"وسألت الخيل عن قوله: "إن تأتني فتحدثني (١) أحدثك".
و"إن تأتني وتحدثني أحدثك" (٢) فقال: هذا يجوز والجزم الوجه".
وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي:
وجزم أو نصب لفعل يلفى ... قبل الجزاء إثر واو أو فا
ولا يستشهد على هذه المسألة بما أنشده سيبويه (٣) من قول الشاعر:
(١٠٩٠) - ومن لا يقدم رجله مطمئنة ... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق
стр. 1612
لأن الفعل المتقدم على الفاء منفي، وجواب النفي ينصب في مجازاة وغيرها.
وإنما يستشهد بقول الشاعر:
(١٠٩١) - ومن يقترب منا ويخضع نؤوه ... ولا يخش ظلما ما أقام ولا هضما
ثم نبهت على أن الفعل الواقع بعد "ثم" عند الكوفيين كالواقع بعد الواو والفاء في جواز (١) نصبه.
ومنه قراءة الحسن (٢): ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (٣) - بالنصب.
وإن خلا الفعل المتوسط بين الشرط والجزاء من الفاء والواو جزم، وجعل بدلا من الشرط.
أو رفع (٤) وكان في موضع نصب على الحال.
стр. 1613
فمثال المجزوم المجعول بدلا قول الشاعر:
(١٠٩٢) - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
ومثال المرفوع المقدر في موضع الحال قول الآخر:
(١٠٩٣) - متى تأته تعشو إلى ضوء ناره. ... تجد خير نار عندها خير موقد
والاستغناء عن جواب الشرط للعلم به كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ (١) , وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُر
стр. 1614
عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ (١).
والاستغناء عن الشرط -وحده- أقل من الاستغناء عن الجواب ومنه قول الشاعر:
(١٠٩٤) - فطلقها فلست لها بكفء ... وإلا يعل مفرقك الحسام
أراد: إلا تطلقها يعل مفرقك الحسام.
ومنه قول الآخر:
(١٠٩٥) - متى تؤخذوا قسرا بظنة عامر ... ولا ينج إلا في الصفاد يزيد
أراد: متى تثقفوا (٢) تؤخذوا.
стр. 1615
ومثال حذف الشرط والجزاء معا (١) قول الراجز:
(١٠٩٦) - قالت بنت العم: يا سلمى وإن.
(١٠٩٧) - كان فقيرا معدما قالت: وإن
أي: قالت إن كان فقيرًا معدما هويته ورضيته.
وقال السرافي:
"يقول القائل: "لاآتي ألامير لأنه جائر".
فيقال: "أيته وإن". يراد بذلك وإن كان جائرًا فأته".
وهذا -أعني حذف الجزأين معا- لا يجوز مع غير "إن"
وهو مما يدل على أصالتها في باب المجازاة.
وما تقدم على أداة الشرط مما هو (٢) في معنى الجواب فهو
стр. 1616
دليل الجواب عند أكثر النحويين، والجوب محذوف.
ومذهب أبي زيد (١) أن (٢) الذي تقدم هو الجواب نفسه، ولذلك جاء مقرونا بالفاء في قول الشاعر:
(١٠٩٨) - فلم أزقه إن ينج منها وإن يمت ... فطعنة لا نكس ولا بمغمر
وقد يغني عن جواب الشرط خبر ذي خبر مقدم (٣) على أداة الشرط، أو خبر مبتدأ مقدر (٤) بعد الشرط.
فالأول كقول الله تعالى (٥): ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (٦).
وكقول الشاعر:
стр. 1617
١٠٩٩ - وإن متى أشرف من الجانب الذي ... به أنت من بين الجوانب ناظر
وكقول الآخر:
١١٠٠ - هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
والثاني مثل قول الشاعر:
١١٠١ - بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها ... بني ثعل من ينكع العنز ظالم
стр. 1618
أي: فهو ظالم (١).
"ص"
وأول الشرطين دون عطف ... جوابه مغن بغير (٢) خلف
ومع عطف الجواب لهما ... كـ"إن تؤما وتلما تكرما"
[واحكم لدى اجتماع شرط وقسم ... بكون مطلوب الأخير ذا عدم
وإن تواليا وقبل مبتدأ ... فالشرط رجح -مطلقا- فتعضدا
وربما رجح بعد قسم ... شرط بلا مبتدأ مقدم
ونية ألفا بعد شرط مع قسم ... تعطيه في رأي جوابا ملتزم] (٣)
وفي الجواب مثل: "إن أإن" ففي ... "أإنْ تقم أقم" بجزم تكتفي (٤)
ويونس التقديم ينوي فرفع ... وعند سيبويه ذلك امتنع
стр. 1619
والشرط مع حذف (١) الجواب ماض أو ... معمول "لم"، ثم النثر غير ذا أبوا
"ش" إذا توالى شرطان دون عطف، فالثاني مقيد للأول كتقييده بخال واقعة موقعه.
والجواب المذكور أو المدلول عليه للأول.
والثاني مستغنى عن جوابه لقيامه ما لا جواب له وهو الحال.
مثال ذلك قول الشاعر:
(١١٠٢) - إن تستغيثوا بنا، إن تذعروا تجدوا ... منا معاقل عز زانها كرم
فهذا بمنزلة أن تقول (٢): إن تستغيثوا بنا مذعورين تجدوا
منا معاقل عز.
فالشرط الأول هو صاحب الجواب.
والثاني يفيد ما يفيده (٣) الحال من التقييد.
ومن هذا النوع (٤) قوله تعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي
стр. 1620
إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (١). فـ"ولا (٢) ينفعكم نصحي" (٣) دليل الجواب المحذوف.
وصاحب الجواب أول الشرطين، والثاني مقيد له مستغن عن جواب والتقدير: إن أدرت أن أنصح لكم مرادا غيكم (٤) لا ينفعكم نصحي.
فإن توالى شرطان بعطف فالجواب لهما معا كقولي:
. . . . . . . . . . . ... "إن تؤما وتلما تكرما"
ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ (٥) أَمْوَالَكُمْ، إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ (٦).
[وإذا اجتمع شرط وقسم استغنى بجواب ما سبق منهما عن جواب الآخر:
فتقديم القسم كقولك: "والله إن/ أتيتني لأكرمنك".
وتقديم الشرط نحو: "إن تأتني -والله- أكرمك".
стр. 1621
ويغني عن لفظ القسم لام تقارن أداة الشرط.
لفظا نحو: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١).
أو تقديرا نحو: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
قال سيبويه: (٣).
"ولا بد من هذه اللم مظهرة أو مضمرة".
فإن توالى القسم والشرط بعد مبتدأ استغني بجواب الشرط مطلقا نحو: "زيد -والله- إن تقم يقم" و"زيد إن تقم -والله- يقم".
وقد يستغنى عند عدم المبتدأ بجواب شرط مؤخر عن جواب قسم مقدم كقوله:
(١١٠٣) - لئن كان ما حدثته اليوم صادف ... أصم في نهار القيظ للشمس باديا
стр. 1622
وقول الأعشى:
(١١٠٤) - لئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم تنتفل
وقال ابن السراج:
"تقول: "إن تقم يعلم الله- أزورك" تعترض باليمين فيكون بمنزلة ما لم يذكر.
وغن جعلت الجواب للقسم أتيت بالام فقلت: "إن تقم يعلم الله لأزورنك" وتستر الفاء.
وكذلك: "إن تقم -يعلم الله - لآتينك".
تريد: فيعلم الله لأزورنك، وفيعلم الله لآتينك".
وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي:
ونية الفا بعد شرط مع قسم ... تعطيه في رأي جوابا يلتزم (١)]
وإذا تقدم على الشرط استفهام نحو: "أإن تقم أقم".
стр. 1623
فسيبويه يجعل الاعتماد على الشرط كأن الاستفهام لم يكن (١).
ويونس يجعل الاعتماد على الاستفهام ناويا تقديم الفعل الثاني (٢).
وإلى هذا أشرت بقولي:
ويونس التقديم ينوي فرفع ... وعند سيبويه ذلك امتنع
ومن حجة سيبويه قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٣)؟
وكل موضع استغنى فيه عن جواب الشرط، فلا يكون فعل الشرط فيه إلا ماضي اللفظ، أو مضارعا مجزوما بـ"لم" كقوله تعالى (٤): ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ (٥).
стр. 1624
ولا يكون فعل الشرط مضارعا غير مجزوم بـ"لم" عند حذف الجواب إلا في ضرورة كقول الشاعر:
(١١٠٥) - يثني عليك، وأنت أهل ثنائه ... ولديك إن هو يستزدك مزيد
وكقوله:
(١١٠٦) - لئن يك (١) قد ضاقت عليكم بيوتكم ... ليعلم ربي أن بيتي واسع
"ص"
ووصل "إذ" و"حيث" في الشرط بـ"ما" ... حتم، ومع غيرهما لن يحتما
وامنعه مع "أنى" و"من" و"مهما" ... والأصل "ما ما" أو "مه" أوليت "ما"
стр. 1625
وأول "ما" "أيا" أو المجرور به ... كـ"أي ذين ما (١)، ونى فقد جبه" (٢)
ونون "ايا" قبل "ما" إذا حذف ... مجرورها كما في الأسرا قد عرف
وعند سيبويه "إذا ما" حرف ... وهي عند ابن يزيد ظرف
واسم سواها غير "أن" وانسب إلى ... ظرفية ما بعد "أي" وخلا
ما قبلها منها و"أي" بحسب ... مصحوبها (٣) تعزى لما له انتسب
وقد أتت "مهما" و"ما" ظرفين في ... شواهد من يعتضد بها كفي
"ش" لا يجزم بـ"إذا" و"حيث" إلا مقرونتين (٤) بـ"ما"؛ لأنهما إذا تجردتا (٥) لزمتهما الإضافة إلى ما يليهما، والإضافة من خصائص الأسماء، فكانت منافية للجزم، فلما قصد جعل هاتين الكلمتين جازمتين ركبتا مع "ما" لتكفهما عن الإضافة وتهيئهما
стр. 1626
لما لم يكن لهما من معنى وعمل، فصارت "ما" ملازمة لهما ما دامت المجازاة مقصودة بهما.
وزيادتها مع "من" و"أنى" و"مهما" ممنوعة.
ومع "إن" و"أي" و"أيان" و"أين" و"متى" جائزة.
وأصل "مهما": "ما ما" الأولى شرطية، والثانية زائدة فثقل اجتماعهما فأبدلت ألف (١) الأولى هاء.
هذا قول البصريين.
ومذهب الكوفيين أن أصلها: "مه" بمعنى اكفف، زيدت عليها "ما"، فحدث بالتركيب معنى لم يكن.
وإذا زيدت "ما" مع "أي" والمضاف إليه مذكور فالأجود أن تتوسط (٢) بينهما كقوله تعالى: ﴿أَيَّمَا (٣) الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ (٤).
ويجوز أن يجاء بها بعد المضاف إليه كقول الشاعر:
(١١٠٧) - فأيهما ما أتبعن فإنني ... حريص على إثر الذي أنا تابع
стр. 1627
ومثله قراءة ابن مسعود (١) ﵁ (٢) "أَيَّ الأجلين ما قضيت فلا عدوان علي".
فإن حذف ما تضاف (٣) إليه تؤنث ووليت "ما" كقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٤).
ومذهب سيبويه أن "إذ" ركبت مع "ما" ففارقتها الاسمية، وصارت حرف شرط مثل "إن" (٥).
ومذهب المبرد (٦) وابن السراج، وأبي (٧) علي ومن تابعهم أن اسميتها باقية مع التركيب.
وأن مدلولها من الزمان صار مستقبلا بعد أن كان ماضيا.
والصحيح ما ذهب إليه سيبويه؛ لأنها قبل التركيب حكم باسميتها لدلالتها على وقت ماضي دون شيء آخر يدعى أنها دالة عليه.
стр. 1628
ولمساواتها بعض الأسماء في قبول بعض علامات الاسمية كالتنوين، والإضافة إليها.
والوقوع موقع مفعول فيه نحو: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (١).
وموقع مفعول به نحو: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ (٢).
وأما بعد التركيب فمدلولها المجمع (٣) عليه: معنى المجازاة، وهو من معاني الحروف.
ومن ادعى أن لها مدلولا آخر زائدًا على ذلك فلا حجة له، وهي مع ذلك غير قابلة لشيء من العلامات التي كانت قابلة لها قبل التركيب فوجب انتفاء اسميتها، وثبوت حرفيتها.
كما ذهب إليه سيبويه (٤):
стр. 1629
وما سوى "إن" و"إذما" من أدوات الشرط فأسماء بإجماع المحققين.
وهي على ثلاث أضراب:
ضرب لا ظرفية فيه وهو "من" و"ما" و"مهما" [-في الأشهر-] (١).
وضرب لا يخلو من ظرفية وهو: "أين" و"متى" و"حيثما" و"أنى".
وضرب يستعمل ظرفا وغير ظرف، وهو "أي": تكون عارية من الظرفية إذا إضيفت إلى ما لا يدل على زمان ومكان.
وتكون ظرف زمان إذا (٢) أضيفت إلى اسم زمان.
وظرف مكان إذا (٣) أضيفت إلى مكان، نحو: "أَيَّهم تضرب أضرب" و"أي وقت تقم أقم" و"أي مكان تجلس أجلس".
وإلى هذا كله أشرت بقولي:
стр. 1630
وانسب إلى ... ظرفية ما بعد "أي" وخلا
ما قبلها منها و"أي" بحسب ... مصحوبها (١)، تعزى لما له انتسب
أي:
تنسب [أي] إلى الأسماء المجردة عن الظرفية إن أضيفت إلى شيء منها.
وإلى أسماء الزمان أو المكان إن أضيفت إلى شيء منها.
لأنها بعض ما تضاف (٢) إليه.
[وإنما قلت: و"ما" و"مهما" في الأشهر؛ لأن جميع النحويين يجعلون "ما" و"مهما" مثل "من" في لزوم التجرد عن الظرفية مع أن استعمالها ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من (٣) العرب.
كقول الفرزدق.
(١١٠٨) - وما تحي لا ارهب وإن كنت جارما ... ولو عد أعدائي علي لهم دَحْلَا
стр. 1631
وكقوله:
(١١٠٩) - وما تك يا ابن عبد الله فينا ... فلا ظلما نخاف ولا افتقارا
وكقوله:
(١١١٠) - فما تحي لا أخش العدو ولا أزل ... على الناس أعلو من ذرى المجد مفرعا
وكقول تميم العجلاني:
(١١١١) - ولو كحلت حواجب خيل قيس ... بتغلب بعد كلب ما قذينا
(١١١٢) - ما تسلم لكم أفراس قيس ... فلا ترجوا (١) البنات ولا البنينا
стр. 1632
وكقول عبد الله بن الزبير الأسدي:
(١١١٣) - فما تحي لا نسأم حياة، وإن تمت ... فلا خير في الدنيا ولا العيش أجمعا
وكقول طفيل الغنوي:
(١١١٤) - نبئت أن أبا شتيم يدعي ... مهما يعش يسمع بما لم يسمع
وكقول حاتم الطائي:
(١١١٥) - وإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا] (١)
стр. 1633
فصل في (١) "لو":
"ص"
"لو" حرف شرط يقتضي (٢) امتناع ما ... يلي، وكون تلو تلو لازما
وفي المضي استعملت وربما ... أصحبها الآتي من تكلما
وجوز الجزم بها في الشعر ... ذو حجة ضعفها من يدري
وهي في الاختصاص بالفعل كـ"إن" ... وباشرت "أن" كـ"لو أني فطن"
وليس حتما كون فعل خبرا ... من بعد "لو أن" ومما أثرا
"لو أن حيا مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح"
وقد يلي اسم "لو" وبعد فعل ... مفسر رافع الاسم قبل
ومغرب (٣) من بسوى ذا ينطق ... كـ"لو بغير الماء حلقي شرق"
стр. 1634
وقد يلي مضارع "لو" فيجب ... مضيه معنى كـ"لو يجفو ضرب"
وهي جوابا تقتضي كـ"لم أبن" ... أو "بنت" (١) والمثبت باللام قرن
ومع نفيه بـ"ما" قد توجد (٢) ... ومع الإثبات قليلا تفقد
ولدليل حذفه أجز كما ... أجيز في جواب "إن" إن علما
وفي "فلو في سالف الدهر" حذف ... جواب "لو" والشرط -أيضا- إذ عرف
"ش" "لو" على ضربين: موصولة، وشرطية.
فالموصولة: التي يصلح في موضعها "أن".
وأكثر ما تقع بعد "ود" أو ما في معناها.
وقد تقدم ذكرها مع الموصولات.
والشرطية مرادفة لـ"إن" كالتي في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٣).
стр. 1635
وغير مرادفة لـ "إن" وهي أكثر وقوا من غيرها.
وعبارة سيبويه عنها (١) أن قال (٢):
"وأما "لو" فلا كان سيقع لوقوع غيره".
يعني: أنك إذا قلت: "لو قام زيد لقام عمرو" فمقتضاه:
أن القيام من عمرو كان متوقعا لحصول قيام من زيد على تقدير حصوله.
وليس يهذه الاعبرة تعرض لكون الثاني حاصلا للحصول بدون حصول الأول، أو لا.
والحق فيه أه صالح لذلك.
وأن الأول محكوم بعدم حصوله؛ لأنه قد يقال: "لو ترك العبد سؤال ربه لأعطاه".
فترك السؤال محكوم بعدم حصوله، والعطاء محكوم بحصوله على كل حال.
والمعنى: أن عطاءه (٣) حاصل مع ترك السؤال، فكيف مع السؤال؟
ومنه قول عمر ﵁ في صهيب ﵁ (٤):
стр. 1636
"لو لم يخف الله لم يعصه".
والعبارة الجيدة في "لو" أن يقال: "حرف يدل على انتفاء تال يلزم لثبوته ثبوت تاليه".
وهذا معنى قولي:
"لو" حرف شرط يقتضي (١) امتناع ما ... يلي وكون تلو تلو لازما (٢)
فقيام زيد من قولك: "لو قام زيد لقام عمرو" معلم بانتفائه فيما مضى، وكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام من عمرو.
وهل لعمرو قيام آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له؟ لا تعرض لذلك، بل الأكثر كون الثاني والأول غير واقعين، فهذا حاصل قولي:
. . . . . . . . . . . يقتضي (٣) امتناع ما ... يلي، وكون تلو تلو لازما
ثم (٤) نبهت على أن أكثر استعمالها في المضي، وأن استعمالها في الاستقبال قليل بقولي:
стр. 1637
وفي المضي استعملت، وربما ... أصحبها الآتي من تكلما
ومن استعمالها مع الآتي قول الشاعر:
(١١١٦) - ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح
(١١١٧) - لسلمت تسليم البشاشة أو زقا (١) ... إلهيا صدى من جانب القبر صائح
وأجاز الجزم بها في الشعر قوم منهم الشجري، واحتج بقول الشاعر:
(١١١٨) - لو يشأ طار به (٢) ذو معية ... لاحق الآطال (٣) نهد ذو خصل
стр. 1638
وهذا لا حجة فيه؛ لأن من العرب من يقول: "جاء يجي" (١) و"شاء يشا" (٢) بترك الهمزة.
[فيمكن أن يكون قائل هذا البيت من لغة ترك همزة "يشاء" فقال: "يشا" ثم أبدل الألف همزة] (٣).
كما قيل في "عالم" و"خاتم": "عالم" و"خأتم".
وكما فعل ابن ذكوان (٤) في "تأكل منسأته" (٥) حين قرأ (٦)
стр. 1639
"منسأته" بهمزة ساكنة (١).
والأصل: "منسأة" مفعلة من نسأه، أي: زجره بالعصا ولذلك
سميت منسأة.
فأبدل الهمزة ألفا، ثم أبدل الألف همزة ساكنة.
فعلى ذلك يحمل قوله:
لو يشأ. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
وأما قول الشاعر:
(١١١٩) - تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت ... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا
فهذا من تسكين ضمة الإعراب تخفيفا كما قرأ أبو عمرو:
"ينصركم" (٢) "ويشعركم" (٣).
وكما قرأ بعض السلف (٤): ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٥).
стр. 1640
-بسكون اللام-.
ثم نبهت على أنها في الاختصاص بالفعل كـ"أن".
وذكرت (١) ما تنفرد (٢) به من مباشرة "أن" نحو "لو أن زيدا قام لقمت".
وزعم الزمخشري أن بين "لو" و"أن" (٣): "ثبت مقدر (٤).
وهو خلاف ما ذهب إليه سيبويه، فإن سيبويه شبهها في مباشرة "أن" على سبيل الشذوذ بانتصاب "غدوة" بعد "لدن" (٥).
فـ"أن" (٦) الواقعة بعد "لو" في موضع رفع "بالابتداء، وإن كانت لا تدخل على مبتدأ غيرها.
كما أن "غدوة" بعد "لدن" تنتصب، وإن كان غيرها بعدها يجب جره.
стр. 1641
على أنه قد ولي" لو" اسم صريح مرفوع بالابتداء في قول الشاعر:
(١١٢٠) - لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
ولذلك وجه من النظر:
وهو أن "لو" لما لم تصحب (١) - غالبًا- إلا فعلا ماضيا، وهو لازم البناء لم تكن عاملة.
ولما لم تكن عاملة لم يسلك بها سبيل (٢) "إن" في الاختصاص بالفعل أبدًا.
فنبه على ذلك بمباشرتها "أن" كثيرا، وبمباشرة غيرها قليلا (٣).
وقد زعم أبو علي أن تقدير:
لو بغير الماء حلقي شرق .... . . . . . . . . . .
стр. 1642
لو شرق بغير الماء حلقي هو شرق.
فـ"هو شرق": جملة اسمية مفسرة للفعل المضمر.
وهذا تكلف لا مزيد عليه، فلا يلتفت إليه.
وقد حمل الزمخشري أدعاؤه: إضمار/ "ثبت" بين "لو" و"أن" على التزام كون الخبر فعلا، ومنعه أن يكون اسما، ولو كان بمعنى فعل نحو: "لو أن زيدا حاضر" (١).
وما منعه شائع ذائع في كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ (٢).
وكقول الراجز:
(١١٢١) - لو أن حيا مدرك الفلاح
(١١٢٢) - أدركه ملاعب الرماح
стр. 1643
وكقول الشاعر:
١١٢٣ - ولو أن حيا فائت الموت فاته ... أخو الحرب فوق القارح العدوان
وكقول الآخر:
١١٢٤ - ولو أن ما أبقيت مني معلق ... بعود ثمام ما تأود عودها
стр. 1644
وكقول الآخر:
(١١٢٥) - ولو أنه عصفورة لحسبتها ... مسومة تدعو عبيدا وأزنما
وقد انفردت "لو" بأن جوابها لا يكون إلا فعلا ماضيا، أو مضارع مجزوما به "لم".
وقلما يخلو من اللام إن كان مثبتا نحو: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (١).
وخلوه من اللام في الإثبات قليل كقوله تعالى: [﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ (٢).
стр. 1645
وكقوله -تعالى (١)] ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٢).
وإن كان منفيا بـ"لم" امتنعت اللام.
وإن كان منفيا بـ"ما" (٣) جاز لحاقها والخلو منها إلا أن الخلو منها أجود. وبذلك نزل القرآن الكريم (٤) كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ (٥).
وهذا كله مفهوم من قولي:
ومع نفيه بـ"ما" قد توجد ... ومع الإثبات قليلا تفقد
[وأشرت بقولي:
.... وبعد "لو" قد يكتفى ... بالمبتدا عن الجواب (٦)
إلى قوله تعالى: (٧) ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٨)].
стр. 1646
ثم بينت أن جواب "لو" يستغنى عنه لدليل، كما استغني عن جواب "إن".
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (١).
ومنه قوله: تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ (٢).
وأنشد الأخفش بيتا حذف فيه شرط "لو"، وجوابها وهو قول الشاعر:
(١١٢٦) - إن يكن طبك الدلال فلو في ... سالف الدهر والسنين الخوالي
وقال: يريد: فلو كان في سالف الدهر لكان كذا وكذا.
وإلى هذا أشرت بقولي:
وفي "فلو في سالف الدهر" حذف ... جواب "لو" والشرط. . . . . . . . . . .
стр. 1647
فصل في لما وإما:
"ص"
حرف وجوب لوجوب "لما" ... أولي فعلا ماضيا كـ"اهتما"
وبعد تلوها جواب مثله ... كـ"الفضل (١) لما جاء سر (٢) أهله"
وقد يجاب (٣) بابتداء مع فا ... وبـ"إذا" فجاءة قد يكتفى
ورادفت حينا لدى أبي علي ... وسيبويه ذو المقال الأول
ورادفت "إلا" بإثر قسم ... وبعد نفي ذاك -أيضا- قد نمي
وفسروا "أما" بـ"مهما يك من ... شيء وبالفا تلو تلوها قرن
стр. 1648
وتلوها اسم بعد مقرونا (١) بفا ... فعل أو اسم يكمل التألفا (٢)
وإن تلت "إن" لفظ "أما" فاجعلا ... جواب "أما" مغنيا لتعدلا
وحذف ذي ألفا مع قول صح في ... نثر، ودون القول في شعر قفي
"ش" "لما" في كلام العرب على ثلاثة أقسام:
الأول: أن تكون نافية جازمة.
وقد تقدم ذكرها، وأن الذي يليها من الأفعال مضارع اللفظ، ماضي المعنى.
والثاني: أن تكون حرفا يدل على وجوب شيء لوجوب غيره.
ولا يليها إلا فعل خالص المضي، أي: ماضي لفظا، ومعنى كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (٣).
وهي حرف عند سيبويه (٤)، وظرف بمعنى "حين" (٥)
стр. 1649
عند أبي علي.
والصحيح قول سيبويه؛ لأن المراد أنهم أهلكوا بسبب ظلمهم لا أنهم أهلكوا حين ظلمهم؛ لأن ظلمهم متقدم على إنذارهم، وإنذارهم متقدم على إهلاكهم.
ولأنها تقابل "لوط؛ لأن "لو" في الغالب تدل على امتناع لامتناع، و"لما" تدل على وجوب لوجوب.
ويحقق تقابلهما أنك تقول: "لو قام زيد لقام عمرو، لكنه لما لم يقم زيد (١) لم يقم عمرو" (٢).
[ويقوي قول أبي علي أنها قد جاءت لمجرد الوقت في قول الراجز:
(١١٢٧) - إني لأرجو محرزا أن ينفعا
(١١٢٨) - إياي لما صرت شيخا قلعا (٣)]
стр. 1650
والثالث: أن تكون بمعنى "إلا" في قسم كقوله: "عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطا".
وكقول الراجز (١):
(١١٢٩) - قالت له: بالله يا ذا البردين
لما غنثت نفسا أو اثنين
وقد تكون بمعنى "إلا" بعد نفي دون قسم ومنه قراءة ابن عامر (٢)، وعاصم، وحمزة: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (٣) و ﴿إِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٤).
أي: ما كل ذلك (٥) إلا جميع، وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدينا.