فمن كسر فعلى تقدير: فإذا هو عبد. ومن فتح فعلى تقدير: فإذا (١) العبودية.
فـ"أن" وما عملت فيه في تأويل مصدر ابتدئ به، وحذف خبره.
وكذا إذا وقعت بعد فاء الجزاء يجوز فيها الكسر والفتح.
فالكسر (٢) على تقدير جملة صرح بجزأيها.
والفتح على تقدير مصدر ابتدئ به وحذف خبره.
ومثال الكسر قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم﴾ (٣).
ومثال الفتح "قوله تعالى": ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواأَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٤)، (٥).
стр. 492
ويجوز كسرها بعد "أما" مقصودًا بها معنى "ألا" الاستفتاحية. وإن قصد بها معنى "حقًا" فتحت.
ويجوز -أيضًا- كسرها وفتحها بعد القسم إن لم يكن مع أحد معموليها اللام.
و(١) وكذلك يجوز كسرها وفتحها في نحو: "أول قولي أني (٢) أحمد الله" وشبهه.
فمن فتح فعلى تقدير: "أول قولي حمد الله".
ومن كسر جعل "أول قولي" مبتدأ.
و"إني أحمد الله" جملة أخبر بها مستغنية عن عائد يعود على المبتدأ.
لأنها (٣) نفس المبتدأ في المعنى كأنه قال: أول قولي هذا الكلام المفتتح بـ"أني".
ونظير ذلك (٤) قوله تعالى (٥): ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ (٦).
стр. 493
وقوله -عليه الصلاة (١) والسلام:
"أفضل ما قلته أن والنبيون من قبلي لا إله إلا الله" (٢).
وضابط ما يجوز فيه الوجهان من هذا النوع أن تقع "أن" (٣) خبر قول (٤)، ويكون خبرها قولا كـ"أحمد" أو"آمر" أو"أدعو".
فلو لم يكن خبرها قولًا تعين الكسر نحو: "أول قولي إنك ذاهب".
وما سوى المواضع التي يجب فيها الكسر، والمواضع التي يجوز فيها الكسر والفتح فالفتح (٥) متعين نحو: "عرفت (٦) أنك ذاهب"، و"معلوم أنك فاضل" وما أشبهه (٧).
"ص":
وبعد ذات الكسر لام الابتدا ... تأتي (٨) كـ"إن خالدًا لذو هدى"
стр. 494
والثاني المثبت مما يقتضي (١) ... يلحق (٢) نحو: "إن زيدًا لوضي"
وإن يكن فعل مضى صرفا ... ولم يقارن "قد" فذا اللام انتفى
ووصله واو "مع" ارتضى علي ... لشاهد حكى ابن كيسان جلي (٣)
وجنبوه جزأي الشرط وفي ... لحاقه الجزا أبو بكر قفي (٤)
ووصله (٥) معمول غير الماض إن ... وسط فهو باستباحة قمن (٦)
ويلحق الفصل وزائدًا يعد ... فيما سوى هذا ومما قد ورد
"أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضي من اللحم بعظم الرقبه"
стр. 495
وخبر المعطوف بعد "إن" إن ... قارنها استحسنه كل فطن
"ش": مما تختص به "إن" المكسورة وقوع لام الابتداء بعدها مقارنًا لاسمها المتأخر نحو: "إن في الدار لزيدًا".
أو لخبرها المتأخر نحو: "إن زيدًا لفي الدار".
فإن كان الخبر منفيًا لم تلحقه مطلقًا.
وكذا إن كان فعلًا (١) ماضيًا متصرفًا غير مقارن لـ"قد".
فإن كان (٢) ماضيًا (٣) غير متصرف، أو متصرفًا (٤) مقارنًا لـ"قد" لم يمتنع اقترانه باللام نحو: "إنك لنعم الرجل" و"إنك لقد أحسنت".
وإن كان الخبر جملة شرطية لم يلحق (٥) هذا اللام، لا مع الجزء الأول، ولا مع الثاني نحو: "إنك إن تأتني أكرمك".
وأجاز أبو بكر بن الأنباري: "إنك إن تأتني لأكرمك".
وأجاز -أيضًا- علي الكسائي دخولها على الواو التي
стр. 496
بمعنى "مع" وسمع "إن كل ثوب لو ثمنه" -حكاه ابن كيسان في المهذب.
وقد تدخل هذه اللام على الاسم المسبوق بظرف ملغى نحو: "إن غدًا لزيدًا راحل".
ويتناول الظرف الملغي: الجار والمجرور الملغى نحو: "إن بك لزيدًا واثق".
وقد يقارن هذه اللام معمول الخبر ما لم يتأخر عن الخبر، أو يكن الخبر فعلًا ماضيًا.
فيجوز: "إني لأباك مؤتمن" ولا يجوز: "إني مؤتمن لأباك".
وأجاز الأخفش نحو: "إني لبك وثقت" مع أنه لا يجيز: "إني بك لوثقت".
ومعلوم أن اللام إنما دخلت على معمول الخبر لوقوعه قبل الخبر من أجل أنه واقع موقعه فكأنها دخلت عليه.
فإذا لم يكن هو صالحًا لها فلا حظ لمعموله فيها، وإلا لزم ترتجيع الفرع (١) على الأصل.
ومما تدخل (٢) عليه هذه اللام: الفصل المسمى عمادًا
стр. 497
كقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (٢).
وما سوى ما ذكر من مواقع (٣) اللام إن ورد بلام حكم بزيادتها.
فمن ذلك ما حكاه الكوفيون من قول الشاعر (٤):
(٢٢٣) - ولكنني من فعلها لعميد
وكقراءة سعيد بن جبير (٥): ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَالطَّعَامَ﴾ (٦)، (٧) بفتح الهمزة.
стр. 498
ومنه قول الراجز:
٢٢٤ - أم الحليس لعجوز شهربه
ومنه قول الشاعر:
٢٢٥ - مروا عجالى فقالوا: كيف سيدكم؟ ... فقال من سألوا: أمسى لمجهودًا
ومنه قول الآخر:
٢٢٦ - وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها ... لكالهائم المقصى بكل مراد
стр. 499
ومنه قول الآخر:
(٢٢٧) - أمسى أبان دليلًا بعد عزته ... وما أبان لمن أعلاج سودان (١)
ص":
وإن تخفف "أن" أو"كأنا" ... فبعدها انو الاسم مستكنا
وقد يبين، وإذا ما أضمرا ... مع "أن" فجملة تجيء (٢) خبرا
وإن بفعل صدرت غير دعا ... وغير ما تصرفا قد منعا
فالأحسن الفصل بـ"قد" أو نفي او ... تنفيس أو"لو"، وقليل ذكر "لو"
стр. 500
وقبل (١) "أن" ذي علم أو ظن لزم ... وبشذوذ ما سوى هذا وسم
"ش": "أن" المفتوحة أشبه بالفعل من المكسورة؛ لأن لفظها كلفظ "عض" مقصودًا به المضي، أو الأمر.
والمسكورة لا تشبه إلا الأمر كـ"جد".
فلذلك أوثرت "أن" المفتوحة المخففة ببقاء عملها، لكن على وجه تبين (٢) فيه الضعف، وذلك بأن جعل اسمها محذوفًا لتكون (٣) بذلك عاملة كلا عاملة (٤).
ومما يوجب مزيتها على المكسورة أن طلبها لما تعمل (٥) فيه من جهة الاختصاص، "ومن جهة وصليتها بمعمولها. ولا تطلب المسكورة ما تعمل فيه إلا من جهة الاختصاص" (٦).
فضعفت (٧) بالتخفيف، وبطل عملها -غالبًا- بخلاف المفتوحة.
стр. 501
ومثلها "كان" لتركيبها من "أن" والكاف.
وقد يظهر اسماهما (١). فمثال ذلك في "أن" قول الشاعر:
(٢٢٨) - لقد علم الضيف والمرملون ... إذا اغبر أفق وهبت شمالًا
(٢٢٩) - بأنك ربيع، وغيث مريع ... وأنك هناك تكون الثمالا
ومثال ذلك في "كأن" قول الشاعر:
(٢٣٠) - فيوما توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
стр. 502
على من (١) نصب "ظبية".
ويروى برفعها (٢) على حذف الاسم.
ويروى بجرها (٣) على زيادة "أن" بين كاف الجر، والمجرور بها.
ولا يكون الخبر عند إضمار اسم "أن" إلا جملة.
إما اسمية كقول الأعشى:
(٢٣١) - في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل
وإما فعلية: فإن كان الفعل دعاء، أو غير متصرف باشرته "أن" كقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ (٤).
стр. 503
وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١).
وإن كان غيرهما قرن بـ"قد" كقوله تعالى (٢): ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ (٣).
وكقول الشاعر (٤):
(٢٣٢) - شهدت بأن قد خط ما هو كائن ... وأنك تمحو ما تشاء وتثبت
أو بنفي نحو (٥) "قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ (٦).
أو بحرف تنفيس نحو قوله تعالى (٧): ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٨). أو بـ"لو" نحو قوله تعالى (٩): ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْب﴾ (١٠).
стр. 504
وعلى كل حال لا تقع (١) "أن" المذكورة -غالبًا- إلا بعد علم أو ظن فلذلك قلت:
وقبل "أن" ذي علم أو ظن لزم ... وبشذوذ ما سوى هذا وسم
فمن الشاذ قول كثير:
(٢٣٣) - تمنيك نفس أن ستدنو ولو دنت ... دنت وهي لا بالوصل يدنو سرورها
وقول الفرزدق:
(٢٣٤) - أبيت أمني النفس أن سوف نلتقي ... وهل هو مقدور لنفسي لقاؤها
فأوقعا "أن" المخففة بعد فعل (٢) التمني -وهو غريب.
стр. 505
ومن الشاذ -أيضًا- قول الشاعر (١):
(٢٣٥) - رأيتك أحييت الندى بعد موته ... فعاش الندى من بعد أن هو خامل
(٢٣٦) - فكان لها ودي وريقة ميعتي ... وليدًا إلى أن رأسي اليوم أشيب
فأوقعا "أن" المخففة غير مسبوقة بعلم ولا ظن.
وكذلك إن وقع الفعل بعدها متصلًا بها ولم يكن دعاء، ولا غير متصرف (٢) فهو جائز بضعف.
وقد يكون الفعل المتصل بها مضارعًا، وقد يكون ماضيًا. فالمضارع كقول الشاعر.
(٢٣٧) - علموا أن يؤملون فجادوا ... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل
стр. 506
وكقول الآخر (١):
(٢٣٨) - إني زعيم يا نويقة إن أمنت من الرزاح
(٢٣٩) - ونجوت من عرض المنون من الغدو إلى الرواح
(٢٤٠) - أن تهبطين بلاد قوم يرتعون من الطلاح
والماضي كقول أبي ذؤيب:
(٢٤١) - فلما رأوا أن أحكمتهم ولم يكن ... يحل لهم إكراهها وغلابها
(٢٤٢) - دعاني إليها القلب إني لأمره ... سريع فما أدري أرشد طلابها
стр. 507
وليس المراد بالعلم والظن لفظهما، بل معناهما بأي لفظ كان.
فمن وقوع "أن" المخففة بعد مفهم (١) علم قول ابن أبي ربعية:
(٢٤٣) - ثم انصرفت وكان آخر عهدنا ... أن سوف يجمعنا إليك الموسم
ومنه قول الأحوص (٢):
(٢٤٤) - وما كنت زوارًا ولكن ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بد أن سيزور
ومنه قول جرير:
стр. 508
(٢٤٥) - وآية لؤم التيم أن لو عددتم ... أصابع تيمي نقصن عن العشر
ولذلك فإن الفراء في: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاس﴾ (١): "قرئ نصبًا، ولو رفع كان صوابًا" (٢).
"ص":
وخففت "إن" فقل العمل ... وإن تلا فعل فمما يعزل
عمل الابتدا وشذ نحو "إن ... قتلت" والثاني بلام يقترن
فارقة إن لم يكن يستغنى ... عن ذكرها بعمل، أو معنى
إهمال "إنَّ" المكسورة بالتخفيف أكثر من إعمالها، ولذا قلت:
. . . . . . . . . . . فقل العمل .... . . . . . . . . . .
стр. 509
"ثم أشرت إلى أنه إذا تلاها فعل فحقه أن يكون بعض نواسخ الابتداء نحو قوله تعالى (١): ﴿إِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (٢).
ثم أشرت إلى أنه قد يليها فعل غير ناسخ للابتداء على سبيل الشذوذ كقول عاتكة امرأة الزبير ﵁.
(٢٤٦) - يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشَا رعش الجنان ولا اليد
(٢٤٧) - شلت يمينك إن قتلت لمسلمًا ... حلت عليك عقوبة المتعمد
وحكى الكوفيون: "إن يزينك لنفسك، وإن يشينك لهيه (٣) ".
стр. 510
وسمع سيبويه (١) بعض العرب يقول: "أما إن جزاك الله خيرًا -بالكسر.
وجعل تقديره: أما إنك جزاك الله خيرًا.
والفتح أشهر.
وإذا أعملت وهي (٢) مخففة "فالمتكلم بالخيار في الإتيان باللام وتركها، كما كان قبل التخفيف.
ومن إعمالها مخففة (٣) قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ (٤).
стр. 511
قال سيبويه (١):
"وحدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: "إن عمرًا لمنطلق".
وقال الأخفش في كتاب "المعاني" له:
"وزعموا أن بعضهم يقول: "إن زيدًا لمنطلق" وهي مثل:
стр. 512
﴿وَإِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (١) يقرأ (٢) بالنصب والرفع" (٣). هذا نصه.
فإذا (٤) أهملت لزمت اللام (٥) ثاني الجزأين لئلا يتوهم كونها نافية.
"فإن كان المحل غير صالح للنفي لم يجب اللام نحو: "إن كادت نفس الخائف تزهق" (٦) و"إن كان الكريم يرتاح للعطاء" و"إن وجدت الله لطيفًا بعباده".
وفي صحيح مسلم عن عائشة أم المؤمنين (٧) ﵂:
"إن كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله (٨) إذا انتعل (٩).
стр. 513
ومنه قراءة بعض السلف: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّامَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١)، (٢).
- ذكرها ابن جني في المحتسب، وعزاها إلى أبي رجاء- (٣).
و"ما" موصولة، وعائدها محذوف.
والتقدير: وإن كان ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا (٤).
ومنه قول الطرماح.
стр. 514
(٢٤٨) - أنا ابن أباة الضيم من آل مالك ... وإن مالك كانت كرام المعادن
"ص":
ونصب ما على اسم ذا الباب عطف ... أجز بلا قيد، وبالرفع اعترف
لـ"إن" بعد خبر، وقبل أن ... نويت تأخيرًا، و"أن" مثل "إن" (١)
والرفع (٢) - مطل قًا- رأى الكسائي ... وإن يك الإعراب ذا خفاء
وقدم المعطوف فالفراء قد ... يرفع عمومًا، وبفتواه ورد
"يا ليتني وأنت يا لميس ... في بلد ليس به (٣) أَنِيسُ"
стр. 515
وصح "أجمعون ذاهبونا" ... "وإنهم" من قبل "أجمعون"
وناصب بـ"ليت" يحيى الخبرا (١) ... وبعضهم عم، ومما سطرا
"كأن أذنيه إذا تشوفا ... قادمة أو قلما محرفا"
"ش": يجوز نصب المعطوف على اسم "إن" وأخواتها متقدمًا على الخبر، ومتأخرًا.
فالتقدم (٢) كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٣).
والتأخر كقول الراجز:
(٢٤٩) - إن الربيع الجود والخريفا
(٢٥٠) - يدا أبي العباس والصيوفا
стр. 516
ويجوز الرفع مع "إن" و"لكن" -خصوصًا- بعد الخبر بإجماع.
ومثال ذلك مع "إن" قوله:
٢٥١ - فمن يك لم ينجب أبوه وأمه ... فإن لنا الأم النجيبة والأب
ومثاله مع "لكن" قوله:
٢٥٢ - وما زلت سباقًا إلى كل غاية ... بها يقتضي في الناس مجد وإفضال
٢٥٣ - وما قصرت بي في التسامي خؤولة ... ولكن عمى الطيب الأصل والخال
стр. 517
وأجاز ذلك الكسائي -مطلقًا (١).
والفراء في سائر عوامل الباب بشرط خفاء إعراب الاسم.
ومن حجج الفراء قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢).
ومن حججه (٣) - أيضًا- قول الشاعر (٤):
(٢٥٤) - فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
ويصلح أن يكون هذا وشبهه حجة للكسائي (٥).
стр. 518
ويقول: بناء الاسم في الآية والبيت وقع اتفاقًا، ورفع المعطوف هو الحجة والأصل التسوية بين المعرب والمبني في إجراء (١) التوابع عليهما.
وسيبويه يحمل الآية والبيت على أن المعطوف فيهما منوي التأخير (٢).
ويلحق في ذلك "أن" بـ"إن" إذا كان موضعها موضع جملة نحو: "علمت أن زيدًا منطلق، وعمرو".
واستشهد سيبويه (٣) يقول الله تعالى (٤): ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (٥).
ويقول (٦) الشاعر (٧):
(٢٥٥) - وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق
стр. 519
وقال:
التقدير: فاعملوا أنا بغاة ما بقينا (١) وأنتم (٢).
ولموافقة سيبويه قلت:
. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . و"أنَّ" مثل "إنّ"
ولم يخص (٣) الفراء رفع (٤) المعطوف بـ"إن" و"لكن" بل أجازه عمومًا وأنشد مستشهدًا (٥):
(٢٥٦) - يا ليتني وأنت يا لميس
(٢٥٧) - في بلد ليس به إنيس
ومما يصلح الاحتجاج (٦) به للفراء والكسائي على رفع المعطوف قبل الخبر قول بعض العرب: "إنهم أجمعون ذاهبون".
стр. 520
فرفع التوكيد حملًا على معنى الابتداء في المؤكد مع أنهما شيء واحد في المعنى.
فإن يكون ذلك في المعطوف والمعطوف عليه لتباينهما في المعنى أحق وأولى.
ونسب سيبويه قائل: "إنهم (١) أجمعون ذاهبون" إلى الغلط (٢) مع أنه من العرب الموثوق بعربيتهم.
وليس ذلك من سيبويه ﵀ بمرضي، بل الأولى أن يخرج (٣) على أن قائل ذاك (٤) أراد: أنهم هم أجمعون ذاهبون.
على أن يكون "هم" مبتدأ مؤكدًا بـ"أجمعون" مخبرًا عنه بـ"ذاهبون".
ثم حذف المبتدأ، وبقي توكيده، كما يحذف الموصوف، وتبقى صفته.
وأكثر ما يكون ذلك في صلة الموصول نحو: "قدم الذين فارقت أجمعين". أي: الذين فارقتهم أجمعين.
стр. 521
وقد أجاز الفراء نصب جزأي الابتداء بـ"ليت" (١) ومن شواهده قول الشاعر:
(٢٥٨) - ليت الشباب هو الرجيع إلى الفتى ... والشيب كان هو البديء الأول
ولا حجة فيه لإمكان تقدير "كان"، وجعل "الرجيع" خبرها.
وأنشد أبو العباس ثعلب (٢):
(٢٥٩) - فليت غدًا يكون غرار شهر ... وليث اليوم أيامًا طوالًا
ومن الكوفيين من ينصب الجزأين بـ"ليت" (٣) وغيرها من
стр. 522
أخواتها ويستشهد بقول الراجز العماني (١):
(٢٦٠) - كأن أذنيه إذا تشوفا
(٢٦١) - قادمة أو قلما محرفا
وبحديث يروى (٢) وهو (٣): "إن قعر جهنم سبعين خريفًا" (٤).
ورد جميع ذلك إلى الأصول المجمع عليها أولى.
فيخرج "كأن أذنيه" على تقدير كأن أذنيه يحاكيان (٥) أو نحو ذلك.
стр. 523
ويخرج "إن قعر جهنم" على أن "قعر" مصدر من قولهم: قعرت (١) البئر، أي بلغت قعرها.
و"سبعين" منصوب (٢) على الظرفية، وقد وقع خبرًا؛ لأن الاسم مصدر والإخبار عن المصدر بظرف الزمان مطرد.
ومما يستشهد به ناصب الجزأين قول الشاعر:
(٢٦٢) - إذا أسود جنح الليل فلتأت ولتكن ... خطاك خفافًا إن حراسنا أسدًا
стр. 524
باب: "لا" العاملة عمل "إن "
"ص":
إذا منكر بمعنى "من" يلي ... "لا" فبـ"إن" ألحقت في العمل
وتلوها انصبن بها اسمًا إن يضف (١) ... أو يك كالذ بالإضافة اتصف
كمثل "لا صاحب بر مسلم" ... و"لا كريمًا أصله متهم"
والمفرد افتح معها مركبا ... كـ"لا صلاح (٢) لمسيء (٣) أدبا"
وإن عطفت مثله عليه ... فالرفع والنصب انسبن إليه
والفتح -أيضًا- زد إذا كررت "لا" ... وكنت بالفتح وسمت الأولا
стр. 525
وإن رفعته فما للثاني ... في النصب حظ (١) بل له الوجهان
وفتح معطوف بناء قد يرد ... بقصد تركيب و"لا" لفظًا فقد
والأوجه الثلاثة الوصف أنل ... إن كان مع إفراده لم ينفصل
والفتح ممنوع إذا لم يتصل ... أو كان غير مفرد ولو وصل
والثاني من "لا ماء ماء باردا" ... نون أو اجعلنهما (٢) اسمًا واحدا
ونحو: "لا ابنين" (٣) و"لا أب" اطرد ... ونحو "لا أبا" و"لا ابني" وقد ورد
بشرط كون اللام بعد مقحما ... ونحو "لا أباك" نزرًا علما
"وإن أتاك علم وهو اسم "لا" ... فكن له بشائع مؤولا
كقولهم في رجز مروي ... "لا هيثم الليلة للمطي" (٤)
стр. 526
وأعط (١) "لا" مع همز الاستفهام ... في غير عرض ما بلا استفهام
وفي تمن بـ"ألا" لا تلغ "لا" ... وغير نصب تابع اسمها احظلا
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر ... إذا المراد مع سقوطه ظهر
وذاك في عرف تميم (٢) يلزم ... والاسم للعلم به قد يعدم
ولازم في سعة تكرير "لا" ... إذا بذي التعريف محضًا وصلا
كذا إذا يتلوه نعت أو خبر ... أو حال إلا في اضطرار من شعر
"ش": إذا قصد بـ"لا" نفي الجنس على سبيل الاستغراق اختصت بالاسم؛ لأن قصد الاستغراق على سبيل التنصيص يستلزم وجود "من" لفظًا أو معنى، ولا يليق ذلك إلا بالأسماء النكرات، فوجب لـ"لا" عند ذلك القصد عمل فيما يليها، وذلك العمل إما جر وإما رفع، وإما نصب.
فلم يكن جرًا (٣) لئلا يعتقد أنه بـ"من" المنوية، فإنها في
стр. 527
حكم الموجودة لظهورها في بعض الأحيان كقول الشاعر:
(٢٦٣) - فقام يذود الناس عنها بسيفه ... وقال ألا لا من سبيل إلى هند
ولم يكن رفعًا لئلا يعتقد أنه بالابتداء فتعين (١) النصب.
ولأن (٢) في ذلك إلحاق "لا" بـ"إن" لمشابهتها إياها في التوكيد، فإن "لا" لتوكيد النفي، و"إن" لتوكيد الإثبات.
ولفظ "لا" مساوٍ للفظ "إن" إذا خففت في تضمن متحرك بعده ساكن.
فلما ناسبت "لا": "إن" من هذه الجهات عملت عملها بشرط أن يكون ما تعمل فيه متصلًا بها. قابلًا لـ"من" الجنسية.
فإن كان مفردًا، أي: غير مضاف ولا شبيه (٣) به بني معها على الفتح تشبيهًا بـ"خمسة عشر".
стр. 528
وحكم على موضعه بالنصب اعتبارًا بعمل "لا"، وبالرفع اعتبارًا بعمل (١) الابتداء.
وجاز اعتبار عمل الابتداء مع العامل اللفظي الذي هو "لا" كما جاز اعتباره مع "من" في نحو: "هل فيها من أحد"؛ لأن "لا أحد فيها" جواب "هل فيها من أحد".
والجواب يجري مجرى ما هو جواب له.
وإن كان اسم "لا" مضافًا، أو شبيهًا به نصب بها ولم يبين، لئلا يركب أكثر من شيئين.
ومثال المضاف قولي:
. . . . . . . . . . . لا صاحب بر مسلم .... . . . . . . . . . .
أي: مخذول.
ومثال الشبيه بالمضاف قولي:
. . . . . . . . . . . ... لا كريمًا أصله متهم
وإلى بناء المفرد على الفتح أشرت بقولي:
والمفرد افتح معها مركبًا ... كـ"لا صلاح لمسيء أدبا"
ثم نبهت على ما يكون من الوجوه في العطف فقلت:
стр. 529
وإن عطفت "مثله (١) عليه (٢) .... . . . . . . . . . .
أي: إن (٣) عطفت (٤) " على المستحق للفتح مثله في الإفراد، والتنكير جاز في المعطوف: النصب والرفع، كررت "لا" مع العاطف أو لم تكررها.
فمثال ذلك مع تكرر (٥) "لا": "لا حول ولا قوةً إلا بالله"، و"لا حول ولا قوةٌ إلا بالله".
"ومثال ذلك مع عدم تكرر "لا": "لا حول وقوةً إلا بالله" و"لا حول وقوةٌ إلا بالله" (٦).
ثم قلت:
والفتح أيضًا زد إذا كررت "لا" ... وكنت بالفتح وسمت الأوَّلا
أي: زد في المعطوف المكرر معه "لا" الفتح إن كان المعطوف عليه مفتو حًا.
فيقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله" كما قيل: "لا حول ولا
стр. 530
قوة" -بالنصب- و"لا قوة" -بالرفع.
ثم قلت:
وإن رفعته (١). . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
أي: وإن رفعت الأول، وكررت "لا" لم يجز نصب الثاني: لأن نصبه عند فتح الأول إنما كان على اعتقاد عمل "لا" في المفتوح نصبًا مقدرًا، والثاني معطوف عليه.
فإذا رفع لم يبق لها عمل، يحمل عليه المعطوف لكنه (٢) يرفع حملًا على رفع الأول، ويفتح على أنه مركب مع "لا" الثانية كقول الشاعر:
(٢٦٤) - فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبدًا مقيم