وحكى الفراء: "اذهب إلى زبد أو دفع ذلك فلا نبرح اليوم"، فالظاهر أن هذا إضراب صريح.
ووافق الكوفيين أبو علي وابن برهان، وقال ابن برهان في شرح اللمع: قال أبو علي:
"أو" حرف يستعمل على ضربين:
أحدهما: أن يكون لأحد الشيئين أو الأشياء والآخر: أن يكون للإضراب".
وقال ابن برهان:
"وأما الضرب الثاني فنحو: "أنا أخرج ثم تقول، أو أقيم". أضربت عن الخروج، وأثبت الإقامة كأنك قلت: لا بل أقيم".
وهذا معنى قولي:
. . . . . . . . . . . ... والإضراب عن قوم نمي
ومن مجيء "أو" للإضراب قول جرير يخاطب هشام بن عبد الملك:
٧٩٨ - ماذا ترى في عيال قد برمت بهم ... لم أحص عدتهم إلا بعداد
٧٩٩ - كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية ... لولا رجاؤك قد قتلت أولادي
стр. 1227
ثم نبهت بقولي:
وربما عاقبت الواو. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
على أن "أو" قد تقع (١) موضع الواو/ وذلك إذا أمن اللبس كقول الشاعر:
(٨٠٠) - جاء الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر
وكقول الآخر:
(٨٠١) - قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع
стр. 1228
ومثله قول امرئ القيس:
(٨٠٢) - فظل طهاة ما بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
ومن المواضع التي يتعاقب فيها "أو" والواو والإباحة نحو: "جالس الحسن أو ابن سيرين".
[أي: جالس الصنف الذين منهم الحسن وابن سيرين] (١).
فلو جالسهما معا أو أفرد أحدهما بالمجالسة لم يخالف ما أبيح له.
والاعتماد في فهم المراد من مثل هذا الخطاب على القرائن، وفلذلك لو جيء، بالواو مكان "أو" لم يختلف المعنى.
وأكثر ورود "أو" للإباحة في تشبيه أو تقدير.
стр. 1229
فالتشبيه نحو: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (١) و ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (٢).
والتقدير نحو: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٣) و ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٤). فلو جيء بالواو في مثل هذا من الكلام لم يختلف المعنى.
ولذلك قرأ بعض القراء (٥): ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٦) بالواو (٧).
стр. 1230
ومن مواضع تعاقب "أو" والواو التقسيم كقول الشاعر:
(٨٠٣) - وننصر مولانا ونعلم أنه ... -كما الناس- مجروم عليه وجارم
أي: بعضهم مجروم عليه، وبعضهم جارم، أو منهم مجروم عليه، ومنهم جارم.
فلو جيء بـ"أو" لجاز وكان التقدير: الملقي منهم مجرور عليه أو جارم.
ومثل هذا البيت قول الآخر:
(٨٠٤) - فقالوا لنا: ثنتان لابد منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل
فلو جيء بالواو هنا (١) لكان جائزًا، ولكان أوفق لقوله: "سان لا بد منهما" إلا أنه يسامح لوضوح المعنى.
стр. 1231
"و"إما" المسبوقة بمثلها عاطفة عند أكثر النحويين.
ومذهب ابن كيسان، وأبي علي (١) أن العاطف إنما هو الواو التي قبلها، وهي جائية لمعنى من المعاني المفادة بـ"أو".
وبقولهما أقول في ذلك تخلصا من دخول عاطف على عاطف.
ولأن وقوعها بعد الواو مسبوقة بمثلها شبيه (٢) بوقوع "لا" بعد الواو مسبوقة بمثلها في مثل: "لا زيد ولا عمرو فيها".
و"لا" هذه غير عاطفة بإجماع فلتكن "إما" مثلها، إلحاقا للنظير بالنظير، وعملا بمقتضى الأولوية.
وذلك أن "لا" قبل مقارنة الواو صالحة للعطفية بإجماع ومع ذلك حكم بعدم عطفيتها عند مقارنتها، فلأن يحكم بعدم عطفية "إما" عند مقارنة الواو أحق وأولى. وفتح همزتها لغة تميمية.
وقد تغني عنها "أو" فيقال: "قام إما زيد وإما عمرو" وغلى هذا أشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . ... وقد تجيء "إما" قبل "أو".
стр. 1232
وأصلها "إن" فضمت إليها "ما".
وقد يستغنى عن "ما" في الشعر كقول الشاعر:
٨٠٥ - وقد كذبتك نفسك فاكذبنها ... فإن جزعا وإن إجمال صبر
أراد: فإما جزعا، وإما إجمال صبر
وقد يستغنى عن "وإما" بـ"ولا" كقول الشاعر:
стр. 1233
٨٠٦ - فإما أن تكون أخي بصدق ... فأعرف منك غثى من سميني
٨٠٧ - وإلا فاطرحني واتخذني ... عدوا أتقيك وتتقيني
وقد يستغنى بالثانية عن الأولى ومنه قول الشاعر:
٨٠٨ - نهاض بدار قد تقادم عهدها ... وإما بأموات ألم خيالها
стр. 1234
ومثله قول النمر بن تولب:
(٨٠٩) - سقته الرواعد من صيف ... وإن من خريف فلن يعدما
قال سيبويه (١):
"أراد: إما من صيف، وإما من خريف فحذف "إما" الأولى، واقتصر على الثانية بعد حذف "ما" (٢).
وقد تجيء الثانية عارية من الواو كقول الشاعر:
(٨١٠) - يا ليتما أمنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنة أيما إلى نار
стр. 1235
وروى قطرب:
(٨١١) - لا تفسدوا آبالكم
(٨١٢) - أيما لنا أيما لكم
أراد: إما لنا، وإما لكم، ففتح الهمزة وهي لغة بني تميم، وأبدل الميم الأولى ياء، وحذف الواو.
- وأما المعطوف بـ"لكن" فمحكوم له بالثبوت بعد نفي كقولك: "ما قام زيد لكن عمرو".
أو بعد نهي كقولك: "لا تضرب زيدا لكن عمرا".
فإن دخلت عليها الواو كقوله تعالى: ﴿َلَكِنْ رَسُولَ اللَّه﴾ (١) عريت "لكن" من العطف، وقدر ما بعدها جملة معطوفة على ما قبلها بالواو؛ لأن بقاء "لكن" بعد الواو عاطفة ممتنع لامتناع دخول عاطف على عاطف.
وجعل الواو عاطفة وحدها مع كون ما بعد "لكن" مفردا
стр. 1236
ممنوع لمخالفته في الحكم للمعطوف عليه، وحق المعطوف بالواو إن كان مفردا أن يستوي هو والمعطوف عليه في الحكم.
فإن كانا جملتين اغتفر تخالفهما في الحكم كقولك: "قام زيد ولم يقم عمرو" و"أكرم خالد وأهين بشر" و"أطع الله ولا تتبع الهوى".
وزعم ابن خروف أن المعطوف بعد "لكن" لم يستعمل إلا مع الواو.
وذكر بعض الأئمة أن يونس لا يرى "لكن" عاطفة، وكأنه إنما لم يعدها من حروف العطف لعدم استعمالها غير مسبوقة بواو.
ولم يمثل سيبويه (١) للعطف بها (٢) إلا بعد واو فقال (٣): "ما مررت بصالح ولكن طالح" (٤).
وسمي المعطوف بها وبـ"بل" بدلا.
وأما "لا" فيعطف بها بعد خبر مثبت أو أمر نحو: "هذا زيد لا عمرو". و"أقصد محمدا لا بشرا".
وبعد نداء كقولك: "يا زيد لا عمرو" (٥) و"يا ابن لا ابن عم" (٦).
стр. 1237
ومنع أبو القاسم الزجاجي في كتاب "معاني الحروف" أن يعطف بـ"لا" بعد الفعل الماضي.
وليس منع ذلك صحيحا لقول العرب: "جدك" لا كدك" (١) وقيل في تفسيره: معناه/ نفعك جدك لا كدك.
ومثله في العطف على معمول فعل ماض قول امرئ القيس:
(٨١٣) - كأن دثار حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل
وجعل الكوفيون من حروف العطف "ليس"، ومن حججهم قول الشاعر (٢): ]
стр. 1238
(٨١٤) - أين المفر والإله الطالب
(٨١٥) - والأشرم المغلوب ليس الغالب؟
وتوجيه هذا على مذهب البصريين أن يجعل "الغالب" اسم "ليس". ويجعل خبرها ضميرا متصلا عائدا على الأشرم، ثم حذف لاتصاله كما تقول: "الصديق كانه زيد" (١).
تحذف الهاء تخفيفا كما تحذفها من نحو: "زيد شربه عمرو" فيصير: "زيد ضرب عمرو".
وأما "بل" فللإضراب، وحالها فيه (٢) مختلف.
فإن كان الواقع بعدها جملة فهي للتنبيه على انتهاء غرض واستئناف غيره، ولا تكون (٣) في القرآن إلا على هذا الوجه.
وإن وقع بعدها مفردا وليس قبله نفي، ولا نهي فهي لإزالة حكم ما قبلها وجعله لما بعدها نحو: "جاء زيد بل عمرو"، و"خذ هذا بل ذلك" (٤).
стр. 1239
فإن كان قبل المفرد نفى أو نهي آذنت بتقرير حكمه، ويجعل ضده لما بعده.
فـ"زيد" من قولك "ما قام زيد بل عمرو" قد قرر نفي قيامه، و"عمرو" قد أثبت" (١) قيامه، و"خالدا" من قولك: "لا نضرب خالدا بل بشرا"، قد قرر النهي عن ضربه، "بشر" قد أمر بضربه، هذا هو الصحيح.
ولذلك (٢) لم يجز في المعطوف بـ"بل": و"لكن" على خبر "ما" إلا الرفع؛ لأن "ما" لا تعمل إلا في منفي، والمبرد الموافق (٣) في هذا الحكم.
ويجوز مع ذلك أن تكون "بل" ناقلة حكم النفي والنهي لما بعدها (٤). وما جوزه مخالف لاستعمال العرب كقول الشاعر:
(٨١٦) - لو اعتصمت بنا لم تعتصم بعدا ... بل أولياء كفاة غير أوغاد
стр. 1240
وكقول الآخر:
(٨١٧) - وما انتميت إلى خور ولا كشف ... ولا لئام غداة الروع أوزاع
(٨١٨) - بل ضاربين حبيك البيض إن لحقوا ... شم العرانين عند الموت لذاع
[وكقول الآخر:
(٨١٩) - لا تلق ضيفا إذا أملقت معتذرا ... بعسرة بل غني النفس جذلانا] (١)
стр. 1241
"ص"
وفصل عاطف بحرف جر أو ... ظرف أجز مخالفا قوما أبوا
نحو "اكسني اليوم قميصا وغدا ... بردا" وفي نثر ونظم وردا
وفصل غير الواو وألفا بالقسم ... قد يستبيح ناثر (١)، ومن نظم (٢)
وأعد العامل بعد ما فصل ... إن كان خافضا توافق من عدل
كـ"امرر بذا وبعد بابني" واغتفر ... نحو "لذا شهد وخالد صبر"
وجر "خالد" بلام قد حذف ... أولى من العطف على ذا فاعترف
ومثل ظاهر ضمير منفصل ... في العطف والعطف عليه قد جعل
وإن على مضمر (٣) رفع متصل ... تعطف فقبل العطف جيء بالمنفصل
أو بسواه افصل، وربما ورد ... عطف بلا فصل كـ"سرنا والمدد"
стр. 1242
وعود (١) حرف الجر في عطف على ... ضمير جر، أو بعيد فضلا
وحيث لا يعاد فالنصب أحق ... وقد يرى للرفع عند ذاك حق
وإن يك المجرور مرفوع المحل ... فالنصب في حكم النحاة لن يحل
وذو اتصال من ضمير النصب لا ... حجر لدى (٢) عطف عليه بولا
والأخفش الواو و "ثم" والفا ... زاد وحذف عاطف قد يلفى
والفاء قد تحذف مع ما عطفت ... والواو إذ لا لبس وهي انفردت
بعطف عامل مزال قد بقي ... معموله دفعا لوهم اتقي
وقد يسوغ حذف متبوع هنا ... إن كان تحصيل المراد ممكنا
ومتبع بالواو قد يقدم ... موسطا إن يلتزم ما يلزم
стр. 1243
وعطفوا فعلا على فعل كـ"من ... يجمع ويمنع فهو غير مؤتمن"
وألزمنهما اتفاقا في الزمن ... واغتفر اختلاف لفظ حيث عن
واعطف على اسم شبه فعل فعلا ... وعكسا استعمل تجده سهلا
كـ"رب بيضاء من العواهج ... أم صبي قد حبا أو دارج"
كذا (١) "يعيشها بعضب باتر ... يقصد في أسواقها وجائر" (٢)
منع أبو علي الفصل بين العاطف والمعطوف بظرف أو جار أو مجرور، وجعل من الضرورات قول الشاعر:
(٨٢٠) - يوما تراها كشبه أردية الـ ... ـعصب ويما أديمها نغلا
стр. 1244
وليس الأمر كما زعم.
بل الفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف والجار والمجرور جائز في الاختيار إن لم يكن المعطوف فعلا ولا اسما (١) مجرورا، وهو في القرآن كثير كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢).
ففصل بـ"إذا" وما أضيفت (٣) إليه بين الواو و"أن تحكموا" وهو معطوف على "أن تؤدوا".
وكقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (٤).
ففصل بـ"في الآخرة" بين الواو و"حسنة".
وكقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ (٥).
ففصل بـ"من خلفهم" بين الواو و"سدا".
стр. 1245
وكقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (١).
ففصل بـ"من الأرض" بين الواو و"مثلهن".
فإلى (٢) هذا أشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . ... .... وفي نثر ونظم وردا
ثم بينت أن غير الفاء والواو من حروف العطف قد يحال بينه وبين المعطوف بالقسم نحو: "قام زيد ثم والله عمرو" و"مالك دينارا بل والله درهما".
فلو كان العاطف فاء أو واوًا (٣) لم يجز هذا الفصل؛ لأن الفاء والواو (٤) أشد افتقار إلى ما يتصل بهما من غيرهما.
ثم بينت إن المفصول من العاطف إن كان معطوفا على مجرور أعيد معه الجار كقولي.
.. امرر بذا وبعد بابني. . . . . . . . . . . ... فلو حذفت الجار لم يجز.
بخلاف الرافع والناصب فالاستغناء عن إعادتهما بعد الفصل جائز نحو: "يقوم اليوم زيد، وغدا عمرو" و"رأيت زيدا
стр. 1246
وقبله عمرا" ثم بينت أنه لا يمتنع نحو:
. . . . . . . . . . . ... لذا شهد وخالد صبر
لكن في جوازه مذهبان:
أحدهما: أن يكون جر "خالد" بالعطف (١) على "ذا"، و"صبر" معطوف على "شهد" فيكون عطفا على عاملين، وهو عند أبي الحسن في مثل هذا (٢) جائز.
والثاني: أن يكون جر "خالد" بلام محذوفة دل عليها اللام المتقدمة.
ولا يلزم من هذا عطف على عاملين، فإن الجار والمجرور خبر مقدم و"صبر": مبتدأ، والجملة معطوفة على الجملة المتقدمة.
وهذا أقرب من عطف على عاملين، إذ ليس في هذا التوجيه ما يستبعد إلا حذف (٣) حرف الجر، وبقاء عمله، ومثل هذا لوجود ما يدل على المحذوف جائز بإجماع.
ولذلك جروا (٤) بـ"من" محذوفة بعد "كم" إذا دخل عليها حرف جر.
وقد أجاز الأخفش والسيرافي وغيرهما من
стр. 1247
المحققين جر المجاب به بحرف محذوف إذا كان حرف الجر ظاهرا في السؤال نحو أن تقول: "زيد" لمن قال: "بمن مررت"؟ .
وإذا (١) كان معنى حرف الجر في السؤال قد سوغ للمجيب أن يجر بحرف محذوف كقول رؤبة: "خير" -بالجر- لمن قال: "كيف أصبحت" (٢)؟ فلأن يسوغ ظهور حرف الجر في السؤال إعمال الجار والمحذوف أحق وأولى. فهذا يقوي ما أشرت إليه من صحة قولي:
. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . لذا شهد وخالد صبر
والأصل المصحح لقولي:
. . . . . . . . . . . ... لذا شهد وخالد صبر
ولقول النحويين: "في الدار زيد، والحجرة عمرو".
قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. (٣)
стр. 1248
فالواو من: "واختلاف الليل" عاطفة جملة على جملة، كما تقرر في توجيه: "لذا شهد وخالد صبر".
وحذف خافض "اختلاف الليل والنهار" لدلالة خافض "خلقكم" عليه.
ومثل ذلك قول الشاعر، وأنشده الفراء:
(٨٢١) - ألا يا لقوم كل ما حم واقع ... وللطير مجرى والجنوب مصارع
وقراءة (١) حمزة والكسائي: "آيات" على تقدير "إن" و"في" لدلالة المتقدمين عليهما.
أو على جعل "آيات" الثاني، والثالث توكيدين لـ"آيات" الأول" (٢).
والتوكيد بعد التوكيد، وحذف ما دل عليه دليل ليس ببدع. بخلاف العطف على عاملين فإنه بمنزلة تعديتين بمعد واحد، فلا يجوز.
стр. 1249
ثم بينت أن الضمير المنفصل في عطفه على غيره، وعطف غيره عليه بمنزلة الظاهرة.
فيقال: "أنت وزيد صديقان" و"عمرو وأنتما متفقون" و"إياك وخالدًا أكرمت". و"لا تصحب إلا أخاك وإياي".
فإن كان المعطوف عليه ضميرا متصلا مرفوعا فالجيد الكثير (١).
أن يؤكد قبل العطف بضمير منفصل كقوله تعالى: [﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢).
أو يفصل بينه وبين العاطف بمفعول أو غيره كقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ] (٣) يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ (٤).
وقد يغني عن الفصل في الجملة المنفية وقوع "لا" بين العاطف والمعطوف كقوله تعالى: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ (٥).
ولا يمتنع العطف عليه دون فصل [(٦) ومنه ما حكى
стр. 1250
سيبويه (١) من قول بعضهم: "مررت برجل سواء [والعدم" (٢).
فعطف "العدم" دون فصل، ودون ضرورة على ضمير الرفع المستتر في "سواء" (٣)]. ومثله (٤) قول جرير:
(٨٢٢) - ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ... ما لم يكن وأب له لينالا
وهذا -أيضًا- فعل مختار غير مضطر (٥) لتمكن الشاعر من نصب "وأب" على أن يكون مفعولا معه.
ومثله في عدم الاضطرار والتكلم وبالاختيار (٦) قول عمر (٧) بن أبي ربيعة:
(٨٢٣) - قلت إذ أقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الملا تعسفن (٨) رملا
стр. 1251
فرفع "زهرا" عطفا على الضمير المستكن في "أقبلت" مع التمكن من جعله معفولا معه.
وإذا كان المعطوف عليه ضمير جر لزم عند جميع النوحيين إلا يونس، والفراء وإعادة الجار (١) كقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْض﴾ (٢) , و [قوله] ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْك﴾ (٣) و [قوله] ﴿يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ (٤).
وللملتزمين إعادة الجار حجتان:
إحداهما: أن ضمير الجر شبيه بالتنوين، ومعاقب له فلم
стр. 1252
يجز العطف عليه كما لم يجز العطف على التنوين.
الثانية: أن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يصلحا لحلول كل واحد منهما محل الآخر، وضمير الجر غير صالح لحوله محل ما يعطف عليه فامتنع العطف إلا مع إعادة الجار. وكلتا الحجتين ضعيفة.
أما الأولى: فيدل على ضعفها أن شبه ضمير الجر بالتونين لو منع من العطف عليه لمنع من توكيده، والإبدال منه.
لأنا لتنوين لا يؤكد ولا يبدل منه، وضمير الجر يؤكد ويبدل منه بإجماع فللعطف أسوة بهما.
وأما الثانية، فيدل على ضعفها أنه لو كان حلول كل واحد من المعطوف، والمعطوف عليه -يعني في محل الآخر- (١) شرطا في صحة العطف لم يجز "رب رجل وأخيه" [ولا:
(٨٢٤) - أي فتى هيجاء أنت وجارها .... . . . . . . . . . .
ولا "كل شاة وسخلتها بدرهم" (٢)] ولا:
стр. 1253
(٨٢٥) - الواهب المائة الهجان وعبدها .... . . . . . . . . . .
ولاك "لا رجل وامرأة في الدار".
وأمثال ذلك من المعطوفات الممتنع تقديمها وتأخيرها ما عطفت عليه كثيرة (١).
فكما لم يمتنع فيها العطف لا (٢) يمتنع في نحو: "مررت بك وزيد".
وإذا بطل كون ما تعللوا به مانعا وجب الاعتراف بصحة الجواز.
ومن مؤيدات الجواز "قوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣) بالعطف على الهاء لا بالعطف على
стр. 1254
"سبيل" لاستلزامه الفصل بأجنبي بين جزأي الصلة.
وتوفي هذا المحذور حمل أبا علي الشلوبين على موافقة الكوفيين في هذه المسألة. وقد غفل الزمخشري وغيره عن هذا.
ومن مؤيدات الجواز -أيضا] (١) - قراءة حمزة (٢): ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٣) -بخفض الأرحام.
وهي -أيضا- قراءة ابن عباس (٤)، والحسن البصري ومجاهد (٥)، وقتادة (٦)، والنخعي (٧)، والأعمش (٨)، ويحيى بن
стр. 1255
وثاب (١)، وأبي رزين (٢).
ومثل هذه القراءة قول بعض العرب: "ما فيها غيره وفرسه" رواه قطرب (٣) بجر "فرسه".
ومثله ما أنشده سيبويه (٤) من قول الشاعر:
(٨٢٦) - فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
وأنشد (٥) أيضا:
стр. 1256
(٨٢٧) - آبك أيه بي أو مصدر
(٨٢٨) - من حمر الجلة جأب حشور
وأنشد الفراء:
(٨٢٩) - نعلق في مثل السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب غوط نفانف
وأنشد الفراء (١) أيضا:
стр. 1257
(٨٣٠) - هلا سألت بذي الجماجم عنهم ... وأبي نعيم ذي اللواء المحرق
وأجاز الفراء أن يكون من هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِين﴾ (١) ثم قال:
"وما أقل ما ترد العرب حرفا مخفوضا على مخفوض قد كني عنه" (٢)، وقال العباس بن مرداس:
(٨٣١) - أكر على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
стр. 1258
وقال آخر:
(٨٣٢) - إذا أوقدوا نار لحرب عدوهم ... قد خاب من يصلي بها وسعيرها (١)
وقال آخر:
(٨٣٣) - بنا أبدا لا غيرنا تدرك المنى ... وتكشف غماء الخطوب الفوادح
وقال آخر (٢):
(٨٣٤) - لو كان لي وزهير ثالث وردتْ ... من الحمام عدانا شر مورود
стр. 1259
[وأجاز الأخفش جر "الضحاك" من قول الشاعر:
(٨٣٥) - فحسبك والضحاك سيفا مهندا (١)]
ولأجل القراءة المذكورة، والشواهد لم أمنع العطف على ضمير الجر، بل نبهت على أن عود حرف الجر مع المعطوف مفضل على عدمه عوده.
وكذا حكم المعطوف على ظاهر مجرور بعيد.
والنصب فيهما "عند عدم العود، وعدم رفع المحل أجود من الحر، ولذلك (٢) قرأ (٣) الأكثرون بنصب: "والأرحام" (٤).
وأجمع على نصب: ﴿مُنَجُّوكَ وَأَهْلَك﴾ (٥)، وعلى نصب
стр. 1260
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُم﴾ (١) مع أنه من جهة المعنى معطوف على الموحي إليهم، إلا أنه بعد إذ فصل بـ ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ (٢).
فنصب حملا على المعنى.
ولو جر لجاز كما جر: ﴿وَقَوْمَ نُوح﴾ (٣) في "الذاريات" أبو عمرو وحمزة والكسائي مع أن بعده من المعطوف عليه أشد.
ومع ذلك فالنصب فيه وفي "الأرحام" أحق.
وقرأ أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد (٤) "والأرحام" بالرفع على الابتداء.
أي: والأرحام مما يجب أن تتقوه وتحتاطوا لأنفسكم فيه.
وعلى هذه القراءة (٥) وشببها نبهت بقولي:
. . . . . . . . . . . ... وقد يرى للرفع عند ذلك حق
وأشرت بقولي:
стр. 1261
وإن يكن المجرور مرفوع المحل ... فالنصب في حكم النحاة لن يحل
إلى قوله تعالى: (١) ﴿وَمَا تَسْقُطُ (٢) مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ (٣).
وقرئ بالرفع (٤) عطفا على موضع "من ورقة".
ثم بينت أنه لا حجر (٥) في العطف على ضمير النصب المتصل.
أي: لا يشترط في العطف عليه ما اشترط في ضمير (٦) الرفع والجر.
ثم بينت أن الأخفش يرى زيادة الواو والفاء و"ثم". وقال ابن برهان: "واعلم أن الفاء تكون زائدة عند أصحابنا جميعا نحو قوله (٧):
стр. 1262
(٨٣٦) - لا تجزعي إن منفسا أهكلته ... فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي"
وكذا قال أبو عثمان، وأبو الحسن، في [قوله تعالى]: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ (١).
ومن زيادة القاء قول الشاعر:
(٨٣٧) - يموت إياس أو يشب فتاهم ... ويحدث ناش والصغير فيكبر
ومنه قول الآخر:
(٨٣٨) - وحتى تركن العائدات يعدنني ... وقلن: فلا تبعد، فقلت: ألا ابعد.
стр. 1263
قال أبو الحسن:
"وقد زادوا "ثم" وأنشد:
(٨٣٩) - أزاني إذا ما بت بت على هوى ... فثم إذا أصبحت غاديا".
وعليه تأول [قوله تعالى] ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (١).
وهذا قول الكوفيين، وهم يرون زيادة الواو مع ذلك وينشدون.
стр. 1264
(٨٤٠) - حتى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبوا
(٨٤١) - وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللئيم الفاجر الخب
أراد: قلبتم، فزاد الواو، وأنشد أبو الحسن في زيادة لواو:
(٨٤٢) - فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلا كلمة حالم بخيال
ومثله قول أبي كبير (١).
стр. 1265
(٨٤٣) - فإذا وذلك ليس إلا حينه ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل
وأشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . ... وحذف عاطف قد يلفى
إلى مواضع قصد فيها العطف مع حذف العاطف، منها قول النبي ﵇ (١).
"تصدق رجل من ديناره، من درهمه، ومن صاع بره، من صاع تمره" (٢).
وحكى أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع: "أكلت خبزا لحما تمرا" (٣) أراد: ولحما وتمرا. ومثله قول الشاعر:
(٨٤٤) - كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ مما ... يغرس الود في فؤاد الكريم