فالقسم لا يعد هنا حاجزا (١)، كما لم يعد حاجزا بين المضاف والمضاف إليه كقول بعض العرب: "هذا غلام -والله زيد".
فأضاف الغلام إلى "زيد"، ولم يعتد بوقوع القسم بينهما.
حكى ذلك الكسائي:
وحكى الكسائي -أيضا- "اشتريته بو الله ألف درهم".
ذكره ابن كيسان.
وسمع أبو عبيدة من يقول: "إن الشاة لتجتر فتسمع صوت -والله- ربها" (٢).
واغتفر ذلك في "إذن"؛ لأنها غير ممتزجة بما تعمل فيه امتزاج غيرها.
فلو توسطت "إذن" بين ذي خبر وخبر، وأبين ذي جواب وجواب، ألغيت.
ولو قدم عليها حرف عطف جاز إلغاؤها، وإعمالها، وإلغاؤها أجود، وهي لغة القرآن (٣)، التي قرأ بها السبعة في قوله
стр. 1542
-تعالى: ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١).
وفي بعض الشواذ: "لا يلبثوا" -بالنصب (٢).
وشذ -أيضًا- النصب بـ"إذن" بين خبر وذي خبر (٣) في قول الراجز:
(١٠١٢) - لا تتركني فيهم شطيرا
(١٠١٣) - إني إذن أهلك أو أطيرا
وحكى سيبويه (٤) عن بعض العرب الفصحاء (٥) إلغاء (٦) "إذن" ما استيفاء شروط العمل.
وإلى هذا أشرت بقولي:
ومع شروط النصب من بعد "إذن". ... يقل رفع مثله من بعد "أن"
стр. 1543
أي: مثل ما يقل من بعد "أن"؛ لأنه قد تقدم التنبيه على أن "أن" قد تشبه بـ"ما" المصدرية فتلغى، وقد (١) ذكرت شواهد ذلك.
ثم أشرت إلى أن لـ"أن" مع لام الجر الداخلة (٢) على الفعل المضارع ثلاثة أحوال:
حال إظهار دون إضمار.
وحال إضمار دون إظهار.
وحال إظهار وإضمار.
فحال الإظهار دون إضمار مع الفعل (٣) المقرون بـ"لا" كقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا (٤) يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ (٥).
وحال الإضمار دون إظهار (٦) مع الفعل المسبوق بـ"كان" منفية كقوله -تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُم﴾ (٧).
وحال (٨) الإظهار والإضمار: مع الفعل الواقع بخلاف
стр. 1544
ذلك كقولي: (١)
. . . . . . . . . . . ... "اعص الهوى لتظفرا"
فلو أظهرت فقلت: "اعص الهوى؛ لأن تظفر" لجاز، وكذا لو وقع بعد نفي غير "كان" نحو: "ما وعظتك لتغضب، بل لترهب" (٢).
ولو أظهرت "أن فقلت: "ما وعظتك لأن تغضب" لجاز.
بخلاف الواقعة بعد نفي "كان"، فإن إظهار "أن" بعدها غير جائز، وتسمى (٣) "لام الجحود".
وإياها أردت بقولي:
وبعد نفي "كان" في المضي لا ... يظهر "أن" كـ"لم أكن لأغفلا"
ثم أشرت إلى أن الفعل ينصب -أيضا- بـ"أن" واجبة الستر بعد "أو" التي تحسن (٤) في موضعها "إلى" (٥) أو"إلا" كقولك: "لأنتظرنه أو يقدم" و"لأقتلن الكافر أو يسلم".
стр. 1545
أي: لأنتظرنه إلى أن يقدم (١) ولأقتلن الكافر إلا أن يسلم، ومن الآتية بمعنى "إلى" (٢) قول الشاعر:
(١٠١٤) - لأستهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر
ومن الآتية بمعنى "إلا" قول الشاعر:
(١٠١٥) - وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما
ومثله (٣) قول الآخر:
стр. 1546
(١٠١٦) - لأجدلنك أو تملك فتيتي ... بيدي صغار طارفا وتليدا
ويحتمل الوجهين قول امرئ القيس:
(١٠١٧) - فقلت له: لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وتقدير: "إلا" و"إلى" (١) في موضع "أو" تقدير لحظ فيه المعنى دون الإعراب.
والتقدير الإعرابي المرتب على اللفظ أن يقدر قبل "أو" مصدر، وبعدها (٢) "أن" ناصبة للفعل، وهما في تأويل مصدر معطوف بـ"أو" على المقدر قبلها.
فتقدير: "لأنتظرنه أو يقدم" (٣) ليكونن انتظار أو قدوم
стр. 1547
وتقدير: "لأقتلن الكافر أو يسلم": ليكونن قتله أو إسلامه (١)، وكذا (٢) العمل في غيرهما.
ثم بينت أن "حتى" ينتصب بعدها -أيضا- بـ"أن" واجبة الإضمار.
والغالب كون ما بعدها في النصب غاية لما قبلها كقوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ (٣).
وقد تكون للتعليل، وعلامتها أن يحسن في موضعها "كي" نحو [قولي]:
. . . . . . . . . . . ... "جد حتى تغيظ ذا الحسد"
ولا يكون الفعل في الحالين إلا مستقبلا: حقيقة أو حكما.
فإن كان حالا أو في تقدير الحال لم يكن (٤) إلا مرفوعا.
فالحال (٥) المحقق كقولك -لمن تكلمه: "طلبت
стр. 1548
لقاءك (١) حتى أحدثك الآن". و"سألتك عنك حتى لا أحتاج إلى سواك" و"لقد رأى مني أمس شيئا حتى لا أستطيع أن أكلمه اليوم".
والحال المقدر: أن يكون الفعل قد وقع فيقدر المخبر به اتصافه بالعزم عليه فينصب؛ لأنه مستقبل (٢) بالنسبة إلى تلك الحال.
وقد يقدر اتصافه بالدخول فيه فيرفع؛ لأنه حال بالنسبة إلى تلك الحال.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٣).
قرأه (٤) نفاع بالرفع على تقدير كونه حالًا.
وقرأه (٥) الباقون بالنصب على تقدير الاستقبال.
ثم أشرت إلى أن نصب الفعل بـ"أن" واجبة الإضمار بعد الفاء المجاب بها نفي كقوله تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ (٦).
والمجاب بها طلب وهو: إما أمر، وإما نهي، وإما دعاء،
стр. 1549
وإما استفهام، وإما عرض، وإما تحضيض، وإما تمن.
فالأمر كقول الراجز:
(١٠١٨) - يا ناق سيري عنقا فسيحا
(١٠١٩) - إلى سليمان فنستريحا
والنهي كقول الشاعر:
(١٠٢٠) - لا يخدعنك موتور وإن قدمت ... تراته فيحيق الحزن والندم
والدعاء كقول الشاعر:
(١٠٢١) - فيا رب عجل ما أؤمل منهم ... فيدفأ (١) مقرور ويشبع مرمل
стр. 1550
وكقول الآخر:
(١٠٢٢) - رب وفقني فلا أعدل عن ... سنن الساعين (١) في خير سنن
والاستفهام كقول الشاعر:
(١٠٢٣) - هل تعرفون لباناتي فأرجو أن ... تقضى فيرتد بعض الروح في الجسد
والعرض كقول الشاعر:
(١٠٢٤) - يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما ... قد حدثوك فما راء كمن سمعا
стр. 1551
والتحضيض كقول الشاعر:
(١٠٢٥) - لولا تعوجين يا سلمى على دنف ... فتخمدي نار وجد كاد يفنيه
والتمني (١) كقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢).
وكقول الشاعر:
(١٠٢٦) - يا ليت أم خليد واعدت فوفت ... ودام لي ولها عمر فنصطحبا
وقيدت الفاء المنتصب بعدها الفعل بإضافتها إلى جواب احترازا من الفاء التي لمجرد العطف كقولك: "ما تأتينا فتحدثنا".
بمعنى: ما تأتينا فما تحدثنا، أو فأنت تحدثنا.
فلو قصد المتكلم معنى: ما تأتينا محدثا، أو ما تأتينا
стр. 1552
فكيف تحدثنا ثبتت الجوابية، وصح النصب.
ومعنى:
. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . نصع
خلص.
وأشرت بذلك إلى أن النفي الذي ليس نفيا خالصا لا جواب له منصوب نحو: "ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا" و"ما تزال تأتينا فتحدثنا" و"ما قام فيأكل (١) إلا طعامه".
ومنه قول الشاعر:
(١٠٢٧) - وما قام منا قائم في ندينا فينطق ... إلا بالتي هي أعرف
وكذلك بعد الطلب.
فلو وقع موقع الفاء واو مقصود بها المصاحبة نصب الفعل -أيضًا- بعدها على نحو ما ينصب بعد الفاء.
فمن ذلك قول الشاعر:
(١٠٢٨) - لا تنه عن خلق، وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
стр. 1553
ومثله قول الآخر في الأمر:
١٠٢٩ - فقلت: ادعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان
стр. 1554
ومثله قول الآخر في النفي:
(١٠٣٠) - ألم أك جاركم ويكون بيني ... وبينكم المودة والإخاء
ومن النصب بعد واو الجمع الواقعة بعد نفي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (١).
ومن النصب بعدها في التمني قوله: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) في رقراءة حمزة، وابن عامر (٣)، وحفص.
قال ابن السراج:
"الواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد الفاء.
стр. 1555
وإنما يكون (١) كذلك إذا لم ترد الاشتراك بين الفعل، والفعل وأردت عطف الفعل على مصدر الفعل الذي قبلها -كما كان في الفاء- وأضمرت "أن". وتكون (٢) الواو في بمعنى (٣) "مع" فقط".
وهذا الذي صرح به ابن السراج قصدته بقولي:
والواو كالفا إن تفد (٤) مفهوم "مع". ... وقبلها طلب أو نفي نصع
وقد ينصب الفعل بـ"أن" لازمة الإضمار بعد الفاء وليس قبلها نفي، ولا طلب كقول الشاعر:
(١٠٣١) - سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا
وإلى هذا أشرت بقولي:
وقد يجيء النصب بعد الفاء من ... بعد كلام واجب بها قرن
стр. 1556
ثم بينت أن جواب غير النفي إذا خلا من الفاء، وقصد الجزاء جزم بما هو له جواب؛ لأنه شبيه بالشرط في جواز وقوعه وعدم جواز (١) وقوعه بالنسبة إلى علم (٢) الشخص المتكلم (٣) به (٤).
بخلاف النفي فإن الشخص المتكلم به محقق لعدم الوقوع فخالف الشرط، ولم يكن له جواب مجزوم.
وأكثر المتأخرين ينسبون جزم جواب الطلب لـ"إن" مقدرة.
والصحيح أنه لا حاجة إلى تقدير لفظ "إن" بل تضمن لفظ الطلب لمعناها معغن عن تقدير لفظها كما هو مغن (٥) في أسماء الشرط نحو: "من يأتني أكرمه".
وهذا هو مذهب الخليل وسيبويه (٦).
ولا يعل للنهي جواب مجزوم إلا إذا صح المعنى بتقدير دخول "إن" على "لا" نحو: "لا تفعل (٧) الشر يكن خيرًا لك".
فللنهي ههنا (٨) جواب مجزوم؛ لأن المعنى يصح بقولك: "إن لا تفعل الشر يكن خيرا لك".
стр. 1557
بخلاف قولك: "لا تفعل الشر يكون شرا لك".
فإن الجزم فيه ممتنع لعدم صحة المعنى (١) بقولك: "إن لا تفعل الشر يكن (٢) شرا لك".
وقد أجاز الكسائي الجزم في جواب ما لا يصح فيه دخول "إن" على "لا".
وقال: "يكتفي بتقدير "إن" داخله على الفعل دون "لا".
ويعضد ما ذهب إليه رواية من روى:
"من أكل من هذه الشجرة، فلا يقرب مسجدنا يؤذنا بريح الثوم" (٣).
و"يؤذينا" -بثبوت الياء- أشهر.
وإلى ما ذهب إليه الكسائي أشرت بقولي:
وجائز عند الكسائي نحو: "لا ... تَضِمْ تُضَمْ". . . . . . . . . . .
стр. 1558
فإن جزم "تضم" بعد "لا تضم" كجزم "يؤذنا" بعد: "لا (١) يقرب مسجدنا"، والجيد "تضام" و"يؤذينا" -بالرفع.
ومما انفرد الكسائي بجوازه النصب بعد الفاء المجاب بها اسم أمر نحو:
. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . "ص فتفضلا" (٢)
وانفرد -أيضا- بجواز نصب ما بعد الفاء المجاب بها خبر
بمعنى الأمر نحو: "حسبك حديث فينام الناس".
فهذه المسائل الثلاث لا يجيزها غير الكسائي.
وأما الجزم عند التعري من الفاء فجائز بإجماع.
وكذا جزم جواب الخبر الذي بمعنى الأمر كقوله -تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣).
لأن المعنى: آمنوا وجاهدوا.
ومنه قول العرب: "اتقى الله امرؤ فعل خير يثب عليه".
لأن المعنى: ليتق الله، وليفعل.
стр. 1559
وألحق الفراء الرجاء بالتمني فجعل له جوابا منصوبا (١).
وبقوله أقول لثبوت ذلك سماعا.
ومنه قراءة حفص عن عاصم: ﴿(٢) لَعَلِّيأَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ (٣).
ومنه قول الراجز -أنشده الفراء (٤).
(١٠٣٢) - عل صروف الدهر أودولاتها
(١٠٣٣) - يدلننا اللمة من لماتها
(١٠٣٤) - فتستريح النفس من زفراتها
стр. 1560
وأجاز الكوفيون الاستفهام بـ"لعل"، وإيلاء ما اتصل بها جوابا منصوبا نحو: "لعلك تشتمنا فأقوم إليك"؟ .
ثم أشرت إلى إجراء التقليل مجرى النفي في إيلائه جوابا منصوبا فيقال: "قل ما تأتينا فتحدثنا"، كما يقال: "ما تأتينا فتحدثنا، فجواز هذا وأمثاله متفق عليه.
وزاد الكوفيون إجراء التشبيه مجرى النفي نحو: "كأنك أمير فنطيعك"؛ لأن فيه معنى: ما أنت أمير فنطيعك.
وكذلك (١) أجروا الحصر بـ"إنما" كقولهم: "إنما هي ضربة من الأسد فتحطم ظهره".
وعليه قراءة ابن عامر: "فإنما يقول له كن فيكون" (٢).
ثم أشرت إلى أن "غيرا" قد تفيد نفيا، فيكون لها جواب منصوب كالنفي الصريح فيقال: "غير قائم الزيدان فنكر مهما".
أشار إلى ذلك ابن السراج ثم قال: "ولا يجوز هذا عندي".
قلت: "وهو عندي جائز". -والله أعلم.
стр. 1561
وحكى الفراء (١) عن العرب في المضارع المنفي بـ"لا" (٢) الجزم والرفع إذا حسن تقدير "كي" قبله، وأنهم يقولون: "ربطت الفرس لا يتفلت" (٣)، و"أوثقت العبد لا يفر" و"لا يفرر"، وإنما جزم؛ لأن تأويله: إن لم أربطه فر، فجز على التأويل، قال (٤): وأنشدني بعض بني عقيل:
(١٠٣٥) - وحتى رأينا أحسن الفعل بيننا ... مساكتة لا يقرف الشر قارف
وقال آخر (٥):
(١٠٣٦) - لو كنت إذ جئتنا حاولت رؤيتنا ... أو جئتنا ماشيا لا يعرف الفرس
стр. 1562
بجزم "يقرف" و"يعرف" ورفعهما.
وإلى مثل هذا أشرت بقولي:
والجزم والرفع رووا في تلو "لا" ... إن كان ما قبل به معللا
ثم بينت انتصاب الفعل المعطوف على اسم صريح بـ"أن" مضمرة جائزة الإظهار كقول الشاعر:
١٠٣٧ - للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف
стр. 1563
أراد: للبس عباءة وأن تقر عيني (١)، فحذف "أن" وأبقى عملها دليلا عليها، ولو استقام الوزن بإظهارها (٢) لكان أقيس.
وليست الواو مخصوصة بهذا بل هو جائز "أو" والفاء، و"ثم"، فمثال ذلك مع "أو" قراءة السبعة إلا نافعا: "أو يرسل رسولا" (٣)، بنصب "يرسل" عطفا على "وحيا"، والأصل: أو أن (٤) يرسل، ومثال ذلك مع الفاء قول الشاعر، وهو رجل من طيئ:
(١٠٣٨) - لولا توقع معتر فأرضيه ... ما كنت أوثر أترابا على ترب
ومثال ذلك مع "ثم" قول الشاعر:
(١٠٣٩) - إني وقتلي سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت (٥) البقر
стр. 1564
أراد: ثم أن أعقله، فحذف "أن" وأبقى عملها.
فهذا وأمثاله جائز لكثرة نظائره.
وأما بقاء النصب بعد حذف "أن" في غير ذلك فضعيف قليل، ولا يقبل منه إلا ما نقله عدل، ولا يقاس عليه.
ومما نقل فقبل قول بعض العرب: "خذ اللص قبل يأخذك" (١).
وقول الشاعر -أنشده سيبويه (٢):
(١٠٤٠) - فلم أر مثلها خباسة واحد ... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
قال (٣) سيبويه: "أراد بعد ما كدت أن أفعله".
стр. 1565
باب: عوامل الجزم
"ص"
بـ"لا" وباللام اجز من في الطلب ... كـ"لا تؤاخذ" و"ليعذر من غبي"
واللام قد تسكن (١) بعد ألفا و"ثم" ... والواو نحو: "من يكارم فليدم"
وقل ما تجيء في الخطاب ... مع فاعل نحو: "لتعرف ما بي"
وقل أن تجزم ذي اللام و"لا" ... "أفعل" أو"نفعل" واللام اعتلى
وحذفت هذي (٢) اللام بعد "قل" كثر ... وبعد قول غير أمر قد نزر
ودون قول اضطرار حذفا ... نحو: "يكن للخير منك" فاعرفا
стр. 1566
ويجزم الفعل بـ"لم" و"لما" ... ماضي (١) معنى نحو "لم (٢) أغتما"
وشذ رفع بعد "لم" وقد زعم ... نصب بها وبطل ذا القول علم (٣)
وحد الانتفا بـ"لما" واتصل ... بحال، وهو -مطلقا- بـ"لم" حصل
وبعضهم مجزوم (٤) "لما" قد حذف ... وبعد حذفه على "لما" وقف
وفصل مجزوم (٥) بـ"لم" (٦) و"لا" الطلب ... في شعر استعمله بعض العرب
"ش" وذلك الطلب بعد "لا"، واللام الجازمتين يحصل فائدتين لا يحصلان بدونه.
إحداهما (٧): تمييز "لا" المرادة (٨) من غير المرادة (٩)، وهي
стр. 1567
النافية نحو: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (١).
والزائدة نحو: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُد﴾ (٢).
وتمييز اللام المرادة (٣) من غير المرادة (٤)، وهي التي ينتصب (٥) الفعل بعدها وقد ذكرت.
والثانية من الفائدتين: أن الطلب يعم به "لا" في النهي نحو [قوله تعالى]: ﴿وَلا تَحْزَن﴾ (٦).
و"لا" في الدعاء نحو: "لا تُعَذِّبْنَا" و [قوله تعالى]: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا﴾ (٧).
ويعم به لام الأمر نحو [قوله تعالى]: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٨).
ولام الدعاء نحو [قوله تعالى]: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (٩).
стр. 1568
بخلاف أن يقال: لام الأمر: و"لا" في النهي، فإن الدعاء لا يدخل في ذلك.
ومن ورود الدعاء مجزوما باللام قول أبي طالب:
(١٠٤١) - يا رب إما تخرجن طالبي
(١٠٤٢) - في مقنب من تلكم المقانب
(١٠٤٣) - فيكن المغلوب غير الغالب
(١٠٤٤) - وليكن المسلوب غير السالب
وللام الطلب الأصالة في السكون من وجهين:
أحدهما مشترك فيه وهو: كون السكون متقدما (١) على الحركة، إذ هي زيادة، والأصل عدمها.
стр. 1569
والثاني خاص، وهو: أن يكون لفظها مشاكلا لعملها كما فعل بباء الجر، لكن منع من سكونها الابتداء بها فكسرت.
وبقي للقصد تعلق بالسكون.
فإذا (١) دخل عليه واو أو فاء رجع -غالبا- إلى السكون ليؤمن دوام تفويت الأصل.
وليس التسكين حملا على عين "فعل" كما زعم الأكثرون؛ لأن ذلك إجراء منفصل مجرى متصل (٢)، ومثله لا يكاد يوجد مع قلته (٣) إلا في اضطرار.
وتسكين هذه اللام بعد الواو، والفاء أكثر من تحريكها، ولذلك أجمع القراء على التسكين فيما سوى [قوله تعالى]: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُم﴾ (٤) ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ (٥) و ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ (٦).
مما ولي واوا أو (٧) فاء كقوله [تعالى]: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ (٨).
стр. 1570
وكقوله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (١).
وكقوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا﴾ (٢).
وكقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٣).
وأيضا لو كان تسكين هذه اللام لغير سبب يخصها لشاركتها فيه دون شذوذ (٤) لام "كي" الواقعة بعد فاء أو واو.
ويقل دخول هذه اللام على فعل فاعل مخاطب استغناء بصيغة "افعل"، والكثير دخولها على فعل ما لم يسم فاعله -مطلقا- نحو: "لتعن بحاجتي" و"ليزه زيد علينا".
ومن دخولها على فعل فاعل مخاطب مع قلته قراءة
стр. 1571
عثمان (١) وأبي (٢) وأنس (٣) ﵃: (٤) "فبذلك فَلْتَفْرِحُوا" (٥).
وقول النبي (٦): ﷺ (٧):
"لتأخذوا مصافكم".
ومن دخولها على المضارع المسند على المتكلم قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ (٨) خَطَايَاكُمْ﴾ (٩).
وقول النبي ﷺ (١٠).
стр. 1572
"قوموا فلأصل لكم" (١).
[وقد تسكن هذه اللام بعد "ثم" نحو: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٢).
- وهي قراءة غير قنبل (٣)، وأبي عمرو، وابن عامر، وورش (٤) -] (٥).
ومن دخول "لا" النهي على فعل المتكلم قول الشاعر:
(١٠٤٥) - إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... لها (٦) أبدا ما دام فيها الجراضم
стр. 1573
ومثله قول الآخر:
(١٠٤٦) - لا أعرفن ربربا حورا مدامعها ... مردفات على أحناء أكوار
وإلى دخول لام الأمر، و"لا" في النهي على فعل
المتكلم بقلة أشرت بقولي:
وقل ما تدخل (١) ذي اللام و"لا" ... "أفعل" أو"نفعل". . . . . . . . . . .
ثم قلت:
. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . واللام اعتلى
стр. 1574
أي: دخول اللام على "أفعل" و"نفعل" أكثر من دخول "لا" عليهما.
ثم أشرت إلى حذف لام الأمر، وبقاء عمله وهو على ثلاثة إضرب:
- كثير مطرد.
- وقليل جائز في الاختيار.
- وقليل مخصوص بالاضطرار.
فالكثير المطرد: الحذف بعد أمر بقول كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (١)، أي: ليقيموا، فحذف اللام؛ لأنه بعد "قُلْ".
وليس بصحيح قول من قال: إن أصله (٢) "قل لهم، فإن تقل لهم يقيموا".
لأن تقدير ذلك يلزم منه ألا يتخلف أحد من المقول لهم عن الطاعة، والواقع بخلاف ذلك.
فوجب إبطال ما أفضى إليه -وإن كان قول الأكثر (٣).
والقليل الجائز في الاختيار بعد قول غير أمر كقول الراجز:
стр. 1575
(١٠٤٧) - قلت لبواب لديه دراهـ
(١٠٤٨) - تيذن فإنيب حمؤها وجارها
أراد: ليتذن فحذف اللام وأبقى عملها، وليس مضطرا لتمكنه من أن يقول:
إيذن. . . . . . . . . . .
وليس لقائل أن يقول: هذا من تسكين المتحرك على أن يكون (١) الفعل مستحقا للرفع فسكن اضطرارًا.
لأن الراجز لو قصد الرفع لتوصل إليه مستغنيا عن الفاء، فكان يقول:
تيذن إني حمؤها وجارها
فإذا لم يستغن عن الفاء فاللام والجزم مرادان.
والقليل المخصوص بالاضطرار: الحذف دون تقدم قول بصيغة أمر، ولا بغيرها كقول الشاعر:
(١٠٤٩) - فلا تستطل مني بقائي ومدتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب
стр. 1576
أراد: ولكن ليكن، فحذف اللام مضطرا وأبقى عملها، وليس من هذا ما أنشده (١) الفراء من قول (٢) الراجز (٣):
(١٠٥٠) - من كان لا يزعم أني شاعر
(١٠٥٠) - فيدن مني تنهه المزاجر
لأنه لو قصد الأمر لقال:
فليدن مني (٤). . . . . . . . . . .
стр. 1577
وإنما أراد عطف "يدنو" على "يزعم" (١)، وحذف الواو من "يدنو" لدلالة الضمة عليها كما قال:
(١٠٥٢) - فيا ليت الأطبا كان حولي .... . . . . . . . . . .
فحذف واو الضمير اكتفاء بالضمة، فواو ليست بضمير أحق أن يفعل بها ذلك، وأما "تنهه" فمجزوم؛ لأنه جواب "من".
ثم (٢) بينت انجزام الفعل بـ"لم" و"لما"، وأن المجزوم بهما ماضي المعنى.
وفي ذلك إشعار بأنه لا يكون في اللفظ إلا مضارعا، بخلاف مصحوب أدوات الشرط.
إلا أن مجزوم "لم" مطلق الانتفاء.
فإذا قلت: "لم يكن" جاز أن تريد انتفاء غير محدود كقوله تعالى (٣) [﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
стр. 1578
وانتفاء محدودًا متصلًا بالحال كقوله تعالى] (١): ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٢).
وكقول سيبويه (٣): "ولما هو كائن لم ينقطع".
وانتفاء منقطعا كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (٤).
وكقول الراجز:
(١٠٥٣) - وكنت إذ كنت إلهي وحدكا
(١٠٥٤) - لم يك شيء يا إلهي قبلكا
ولجواز انقطاع مدلول "لم" يحسن أن يقال: "لم يكن ثم كان".
ولجواز كونه غير محدود حسن أن يقال: "لم يقض ما لا يكون".
وأما "لما" فمدلولها انتفاء محدود متصل بزمن النطق بها.
стр. 1579
فذلك امتنع أن يقال: "لما يكن ثم كان" و"لما يقض ما لا يكون".
لأن انتفاء قضاء ما لا يكون غير محدود.
وإلى هذا أشرت بقولي:
وحد الانتفا بـ (١) "لما" واتصل ... بالحال، وهو -مطلقا- بـ"لم" حصل
أي: الانتفاء (٢)، حصل -مطلقا- مع "لم".
ولا أشترط كون المنفي بـ"لما" قريبا من الحال لقولهم:
"عصى إبليس ربه (٣) ولما يندم"، بل الغالب كونه قريبا من الحال (٤).
ثم بينت أن "لم" قد تهمل فيليها الفعل مرفوعا كقول الشاعر:
(١٠٥٥) - لولا فوارس من نعم وأسرتهم ... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار
стр. 1580
وزعم بعض الناس أن النصب بـ"لم" لغة اغترارا بقراءة بعض السلف: (١) "ألم نَشْرَحَ لك صدرك" (٢) بفتح الحاء.
وبقول الراجز:
(١٠٥٦) - في أي يومي من الموت أفر
(١٠٥٧) - أيوم (٣) لم يقدر أم يوم قدر