إلا أن الخبر هنا شذ (١) وروده اسمًا منصوبًا، "أو من جملة اسمية مصدرة بـ"إذا". وإنما اطرد مجيء خبرها فعلًا مضارعًا.
فمن ورود الخبر اسمًا منصوبًا (٢) قول الراجز:
(١٩٣) - أكثرت في العذل ملحًا دائمًا
(١٩٤) - لا تكثرن إني عسيت صائمًا
"ويروى:
لا تلحني إني عسيت صائمًا" (٣)
ومنه قول الزباء:
(١٩٥) - عسى الغوير أبؤسَا (٤)
стр. 457
وقول تأبط شرًا:
(١٩٦) - فأبت إلى فهم، وما كدت آئبًا ... وكم مثلها فارقتها، وهي تصفر
وقد يرد خبر "جعل" جملة اسمية كقول الشاعر:
(١٩٧) - وقد جعلت قلوص بني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب
ومن ورود الخبر جملة (١) مصدرة بـ"إذا" قول ابن عباس ﵄ (٢):
"فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا".
стр. 458
والمطرد (١) في أخبار هذا (٢) الباب ورودها بلفظ الفعل المضارع مجردًا من "أن" بعد "جعل" و"أخذ" و"طفق" و"طبق" و"علق" و"هب" و"أنشأ".
وهذه السبعة هي للشروع (٣) في الفعل.
ويقرن بـ"أن" مع "حرى" و"اخلولق" و"أولى" عند من أثبتها مستشهدًا بما أنشد (٤) الأصمعي (٥) من قول الشاعر:
(١٩٨) - فعادى بين هاديتين منها ... وأولى أن يزيد على الثلاث
أي: قارب
واستعمل الخبر بالتجريد أو الاقتران بعد "عسى" و"كاد"
стр. 459
و"كرب" و"أوشك". فلك أن تقول: "عسى زيد أن يفعل، وعسى زيد (١) يفعل" وكذا الثلاثة (٢) البواقي.
إلا أن "عسى أن يفعل" أكثر من "عسى يفعل". و"كاد" بالعكس.
والأمران في "أوشك" و"كرب" على السواء، أو مقاربان له.
وصرح سيبويه (٣) بأن "عسى يفعل" وشبهه بمنزلة: "كان يفعل". " (٤) في اقتضاء اسم مرفوع وخبر منصوب.
وأن "عسى أن يفعل" وشبهه ليس من (٥) "كان يفعل" (٦) في شيء؛ لأن حق ما هو معدود من "باب كان" أن يحذف فيبقى ما بعده مبتدأ وخبرًا.
فـ"عسى زيد يفعل" من باب "كان" لصلاحيته لذلك.
و"عسى زيد أن يفعل" ليس من باب "كان" لعدم صلاحيته لذلك.
стр. 460
وبهذا (١) يعتبر جميع أفعال الباب.
ومن ورود المضارع مجردًا بعد "عسى" قول هدبة بن خشرم:
(١٩٩) - عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
ومن وروده بعد "كاد" مقرونًا بـ"أن" قول عمر ﵁.
"ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب".
هكذا هذا الحديث في صحيح البخاري (٢).
ومثال ترك أن (٣) مع "أوشك" قول النبي ﷺ :
стр. 461
"يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله".
أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢).
ومثله قول الشاعر:
(٢٠٠) - يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها
ومثال استعمال "أن" مع "أوشك" قول الشاعر (٣) اليربوعي:
(٢٠١) - إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينى بالفتى أن تجذما
стр. 462
وينفرد (١) "عسى" و"أوشك" و"اخلولق" بالإسناد إلى "أن يفعل".
ويقوم ذلك مقام ذكر الاسم والخبر كقولك: "عسى أن يفعل" (٢) و"يوشك أن تفعل". و"اخلولق أن يفعل" (٣).
"ص":
وجائز "ذان عسى أن يفعلا" ... و"عسيا" (٤) وقس فليس مشكلًا
والسين من نحو: "عسيت" (٥) قد يرى ... منكسرًا، (٦) ونافع به قرا
واستعملوا مضارعًا لـ"أوشكا" ... و"كاد" واحفظ "كائدًا" و"موشكا"
стр. 463
وما لذي الأفعال بالتصريف يد (١) ... سوى الذي ذكرت فادر المستند
"ش": إذا وقعت "عسى" "أَنْ يَفْعَل" في موضع خبر اسم قبلها جاز أن يجعل المرفوع بها ضمير المخبر عنه مطابقًا له فيما له من إفراد وتذكير وغيرهما.
وحاز أن تفرغ "عسى" ويجعل المرفوع بها "أن" وصلتها.
فيقال على الوجه الأول:
"الزيدان عسيا أن يفعلا" -و"الزيدون عسوا (٢) أن يفعلوا"- و"هند عست أن تفعل" -و"الهندان عستا أن تفعلا"- و"الهندات عسين أن يفعلن".
ويقال على الوجه الثاني:
"الزيدان عسى أن يفعلا" -و"الزيدون عسى أن يفعلوا"- و"هند عسى أن تفعل" و"الهندان عسى أن تفعلا" - و"الهندات عسى أن يفعلن".
واتفقت العرب على فتح سين "عسى" إذا لم يتصل (٣) بتاء الضمير ونونيه (٤).
فإذا اتصل بشيء من ذلك أجازوا فتح السين وكسرها.
стр. 464
والفتح أشهر وبه قرأ ابن كثير (١)، وأبو عمرو (٢)، وابن عامر (٣) والكوفيون (٤). ولم يقرأ بالكسر إلا نافع (٥).
وأفعال هذا الباب كلها ملازمة للفظ الماضي، إلا "كاد" و"أوشك" فإنهما استعمالا بلفظ الماضي، والمضارع كَثِيرًا.
واستعمل منهما اسم فاعل قليلًا:
فشاهد "كائد" قول كُثَيِّر:
(٢٠٢) - وكدت وقد جالت من العين عبرة ... سما عاند منها وأسبل عاند
(٢٠٣) - أموت أسى يوم الرجام وإنني ... يقينًا لرهن بالذي أنا كائد
стр. 465
ومثله قول الآخر:
(٢٠٤) - وشاهد "موشك" -أيضًا- قول كثير (١):
وقال الناصحون تخل منها ... ببذل قبل شيمتها الجماد
(٢٠٥) - فإنك موشك ألا تراها ... وتعدو دون غاضرة الغوادي
стр. 466
(٢٠٦) - فموشكة أرضنا أن تعود ... خلاف الخليط وحوشًا يبابا
وعلى هذا نبهت بقولي:
. . . . . . . . . . . ... واحفظ "كائدًا" و"موشكا"
ثم قلت:
وما لذي (١) الأفعال بالتصريف يد ... سوى الذي ذكر. . . . . . . . . . .
"ص":
ولدليل استجز حذف الخبر ... هنا ومنه قول بعض من غبر (٢)
"يا أبتا علك أو عساكا" ... ونائب التا: الكاف فاعرف ذاكا
стр. 467
هذا اختياري تابعًا أبا الحسن ... منظرًا ما قال شاد ذو علن
"يا ابن الزبير طالما عصيكا ... وطالما عنيتنا إليكا"
والعمين سيبويه عكسا ... مسويًا هنا "لعل" و"عسى"
والآخر اسم والمقدم الخبر ... عند أبي العباس فاعرف الصور
"ش": إذا دل دليل على خبر هذا الباب جاز حذفه، كما يجوز في غير هذا الباب حذف ما ظهر دليله. فمن ذلك الحديث: "من تأنى أصاب أو كاد، ومن عجل أخطأ أو كاد" (١).
ومن حديث آخر: "فإذا استغنى أو كرب استعف" (٢).
ومن ذلك قول المرقش:
(٢٠٧) - وإذا ما سمعت من نحو أرض ... بمحب قد مات أو قيل: كادا
(٢٠٨) - فاعلمي غير علم شك بأني ... ذاك، وابكي لمقصد لن يقادا
стр. 468
واختلف فيما يتصل بـ"عسى" من الكاف وأخواتها في نحو: "عساك" و"عساني" (١) و"عساه".
فمذهب سيبويه (٢) أنه (٣) في موضع نصب. "وأن يفعل" في موضع رفع.
إلحاقًا لـ"عسى" بـ"لعل" كما ألحقت "لعل" بـ"عسى" في اقتران خبرها بـ (٤) "أن" كقول متمم بن نويرة:
стр. 469
(٢٠٩) - لعلك يومًا أن تلم ملمة
عليك من اللائي يدعنك أجدعا
ومذهب أبي العباس المبرد (١) أن "عسى" على ما كانت عليه من رفع الاسم، ونصب الخبر.
стр. 470
لكن الذي كان اسمًا جعل خبرًا، والذي كان خبرًا جعل اسمًا.
ومذهب أبي الحسن الأخفش (١) أن "عسى" على ما كانت عليه من رفع الاسم ونصب الخبر.
إلا أن ضمير النصب ناب عن ضمير الرفع، كما ناب عنه (٢) في قول الراجز:
(٢١٠) - يا ابن الزبير طالما عصيكا
وكما ناب ضمير الرفع عن ضمير النصب، وضمير الجر في التوكيد نحو: "رأيتك أنت" و"مررت بك أنت".
وفي قول بعضهم: "ما أنا كانت" و"ما أنا كإياك".
ولو كان الضمير المشار إليه في موضع نصب كما قال
стр. 471
سيبويه والمبرد لم يقتصر عليه في مثل:
(٢١١) - يا أبتا علك أو عساكا (١)
لأنه بمنزلة المفعول، والجزء الثاني بمنزلة الفاعل. والفاعل لا يحذف، وكذا ما أشبهه.
"ص":
وبثبوت "كاد" ينفى الخبر ... وحين تنفى "كاد" ذاك أجدر
فـ"كدت تصبو" منتف فيه الصبا ... و"لم يكد يصبو" كمثل "إن صبا" (٢)
وغير ذا على كلامين يرد ... كـ"ولدت هند ولم تكد تلد"
"ش": قد اشتهر القول بأن "كاد" إثباتها نفي، ونفيها إثبات حتى جعل هذا المعنى لغزًا فقيل: وهذا اللغز للمعري (٣).
стр. 472
(٢١٢) - أنحوي هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لساني جرهم وثمود
(٢١٣) - إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت ... وإن (١) أثبتت قامت مقام جحود
ومراد هذا القائل "كاد" (٢).
ومن زعم هذا فليس بمصيب.
بل حكم "كاد" حكم سائر الأفعال من أن معناها منفي إذا صحبها حرف نفي، وثابت إذا لم يصحبها.
فإذا قال قائل: "كاد زيد يبكي" فمعناه: قارب زيد البكاء.
المقاربة ثابتة، ونفس البكاء منتف.
"فإذا قال: لم يكد يبكي" فمعناه: لم يقارب البكاء.
فمقاربة البكاء منتفية، ونفس البكاء منتف (٣) انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة.
стр. 473
ولهذا كان قول ذي الرمة:
(٢١٤) - إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
صحيحًا بليغًا؛ لأن معناه: إذا تغير حب كل محب لم يقارب حبي (١) التغير، وإذا لم يقاربه فهو بعيد منه.
فهذا أبلغ من أن يقول: لم يبرح؛ لأنه قد يكون غير بارح، وهو قريب من البراح، بخلاف المخبر عنه بنفي مقاربة البراح.
وكذا قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٢) هو أبلغ في (٣) نفي الرؤية من أن يقال: "لَمْ يَرَها" (٤).
لأن من لم ير قد يقارب الرؤية بخلاف من لم ير (٥) ولم يقارب.
وأما قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٦).
стр. 474
فكلام يتضمن كلاميم مضمون كل واحد منهما في وقت غير وقت الآخر.
والتقدير: فذبحوها (١) بعد أن كانوا بعداء من ذبحها غير مقاربين له. وهذا واضح -والله أعلم (٢).
"وقد يكون نفيها إعلامًا ببطء الوقوع، والثبوت حاصل كقوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٣). أي: يفقهون ببطء وعسر.
قال الأخفش في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾.
إذا قلت: "كاد يفعل" إنما تعني: قارب ولم يفعل.
فإذا قلت: "لم يكد يفعل" كان المعنى: إنه لم يفعل، ولم يقارب الفعل على صحة الكلام.
وهذا معنى الآية إلا أن اللغة (٤) قد أجازت "لم يكد تفعل" على (٥) معنى: فعل بعد شدة (٦).
وليس هذا على صحة الكلام (٧).
стр. 475
باب الحروف الناصبة الاسم الرافعة الخبر:
"ص":
لـ"إن" عكس ما لـ"كان" من عمل ... في خبر، واسم، وهكذا "لعل"
و"ليت" مع "لكن" هكذا (١) "كأن" ... وقيل في "لعل": عل و"لعن" (٢)
و"عن" -أيضًا- ثم "أن" و"لأن" ... كذا "لغن" و"رعن" و"رغن"
وكل ما "كان" عليه دَخَلَا ... فاجعل لذي الحروف فيه عملا
ما لم يعن مانع ككون ما ... أسند (٣) مما ألزم التقدما
والتزمن هنا تأخر الخبر ... إلا إذا ظرفًا أتى، أو حرف جر
стр. 476
تقول: "إن خالدًا ذو (١) فضل" و"إن فيه شغفًا بالبذل" (٢)
"ش": قد تقدم أن "كان" ترفع الاسم، وتنصب (٣) الخبر.
وعكس ذلك نصب الاسم ورفع الخبر، وهو عمل هذه الأحرف.
وهي ستة إذا ذكرت "أن".
وخمسة إذا استغني بـ"إن" كما فعل سيبويه ﵀ إذا قال: "هذا باب الحروف الخمسة" (٤).
لأن فتح همزة "أن" يعرض بوقوعها موقع اسم مفرد، وإذا سلمت من ذلك كسرت همزتها.
ومعانيها مختلفة:
فـ"إن" للتوكيد. و"كأن" للتشبيه. و"لكن" للاستدراك.
و"ليت" للتمني.
و"لعل" للترجي فيما يحب، وللإشفاق (٥) فيما يكره
стр. 477
كقوله -تعالى-: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ (١).
وفيها تسع لغات، وقد ذكرت (٢).
ولما تقدم الإعلام بأن "كان" تدخل على المبتدأ والخبر وهما -أيضا- معمولا "إن" وأخواتها [نبهت على ما يعرض له سبب يقتضي اختصاص "كان" بالدخول عليه دون "إن" وأخواتها] (٣) فقلت:
ما لم يعن مانع ككون ما ... أسند مما (٤) ألزم التقدما
والإشارة بذلك إلى نحو: "أين زيد"؟ فإن فيه مانعا من دخول "إن" عليه، وهو كون المسند منه واجب التقديم، لتضمنه معنى حرف الاستفهام.
فإذا دخلت عليه "كان" جاز، ولزم تقديم المسند (٥)، لأن خبرها (٦) جائز التقديم فتقول: "أين كان زيد"؟
ولا سبيل إلى ذلك في "أن" وأخواتها، لأن شيئا مما
стр. 478
يتعلق (١) بها لا يتقدم عليها.
فإنها حروف عملت عمل الأفعال، ولم تقو قوتها فيتصرف في معموليها بتقديم وتأخير، كما تصرف في معمولي الأفعال.
ولكن (٢) إذا قام مقام مرفوعها ظرف، أو جاز ومجرور جاز تقديمه؛ لأنه ليس في الحقيقة خبرًا، وإنما هو معمول الخبر المقدر آخرًا.
ألا ترى أن قولك: "إن عندك زيدًا" معناه: "إن عندك زيدًا كائن".
فحذف "كائن" (٣) وأقيم الظرف مقامه لدلالته عليه.
وشبه تقديمه: وهو قائم مقام الخبر بتقديمه، والخبر موجود نحو قولك: "إن عندك زيدًا مقيم". فـ"عندك" في هذه المسألة ونحوها فضلة على الخبر (٤).
وسهل الفصل به بين "إن" واسمها وخبرها كما سهل في "كان" و"ما".
стр. 479
وكما سهل أن يفصل به بين المضاف والمضاف إليه مع أنهما كالشيء الواحد. وقد أشير إلى ذلك فيما مضى.
"ص":
وواجب تأخيرك اسمًا يشتمل ... على ضمير ما بمسند وصل
كـ"إن في خباء هند بعلها" ... و"ليت للمضنى بسعدى مثلها"
"ش":
تأخير اسم "إن" هنا واجب كوجوب تأخير المبتدأ في قول الشاعر:
(٢١٥) -. . . . . . . . . . . ... ولكن ملء عين حبيبها
ولكن التنبيه (١) على أن مثل ذلك قد يتفق في هذا الباب: حسن لأن أكثر الناس لا يستحضرون ذلك.
ولا يتفق مثل هذا في هذا الباب (٢) إلا والخبر ظرف نحو: "إن عند هند بعلها".
أو جار ومجرور نحو: "ليت للمضنى بسعدى مثلها".
وأما في باب المبتدأ، وباب "كان" فيتأتى (٣) ذلك بظرف وغير (٤) ظرف.
стр. 480
"ص":
ولدليل جوزوا حذف الخبر ... وبعد واو مع وجوبًا اشتهر (١)
كذاك نحو إن زيدًا سيرا ... سيرًا وإن النضر ميرًا ميرا
ونحو إن أكثر اشتغالي ... به وحيدا مكتف بحال (٢)
والحذف بعد ليت شعري التزم (٣) ... وذكر الاستفهام بعده حتم
كما جاز أن يحذف خبر المبتدأ إذا دل عليه دليل يجوز حذف خبر هذا الباب -أيضًا- (٤) إذا دل عليه دليل (٥). كقول عمر بن عبد العزيز ﵁ (٦) - لرجل ذكر (٧) أنه من ذوي القربى: "إن ذلك".
ثم ذكر له حاجة فقال: "لعل ذلك".
стр. 481
يريد: إن ذلك صحيح.
ولعل الذي طلبته حاصل (١).
وحكى سيبويه (٢) عن بعض العرب: "إنك وخيرًا" (٣) يريد: إنك مع خير.
فأعنت الواو التي بمعنى "مع" عن خبر "إن" كما أعنت عن خبر المبتدأ.
وحكى الكسائي: "إن كل ثوب لو (٤) ثمنه".
فأدخل اللام على الواو كما تدخل على الخبر؛ لأنها سدت مسده.
وهذا من الحذف الواجب.
ومثله -أيضًا- في الوجوب نحو: "إن زيدًا سيرًا سيرًا".
أي: إن زيدًا يسير سيرًا.
فحذف الفعل، وجعل تكرار المصدر بدلًا منه، كما فعل ذلك في باب الابتداء.
стр. 482
وكذلك حذف خبر "إن" لسد الحال مسده (١)، كما كان كذلك (٢) في باب الابتداء.
تقول: "إن أكثر شربي السويق ملتوتًا" "كما قلت في الابتداء (٣) "أكثر شربي السويق ملتوتًا" (٤).
والتقدير هنا، كالتقدير هناك. ومنه قول الشاعر:
(٢١٦) - إن اختيارك ما تبغيه ذا ثقة ... بالله مستظهرًا بالحزم والجلد
وقالوا: "ليت شعري" وحذفوا الخبر -أيضًا- وجوبًا لسد الاستفهام مسده (٥) كقول أبي طالب:
(٢١٧) - ليت شعري مسافر بن أبي عمـ ... ـرو، وليت يقولها المحزون
(٢١٨) - أي شيء دهاك أم غال مرآ ... ك، وهل أقدمت عليك المنون
стр. 483
"ص":
ونحو: "إن قائمًا عبداكا" ... أجاز يحيى، وسعيد ذاكا
"ش": يحيى هو الفراء.
وسعيد، هو أبو الحسن الأخفش.
اتفقا على جواز: "إن قائمًا الزيدان" (١).
يجعلان الصفة اسم "إن"، يرفعان بها ما بعدها مغنيًا عن الخبر، كما يفعل الجميع ذلك بعد النفي والاستفهام نحو: "ما قائم الزيدان" و"أقائم الزيدان"؟ .
وفاعل ذلك بعد النفي والاستفهام معذور؛ لأن النفي والاستفهام لشدة طلبهما الفعل، وأولويتهما به جعلا الصفة كأنها فعل، وعوملت لذلك معاملة الفعل.
стр. 484
ونحو، "إن قائمًا الزيدان" بخلاف ذلك؛ لأن "إن" مختصة بالأسماء فدخولها على ما يه شبه الفعل مزيل لشبهه به، أو جاعله كالزائل.
فمذهبهما في ذلك ضعيف.
"ص":
و"ما" تكف (١) العمل الموصوفا ... زائدة إن تل ذي الحروفا
كـ"إنما الله إليه" وأتى ... في "ليتما" الوجهان فيما أثبتا
وغير "ليت" لاحق به لدى ... قوم قياسًا، وينقل أسندا (٢)
"ش" لما كان عمل هذه الحروف العمل المخصوص، لأجل شبهها بـ"كان" في الاختصاص بالمتبدأ والخبر.
وكان الاختصاص مفقودًا بتركيبها مع "ما" فتصير جائزة الدخول على الفعل والاسم.
بطل عملها لشبهها حينئذ بالحروف المهملة لعدم اختصاصها.
стр. 485
إلا "ليتما" فإن اختصاصها بالمبتدأ والخبر باق، فأعملت وأهملت.
فمن أعملها، فلبقاء الاختصاص.
ومن أهملها فإلحاقًا بأخواتها؛ ولأنها باينت "كان" حين قارنها ما لا يقارن "كان". كما أهملت "ما" حين وصلت بـ"إن"؛ لأنها باينت "ليس" بمقارنتها ما لا يقارنها.
وقد روي بيت النابغة:
(٢١٩) - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
بنصب "الحمام" ورفعه (١). ورفعه أقيس (٢).
وحكى ابن برهان أن الأخفش روى عن العرب: "إنما زيدًا قائمًا". فأعمل "أن" (٣) مع زيادة "ما".
стр. 486
وحكى مثل ذلك الكسائي في كتابه.
وأما (١) "ليتما" فالجميع روى عن العرب (٢) إعمالها وإلغاءها.
"ص":
وكسر "إن" الزم بحيث يعتقب ... اسم وفعل، فلبدء ذا يجب
أو كونها محل حال، أو صلة ... أو لجواب (٣) قسم مكملة
أو وليت فعلًا بلام علقا ... أو حكيت من بعد قول -مطلقا-
والكسر والفتح (٤) يجوزان (٥) إن ... "إذا" فجاءة تلت أو تقترن
بفا الجزاء، أو (٦) "أما" أو أوليت ... فعل (٧) يمين دون لام أو تلت
стр. 487
قولًا كـ"ظن" أو بـ"إن" مخبرا ... عنه وثان جا لـ"إن" خبرا
وكل موضع سوى ما قدما ... ففتح همز "أن" فيه التزما
"ش": "إن" -بالكسر- هي الأصل؛ لأن الكلام معها جملة غير مؤولة بمفرد.
و"أن" -بالفتح- فرع؛ لأن الكلام معها جملة في تأويل مفرد.
وكون الشيء جملة من كل وجه، أو مفردًا من كل وجه أصل لكونه جملة من وجه، ومفردًا من وجه.
ولأن المكسورة مستغنية بمعموليها (١) عن زيادة، والمفتوحة لا تستغني عن زيادة.
والمجرد من الزيادة أصل للمزيد فيه.
ولأن المفتوحة تصير مكسورة بحذف ما تتعلق به كقولك في "عرفت أنك بر": "إنك بر".
"ولا تصير المكسورة مفتوحة إلا بزيادة كقولك في "إنك بر": "عرفت أنك بر" (٢).
стр. 488
والمرجوع إليه بحذف أصل للمتوصل إليه بزيادة.
ولما كانت المكسورة أصلًا استحقت موضعًا لا يتقيد بقبيل دون قبيل بل موضعها صالح للاسم والفعل دون اختلاف معنى.
فمن ذلك وقوعها أول كلام نحو: "إن زيدًا ذاهب".
ووقوعها في موضع الحال كقولك: "جئت وإن زيدًا حاضر" (١).
أنشد سيبويه (٢):
(٢٢٠) - ما أعطياني ولا سألتهما ... إلا وإني لحاجزي كرمي
ووقوعها صلة كقوله -تعالى (٣): ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا
стр. 489
إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ (١).
ووقوعها جواب قسم كقوله تعالى: (٢) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَة﴾ (٣).
ووقوعها بعد فعل معلق باللام نحو قوله تعالى (٤):
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُك﴾ (٥).
وكإنشاد سيبويه (٦).
(٢٢١) - ألم تر أني وابن أسود ليلة ... لنسري إلى نارين يعلو سناهما
ووقوعها محكية بقول نحو: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ (٧).
"وقيد القول بكونه محضًا احترازًا من قول بمعنى "الظن"، وسيأتي ذكره -إن شاء الله.
стр. 490
والمراد بقولي "مطلقًا" التنبيه على أن القول صالح لأن تكسر بعده "إن" حين يقصد به معن الظن؛ لأن أصل ما علق به أن يكون محكيا (١).
والمراد بقولي "مطلقًا -أيضًا- التنبيه على (٢) أنه يكون بعد فعل القول ومصدره، واسم فاعله، ومفعوله نحو:
"قلت: إنك فاضل" و"صح قولي: إنك فاضل" و"لم أزل (٣) قائلًا، إنك فاضل" و"سر المقول: إنك (٤) فاضل".
وقولنا:
والكسر والفتح (٥) يجوزان إن
"إذا" فجاءة تلت. . . . . . . . . . .
معناه: إن "إذا" حيث قصد بها المفاجأة ووليتها "إن" جاز كسر همزتها وفتحها كقول الشاعر:
(٢٢٢) - وكنت أرى زيدًا كما قيل: سيدًا ... إذا إنه عبد القفا واللهازم
стр. 491
فمن كسر فعلى تقدير: فإذا هو عبد. ومن فتح فعلى تقدير: فإذا (١) العبودية.
فـ"أن" وما عملت فيه في تأويل مصدر ابتدئ به، وحذف خبره.
وكذا إذا وقعت بعد فاء الجزاء يجوز فيها الكسر والفتح.
فالكسر (٢) على تقدير جملة صرح بجزأيها.
والفتح على تقدير مصدر ابتدئ به وحذف خبره.
ومثال الكسر قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم﴾ (٣).
ومثال الفتح "قوله تعالى": ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواأَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٤)، (٥).
стр. 492
ويجوز كسرها بعد "أما" مقصودًا بها معنى "ألا" الاستفتاحية. وإن قصد بها معنى "حقًا" فتحت.
ويجوز -أيضًا- كسرها وفتحها بعد القسم إن لم يكن مع أحد معموليها اللام.
و(١) وكذلك يجوز كسرها وفتحها في نحو: "أول قولي أني (٢) أحمد الله" وشبهه.
فمن فتح فعلى تقدير: "أول قولي حمد الله".
ومن كسر جعل "أول قولي" مبتدأ.
و"إني أحمد الله" جملة أخبر بها مستغنية عن عائد يعود على المبتدأ.
لأنها (٣) نفس المبتدأ في المعنى كأنه قال: أول قولي هذا الكلام المفتتح بـ"أني".
ونظير ذلك (٤) قوله تعالى (٥): ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ (٦).
стр. 493
وقوله -عليه الصلاة (١) والسلام:
"أفضل ما قلته أن والنبيون من قبلي لا إله إلا الله" (٢).
وضابط ما يجوز فيه الوجهان من هذا النوع أن تقع "أن" (٣) خبر قول (٤)، ويكون خبرها قولا كـ"أحمد" أو"آمر" أو"أدعو".
فلو لم يكن خبرها قولًا تعين الكسر نحو: "أول قولي إنك ذاهب".
وما سوى المواضع التي يجب فيها الكسر، والمواضع التي يجوز فيها الكسر والفتح فالفتح (٥) متعين نحو: "عرفت (٦) أنك ذاهب"، و"معلوم أنك فاضل" وما أشبهه (٧).
"ص":
وبعد ذات الكسر لام الابتدا ... تأتي (٨) كـ"إن خالدًا لذو هدى"
стр. 494
والثاني المثبت مما يقتضي (١) ... يلحق (٢) نحو: "إن زيدًا لوضي"
وإن يكن فعل مضى صرفا ... ولم يقارن "قد" فذا اللام انتفى
ووصله واو "مع" ارتضى علي ... لشاهد حكى ابن كيسان جلي (٣)
وجنبوه جزأي الشرط وفي ... لحاقه الجزا أبو بكر قفي (٤)
ووصله (٥) معمول غير الماض إن ... وسط فهو باستباحة قمن (٦)
ويلحق الفصل وزائدًا يعد ... فيما سوى هذا ومما قد ورد
"أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضي من اللحم بعظم الرقبه"
стр. 495
وخبر المعطوف بعد "إن" إن ... قارنها استحسنه كل فطن
"ش": مما تختص به "إن" المكسورة وقوع لام الابتداء بعدها مقارنًا لاسمها المتأخر نحو: "إن في الدار لزيدًا".
أو لخبرها المتأخر نحو: "إن زيدًا لفي الدار".
فإن كان الخبر منفيًا لم تلحقه مطلقًا.
وكذا إن كان فعلًا (١) ماضيًا متصرفًا غير مقارن لـ"قد".
فإن كان (٢) ماضيًا (٣) غير متصرف، أو متصرفًا (٤) مقارنًا لـ"قد" لم يمتنع اقترانه باللام نحو: "إنك لنعم الرجل" و"إنك لقد أحسنت".
وإن كان الخبر جملة شرطية لم يلحق (٥) هذا اللام، لا مع الجزء الأول، ولا مع الثاني نحو: "إنك إن تأتني أكرمك".
وأجاز أبو بكر بن الأنباري: "إنك إن تأتني لأكرمك".
وأجاز -أيضًا- علي الكسائي دخولها على الواو التي