ومثله قوله الآخر:
(٣٦٠) - أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوءة اللقبا
على رواية من نصب "السوءة" و"اللقب".
أراد: ولا ألقبه اللقب والسوءة. أي: مع السوءة (١).
стр. 702
لأن من اللقب ما يكون لغيره سوءة كتلقيب الصديق أبي بكر ﵁ "عتيقا" لعتاقة وجهه. فلهذا قال هذا (١) الشاعر: ولا ألقبه اللقب مع السوءة فيفهم من هذا أنه (٢) إن لقبه لا مع السوءة فلا جناح عليه والله أعلم.
ولا حجة لابن جني في البيتين (٣) لإمكان جعل الواو فيهما عاطفة قدمت هي ومعطوفها. وذلك في الأول ظاهر.
وأما الثاني فعلى أن يكون أصله: "ولا ألقبه اللقب وأسوء السوءة" ثم حذف ناصب "السوءة" كما حذف ناصب "العيون" (٤) من قوله:
(٣٦١) - وزججن الحواجب والعيونا
стр. 703
ثم قدم (١) العاطف، ومعمول الفعل المحذوف.
وأشرت بقولي:
وفي النحاة من أبى القياس في (٢) ... ذا الباب. . . . . . . . . . .
إلى قول أبي الحسن الأخفش:
"قوم من النحويين يقيسون هذا في كل شيء، وقوم يقصرونه على ما سمع منه".
يريد: من النحويين من يجيز القياس في النصب على المفعول معه، ومنهم من لا يجيزه.
قال أبو علي: "وقوى أبو الحسن قصره على ما سمع".
стр. 704
باب: الاستثناء
"ص":
مخرج أو كمخرج مستثنى ... من بعد "إلا" أو كـ"إلا" معنى
وهو إذا ما كان بعضا متصل ... وغيره منقطع، ومنفصل
"ش": قد تناول (١) قولي:
. . . . . . . . . . . ... من بعد "إلا" أو كـ"إلا" معنى
كل ما استثنى من جنسه بـ"ألا" أو بغيرها من أدوات الاستثناء الآتي ذكرها.
ولا حاجة إلى الاحتراز من "إلا" التي أصلها: "إن لا" كقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوه﴾ (٢).
ولا من "إلا" التي تؤول بمعنى "غير" كقوله (٣)
стр. 705
تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١).
لأن السابق إلى ذهن السامع عند ذكر "إلا" معنى الاستثناء، فأغنى ذلك عن احتراز (٢)، لا سيما وقد تقدم ذكر "مخرج".
وقولي:
وهو إذا ما كان بعضا متصل .... . . . . . . . . . .
مثاله: "قام الرجال (٣) إلا زيدا"
. . . . . . . . . . . ... وغيره منقطع (٤) ومنفصل
مثاله: "ما فيها رجل إلا حمارا".
وذكر البعضية [في قولي:
وهو إذا ما كان بعضا (٥) متصل] (٦) .... . . . . . . . . . .
أولى من ذكر الجنسية لأن المستثنى قد يكون بعد ما هو من جنسه وهو منقطع غير متصل (٧) كقولك: "قام بنوك إلا ابن زيد".
стр. 706
فتبين ما في ذكر البعضية من المزية على ذكر الجنسية.
والمراد بـ"مخرج" ما لو لم يستثن لتناوله اللفظ كـ"عشرة" من قولك: "له مائة إلا عشرة".
والمراد بما هو كـ"مخرج": ما هو من (١) مألوفات المذكور كالمتاع وآثار (٢) السكان مما يستحضر بذكر ما قبل أداة الاستثناء.
فلذلك يحسن استثناء "الحما" بعد ذكر (٣) "الإنسان"، ولا يحسن استثناء "الذئب" (٤) ونحوه مما لا يألفه الناس.
ويحسن استثناء "الظن" بعد ذكر "العلم" ولا يحسن استثناء "الأكل" ونحوه.
"ص":
وتلو "إلا" في تمام ينتصب ... وفي سوى الإيجاب الاتباع انتخب
بشرط الاتصال والذي انقطع ... بالنصب عن أهل الحجاز قد وقع
وأبدلت تميم نحو: "ما هنا ... إنسان إلا منزل عافي البنا"
"ش": المراد بالتمام هنا أن يكون المستثنى منه مذكورا ليتم به
стр. 707
مطلوب العامل الذي قبل "إلا" نحو: "انطلقوا إلا ابن ذا".
فهذا مثال الاستثناء فيه متصل؛ لأن المستثنى فيه بعض المستثنى منه. وهو بعد كلام تام موجب فتعين النصب. والمثال الثاني مثله في الاتصال والتمام، لكن المستثنى فيه بعد كلام غير موجب فكان فيه اتباع المستثنى أجود من نصبه.
والمثال الثالث المستثنى فيه منقطع؛ لأنه ليس بعض ما استثنى منه فيتعين نصبه عند الحجازيين.
ويجوز فيه عند بني تميم الإتباع والنصب.
ولذلك لم يختلف القراء (١) في نصب ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (٢)، (٣) لأنه استثناء منقطع.
وقد روى رفعه عن بني تميم بمقتضى لغتهم، كما روى عنه: "مَا هَذَا بَشَرٌ" (٤).
"ص":
وقبل ما استثنى منه قد يرد (٥) ... "إلا" وما استثنته (٦) بعد مستند
стр. 708
إلى (١) الذي استثنى منه نحو "جا ... إلا الوليد المولعون بالنجا"
ونصب نحو ذا التزم وربما ... لم نصبوا في النفي ما تقدما
"ش": تقديم "إلا" وما استثنى بها على المستثنى منه جائز بشرط تأخرهما عن المسند (٢) إلى المستثنى منه. نحو: "جاء إلا زيدا (٣) إخوتك" و"في الدار إلا عمرا أهلها".
ويتعين حينئذ نصب المستثنى إن كان الكلام موجبا كهذين المثالين.
ولا يتعين إن لم يكن موجبا، بل يجوز أن يشغل العامل بالمستثنى ويجعل المستثنى منه بدلا.
قال سيبويه (٤):
"حدثني يونس أن قوما يوثق بعربيتهم يقولون: "ما لي إلا أخوك ناصر" فيجعلون "ناصرا" (٥) بدلا.
قال: "وهذا مثل قولك: "ما مررت بمثلك أحد".
هذا نص سيبويه وأكثر المصنفين (٦) لا يعرفون هذا.
وهو -أيضا- مذهب الكوفيين.
ومن شواهد ذلك ما أنشد الفراء من قول الشاعر:
стр. 709
(٣٦٢) - مقزع أطلس الأطمار ليس له ... إلا الضراء وإلا صيدها نشب
برفع (١) الضراء؛ وهي الكلاب الضواري.
ومثل (٢) هذا البيت قول حسان بن ثابت ﵁ (٣):
(٣٦٣) - لأنهم يرجون منه شفاعة ... إذا لم يكن إلا النبيون شافع
"ص":
ونحو: "ما في دار زيد رجل ... إلا أباك صالح" يحتمل
ترجيح نصبه، وترجيح البدل ... ولو يسويان لم يلزم خلل
стр. 710
"ش": إذا تقدم المستثنى على صفة المستثنى منه ففيه مذهبان:
أحدهما: ألا تكترث بالصفة، بل يكون البدل مختارا، كما يكون إذا لم تذكر (١) الصفة.
وذلك قولك: "ما فيها رجل إلا أباك صالح" كأنك لم تذكر "صالحا" وهذا رأي سيبويه (٢).
والثاني: ألا يكترث بتقديم الموصوف، بل يقدر المستثنى متقدما بالكلية على المستثنى منه فيكون نصبه راجحا.
وهو اختيار المبرد (٣).
стр. 711
وعندي أن النصب والبدل عند ذلك متساويان؛ لأن لكل منهما مرجحا فتكافآ.
"ص":
وإن تمام دون مستثنى فقد ... يوجد كما بدون "إلا" قد وجد
وذا هو التفريغ وهو لا يرد (١) ... إلا بنفي، أو كنفي معتضد
كـ"لا تزر إلا فتى لا يتبع ... إلا الهدى. وهل زكا إلا الورع"
"ش": المراد بالتمام هنا استيفاء العامل مطلوبه الذي المستثنى بعضه، سواء كان عمدة نحو: "قاموا إلا زيدا".
أو فضلة نحو: "رأيتهم إلا عمرا".
فالمستثنى في هذين المثالين مذكور بعد التمام. أي بعد أخذ العامل مطلوبه الذي المستثنى بعضه؛ لأن "زيدا" بعض مدلول الواو من "قاموا". و"عمرا" بعض مدلول الهاء والميم من "رأيتهم".
فلو لم يأخذ العامل مطلوبه الذي المستثنى بعضه نحو: "ما قام إلا زيد (٢) "، و"ما رأيت إلا عمرا"، سمي تفريغا (٣).
وأعطي ما بعد "إلا" العمل الذي يطلبه العامل قبلها:
رفعا كان نحو: "ما اجتهد إلا رجال مولعون بالرشد".
стр. 712
أو غير رفع نحو: "ما رأيت إلا زيدا" و"ما مررت إلا بزيد".
ولا يتأتى التفريغ (١) إلا مع نفي، أو شبهه.
فالنفي ظاهر. وشبهه نحو (٢): "لا يقيم إلا زيد" و"هل يقوم إلا هو؟ "
وقد اجتمع النفين والنهي (٣)، والاستفهام المشبه للنفي في قولي:
"لا تزر إلا فتي لا يتبع ... إلا الهدي، وهل زكا إلا الورع"
ومما يتناوله شبه النفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِين﴾ (٤) [لأن المعنى: وإنها لا تخف، ولا تسهل إلى على الخاشعين] (٥).
وكذا قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّه﴾ (٦) لأن المعنى: لا يعتزون (٧)، ولا يأمنون إلا بعهد.
стр. 713
وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ (١) لأن المعنى: لا يول أحد دبره إلا متحرفا لقتال.
ولو اعتبر معنى النفي مع (٢) التمام لجاز في المستثنى الإبدال.
وعلى ذلك تحمل قراءة من قرأ (٣): "فشربوا منه إلا قليلٌ (٤) منهم" (٥) لأن في تقديم (٦) ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ما يقتضي تأول ﴿فَشَرِبُوا مِنْه﴾ (٧) بـ"فلم (٨) يكونوا منه".
وعلى مثل ذا (٩) يحمل قول الشاعر:
(٣٦٤) - وبالصريمة منهم منزل خلق ... عاف تغير إلا النؤي والوتد
لأن معنى "تغير" (١٠): لم يبق على حاله.
стр. 714
وكذا قول الآخر:
(٣٦٥) - لدم ضائع تغيب عنه ... أقربوه إلا الصبا والجنوب
لأن معنى "تغيب" (١): لم يحضر.
"ص":
ووقع (٢) توكيد بـ"إلا" جائز ... وأبدلن ما بعد، قال الراجز
"ما لك من شيخك إلا عمله ... إلا رسيمه وإلا رمله"
أو اعطفن بالواو نحو: لم ينم (٣) ... إلا أبو يحيى (٤) وإلا ابن الحكم
стр. 715
وإن تكرر دون توكيد فمع ... تفريغ (١) التأثر بالعامل دع
في واحد مما بـ"إلا" استثنى ... وليس عن نصب سواه مغن
ودون تفريغ (٢) ففي (٣) التقدم ... نصب الجميع احكم به والتزم
وانصب لتأخير، وجيء بواحد ... منها (٤) كما لو كان دون (٥) زائد
وحكمها في القصد حكم الأول ... والتالي استثنوه مما قد ولي
إن كان ذاك ممكنا كـ"بعض ما ... تراه بعض بعض كل قدما" (٦)
واجبر بشفع مسقطا للوتر ... والحاصل الباقي بصدق الخبر
"ش": إذا كررت "إلا" توكيدا أبدل ما بعد الثانية مما بعد الأولى إن توافقا (٧) معنى، وإلا عطف بالواو.
стр. 716
فمثال البدل قول الراجز:
(٣٦٦) - مالك من شيخك إلا عمله
(٣٦٧) - إلا رسيمه وإلا رمله
ومثال العطف بالواو قول الشاعر:
(٣٦٨) - هل الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
وإذا كررت لغير توكيد (١)، وكان الاستثناء مفرغا (٢) شعل العامل بواحد من المستثنين أو المستثنيات، ونصب ما سواه كقولك: "ما قام إلا زيد إلا عمرا" و"إلا زيدا إلا عمرو".
وإن لم يكن مفرغا (٣):
فإما أن تتقدم المستثنيات على المستثنى منه، وإما أن تتأخر (٤) عنه.
стр. 717
فإن تقدمت نصبت كلها.
وإن تأخرت فلواحد منها من الإعراب ما له لو انفرد، ولما سواه النصب وهي في المعنى متساوية، كما تتساوى (١) فيه لو عطف بعضها على بعض.
هذا إذا لم يمكن (٢) استثناء بعض من بعض (٣) نحو: "قاموا إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا" و (٤) "ما قاموا إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا" (٥).
فإن أمكن استثناء بعضها من بعض نحو: "عندي أربعون إلا عشرين إلا عشرة إلا خمسة إلا اثنين" استثنى كل واحد منها مما قبله وأسقط الأول والثالث. وما أشبههما في الوترية، وضم إلى الباقي بعد الإسقاط الثاني والرابع وما أشبههما في الشفعية.
فما اجتمع فهو الباقي بعد الاستثناء. وإلى هذا وأمثاله أشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . ... والتالي استثنوه مما قدولي
إن كان ذاك ممكنا كـ"بعض ما ... تراه بعض بعض كل قدما" (٦)
стр. 718
واجبر (١) بشفع مسقطا للوتر ... والحاصل الباقي بصدق الخبر
"ص":
و"غير" يستثنى بها وتعرب ... بما لما استثنته "إلا" ينسب
وبالإضافة اجررن ما استثنى ... بها كـ"قام القوم غير معن" (٢)
واجعل لتابع الذي قد خفضا ... بها الذي لتلو "إلا" يرتضى (٣)
"ش": "غير" اسم ملازم (٤) للإضافة، وقد أوقعته العرب موقع "إلا" فاستثنت به.
ولم يكن بد من جر ما استثنته (٥) للإضافة، وأعرب هو بما أعرب الاسم الواقع بعد "إلا" على ما مضى من التفصيل.
فتقول: "قاموا غير زيد" و"ما ساروا غير غمرو، وغير عمرو" [وجاء (٦) غير محمد القوم".
و"ما بها إنسان غيرَ وتدٍ" على لغة أهل الحجاز وغيرُ] (٧) وتدٍ (٨) على لغة بني تميم.
стр. 719
[كما تقول: "قاموا إلا زيدا" و"ما ساروا إلا عمرا وإلا عمرو" (١) و"جاء إلا محمدا (٢) القوم".
و"ما بها إنسان ألا وتدا (٣) وإلا وتد"] (٤).
[تعرب "غيرا" بإعراب الواقع بعد "إلا"] (٥).
ويجوز في تابع ما استثنى بـ"غير": الجر على اللفظ، و (٦) غير الجر بحسب ما كان يستحق لو وقع بعد "إلا".
فمراعاة اللفظ ظاهرة.
ومراعاة المحل على تقدير "إلا" كقولك: "قاموا غير زيد وعمرا" و"ما قام غير زيد وعمرو" لأن (٧) المعنى: "قاموا إلا زيدا وعمرا" و"ما قاموا إلا زيدا وعمرو".
وعلى ذلك فقس. والله أعلم (٨).
стр. 720
"ص":
"سوى" كـ"غير" في جميع ما ذكر ... وعده من الظروف مشتهر
ومانع تصريفه من عده ... ظرفا، وذا القول الدليل رده
فإن إسنادا إليها كثرا (١) ... وجرها نثرا، ونظما (٢) شُهِرَا
"ش": "سوى" المشار إليه اسم يستثنى به. ويجر ما يستثنى به لإضافته إليه، ويعرب هو تقديرا، كما تعرب "غير" لفظا.
خلافا لأكثر البصريين في ادعاء لزومها النصب على الظرفية، وعدم التصرف وإنما اخترت خلاف ما ذهبوا إليه لأمرين:
أحدهما: إجماع أهل اللغة على أن معنى قول القائل: "قاموا سواك" و (٣) "قاموا غيرك" واحد.
وأنه لا أحد منهم يقول: "إن سوى" عبارة عن مكان، أو زمان". وما لا (٤) يدل على مكان، ولا زمان فبمعزل عن الظرفية.
الثاني: أن من حكم بظرفيتها حكم بلزوم ذلك، وأنها لا تتصرف.
стр. 721
والواقع في كلام العرب نثرا، ونظما، خلاف ذلك، فإنها قد أضيف إليها وابتدئ بها، وعمل فيها نواسخ الابتداء وغيرها من العوامل اللفظية.
فمن ذلك قول النبي ﷺ :
"سألت ربي ألا يسلط على أمتي عدوا من سوى أنفسهم" (١).
وقوله عليه الصلاة (٢) والسلام:
"ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود" (٣).
ومن ذلك قول الشاعر:
(٣٦٩) - وكل من ظن أن الموت مخطئه ... معلل بسواء الحق مكذوب
стр. 722
ومن الإسناد إليها مرفوعة بالإبتداء قول الشاعر:
(٣٧٠) - وإذا تباع كريمة أو تشتري ... فسواك بائعها وأنت المشتري
وقال آخر في رفعها بـ"ليس":
(٣٧١) - أأتراك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذا لصبور
وقال آخر في نصبها بـ"أن" (١):
(٣٧٢) - فآخ لحال السلم من شئت واعلمن ... بأن سوى مولاك (٢) في الحرب أجنب
стр. 723
وقال آخر في وقوعها فاعلة:
٣٧٣ - فلما صرح الشر ... فأمسى وهو عريان
٣٧٤ - ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا
وقال آخر في الإضافة إليها:
٣٧٥ - فإنني والذي يحج له الـ ... ناس بجدوى سواك لم أثق
[وقال آخر:
стр. 724
(٣٧٦) - يا أسم لا يحلى بعيني أبدا
(٣٧٧) - مرأي سواك منذ مرآك بدا] (١)
وإلى هذه الشواهد وأمثالها (٢) أشرت بقولي:
فإن إسنادا إليها كثرا ... وجرها نثرا ونظما شهرا
"ص":
واستثن ناصبا بـ"ليس" و"خلا" ... وبـ"عدا" وبـ"يكون" بعد "لا" (٣)
واجرر بسابقي "يكون" إن ترد ... وبعد "ما" عن انتصاب لا تحد
وحيث جرا فهما حرفان ... كما هما إن نصبا فعلان
وبعد "ما": الجرمي جرا بهما ... أجاز ناسبا زيادة لـ"ما" (٤)
"ش": من أدوات الاستثناء "ليس" و"يكون" مسبوقة بـ"لا" وهما على فعليتهما، وعملهما.
стр. 725
إلا أن المرفوع بهما لا يكون إلا مستترا؛ لأنهم قصدوا ألا يليهما ألا ما يلي (١) "إلا" لأنها أصل أدوات الاستثناء.
والمستثنى بهما واجب النصب بمقتضى الخبرية.
ومن الاستثناء بـ"ليس" قول النبي ﷺ :
"يطبع المؤمن على كل خُلُق ليس الخيانةَ والكذبَ" (٢).
أي: ليس بعض خلقه الخيانة والكذب.
هذا التقدير الذي يقتضيه الإعراب.
والتقدير المعنوي: يطبع على كل خلق إلا الخيانة والكذب.
ومن أدوات الاستثناء: "خلا" و"عدا" (٣) وإياهما عنيت:
. . . . . . . . . . . بسابقي "يكون". . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
وإذا جر ما استثنى بهما فهما حرفا جر.
وإذا نصب فهما فعلان مضمر فاعلاهما (٤) لما أضمر له مرفوع "ليس" و"يكون".
стр. 726
فإن قرنا بـ"ما تعينت فعليتهما، ونصب ما استثنى بهما لمفعوليته.
وإنما تعينت الفعلية مع "مع" لأنها مصدرية، ووصلها بفعل متعين في غير ندور.
ومثال تعين (١) النصب للاقتران بـ"ما" (٢) قول لبيد:
(٣٧٨) - ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
[وتعين النصب مع "ما" هو مذهب الجمهور.
وحكى الجرمي الجر مع "ما" عن بعض العرب، حكاه في كتاب "الفرخ"] (٣).
ونبهت على موضع حرفية "خلا" و"عدا" بقولي:
وحيث جرا فهما حرفان ... كما هما إن نصبا فعلان
وانفرد الجرمي بإجازة الجر بـ"عدا" و"خلا" مقرونتين بـ"ما" على أن تكون زائدة.
стр. 727
"ص":
وكـ"خلا": "حاشا" ولا تصحب "ما" ... وفي "سوى" "سوى" "سواء" علما (١)
وما يلي "لا (٢) سيما" فاجرر (٣) ولو ... رفعت لم تمنع، وعن نصب نهوا (٤)
في غير ظرف، ورووا "لا سيما ... يوم" (٥) بالأحوال الثلاث فاعلما (٦)
"ش": المشهور جر ما استثنى بـ"حاشا"، والحكم عليها بالحرفية.
وروى المبرد نصب المستثنى بها على أنها حينئذ فعل كـ"خلا" و"عد" حين ينصب بهما. وفي قولي:
وكـ"خلا": "حاشا". . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
إشعار (٧) بأنها حرف إذا (٨) جرت، وفعل إذا نصبت (٩).
стр. 728
ولا يتقدمها (١) "ما" فيقال: "ما حاشا زيدا" كما يقال "ما خلا زيدا". و"حاش" و"حشا" لغتان في "حاشا".
و"سوى" و"سواء" لغتان في "سوى".
وجرت عادة النحويين أن يذكروا "لا سيما" مع أدوات الاسثناء مع أن الذي بعدها منبه على أولويته بما نسب إلى ما قبلها كقولك "أحب العلماء لا سيما العاملين" بالجر.
وإن شئت رفعت فقلت: "لا سيما العاملون" فالجر بإضافة "سي" (٢) وهو بمعنى "مثل" و"ما" حينئذ زائدة.
والرفع على أن "ما" موصولة (٣) والتقدير: (٤) ولا مثل
стр. 729
الذين هم العاملون.
ورُوِيَ:
(٣٧٩) -. . . . . . . . . . . ... ولا سيما (١) يوم بدارة جلجل
بالرفع والجر على الوجهين المذكورين.
وروى -أيضا- النصب على أن "ما" موصولة. و"بدارة جلجل" صلة "يوما" منصوب على الطرفية بما في "بدارة" (٢) من معنى الاستقرار.
فإن وقع بعد "لا سيما" غير ظرف امتنع نصبه إلا أن يكون نكرة فيجوز نصبه على التمييز.
وجعل "ما" عوضا من الإضافة، ليكون (٣) التمييز بعدها كالتمييز في: "على التمرة مثلها زبدا". وقد تخفف ياء "لا سيما".
стр. 730
باب: الحال
"ص":
مبين هيئة كطرف فضله ... حال كـ"مروا قاصدين دجلة"
وذا اشتقاق وانتقال غالبا ... يأتي، ولا تذكره إلا نصابا
وربما جر بباء إن نفي ... عامله كـ"لم أعد بمخلف"
"ش": مبين هيئة: يعم الحال و"فعلة" الموضوعة للهيئة كقوله عليه الصلاة (١) والسلام (٢):
"إذا قتلتم فأحسنوا القتلة".
стр. 731
والاسم الدال على نوع المصدر نحو (١): "رجع القهقهرى".
وبعض الأخبار والنعوت نحو: "زيد راكب" و"جاء رجل راكب".
فيخرج "فعلة" واسم نوع المصدر والخبر، والنعت (٢) بقولي:
. . . . . . . . . . . كظرف. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
لأن المراد به: التقدير بـ"في" ومعلوم أن هذه المذكورات غير مقدرة بـ"في".
ويخرج بذكر الفضلة: الخبر المشبه للظرف نحو: "كيف زيد؟ " فإنه (٣) بمعنى: في أي حال زيد؟ إلا أنه عمدة لا فضلة بخلاف الحال.
والأكثر في الحال أن يكون دالا على معنى منتقل، وبلفظ مشتق كـ"قاصدين" من قولي:
. . . . . . . . . . . ... مروا قاصدين دجلة
[وقد تدل (٤) على ما لا ينتقل كقوله تعالى: ﴿قَائِمًا
стр. 732
بِالْقِسْطِ﴾ (١) و [قوله] (٢): ﴿ادْخُلُوهَا خَالِدِين﴾] (٣).
وكقول العرب: "خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها" وأمثال ذلك كثيرة.
وقد يكون الحال جامدا، وسيأتي بيان ذلك.
وحق الحال لشبهه بالظرف: النصب (٤).
وقد يجر بباء زائدة إذا كان عامل منفيا كقول الشاعر:
(٣٨٠) - كائن دعيت إلى بأساء داهمة ... فما انبعثت بمزءود ولا وكل
وقال آخر:
(٣٨١) - وما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيب منتهاها] (٥)
стр. 733
أي: فما انبعثت (١) مزءودا، ولا وكلا
والمزءود (٢): المذعور.
والوكل: الذي يكل أموره إلى غيره.
"ص":
ويكثر الجمود في سعر وفي (٣) ... تشبيه، أو تفاعل غير خفي
كـ"بعه مدا بكذا يدا بيد" (٤) ... و"كر زيد أسدا" (٥) أي: كأسد
كذاك في تقسيم، أو ترتيب أو ... تنويع، أو ما مثل ذا به عنوا
كـ"اقسمه أثلاثا" (٦) و"بابا بابا ... تعلم (٧) المحاسب (٨) الحسابا".
و"قد زكا ذا عنبا وعنجدا" ... و"مالك اقبض فضة وعسجدا
стр. 734
و"أحمد طفلا أجل من على ... كهلا" ومعنى كل هذا (١) منجلي
"ش": يغتفر في الحال من الجمود ما لا يغتفر في النعت؛ لأن الحال شبيهة بالخبر، وكثيرا ما يسميها سيبويه (٢) خبرا.
ويكثر الجمود فيها إذا بين بها سعر (٣) نحو: "بيع البر مدا (٤) بنصف، واللحم رطلا بدرهم".
وكذا إذا بين بها تشبيه (٥) كقولك: "كر زيد أسدا" أي: مثل أسد و"بدت الجارية قمرا، وتثنت غصنا، ومنه قول العرب: "وقع المصطرعان عدلي عير" (٦). ومنه قول الشاعر:
(٣٨٢) - أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة ... وفي الحرب أمثال النساء العوارك؟
стр. 735
أي: مثل أعيار (١).
ويغتفر جمود الحال -أيضا- فيما دل (٢) على تفاعل كقولهم: "بعته يدا بيد"، و"كلمته فما لفم" أي: متناجزين، ومتشافهين.
ويغتفر جمود الحال -أيضا- في التقسيم والترتيب نحو:
"اقسم المال بينهم أثلاثا وأخماسا". و"تعلم (٣) الحساب بابا بابا". و"دخل القوم رجلا رجلا".
ويغتفر جمودها -أيضا- فيما دل (٤) على النوع نحو: "هذا خاتمك فضة"، و"هذه جبتك خزا".
وهما من أمثلة الكتاب (٥).
ويقارب هذا قولك: "زكا ثمرنا عنبا وعنجدا" و"حبذا المال فضة وعسجدا".
стр. 736
والعنجد (١): الزبيب والعسجد: الذهب.
ويغتفر الجمود أيضا في نحو: "خط هذا الثوب قميصا، و"ابر هذه القصبة قلما".
ومثله قوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ (٢) وهي حال مقدرة.
ذكر ذلك الزمخشري في الكشاف (٣)، وهو من جيد كلامه.
واختلف في الحال المتوسط بينه، وبين حال بعده (٤) آخر أفعل التفضيل كقولي:
. . . . . . . . . . . أحمد طفلا أجل من علي ... كهلا. . . . . . . . . . .
فقال بعضهم: العامل فيه مقدر.
وقال بعضهم: العامل فيه "أفعل" وهو الصحيح.
لأنه وإن ضعف بالنسبة إلى اسم الفاعل، فقد قوي بالنسبة إلى العامل الظرفي.
стр. 737
وقد تقدم الحال عليه كقراءة من قرأ (١): "والسموات مطوياتٍ بيمينه" (٢) - بنصب مطويات.
فتقدمها على أفعل التفضيل أولى؛ لأنه متضمن لمعنى الفعل، وحروفه.
بخلاف العامل الظرفين فإنه متضمن لمعنى الفعل دون حروفه ومن تقدم الحال على العامل الظرفي قول الشاعر:
(٣٨٣) - رهط ابن كوز محقبي أدراعهم ... فيهم ورهط ربيعة بن حذار
стр. 738
"ص":
والحال إن عرف لفظا فاعتقد ... تنكيره معنى كـ"وحدك (١) اجتهد"
وأسرعوا خمستهم" قد نقلا ... بالنصب حالا، وبرفع بدلا
"ش": حق الحال أن يكون نكرة.
فإن وقعت معرفة في اللفظ أولت بنكرة، ومثال ذلك: "اجتهد وحدك" أي: منفردا. و"أرسلها العراك" (٢) أي: معتركة. و"جاءوا الجماء الغفير" أي: جميعا.
ورُوي (٣) في نحو: "جاءوا خمستهم": النصب على الحال، والرفع على البدل من الواو.
"ص":
ومصدر منكر حالا يقع ... بكثرة (٤) كـ"جاء ركضا اليسع".
стр. 739
وهو بنقل، وأبو العباس في ... نوع من الفعل قياسا يقتفي (١)
"ش": ورود المصدر المعرفة حالا قليل نحو: "أرسلها العراك" و"جاءوا قضهم بقضيضهم" (٢).
وقد تقدم التنبيه عليه، وأنه مؤول بنكرة.
وورود المصدر النكرة (٣) حالا كثير (٤):
كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (٥).
وكقول العرب: "جاء فلان ركضًا" و"جاء الأمير (٦) بغتة وفجاءة".
ولا يجوز استعماله عند سيبويه إلا بسماع (٧).
стр. 740
وأجاز أبو العباس القياس على ما كان نوعا من الفعل كـ"جئت ركضا" (١) فيقيس عليه: "جئت سرعة، ورجلة" وليس ذلك ببعيد.
"ص":
وألزموا ذا الحال حيث نكرا ... تخصيصا، أو تأخيرا، أو أن يذكرا (٢)