أولى بالرحمة (٢).
ثم إن الأنبياء والصالحين إنما يشفعون يوم القيامة بعد الإذن وهم يفعلون ذلك طاعة لربهم ورغبة في رضاه، فهم يشفعون لمن أذن لهم فيه وإن لم يطلب منهم (٣).
الوجه الخامس: إن قولهم: نحن بعيدون عن الله ومذنبون .. إلخ.
قول باطل من أقوال المشركين فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
وقد روي (٤) في سبب نزولها أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، ربنا
стр. 821
قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية.
وقد أمر الله تعالى العباد كلهم بالصلاة له ومناجاته فيها بقولهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١).
فالعباد يخاطبون الله ﷻ في صلواتهم ودعواتهم بدون حجاب ولا واسطة توصل خطابهم إليه.
الوجه السادس: شواهد الحال تكذب دعواهم فإن نية الشفاعة والوساطة "على فرضها بعيدة الخطورة في البال، وشواهد هذا ظاهرة في حالاتهم تلك، بحيث إن جماهير من العامة لا يحصون في أقاليم واسعة وأقطار متباعدة، ونواحي متباينة -لما كانوا قد نشأوا لا يعرفون إلا ما وجدوا عليه من قبلهم من الآباء والشيوخ من هذه العقائد الوثنية والمفاسد - فتجدهم إذا شكى أحدهم على الآخر نازلة نزلت فلعله لا يخطر له في بال إلا: هل قد ذهبت إلى الولي … " (٢).
فقولهم: إننا نقصد بدعائهم التوسط والشفاعة والتوسل -بعيد عن واقع أحوالهم فالذي تدل عليه أحوالهم وأقوالهم أنهم يريدون من الولي الإجابة والإغاثة، إذ يرون له التصرف المطلق والعلم المحيط وغير ذلك.
وإن كان هذا ليس عامًا في الجميع لأنه يكفي في المنع أن يحصل من البعض.
بقية شبهة الشفاعة والوساطة:
ثم إنهم استدلوا على جواز طلب الشفاعة من الأنبياء والصالحين بل على جواز الاستغاثة ودعاء الموتى والغائبين بما ورد في أحاديث الشفاعة المتواترة من طلب الناس الشفاعة من الأنبياء يوم القيامة، وقاسوا على ذلك طلب الشفاعة منهم أو من الصالحين في حال مماتهم ومغيبهم
стр. 822
والاستغاثة بهم (١).
واستدلوا (٢) بأحاديث فيها طلب بعض الصحابة من النبي ﷺ الدعاء والشفاعة لهم يوم القيامة. مثل حديث ابن عباس ﵄ في حديث طويل أن عكاشة بن محصن قال للنبي ﷺ : "ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت منهم" (٣).
وحديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: "كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بِوَضُوْئِه وحاجته، فقال لي: "سل" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة قال: "أو غير ذلك؟ " قلت: هو ذاك، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" (٤).
الجواب:
١ - إن أحاديث الشفاعة يوم القيامة ليست مما نحن فيه لأن ذلك من سؤال الحي ما يقدر عليه، فيوم القيامة يجمعهم الموقف بعد أن أحياهم الله فليس هو من سؤال الغائب ولا الميت.
ثم إن الأحاديث الأخرى ليست مما نحن فيه أيضًا لأنها تدل على جواز سؤال النبي ﷺ في حياته ما يقدر عليه - وهو الدعاء، فهو يقدر على دعاء الله تعالى.
стр. 823
ويدل لهذا قول عكاشة ﵁: "ادع الله أن يجعلني منهم" فهو إنما طلب الدعاء وهو أمر مشروع، وهو مثل طلب الاستغفار منه ﷺ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤].
٢ - ثم إنه لا يمكن القياس على هؤلاء الذين طلبوا الشفاعة من الرسول ﷺ في حياته للفارق بينهم ومن بعدهم، إذ هو ﷺ يمكن أن يعلم من يشفع له ومن لا يشفع له فلهذا وافق في عكاشة وأغلق الباب على الذي بعده.
٣ - ثم إن الرسول ﷺ ذكر في حديث ربيعة الأسلمي ما يشير إلى ما يكون سببًا للدخول في شفاعة النبي ﷺ ، وهو الإيمان الخالص والعمل الصالح كما في حديث أبي هريرة: "من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصًا قلبه" (١).
فهذا هو السبب الذي يقتضي الشفاعة فلهذا قال لربيعة الأسلمي فأعنّي بكثرة السجود، فعلى هذا فالذي لا يسجد ولا يؤمن بل يشرك بدعاء غير الله تعالى كيف يعين النبي ﷺ على شفاعته، بل هو إنما يعين الشيطان على إضلاله وإغوائه نسأل الله السلامة.
٤ - ثم في بعض طرق حديث ربيعة ما يشعر بأنه إنما طلب الدعاء له بالشفاعة ولم يطلب الشفاعة. (٢).
ومن جملة شبههم القياسية ما ذكروه من قياس الذوات على الأعمال حيث قالوا:
"إذا جاز السؤال بالأعمال، وهي مخلوقة، فالسؤال بالنبي ﷺ أولى" (٣).
стр. 824
فهذه الشبهة المبنية على أساس جامع الاشتراك بين الأعمال والذوات الفاضلة في كونهما مخلوقين هي من أضعف الشبه، وذلك لأن القياس لا يدخل في باب العبادات إذ مبناها على التوقيف، والاتباع (١).
وهذا القياس فاسد من ناحية أخرى أيضًا وهي أنه قياس مع الفارق وذلك لأن علة صحة التوسل بالأعمال كونها من كسب الإنسان وعمله يرجو عليه الجزاء والثواب في الدنيا والآخرة، وهذا الذي جعلها سببًا للوسيلة وهذه العلة مفقودة في الذوات الفاضلة لأنها أجنبية عن المتوسّل بها، فبهذا يتضح أن هذا القياس قياس مع الفارق وهو فاسد الاعتبار كما هو مقرر في علم الأصول.
ومن شبههم القياسية قياس حال الموت على حال الحياة، قال بعضهم:
"ولو لم يكن للفقيه من الدليل على صحة التوسل، والاستغاثة به ﷺ بعد وفاته إلا قياسه على التوسل، والاستغاثة به في حياته الدنيا، لكفى فإنه حي الدارين دائم العناية بأمته، متصرف بإذن الله في شؤونها خبير بأحوالها … " (٢).
وهذا القياس الذي ذكروه فاسد الاعتبار من وجوه:
١ - إن الفرق بين الحياة والموت واضح وضوح الشمس في رائعة النهار، وهذه قضية مسلمة منطقية لا جدال فيها بين العقلاء، ومن شرط القياس المماثلة فلا مماثلة بين الحالتين.
٢ - ثم إن النبي ﷺ وغيره من الأنبياء والصالحين كانوا في حياتهم
стр. 825
يدعون الله تعالى لمن توسل بدعائهم وطلب منهم الدعاء حيث يسمعون كلامه ويعرفون مراده، وأما في دار البرزخ فلا يمكن ادعاء ذلك وحتى لو حصل منهم الدعاء فرضًا فإنما هو بأمر كوني لا يزيد بسؤال سائل كما تقدم بيانه (١).
٣ - ثم إنه لا يمكن لأحد أن أن الأحكام التي كانت للنبي ﷺ في حال حياته مستمرة له بعد وفاته، فقد كان في حياته يصلي خلفه فهل يمكن لأحد الآن أن يصلي متجهًا إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه؟
وكذلك كان في حياته يطلب منه أن يفتي ويقضي فهل يمكن الآن أن يطلب منه ذلك (٢)؟
٤ - ثم إن الصحابة في حياته لم يكونوا يستغيثون به في مغيبه ولا يتوسلون بذكر اسمه وجاهه وإنما كانوا يطلبون الدعاء منه إذا كانوا في مجلسه فقط، فمن باب أولى أن لا يستغاث به بعد الموت، "والدعاء داخل في المقدورات العادية كما لا يخفى، وكانوا إذا بعدوا عنه فاحتاجوا أن يراجعوه في شيء كتبوا إليه أو أرسلوا على ما جرت به العادة، فإذا لم يمكن ذلك قال أحدهم: "اللهم أخبر عنا رسولك كما قال عاصم بن ثابت … " (٣).
٥ - ثم إنه ﷺ (٤) وكذلك الأنبياء والصالحون عندما كانوا في الحياة لا يمكن أن يشرك بهم من دون الله تعالى، وأما بعد وفاتهم فيمكن أن يشرك بهم فيمنع القياس من هنا. وقد فند هذه الشبهة الشيخ أبا بطين
стр. 826
بعدة وجوه قوية (١) منطقية لا يمكن لمبتدع الإجابة عنها، فلنقتصر على هذه الأوجه التي ذكرناها ففيها الكفاية لمن يريد الحق.
стр. 827
الفصل الثالث
في مناقشة ردودهم وإجاباتهم
عن الأدلة المانعة للدعاء غير المشروع
ويحتوي على تمهيد، وتسع شبه.
стр. 828
تمهيد
إن الذين أباحوا دعاء الموتى والغائبين لما رأوا كثرة الأدلة الدالة على منع دعاء غير الله تعالى ودلالتها الواضحة الصريحة وعجزوا عن معارضتها، بحثوا عن شبهات يمكن أن يدفعوا بها دلالة تلك الأدلة على واقعهم المرير وعملهم المشين.
ومقصدهم بذلك ادعاء أن تلك النصوص لا تنطبق على أعمالهم الشركية -وهيهات ذلك- كما أن مقصودهم إخضاع النصوص الشرعية لتوافق ما عليه عباد القبور وسدنة الأضرحة، وهؤلاء المبيحون لدعاء الموتى ينسبون إلى العلم ومعدودون من أهله.
وكان الواجب عليهم النصح الله ولرسوله ولهؤلاء الداعين للأموات من عوام المسلمين، فاستبدلوا بهذا الواجب البحث عن الشبهات التي يمكن أن تدفع عنهم دلالة النصوص الشرعية على واقعهم الشركي، فأتوا بهذه الشبهات التي نناقشها -إن شاء الله تعالى- في هذا الفصل.
والفرق بين هذه الشبهات والتي مرت في الفصلين السابقين هو أن المراد من هذه الشبهات هو منع دلالة النصوص المحرمة لدعاء غير الله تعالى على أعمال القبوريين، وصرفها إلى غيرهم والإجابة اليائسة المستميتة عن النصوص الواضحة المانعة لأعمالهم فهذه الشبهات تتعلق بما يسمى في علم الأصول بتحقيق المناط.
وأما المراد من الشبهات السابقة فهو إثبات مشروعية تلك الأعمال.
ومما ينبغي أن يعلم أن أغلب هذه الشبهات التي في هذا الفصل
стр. 829
إنما أثيرت بعد انتشار دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فلما رأوا انتشارها الواسع أرادوا معارضة هذه الدعوة السلفية المباركة بهذه الشبهة الواهية.
فلهذا لا نجد هذه الشبهات في كلام من سبق هؤلاء ممن هو على مشربهم بخلاف الشبهات التي سبقت في الفصلين السابقين.
ومن هنا رد عليهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتبه ورسائله، كما رد عليهم آخرون ممن جاء بعده فجزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء .. وهذه المناقشات التي ستأتي إن شاء الله تعالى مجموعة مما تفرق في كلام هؤلاء المحققين السابقين، وإن كان هناك إضافة فقليلة لا تستحق الذكر، والغرض مشاركة هؤلاء في هذا الصنيع المبارك لعل الله ينفع به من يشاء من عباده وهو وحده المرجو لذلك، وهو المستعان وهو ولي التوفيق.
الشبهة الأولى (١):
قولهم: إن تلك النصوص فيمن لا يعترف بأن الله هو الخالق الرازق النافع الضار، أي الذي لا يعترف بتوحيد الربوبية، وأما من اعترف بذلك فلا تشمله تلك النصوص ولو دعا غير الله تعالى واستغاث به، وذبح له، ونذر له.
وقالوا: إن من أقر بالربوبية فقد أقر بالألوهية، فعلى هذا فالآيات والأحاديث لا تشمل المسلمين من هذه الأمة المحمدية المرحومة الذين يعترفون بربوبية الله تعالى وأنه الخالق … إلخ.
стр. 830
الجواب:
حاصل شبهتهم ادعاء الفرق بينهم وبين المشركين الأوائل في اعتقاد الربوبية، وفحوى كلامهم أن الأوائل لا يعترفون بتوحيد الربوبية، بل صرح بذلك بعضهم كما سيأتي.
والصواب الذي لا مرية فيه أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ووردت فيهم تلك النصوص - يعترفون بالربوبية - وإليك الأدلة القاطعة:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١].
٢ - وقال عز من قائل: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].
٣ - وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ … ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣].
٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨].
٥ - وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩].
٦ - وقال عز من قائل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
стр. 831
٧ - وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ … ﴾ إلى آخر تلك الآيات [النمل: ٦٠ - ٦٤].
٨ - قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، فقد اتفقت أقوال مفسري السلف (١) على أن من إيمانهم قولَهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا، وعلى أن شركهم هو عبادتهم غيره ويوضح ذلك ما نقله ابن جرير عن قتادة أنه قال: "إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه ورزقه وهو مشرك في عبادته" (٢).
٩ - ومن الأدلة القطعية على اعترافهم بتوحيد الربوبية، ما ذكره الله عنهم في وقت الشدائد والتطام الأمواج من إخلاص الدعاء الله رب العالمين قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، وقال: ? ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٣، ٥٤].
قال قتادة بن دعامة ﵀ في تفسير هذه الآية: "الخلق كلهم يقرون الله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك" (٣).
١٠ - الآيات التي تحدثت عن المشركين بأنهم يتخذون مع الله شركاء ووصفتهم بالشرك أو باتخاذهم وجَعْلِهم مع الله آلهة أخرى.
стр. 832
وذلك لأن الشرك مأخوذ من الشركة فيفيد إقرارهم بالربوبية إلا أنهم يجعلون معه شريكًا في العبادة، كشريكين في شيء مثلًا مع أنهم ما كانوا يساوون آلهتهم بالله في كل شيء بل في المحبة والخضوع لا في الخلق والإيجاد والنفع والضر (١)، فتلك الآيات تدل على أنهم لم يزعموا إلا الشراكة. والآيات التي وردت بالصفة المذكورة كثيرة جدًا ويمكن الإشارة إلى بعضها، منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٤]، ولو قيل يفهم من الآية أن فريقًا منهم يشرك بالرب بعد كشف الضر لاستقام، ومن المعلوم أنه يوجد فيهم حنفاء موحدون.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ … ﴾ إلى قوله: ﴿ … وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ٩٤].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الإسراء: ٤٢]، فإن قوله: ﴿كما يقولون﴾ صريح في أنهم إنما يدعون الشراكة لا الاستقلال كما هو واضح بين.
١٢ - الآيات التي فيها اعتراف المشركين بالمشيئة المطلقة الله تعالى والتي فيها الاحتجاج بالقدر مثل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٢٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، ففي هذه الآيات اعتراف منهم
стр. 833
بالمشيئة الكونية الله تعالى وإن كان احتجاجهم وزعمهم الجبر غير صحيح.
١٢ - الآيات التي وصف الله المشركين فيها بأنهم جعلوا الملائكة بنات لله تعالى، فهم يعبدون الملائكة على أنها بنات الله تعالى، وتقرب إليه، لا على أنها خالقة الكون، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ … ﴾ إلى قوله: … ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ١٥ - ٢٠]، وقال سبحانه: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات: ١٥٠ - ١٥٣].
قال المعلمي رحمه الله تعالى: إن أول ما سرى إلى العرب نسبة الولد إليه تعالى كانوا يقولون: الملائكة بنات الله على معنى أنهم مقربون إليه ولم يقولوا: أبناء الله خشية إيهام أن يكونوا نظراءه فقالوا: بنات الله لأن الإناث عندهم ضعيفات (١).
١٣ - الآيات التي وردت بصيغة الاستفهام التقريري، نحو قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣].
وقوله سبحانه ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧].
وقوله جل شأنه: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١].
وقوله تقدست أسماؤه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
стр. 834
﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠]. فالاستفهام في هذه الآيات استفهام تقرير لهم لأنهم به مقرون (١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]، قال مقاتل في تفسير هذه الآية: فسألهم النبي ﷺ فسكتوا أي لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها، وإنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط وشفعاء عند الله لا لأنهم يكشفون الضر، ويجيبون دعاء المضطر، فهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٢) [النحل: ٥٣، ٥٤].
ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦]. قال شيخ الإسلام: "وهذا استفهام إنكار بمعنى النفي، أي ما جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، فإنهم مقرون أن آلهتهم لم يخلقوا كخلقه وإنما كانوا يجعلونهم شفعاء ووسائط" (٣).
١٤ - الآيات التي تدل (٤) على أن المشركين إنما أنكروا على الرسل الدعوة إلى إفراد الله بالعبادة لا أصل العبادة ولا الإقرار بالربوبية، منها قوله تعالى في قصة هود: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف: ٧٠]، وقول قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. . .﴾ [الزمر: ٤٥]، ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦].
стр. 835
١٥ - الآيات الدالة على أنهم إنما يريدون من الأصنام الشفاعة والتقريب فقط، ومن تلك الآيات ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨]، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣].
١٦ - الآيات الدالة على أنهم يعبدون الله تعالى ويعبدون معه آلهة أخرى، فمن تلك الآيات قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦].
فالاستثناء في هذه الآيات يدل على أنهم يعبدون الله تعالى مع عبادتهم للآلهة، وهذا هو الذي أوجب الاستثناء وإلا فلو كانوا لا يعبدون الله فضلًا عن كونهم يعتقدون ربوبيتها فلا حاجة إلى هذا الاستثناء.
والخلاصة أن القرآن الكريم قد دل دلالة قطعية وصريحة على أن المشركين لم يكونوا يشركون في الربوبية وإنما كان شركهم في الألوهية ومع هذه الدلالة الواضحة أنكر ذلك بعضهم فلهذا نتبع هذا بالإشارة إلى أقوال العلماء الذين ذكروا ذلك، وقبل ذلك نذكر بعض الأدلة من غير القرآن فنقول وبالله التوفيق:
ومما يدل على أن المشركين يعترفون بتوحيد الربوبية، ما وجد في حكاياتهم وقصصهم من اعتقادهم بالربوبية ويشهد بذلك أشعارهم وما نقل عن حكمائهم وحنفائهم كخطب قس بن ساعدة وزيد بن عمرو وأبي ذر الغفاري قبل إسلامه (١).
стр. 836
كما يدل على ذلك اعتقادهم بأنهم كانوا على دين إبراهيم وإسماعيل وكانوا يعترفون برسالتهما وإن حصل لهم فيها خبط (١).
كما يدل لذلك ما كانوا يقولونه في تلبيتهم. قال ابن عباس ﵄: "كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله ﷺ : "ويلكم قد قد" فيقولون: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك يقولون: هذا وهم يطوفون بالبيت" (٢).
الاستشهاد بأقوال العلماء الذين صرحوا باعتراف المشركين بالربوبية:
هذه المسألة واضحة جدًا لا تحتاج إلى تطويل لولا أن بعض الناس ظنوا أن المشركين لا يعترفون بالربوبية -مع وضوح الأدلة- فاقتضى الأمر إلى الاستشهاد بأقوال العلماء الذين صرحوا بذلك، فالعلماء الذين صرحوا بذلك كثيرون، نقتصر على الإشارة إلى بعضهم فنقول وبالله التوفيق:
١ - فمن العلماء الذين صرحوا بذلك الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٦٧ هـ) فإنه ذكر الفطرة التي فطر الناس عليها ثم قال: "فلست واجدًا أحدًا إلا وهو مقر بأن له صانعًا ومدبرًا، وإن سماه بغير اسمه أو عبد شيئًا دونه ليقربه منه عند نفسه، أو وصفه بغير صفته أو أضاف إليه ما تعالى عنه علوًا كبيرًا، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ " (٣).
٢ - الإمام أبو الحسن الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) فإنه قال: إن الله بعث محمدًا ﷺ إلى سائر العالمين، وهم أحزاب وفرق منهم كتابي وبرهمي ودهري، ووثني ومجوسي "وصاحب صنم يعتكف عليه، ويزعم أن له ربًا
стр. 837
يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه" (١) فبين الأشعري أن أهل الأصنام مقرون بالرب تعالى.
٣ - الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم (ت ٤٥٦ هـ) فإنه ذكر في مسألة الفرق بين الكفر والشرك، أن المشركين واليهود والنصارى والمجوس والبراهمة مقرون بالله تعالى فلم ينكره جملة ويجحده إلا الدهرية فقط (٢).
٤ - الشهرستاني محمد بن عبد الكريم المتكلم (ت ٥٤٨ هـ)، فقد ذكر أن تعطيل العالم عن الصانع لا يعرف قائله إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية ثم ذكر مجمل مقالتها في تفسير خلق العالم، ثم ذكر أن هذا القول لا يدل على إنكار قائله بالصانع، ثم ذكر أن الفطرة الضرورية دلت على الصانع، ثم ذكر أنه لهذا لم يرد التكليف بمعرفة الصانع وأن هذا هو السبب في كون محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد ونفي الشريك، ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢]، وغير ذلك من الآيات (٣).
٥ - القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء (ت ٤٥٨ هـ): "فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعًا ومدبرًا وإن سماه بغير اسمه. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ " (٤).
٦ - أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، فقد ذكر الفلاسفة ثم قال: "وما قد حكى لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصانع محال، فإن أكثر القوم يثبتون الصانع، ولا ينكرون النبوات، وإنما أهملوا
стр. 838
النظر فيها، وشذ منهم قليل فتبعوا الدهرية الذين فسدت أفهامهم بالمرة" (١).
وذكر ابن الجوزي أيضًا أن كثيرًا من أهل الهند يعتقدون الربوبية وأن لله ملائكة (٢).
٧ - الفخر الرازي محمد بن عمر (ت ٦٠٤ هـ). فقد ذكر إقرار المشركين بالربوبية في تفسيره في مواضع منه (٣)، منها قوله: "اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكًا يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة، وهذا مما لم يوجد إلى الآن، لكن الثنوية يثبتون إلهين، أحدهما حكيم يفعل الخير، والثاني سفيه يفعل الشر، وأما الاشتغال بعبادة غير الله ففي الذاهبين إليه كثرة. . ." (٤).
٨ - أبو محمد العز بن عبد السلام: (ت ٦٦٠ هـ) فقد ذكر في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، أنه لا يمكن أن يقال: "إنهم كانوا يعظمون الأصنام أكثر من تعظيم الله، لأنه ليس الأمر كذلك بل قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٥) [الزمر: ٣]، وذكر العز أيضًا أن السجود للصنم قد يقصد به التقرب إلى الله تعالى واستدل على ذلك بآية الزمر (٦).
٩ - ابن منظور محمد بن مكرم أبو الفضل اللغوي (ت ٧١١ هـ)، فإنه ذكر في مادة "شرك" حديث تلبية الجاهلية وقولهم: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك ثم قال: اللهم إنا نسألك صحة التوحيد والإخلاص في
стр. 839
الإيمان، انظر إلى هؤلاء لم ينفعهم طوافهم ولا تلبيتهم ولا قولهم عن الصنم هو لك ولا قولهم تملكه وما ملك، مع تسميتهم الصنم شريكًا بل حبط عملهم بهذه التسمية، ولم يصح لهم التوحيد مع الاستثناء ولا نفعتهم معذرتهم بقولهم ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١).
١٠ - شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد قرر هذه المسألة بأدلة مختلفة وذكرها في مواضع كثيرة من كتبه (٢) نذكر بعضها، فمنها: ما ذكره من أن المتكلمين غاية أمرهم إثبات واجب الوجود "وهذا حق لم ينازع فيه لا معطل ولا مشرك"، لأن الناس متفقون على إثباته إلا ما يحكى عن بعضهم أنه قال: إن العالم حدث بنفسه وهذا لا يعرف قائله وإنما هو يقدر تقديرًا، وهو مما يخطر في قلوب الناس فقط وليس قولًا معروفًا لطائفة معينة" (٣).
وقال أيضًا: ومعلوم أن أحدًا من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان والمسيح ابن مريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهاً مساويًا لله في جميع صفاته بل عامة المشركين بالله مقرون بأنه ليس شريكه مثله" (٤).
стр. 840
وقال أيضًا: "وإثبات توحيد الربوبية لم ينازع في أصله أحد من بني آدم وإنما نازعوا في بعض تفاصيله. . . " (١).
وقد نبه شيخ الإسلام ﵀ على أن هذا الموضع عظيم ينبغي معرفته لالتباسه على بعض الطوائف حتى وقعوا فيما ينافي الإسلام (٢).
١١ - ابن القيم شمس الدين أبو عبد الله (ت ٧٥١ هـ) فإنه قال بعد أن ذكر اللات والعزى ومناة: "ولم يكن أحد من أرباب الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم اليوم عند طواغيتهم" (٣).
١٢ ـ ابن أبي العز الحنفي علي بن علي (ت ٧٩٢ هـ) فقد ذكر توحيد الربوبية ثم ذكر أنه لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم وذكر أنه مفطور في البشر (٤).
١٣ - المقريزي أحمد بن علي (ت ٨٤٥ هـ) فإنه ذكر قول المشركين في النار ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨] ثم قال: "ومعلوم قطعًا أن هذه التسوية لم تكن بينهم وبين الله في كونه ربهم وخالقهم، فإنهم كانوا كما أخبر الله عنهم مقرين بأن الله تعالى وحده هو ربهم وخالقهم. . ." (٥).
стр. 841
١٤ - القاري علي بن سلطان الهروي الحنفي (ت ١٠١٤ هـ) فقد ذكر أن توحيد الألوهية يستلزم توحيد الربوبية دون العكس لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ. . .﴾ (١).
١٥ - الدهلوي أحمد بن عبد الرحيم (ت ١١٧٦ هـ)، فقد ذكر هذه المسألة وقررها في عدة مواضع من كتبه (٢) بتقرير حسن.
١٦ - شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦ هـ) فإنه قد ذكر هذا الأصل وقرره في مواضع (٣) من كتبه ورسائله على أحسن الوجوه.
١٧ - ابن عابدين محمد بن عمر الحنفي (ت ١٢٥٢ هـ) فقد ذكر في حاشيته على رد المحتار تعقيبًا على كلام المؤلف أن الوثنية لا ينكرون الصانع تعالى كما لا يخفى، ثم ذكر أن عبدة الأوثان كانوا يقرون بالله تعالى، قال تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ. .﴾ الآية، ولكن كانوا لا يقرون بالوحدانية. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤) [الصافات: ٣٥].
١٨ - ثم هناك علماء كثيرون (٥) صرحوا بهذا فنكتفي بهذا القدر.
стр. 842
كما اعترف بهذه الحقيقة (١) كثير من أهل هذا العصر نكتفي منهم بما ذكره محمد عبد الله دراز، من أن المتدينين مهما بلغوا في الخرافة أي مبلغ لا بد أن يعترفوا بالإله الأعظم، وأما الأصنام والأوثان فيزعمون أنها مهبط لقوة غيبية. . . إلخ (٢).
ولا حاجة إلى إطالة البيان لهذا الواضح البين لولا زعم من يقول (٣): "إن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم من قولهم مسوغين عبادة الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ".
ثم احتج هذا القائل بشبهة وهي:
١ - أن الله سبحانه قد نهى المسلمين من سب أصنامهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
стр. 843
وزعم أن قول كلمة نقص في الحجارة التي يعبدونها - يتسبب عنه غضبهم غيرة على تلك الحجارة التي يعتقدون من صميم قلوبهم أنها آلهة تنفع وتضر، وأنهم "لو كانوا صادقين بأن عبادتهم لأصنامهم تقربهم إلى الله زلفى ما اجترؤوا أن يسبوه انتقامًا ممن يسبون آلهتهم، فإن ذلك واضح جدًا في أن الله تعالى في نفوسهم أقل من تلك الحجارة".
الجواب عن هذه الشبهة على وجوه:
الوجه الأول (١):
أن سبهم الذي يخشى أن يقع عند سب آلهتهم هو مقابلتهم لمن سب معبودهم بمثل سبه يريدون محض المجاراة فيتجاوزون الحد فيها، كما يقع كثيرًا من المختلفين في الدين والمذهب، يسب نصراني نبي المسلم فيسب المسلم نبيه ويريد عيسى عليهما الصلاة والسلام، ويسب شيعي -يلاحي سنيًا ويماريه- أبا بكر فيسب عليًا والأول يعلم أن سب عيسى كفر كَسَبِّ محمد عليهما الصلاة والسلام والثاني يعلم أن سب علي فسق (٢) كسب أبي بكر ﵄، ومثل هذا يقع كثيرًا بل كثيرًا مَّا يتساب أخوان من أهل دين واحد يسب أحدهما أب الآخر أو معبوده فيقابله بمثل سبه، يغيظه بسب أبيه مضافاً إليه، ويعده إهانة له، فيسبه مضافًا إلى أخيه إهانة لأخيه، وهذا كله من حب الذات، والجهل الحامل على المعاقبة على الجريمة بارتكابها عينها يهين والده المعظم عنده ومعبوده الذي هو أعظم منه احتماء لنفسه وعصبية لها، وقد جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "من الكبائر شتم الرجل والديه
стр. 844
قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه. . ." (١).
ومما يشهد لهذا الوجه ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم: والذي اصطفي محمدًا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فلطم المسلم اليهودي فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ واشتكى فقال النبي ﷺ : «لا تخيروني على موسى» (٢).
وقال ﵊: "ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى" (٣)، وكل هذا لئلا يفضي إلى المخاصمة والمنازعة ثم يؤدي ذلك إلى الازدراء والانتقاص للمفضول بدون قصد.
وعلى هذا الوجه المتقدم يحمل قوله تعالى: ﴿عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، على أن المراد بالعلم المنفي: "العلم الحضوري الباعث على العمل وهو إرادة السب التي يقصد بها إهانة المسبوب، فإن الساب هنا لا يتوجه قصده إلا إلى إهانة مُخَاطَبه الذي سبه" (٤).
الوجه الثاني:
ليس المراد أنهم يسبونه صريحًا ولكن يخوضون في ذكره فيذكرونه بما لا يليق به ويتمادون في ذلك بالمجادلة فيزدادون في ذكره بما لا يليق بالله تعالى، وقد قال بهذا الوجه الراغب الأصفهاني (٥).
стр. 845
فالمراد أنهم يقولون ما يستلزم سبه بحيث يفهم ذلك منهم، وإن لم يَعْلَم ذلك قَائِلُه (١) وليس ذلك غرضه.
الوجه الثالث:
أن معنى سبهم لله تعالى هو سبهم وعيبهم لأمر المسلمين فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله تعالى لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به، وقد قال بهذا الوجه ابن الجوزي (٢).
ويقرب هذا الوجه أن الكفار إذا عيب دينهم فلا بد أن يعيبوا دين المسلمين والشريعة الإسلامية وما جاءت به من العبادات والأحكام، فيؤدي ذلك إلى سب من شرع هذا الدين الحنيف وهو الله تعالى.
الوجه الرابع:
أنهم ربما كان في جهالهم من كان يعتقد بأن إله محمد شيطان يحمله على ادعاء الرسالة، وليس خالق السموات والأرض، فكان يشتم إله محمد على هذا التأويل، وهذا الوجه أبداه الرازي احتمالًا (٣).
ويؤيد هذا الوجه أن المتخاصم ربما يعتقد أن خصمه لا يعبد الله تعالى بل يعبد إلهًا آخر، لأنه يصف معبوده بما لا يصح أن يوصف به الله تعالى عنده، وقد ثبت عن بعض المختلفين في الأديان وفي مذاهب الدين الواحد وصف ربهم وإلههم بصفات، ورب خصومهم وإلههم بصفات تناقضها، أو تضادها كما يقول مثبتو الصفات ونفاتها بعضهم في بعض، مع أن الجميع يقولون: إنهم يعبدون الله خالق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما (٤).