وأعط (١) "لا" مع همز الاستفهام ... في غير عرض ما بلا استفهام
وفي تمن بـ"ألا" لا تلغ "لا" ... وغير نصب تابع اسمها احظلا
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر ... إذا المراد مع سقوطه ظهر
وذاك في عرف تميم (٢) يلزم ... والاسم للعلم به قد يعدم
ولازم في سعة تكرير "لا" ... إذا بذي التعريف محضًا وصلا
كذا إذا يتلوه نعت أو خبر ... أو حال إلا في اضطرار من شعر
"ش": إذا قصد بـ"لا" نفي الجنس على سبيل الاستغراق اختصت بالاسم؛ لأن قصد الاستغراق على سبيل التنصيص يستلزم وجود "من" لفظًا أو معنى، ولا يليق ذلك إلا بالأسماء النكرات، فوجب لـ"لا" عند ذلك القصد عمل فيما يليها، وذلك العمل إما جر وإما رفع، وإما نصب.
فلم يكن جرًا (٣) لئلا يعتقد أنه بـ"من" المنوية، فإنها في
стр. 527
حكم الموجودة لظهورها في بعض الأحيان كقول الشاعر:
(٢٦٣) - فقام يذود الناس عنها بسيفه ... وقال ألا لا من سبيل إلى هند
ولم يكن رفعًا لئلا يعتقد أنه بالابتداء فتعين (١) النصب.
ولأن (٢) في ذلك إلحاق "لا" بـ"إن" لمشابهتها إياها في التوكيد، فإن "لا" لتوكيد النفي، و"إن" لتوكيد الإثبات.
ولفظ "لا" مساوٍ للفظ "إن" إذا خففت في تضمن متحرك بعده ساكن.
فلما ناسبت "لا": "إن" من هذه الجهات عملت عملها بشرط أن يكون ما تعمل فيه متصلًا بها. قابلًا لـ"من" الجنسية.
فإن كان مفردًا، أي: غير مضاف ولا شبيه (٣) به بني معها على الفتح تشبيهًا بـ"خمسة عشر".
стр. 528
وحكم على موضعه بالنصب اعتبارًا بعمل "لا"، وبالرفع اعتبارًا بعمل (١) الابتداء.
وجاز اعتبار عمل الابتداء مع العامل اللفظي الذي هو "لا" كما جاز اعتباره مع "من" في نحو: "هل فيها من أحد"؛ لأن "لا أحد فيها" جواب "هل فيها من أحد".
والجواب يجري مجرى ما هو جواب له.
وإن كان اسم "لا" مضافًا، أو شبيهًا به نصب بها ولم يبين، لئلا يركب أكثر من شيئين.
ومثال المضاف قولي:
. . . . . . . . . . . لا صاحب بر مسلم .... . . . . . . . . . .
أي: مخذول.
ومثال الشبيه بالمضاف قولي:
. . . . . . . . . . . ... لا كريمًا أصله متهم
وإلى بناء المفرد على الفتح أشرت بقولي:
والمفرد افتح معها مركبًا ... كـ"لا صلاح لمسيء أدبا"
ثم نبهت على ما يكون من الوجوه في العطف فقلت:
стр. 529
وإن عطفت "مثله (١) عليه (٢) .... . . . . . . . . . .
أي: إن (٣) عطفت (٤) " على المستحق للفتح مثله في الإفراد، والتنكير جاز في المعطوف: النصب والرفع، كررت "لا" مع العاطف أو لم تكررها.
فمثال ذلك مع تكرر (٥) "لا": "لا حول ولا قوةً إلا بالله"، و"لا حول ولا قوةٌ إلا بالله".
"ومثال ذلك مع عدم تكرر "لا": "لا حول وقوةً إلا بالله" و"لا حول وقوةٌ إلا بالله" (٦).
ثم قلت:
والفتح أيضًا زد إذا كررت "لا" ... وكنت بالفتح وسمت الأوَّلا
أي: زد في المعطوف المكرر معه "لا" الفتح إن كان المعطوف عليه مفتو حًا.
فيقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله" كما قيل: "لا حول ولا
стр. 530
قوة" -بالنصب- و"لا قوة" -بالرفع.
ثم قلت:
وإن رفعته (١). . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
أي: وإن رفعت الأول، وكررت "لا" لم يجز نصب الثاني: لأن نصبه عند فتح الأول إنما كان على اعتقاد عمل "لا" في المفتوح نصبًا مقدرًا، والثاني معطوف عليه.
فإذا رفع لم يبق لها عمل، يحمل عليه المعطوف لكنه (٢) يرفع حملًا على رفع الأول، ويفتح على أنه مركب مع "لا" الثانية كقول الشاعر:
(٢٦٤) - فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبدًا مقيم
стр. 531
ورفع الأول في الوجهين إما بالابتداء، و"لا" مهملة.
وإما بـ"لا" على أنها محمولة (١) على "ليس".
وحكى الأخفش: "لا رجل وامرأة" (٢) -بفتح التاء بلا تنوين- على تقدير: لا رجل ولا امرأة على تركيب المعطوف مع "لا" الثانية ثم حذفت ونويت (٣)، واستصحب مع نيتها ما كان مع اللفظ بها.
وإلى هذا أشرت بقولي:
وفتح معطوف بناء قد يرد ... لقصد تركيب و"لا" لفظًا فقد
ثم نبهت على أن نعت اسم "لا" المفتوح يجوز فيه إذا كان مفردًا متصلًا بالمنعوت ثلاثة أوجه:
- الفتح على تركيبه مع المنعوت نحو: "لا رجل ظريف عندك".
- والنصب حملًا على عمل "لا" المقدر.
والرفع حملًا على عمل الابتداء؛ لأن "لا" عامل ضعيف فلم تنسخ (٤) عمل الابتداء لفظًا وتقديرًا، فيمتنع اعتباره وحمل
стр. 532
النعت عليه، كما امتنع ذلك مع "إن".
ثم بينت أن تركيب النعت يمتنع بفصله من المنعوت، وإن كان مفردًا وبعدم (١) إفراده، وإن كان متصلًا؛ لأن جزأي. المركب لا ينفصلان.
ولأن (٢) أكثر من شيئين لا يركب.
وإذا امتنع التركيب جاز النصب حملًا على عمل "لا" والرفع حملًا على عمل الابتداء.
وإذا كررت اسم "لا" المفتوح، فلك أن تركب المؤكِّد والمؤكَّد تركيب النعت والمنعوت نحو: "لا ماء ماء باردًا".
ولك أن تنصب المؤكد، وتنونه (٣) فتقول: لا ماء ماء باردًا".
وتقول: "لا غلامين (٤) لك"، و"لا نعلين لزيد"، و"لا أب لعمرو" و"لَا أَخَ لَهُ".
فتجعل "غلامين" و"نعلين" اسمين مركبين، وما بعدهما من الجار والمجرور خبرًا. وكذا "لا أب" (٥) و"لا أخ".
стр. 533
وقد تسقط (١) النون، وتثبت الألف فيقال (٢): "لا غلامي لك" و"لا نعلي لزيد".
و"لا أبا لعمرو" و"لا أخا له".
ولا تفعل (٣) هذا إلا مع لام الجر.
والوجه فيه أنه مشبه بالمضاف فعومل معاملته في حذف النون، وإثبات الألف.
ووجه شبهة بالمضاف أن اللام وما جر بها صفة، والصفة مكملة للموصوف كتكميل (٤) المضاف إليه للمضاف.
ولو جعلت اللام، وما جر بها خبرًا لثبت النون، وسقطت الألف لزوال شبه الإضافة.
وقد شذ سقوط اللام مع ثبوت الألف في قول الشاعر:
(٢٦٥) - أبالموت الذي لا بد أني ... ملاق لا أباك تخوفيني
стр. 534
أراد: لا أبا لك (١).
وقد يتأول العلم بنكرة فتجعل (٢) اسم "لا (٣) " مركبًا معها إن كان مفردًا كقول الشاعر:
(٢٦٦) - أرى الحاجات عند أبي خبيب ... نكدن ولا أمية في البلاد
стр. 535
وكقول الراجز: (١)(٢٦٧) - لا هيثم الليلة للمطي
ومنصوبًا (٢) بها إن كان مضافًا كقولهم: "قضية ولا أبا حسنٍ لها" (٣).
ولا بد من نزع الألف واللام مما هما فيه ولذلك (٤) قالوا: "ولا أبا حسن" ولم يقولوا: "ولا أبا الحسن".
فلو كان المضاف مضافًا إلى ما يلازمه (٥) الألف واللام كـ"عبد الله" لم يجز فيه هذا الاستعمال.
وللنحويين في تأويل العلم المستعمل هذا الاستعمال قولان:
أحدهما: أنه على تقدير إضافة "مثل" إلى العلم ثم حذف "مثل" فخلفه المضاف إليه في الإعراب والتنكير.
стр. 536
والثاني: أنه على تقدير لا واحد من مسميات هذا الاسم.
وكلا القولين غير مرضي:
أما الأول فيدل على فساده أمران:
أحدهما: التزام العرب تجرد المستعمل ذلك الاستعمال من الألف واللام، ولو كانت إضافة "مثل" منوية لم يحتج إلى ذلك.
الثاني: إخبار العرب عن (١) المستعمل ذلك الاستعمال (٢) بـ"مثل" كقول الشاعر:
(٢٦٨) - تبكي على زيد ولا زيد مثله ... "بريء من الحمى سليم الجوانح (٣) "
فلو كانت (٤) إضافة "مثل" منوية لكان التقدير: ولا مثل زيد مثله وذلك فاسد.
وأما القول الثاني فضعفه بين؛ لأنه يستلزم ألا يستعمل هذا الاستعمال إلا علم مشترك فيه كـ"زيد".
стр. 537
وليس ذلك لازمًا لقولهم (١): "لا بصرة لكم" و"لا قريش (٢) بعد اليوم".
ولقول (٣) النبي ﵇: (٤)
"إذا هلك كسرى فلا كسرى (٥) بعده" (٦).
وإنما الوجه في هذا الاستعمال أن يكون على قصد: لا شيء يصدق عليه هذا الاسم كصدقه على المشهور به.
فضمن العلم هذا المعنى، وجرد لفظه مما ينافي ذلك.
وإذا دخلت همزة الاستفهام على "لا" فحكمها مع ما وليها حكمها معه عارية من الهمزة نحو قولك: "ألا حلم (٧) لك"؟ و"ألا (٨) صديق لزيد"؟ .
وإن عطفت على ما وليها جاز في المعطوف والمعطوف عليه مع الهمزة ما جاز مع التجرد.
стр. 538
هذا إذا لم يقصد العرض.
فإن كان العرض مقصودًا بـ"أَلَا" اختصت بالفعل، ووجب إضمار فعل إن لم يكن ظاهرًا، كما يجب ذلك مع "هلا" وذلك كقولك: "ألا تفعل خيرًا" و"ألا خيرًا تفعله".
وقد يضمر الفعل لقرينة معنوية كقول الشاعر:
(٢٦٩) - ألا رجلًا جزاه الله خيرًا ... يدل على محصلة تبيت
على تقدير: ألا يرونني (١) رجلًا. هذه هي (٢) الرواية المشهورة. ويروى:
ألا رجل. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
بالجر على تقدير: ألا من رجل.
стр. 539
ويجوز أن يكون الشاعر لم يقصد العرض، ولكنه نون مضطرًا، وهو قول يونس (١)، والأول أجود وهو قول الخليل.
فإذا قصد بـ"ألا" التمني (٢) امتنع الإلغاء، واعتبار معنى الابتداء عند سيبويه (٣). لا عند المازني، (٤)، والمبرد (٥).
стр. 540
وحذف الخبر في هذا الباب إذا كان لا يجهل يكثر (١) عند الحجازيين، ويلتزم عند التميميين.
فإن كان يجهل عند حذفه وجب ثبوته عند جميع العرب. فمن حذفه لكونه لا يجهل: "لا إله إلا الله" و"لا فتى إلا علي" و"لا سيف إلا ذو الفقار" (٢).
стр. 541
ومن الواجب الثبوت لعدم العلم به قوله تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيه﴾ (١).
وقوله تعالى (٢): ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٣).
وقوله (٤)، (٥): ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ﴾ (٦).
وقول النبي ﵇ (٧):
"لا أحد أغير من الله" (٨). و"لا إله غيرك" (٩).
стр. 542
وزعم قوم منهم الزمخشري (١)، والجزولي (٢): أن بني تميم يحذفون خبر "لا" مطلقًا -على سبيل اللزوم.
إلا أن الزمخشري قال: "وبنو تميم لا يثبتونه في كلامهم أصلًا". وقال الجزولي: "ولا يلفظ بالخبر بنو تميم إلا أن يكون ظرفًا".
وليس بصحيح ما قالاه؛ لأن حذف خبر لا دليل عليه يلزم منه عدم الفائدة. والعرب مجمعون على ترك التكلم بما لا فائدة فيه. قال الشلوبين (٣):
стр. 543
"ينبغي أن يكون خلاف أهل الحجاز وبني تميم فيما هو جواب لقول قائل.
كقولك -لمن قال: "هل من رجل أفضل من زيد"؟ - لا رجل.
وأما إذا لم يكن جوابًا فلا ينبغي أن يحذف الخبر أصلًا؛ لأنه لا دليل عليه". وأنكر على الجزولي استثناء الظرف.
ومن حذف الاسم للعلم به قولهم (١): "لا عليك" يريدون: لا بأس عليك.
ومثال لزوم التكرار لكون المتصل بـ"لا" معرفة: "لا زيد فيها ولا عمرو". ونبهت بقولي:
. . . . . . . . . . . ... بذي (٢) التعريف محضًا
على أن ذا التعريف المؤول (٣) بنكرة لا يجب معه التكرار، كما لا يجب مع النكرة الصريحة.
ويدخل فيها هو معرفة غير محضة قولهم: "لا نولك أن تفعل" (٤).
стр. 544
فإنه بمعنى: لا ينبغي لك، فلذلك (١) لم تكرر "لا" بعده.
ومثال لزوم التكرار لكون المتصل بـ"لا" خبرًا ونعتًا، وحالًا: "قوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (٢). وقوله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ (٣).
و"جاء زيد لا خائفًا، ولا آسفًا".
وقيدت لزوم التكرار بالسعة تنبيهًا على تركه في الضرورة كقول الشاعر:
(٢٧٠) - وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا ... حياتك لا نفع، وموتك فاجع
وكقول الآخر:
стр. 545
(٢٧١) - بكت جزعًا، واسترجعت ثم آذنت ... ركائبها إلا إلينا رجوعها (١)
وكقول الآخر:
(٢٧٢) - قهرت العدا لا مستعينًا بعصبة ... ولكن بأنواع الخدائع والمكر
وإلى هذه الأبيات ونحوها أشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . ... إلا في اضطرار من شعر (٢)
стр. 546
باب: الأفعال التي تنصب المبتدأ والخبر مفعولين
"ص":
بفعل علم لا لعرفان نصب (١) ... مبتدأ وخبر وبـ"حسب"
كذا مرادفات ذين كـ"يرى" ... و"ظن" مع "حجا" و"خال" و"درى"
و"عد" مع "هب" و"تعلم" و"سمع" ... إن يك باسم غير مسموع تبع
وألحقوا "زعم" (٢) "ألفى" و"وجد" ... وما لتصيير، وشبهه كـ"رد"
وبعضهم ألحق -أيضًا- "ضربا" ... في مثل والجعل أجدى "وهبا"
فكان منها و"تخذت" و"اتخذ" ... إن أفهما معنى عن الكسب انتبذ (٣)
стр. 547
"ش": إذا قصد بـ"علم" معرفة الشيء دون تعرض لمعرفة ما هو عليه تعدى إلى مفعول واحد.
ومن ذلك احترزت بقولي:
.... لا لعرفان. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
وإذا قصد به معرفة الشيء ومعرفة (١) ما هو عليه تعدى إلى مفعولين هما مبتدأ وخبر في الأصل كقول الشاعر.
(٢٧٣) - علمتك الباذل المعروف فانبعثت ... إليك بي واجفات الشوق والأمل
ولـ"حسب" المتعدية استعمالان:
أحدهما: أن يراد بها الاعتقاد الراجح -وهو المشهور- كقوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء﴾ (٢).
والثاني: أن يراد بها معنى "علم" كقول الشاعر:
стр. 548
(٢٧٤) - حسبت التقى والحمد خير تجارة ... رباحًا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
وتوافقها في المعنى الأول "حجا" كقول الشاعر:
(٢٧٥) -[قد (١) كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة ... حتى ألمت بنا يومًا ملمات
وتوافقها (٢) في المعنيين: "رأى" و"ظن" و "خال".
فمثال "رأى" في العلم قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ (٣).
ومثالها في الحسبان قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدا﴾ (٤).
стр. 549
ومثال "ظن" بمعنى الحسبان قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُور﴾ (١).
ومثاله بمعنى "علم" قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ (٢).
ومثال "خال" بمعنى الحسبان قوله:
(٢٧٦) - وحلت بيوتي في يفاع ممنع ... يخال به راعي الحمولة طائرًا
ومثاله (٣) في العلم قول الشاعر:
(٢٧٧) - دعاني الغواني عمهن وخلتني ... لي اسم فلا أدعى به وهو أول
стр. 550
و"درى" بمعنى "علم" ومثال تعديها إلى مفعولين قول الشاعر:
(٢٧٨) - دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط ... فإن اغتباطًا بالوفاء حميد
ومعنى "عد" الملحقة بذا الباب "ظن".
ومثال نصبها المفعولين قول الشاعر] (١):
(٢٧٩) - فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ... ولكنما المولى شريكك في العدم
وقل من يذكرها. وممن ذكرها ابن هشام اللخمي (٢).
ومما يتعين إلحاقه بهذه الأفعال "هب" بمعنى "ظن"، و"تعلم" بمعنى "اعلم"، ولا يتصرفان.
стр. 551
ومن شواهد "هب" قول الشاعر:
(٢٨٠) - فقلت أجرني أبا مالك ... وإلا فهبني أمرًا هالكًا
والمشهور في استعمال "تعلم" إعماله في "أن" كقول الشاعر:
(٢٨١) - تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهي الثبور
وقد نصب (١) مفعولين في قول الآخر:
(٢٨٢) - تعلم شفاء قهر عدوها ... فبالغ بلطف في التحيل والمكر
стр. 552
وألحق الأخفش وأبو علي الفارسي بأفعال هذا الباب "سمع" إذا وليها اسم غير مسموع كقولك: "سمعت زيدًا يقرأ".
فإذا وليها اسم مسموع اكتفت به كقولك: "سمعت حديثك".
ومن أفعال هذا الباب المشهورة "زعم" كقول الشاعر:
(٢٨٣) - فإن تزعميني كنت أجهل فيكم ... فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
و"وجد" بمعنى "علم" كقول الشاعر:
(٢٨٤) - وجدتهم أهل الغنى فاقتنيتهم ... وأعففت عنهم مستزادي ومطعمي
ويلحق بها -أيضًا- "ألفى" كقول الشاعر:
(٢٨٥) - قد جربوه فألفوه المغيث إذا ... [ما الروع عم فلا يلوى على أحد] (١)
стр. 553
ومن أفعال هذا الباب "صير" وما وافقها أو قاربها كـ"رد" و"جعل" و"اتخذ" و"تخذ" و"ترك" و"وهب" بمعنى "جعل" كقول بعض العرب: "وهبني الله فداءك" (١). أي: جعلني. رواه ابن الأعرابي (٢).
وقال الشاعر في "رد":
(٢٨٦) - رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا
(٢٨٧) - فرد شعورهن السواد بيضًا ... ورد وجوههن البيض سودا
ومن شواهد "جعل" و"اتخذ" قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا
стр. 554
الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾ (١) و ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢).
وقال الشاعر:
(٢٨٨) - أبعد الذي قد لج تتخذينني ... عدوًا وقد جرعتني السم منقعًا؟
وشاهد "تخذ" قول الآخر:
(٢٨٩) - تخذت غران إثرهم دليلًا ... وفروا في الحجاز ليعجزوني
واحترزت بقولي بعد "تخذت" و"اتخذ":
. . . . . . . . . . . ... لا مطلقًا (٣). . . . . . . . . . .
стр. 555
من "تخذ" و"اتخذ" بمعنى "اكتسب" فإنهما متعديان إلى مفعول واحد.
ومثال "ترك" قول الله تعالى (١): ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْض﴾ (٢).
ومنه قول الشاعر:
(٢٩٠) - وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه (٣)
وألحق بعض الحذاق من النحويين بأفعال هذا الباب "ضرب" المعملة في المثل كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (٤)، (٥).
"ص":
وما استحق خبر ومبتدا ... فمع ذي الأفعال يأتي أبدا
كأضرب الثاني من الجزأين ... وكونه لمعنى أو لعين
стр. 556
وكون ما ركبته مفيدا ... في كل التزم ولا تحيدا
"ش": الذي استحق المبتدأ: التعريف، أو مقاربته (١)، أو مصاحبة قرينة تعين على تحصيل الفائدة، وألا يعرض للالتباس بالخبر، وغير ذلك مما تقدم التنبيه عليه في "باب الابتداء" فللمفعول الأول من ذا الباب ما للمبتدأ من ذلك كله.
والذي استحق الخبر من أقسام، وأحوال فللمفعول الثاني مثل ما له منها حتى التعدد. نحو قولك في "الرمان حلو حامض": "حسبت الرمان حلوًا حامضًا" ونحو قولك (٢) في قول الراجز (٣):
(٢٩١) -. . . . . . . . . . . هذابتي
(٢٩٢) - مقيظ مصيف مشتي
"علمت هذا بتي مقيظًا مصيفًا مشتيًا".
[وقولي: ] (٤)
стр. 557
وكون ما ركبته مفيدًا ... في كل التزم. . . . . . . . . . .
أي: لا بد من اشتمال المركب في هذا الباب على فائدة، كما لا بد من اشتماله عليها في "باب الابتداء". فلا يجوز: "علمت النار حارة". كما لا يجوز: "النار حارة".
"ص":
وحذف ما بينه دليل ... هناك ههنا له سبيل
وجائز سقوط جزأين هنا ... إن كان ذكر ما تبقى حسنا
"ش": الأصل ألا يقتصر على أحد المفعولين في هذا الباب، لأنهما مخبر عنه، ومخبر به.
فلو حذف الأول بقي الخبر دون مخبر عنه.
ولو حذف الثاني بقي المخبر عنه دون خبر.
فإن دل على المحذوف منهما دليل جاز الحذف كقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾ (١). أي: لا يحسبن الذين يبخلون ما يبخلون به هو خيرًا لهم.
стр. 558
وحذف المفعولين أسهل من حذف أحدهما لكن بشرط الفائدة (١).
فلو قال قائل دون تقدم كلام، ولا ما يقوم مقامه: "ظننت" مقتصرًا لم يجز لعدم الفائدة.
نصَّ على ذلك سيبويه (٢) ﵀ (٣) إذ لا يخلو أحد من ظن.
فلو قارنه سبب يقتضي تجدد مظنون جاز ذلك لحصول الفائدة كقوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّون﴾ (٤). وكقول بعض العرب: "من يسمع يخل" (٥).
"ص":
و"أنْ" و"أنَّ" مع ما به وصل ... عن جزأي الإسناد مغنيًا جعل
كـ"يحسبون أنهم على شي" ... و"ما ظننت أن يخان في الفي"
وما سوى "هب" و"تعلم" و"وهب" ... صرف وأوجب للصروف ما وجب (٦)
стр. 559
"ش": كل واحدة من "أن" و"أن" بصلتها تتضمن مسندًا ومسندًا إليه مصرحًا بهما: فلذلك اكتفى بما ذكر منهما بعد "ظن" وأخواتها نحو: قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (١)، وقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (٢).
وهذا شبيه بالاكتفاء بـ"أن تفعل" (٣) بعد "عسى" كقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُم﴾ (٤).
فلو جيء بمصدر صريح لم يكن بد من ذكر الخبر.
وأفعال هذا الباب كلها تتصرف إلا "هب" و"تعلم" و"وهب".
ويمكن أن يكون "هب" من "وهب" فتكون في هذا الباب نظير "كاد" و"أوشك" في "باب أفعال المقاربة".
"ص":
وغير "هب" قلبيًّا إن لم يبتدا ... يلغ جوازًا فهو كالذ فقدا
كـ"خالد خلت أخ" و"عامر ... سمح أرى" و"ذا علمت ناصر"
стр. 560
وربما ألغي سابق سبق ... بما به الجزء الأخير معتلق
كـ"أين خلت جعفر مقيم" ... و"للندى أرى الفتى مديم"
وإن سوى ذا سابقًا ملغى يظن ... فبعد لام، أو ضمير استكن
كـ"ما إخال" بعد "تنويل" رفع ... "ملاك" مع "رأيت" هكذا سمع (١)
"ش": المراد بالقلبي من أفعال هذا الباب ما لا يدل على تصيير حقيقي، أو تقديري كـ"علم" و"ظن".
ومن جملتها "هب" على مذهب من شرحها بـ"اعتقد" أو بـ"ظن".
وأما من شرحها بـ"اجعل" وقضى عليها بأنها من قولهم: و"هبني الله فداءك" أي: جعلني. فليست عنده قلبية.
стр. 561
فلتردد معناها لم (١) تشارك القلبيات المحضة فيما تختص (٢) به من الإلغاء وغيره.
وشرط جواز (٣) إلغاء ما يلغى أن يكون وسطًا كقولك: "خالد خلت أخ". أو آخرًا كقولي:
.... عامر سمح أرى .... . . . . . . . . . .
فإن كان الفعل متقدمًا على جزأي الإسناد لم يجز الإلغاء إلا إذا تقدم ما يتعلق بهما، أو بالفعل الداخل عليهما نحو:
"في المسجد أظن زيد معتكف" و"أين خلت جعفر مقيم". و"للندى أرى الفتى مديم" (٤).
فقد تقدم على "أظن" و"خلت" (٥) و"أرى" (٦) ما هو متعلق بثاني الجزأين فكان ذلك كتقدمه بنفسه.
والإعمال في مثل هذا أجود.
[(٧) فلو توسط الفعل بين جزأي الإسناد استوى الإعمال والإلغاء.
стр. 562
ولو تأخر عنهما معًا كان الإلغاء مختارًا.
ولا يجوز إلغاء ما تقدم عليهما وليس قبله متعلق بثانيهما (١) نحو: "ظننت زيدًا منطلقًا".
فإن (٢) ورد متقدم هكذا ولم يعمل حمل على أنه عامل في ضمير الشأن محذوفًا.
وجعلت الجملة التي بعده في موضع المفعول الثاني كما فعل بـ"إن" في مثل "إن بك زيد مأخوذ".
وكذا (٣) لم تعلق بالفعل الداخل عليهما كقول (٤) كعب (٥):
(٢٩٣) - أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل
стр. 563
فقد حصل لـ "إخال" بتقدم نافيه توسط سهل إلغاءه.
وكذا قول الآخر:
(٢٩٤) - كذاك أدبت حتى صار من خلقي (١) ... أني رأيت ملاك الشيمة الأدب
إلغاء (٢) "رأيت" فيه سهلة تقدم "إني".
فلو لم (٣) يتقدم على الفعل شيء لم يجز إلغاؤه.
لكن يجوز التعليق على أن يُنْوَى لام الابتداء، أو يُنْوَى ضمير الشأن وتجعل (٤) الجملة مفعولًا ثانيًا.
"ص":
واستقبحوا توكيد ما يلغى وإن ... تضمره أو تشر لمعناه يهن
"ش": التوكيد يدل على الاعتناء بالمؤكد. والإلغاء يدل على
стр. 564
عدم الاعتناء بالملغي. فلذلك قبح (١) توكيد ما ألغي (٢) من هذه الأفعال نحو: "زيد ظننت ظنًّا منطلق".
فلو أضمر المصدر، أو أشير إلى معناه اغتفر ذلك نحو: "زيد ظننته مقيم" أو "ظننت ذاك" (٣).
ومنه قول الشاعر:
(٢٩٥) - يا عمرو إنك قد مللت صحابتي ... وصحابتيك -إخال ذاك- قليل
وإنما اغتُفر التوكيد بالضمير، واسم الإشارة؛ لأنهما لا يتنزلان منزلة تكرير الفعل.
بخلاف التوكيد بصريح المصدر، فإنه بمنزلة تكرير الفعل، فقبح كما يقبح (٤) تكرير الفعل إذا أُلغي.
"ص":
تعليق أفعال القلوب غير "هب" ... من قبل لام الابتداء قد وجب
وقبل منفي بـ "ما" و "لا" و "إن" ... وما للاستفهام وضعه زكن
стр. 565
وهو عبارة عن إبطال العمل ... لفظًا فحسب (١) كـ"أدر أي الناس جل"
"ش": مما يختص بأفعال القلوب غير "هب" التعليق، وهو إبطال العمل لفظًا لا معنى على سبيل اللزوم.
وسببه أن يقع بين الفعل، وبين ما يتعلق به لام الابتداء نحو: "علمت لزيد قائم".
أو استفهام نحو: "علمت أزيد عندك [أم عمرو"؟
أو نفي بـ"ما" أو "لا" أو "إن"، نحو: "علمت ما زيد عندك". و"علمت لا زيد عندك] (٢) ولا عمرو" و"علمت إن زيد قام".
ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلا﴾ (٣)، و [قوله]: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُون﴾ (٤).
"ص":
ومع الاستفهام (٥) ألحق بـ"علم" ... ما منه عرفان (٦). ونحوه فهم