فكاف "معطيك" كـ"زيد" عندما قلت: "أمعطي زيدًا ابني درهما" وكـ"الغلام" الكاف في "كاسيك" إن قلت: "أنا الكاسي الغلام المختتن".
قال (١):
"في الضمير المتصل باسم الفاعل نحو "معطيك" و "المعطيك" خلاف.
فمذهب سيبويه وأكثر المحققين أن يحكم له من الإعراب بما يحكم للظاهر الواقع موقعه، فعنده أن كاف "زيد معطيك" في موضع جر؛ لأن الظاهر الواقع موقعه بحق له الجر بالإضافة؛ لأن "معطيا" مجرد من مانعيها وهما التنوين، والألف واللام.
وعنده أن كاف "زيد المعطيك" في موضع نصب؛ لأن الظاهر الواقع موقعه يحق له النصب؛ لأن فيه أحد ما نعى الإضافة.
وحكم الأخفش لهذا الضمير بالنصب -مطلقًا.
وحكم له الرماني والزمخشري بالجر -مطلقًا- وهو ِأحد قولي المبرد.
وأجاز الفراء الوجهين.
ثم قال المصنف:
والصحيح ما رآه سيبويه؛ لأن الظاهر هو الأصل، والمضمرات نائبة عنه، فلا ينسب إلى شيء منها ما لا ينسب إليه إلا فيما لا مندوجة عنه من مواضع الشذوذ، وما نحن بصدده لم تدع حاجة إلى إلحاقه بالشواذ، فوجب صرفه من ذلك".
стр. 72
٧ - التلميح إلى الآراء في النظم، والنص على أصحابها في الشرح من ذلك ما ورد في فصل الإضافة إلى ياء المتكلم عند شرحه قوله:
أحكم بإعراب المضاف لليا ... وزاعم البناء واه رايا
قال (١):
"زعم الجرجاني وابن الخشاب، وابن الخباز أن المضاف إلى ياء المتكلم مبني، والصحيح أنه معرب إذا لا سبب فيه من أسباب البناء المرتب عليها بناء الأسماء.
فإن زعم أن سبب بنائه إضافته إلى غير متمكن رد ذلك بثلاثة أوجه:
أحدها: أن ذلك يوجب أن يكون المضاف إلى الكاف والهاء، وسائر الضمائر مساويًا للمضاف إلى الياء، وذلك باطل.
الثاني: أن ذلك يوجب بناء المثنى المضاف إلى ياء المتكلم، وذلك -أيضًا- باطل.
الثالث: أن المضاف غلى غير متمكن، لا يجوز بناؤه دون أن يكون ذا إبهام يفتقر بسببه إلى الإضافة لتتكمل دلالته بها كـ"غير" و "مثل"، والمضاف إلى ياء المتكلم لا يشترط في خفاء إعرابه ذلك فعلم أنه معرب تقديرًا.
فإن زعم أن سبب بنائه تقدير إعرابه بلزوم إنكار آخره لزم من ذلك الحكم ببناء المقصور، وبناء المحكي، فإن آخر كل واحد
стр. 73
منهما ممنوع من ظهور الإعراب، ولا قائل بأنه مبني، بل هو معرب تقديرًا. وكذا المضاف إلى ياء المتكلم معرب تقديرًا.
٨ - اختيار الرأي في النظم، والسكوت عن ذلك في الشرح:
وقد يختار المصنف رأيا في النظم، ولا ينص على هذا الاختيار في الشرح، مكتفيًا ببيان جمع الآراء الواردة في المسألة، ومناقشتها، وذكر الأدلة لها. كما حدث عند شرحه الأبيات التالية في باب أفعال المقاربة:
ودليل استجز حذف الخبر ... هنا ومنه قوله بعض من غير
يا أبتا علك أو عساكا ... ونائب التا الكاف فاعرف ذاكا
هذا اختياري تابعًا أبا الحسن ... منظرًا ما قال شاد ذو علن
يا ابن الزبير طالما عصيكا ... وطالما عنيتنا إليكا
والعملين سيبويه عكسا ... مسويًا هنا لعل بـ عسى
...
والآخر اسم، والمقدم الخبر
عند أبي العباس فاعرف الصوف
قال: (١)
إذا دل دليل على خبر هذا الباب جاز حذفه كما يجوز في غير هذا الباب حذف ما ظهر دليله، فمن ذلك الحديث: "من تأنى أصاب أو كاد، ومن عجل أخطأ أو كاد".
واختلف فيما يتصل بـ"عسى" من الكاف وأخواتها في نحو "عساك" و "عساي" و "عساه".
فمذهب سيبويه أنها في موضع نصب و "أن يفعل" في موضع رفع إلحاقًا لـ"عسى" بـ"لعل" كما ألحقت "لعل" بـ"عسى" في
стр. 74
اقتران خبرها بـ "أن" كقول متمم بن نويره:
لعلك يومًا أن تلم ملمة ... عليك من اللائي يدعنك أجدعا
ومذهب أبي العباس المبرد أن "عسى" على ما كانت عليه من رفع الاسم ونصب الخبر، لكن الذي كان اسمًا جعل خبرًا، والذي كان خبرًا جعل اسمًا.
ومذهب أبي الحسن الأخفش أن "عسى" على ما كانت عليه من رفع الاسم، ونصب الخبر، إلا أن ضمير النصب ناب عن ضمير الرفع كما ناب عنه في قول الراجز:
يابن الزبير طالما عصيكا
وكما ناب ضمير الرفع عن ضمير النصب، وضمير الجر في التوكيد نحو "رأيتك أنت" و "مررت بك أنت"، وفي قول بعضهم "ما أنا كانت" و "ما أنا كإياك".
ولو كان الضمير المشار إليه في موضع نصب كما يقول سيبويه، والمبرد لم يقتصر عليه في مثل:
يا أبتا علك أو عساك
لأنه بمنزلة المفعول، والجزء الثاني بمنزلة الفاعل، والفاعل لا يحذف، وكذا ما أشبهه".
وهكذا رأينا المصنف يقف أمام الآراء المختلفة، يذكرها، ويعين أصحابها، ويردفها بأدلتها، ويناقشها، ولا يبين الرأي المختار عنده كما فعل في النظم.
ولعله اعتقد أن القارئ سيعرف أنه ما زال على موقفه من ترجيح مذهب أبي الحسن الأخفش بعد أن رد ما عداه.
стр. 75
٩ - رعاية حقوق العلماء:
وابن مالك ﵀ عالم يحب العلماء، ويعرف قدرهم: ويحترمهم في ظلال احترام ما يصدر عنهم من آراء، ورد ما ينسب إليهم مما لا يليق بهم ويتجلى ذلك فيما يلي:
أ- الدفاع عنهم:
وذلك كقوله في باب إعمال اسم الفاعل (١):
"وأنشد سيبويه مستشهدًا على إعمال "فعل" قول الشاعر:
حذر أمورًا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار
وروى عن المازني أن اللاحقي قال:
"سألني سيبويه عن شاهد في تعدي "فَعِل" فعملت له هذا البيت".
وينسب مثل هذا القول -أيضًا- إلى ابن المقفع:
والاختلاف في تسمية هذا الشاعر المدعي بوحي بأنها رواية موضوعة.
ووقوع مثل هذا مستبعد، فإن سيبويه لم يكن ليحتج بشاهد لا يثق بانتسابه إلى من يثق بقوله.
وإنما يحمل القدح في البيت المذكور على أنه من وضع الحاسدين، وتقول المتعنتين.
وقد جاء إعمال "فَعِل" فيما لا سبيل إلى القدح فيه، وهو قول زيد الخيل:
стр. 76
أتاني أنهم مزقون عرضي ... جحاش الكرملين لها فديد
فأعمل "مزقا" وهو "فعل" عدل به للمبالغة عن "مازق".
ب- تمحيص ما ينسب إليهم من آراء:
والمصنف لا يقبل ما يرد عن العلماء حتى يراجعه في مواطنه، وكثيرًا ما كان ينسب لواحد من العلماء رأي لا يتفق مع ما عرف عنه، فيثبت المصنف ذلك الرأي في النظم على ما اقتضاه علمه، ولكنه يحقق ذلك، ويستمر في البحث والتنقيب، فإذا لم يجد ما ينفي نسبة هذا الرأي اقتصر على ذلك. وإن عثر على الحقيقة نبه إليها في الشرح، من ذلك ما جاء في فصل دخول الفاء على خبر المبتدأ عند شرحه قوله:
وابن ذا الفاء بعد لكن وإن ... وأن والخلاف عن أبي الحسن
قال (١):
"روي عن الأخفش أنه منع من دخول الفاء بعد "إن" وهذا عجيب؛ لأن زيادة الفاء في الخبر على رأيه جائزة، وإن لم يكن المبتدأ يشبه أداء الشرط نحو "زيد فقائم"، فإذا دخلت على اسم يشبه أداة الشرط، فوجود الفاء في الخبر أحسن، وأسهل من وجودها في خبر "زيد" وشبهه.
وثبوت هذا عن الأخفش مستبعد.
وقد ظفرت له في كتابه "معاني القرآن" بأنه موافق لسيبويه في بقاء الفاء بعد دخول "أن"، وذلك أنه قال:
وأما "واللذان يأتيانها منكم فآذوهما"
стр. 77
فقد يجوز أن يكون هذا خبر المبتدأ؛ لأن الذي كان صلته فعلًا جاز أن يكون خبره بالفاء نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾.
وقال المصنف في موضع آخر (١):
"وزعم بعض أهل الكوفة أن الواو للترتيب، وليس بمصيب، وأئمة الكوفة برآء من هذا القول، لكنه مقول".
ومما ذكره المصنف في هذين الموضعين، وأشباهما يتضح أمران:
أولهما: أن المؤلف كان لا يقبل رأيًا ينسب لبعض العلماء حتى يمحصه.
ثانيهما: أن هناك فترة من الزمان مرت بين نظم "الكافية الشافية"، وشرحها سمحت للمؤلف بمراجعة آراء العلماء. وتجري صحتها فيما يقعبين يديه من مصنفات، وكان هذا يدعوه -أحيانًا- إلى تعديل في بعض آرائه نتيجة عثوره على شاهد، أو ظفره بدليل.
وبهذا ينكشف الستار عن سر ما يشيع في مصنفات ابن مالك من آراء تبدو مختلفة، أو متباينة.
جـ- حمل كلام العلماء على المشهور من القواعد:
وذلك كقوله (٢):
"وفي كلام ابن السراج ما يوهم بناء المضاف إلى ياء المتكلم، فإنه قال في باب الكنايات:
стр. 78
"لأن هذه الياء لا يكون قبلها حرف متحرك إلا مكسورًا، وهي مفارقة لأخواتها في هذا ألا ترى أنك تقول: "هذا غلامه" فتعرب، فإذا أضفت غلامًا إلى نفسك قلت: "هذا غلامي" فيذهب الإعراب".
قال المصنف:
وإنما أراد فيذهب لفظ الإعراب؛ لأنه قال بعد ذلك "وإنما فعلوا ذلك؛ لأن الضم قبلها لا يصلح -ولم يقل: فإن الرفع- فلما غير لها الرفع وهو أول، غير لها النصب إذا كان ثانيًا، وألزمت حالًا واحدة".
فقال: "غير لها الرفع" يعني جعل مقدرًا بعد أن كان ملفوظًا به، وكذا قوله: "غير لها النصب إذا كان ثانيًا، وألزمت حالًا واحدة"، فقال غير لها النصب وسكت عن الجر.
فعلى هذا يحمل كلامه"
١٠ - مراعاة أدب الحديث حتى مع المخالفين له:
وقد أبت على المصنف أخلاقه الفاضلة إلا أن يتلطف في حديثه عن العلماء، حتى مع من خالفه الرأي وها هو ذا يقول (١):
"ونسب سيبويه قال: "إنهم أجمعون ذاهبون" إلى الغلط مع أنه من العرب الموثوق بعربيتهم.
وليس ذلك من سيبويه بمرضي، بل الأول أن تخرج على أن قائل ذلك أراد: أنهم هم أجمعون ذاهبون على أن يكون "هم" مبتدأ مؤكدًا بـ"أجمعون" مخبرًا عنه بـ"ذاهبون" ثم حذف المبتدأ، وبقي توكيده كما يحذف الموصوف وتبقى صفته.
стр. 79
ويقول متحدثًا عن قول الشاعر (١):
نهيتك عن طلابك أم عمرو ... بعافية وأنت إذ صحيح
"زعم الأخفش أنه أراد "حينئذ" فحذف "حينًا" وأبقى جر "إذ" وهذا بعيد، وغير قول الأخفش أولى بالصواب".
ويقول (٢):
"وإذا أضيف اسم زمان إلى جملة مستقبلة المعنى، وجب عند سيبويه منع كونها اسمية كما يمتنع ذلك بعد "إذا"؛ لأن "إذ" و "إذا" هما أصلان لكل زمان أضيف إلى جملة.
فإذا كان معناها الاستقبال فالموضع لـ"إذا"، فيجري ذلك الاسم مجراها.
وهذا الذي اعتبره سيبويه بديع لولا أن المسموع ما جاء بخلافه".
ولم يخالف المصنف هذا المنهج إلا مع الزمخشري: وربما كان لميل الزمخشري إلى مذهب المعتزلة دخل في ذلك إذا سمعنا المصنف يقول (٣):
"ثم أشرت إلى ضعف قول من رأى تأييد النفي بـ"لن"، وهو الزمخشري في أنموذجه، وحامله على ذلك اعتقاده أن الله -تعالى- لا
стр. 80
يرى وهو اعتقاد باطل بصحة ذلك عن رسول الله ﷺ ، أعني ثبوت الرؤية جعلنا الله من أهلها، وأعاذنا من عدم الإيمان بها".
ويقول (١):
وقد غلط الزمخشري في جعله ألف "تفاعل" مزيدة للإلحاق بـ"تَفَعْيَل" مع اعترافه بأن ألف "فاعل" ليست للإلحاق.
وألف "تفاعل" هي ألف "فاعل"؛ لأن نسبة "تفاعل" من "فاعل" كنسبة "تفعّل" من "فَعَّل"؛ لأن ذا التاء من القبيلين مطاوع المجرد من التاء.
١١ - اللاستشهاد بالقراءات:
تمسك ابن مالك بالروايات المختلفة للقرآن الكريم فاستشهد بها، واعتمد عليها في وضع القواعد، وساعده على ذلك دراية تامة بعلم القراءات، معرفة بكل القراءات ووجوهها.
وفي استشهاده بالقراءات كثيرًا ما كان المصنف ينسب القراءة لأصحابها، كقوله في باب عوامل الجزم (٢):
"إذا أخذت أداة الشرط جوابها، وذكر بعده مضارع بعد فاء، أو واو جاز جزمه عطفًا على الجواب، ورفعه على الاستئناف، ونصبه على إضمار "أنْ"
قال سيبويه:
"فإذا انقضى الكلام ثم جئت بـ"ثم" جزمت وإن شئت رفعت، وكذلك الواو، والفاء، إلا أنه قد يجوز النصب بالواو، والفاء.
стр. 81
وبلغنا أن بعضهم قرأ "يُحَاسِبُكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ".
قرأ بالرفع عاصم، وابن عامر.
وبالجزم نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي".
وأحيانًا كان المصنف لا ينسب القراءة لصاحبها كقوله (١):
"قد يحذف من المضاف تاء التأنيث كقول الشاعر:
ونار قبيل الصبح بادرت قدحها ... حيا النار قد أوقدتها للمسافر
أراد: حياة النار.
وقال الشاعر:
إن الخليط أجدوا البين وانجردوا ... وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا
أراد: عدة الأمر، ومنه قراءة بعض القراء: ﴿لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾.
والمصنف في استشهاده بالقراءات لا يفرق بين قراءة وأخرى، فهو يستشهد بالقراءات السبع كما يستشهد بالقراءات الشاذة.
وقد يصرح بشذوذ القراءة كقوله: (٢)
"ولو توسطت "إذا" بين ذي خبر وخبر، أو بين ذي جواب وجواب ألغيت. ولو قم عليها حرف عطف جاز إلغاؤها، وأعمالها، وإلغاؤها أجود، وهي لغة القرآن التي قرأ بها السبعة في قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وفي بعض الشواذ: "لا يَلْبَثُوا" -بالنصب.
стр. 82
وقوله (١):
"تبدل الهاء، من التاء والياء، والهمزة، والألف فإبدالها من التاء في الوقف قد بين في بابه، وقد أبدلت وصلًا من تاء "تابوت" في لغة الأنصار.
وقد قرئ بها من الشاذ".
ولا شك أن مسلك ابن مالك في الاستشهاد بالقرآن عمل يستحق التقدير، فإن أولى ما يحتج به في أصول اللغة، وتقرير العربية ووضع أحكامها يجب أن يكون أفصح ما ورد فيها، ولن يكون ذلك إلا القرآن العظيم الذي أنزله على رسوله بلسان عربي مبين.
قال السيوطي (٢):
أما القرآن فكل ما ورد أنه قرئ به جاز الاحتجاج به في العربية، سواء كان متواترًا أم آحادًا، أم شاذًا.
وقال (٣):
كان قوم من النحاة المتقدمين يعيبون على عاصم، وحمزة، وابن عامر قراءات بعيدة في العربية، وينسبونهم إلى اللحن، وهم مخطئون في ذلك، فإن قراءاتهم ثابتة بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لا يطعن فيها، وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربية.
وفي المزهر (٤):
стр. 83
قال ابن خالوية في شرح الفصيح:
أجمع الناس جمعيًا أن اللغة، إذا وردت في القرآن فهي أفصح مما في غير القرآن لا خلاف في ذلك.
وقال ابن جني (١):
فالناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ، وإن كان غير ما جاء به خيرًا منه.
وقال -أيضًا (٢):
ومن بعد: فأقوى القياسين أن يقبل ممن شهرت فصاحته مما يورده، ويحمل أمره على ما حمل من حاله لا على ما عسى أن يكون من غيره".
وإذا كان هذا شأن العربي إذا نطق بشيء في غير القرآن، فلأن يعتبر هذا الكلام فيما ورد في قراءات القرآن أولى وأجدر.
وجاء في تفسير الألوسي عند شرحه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (٣).
"إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم أولى.
وقال:
وكثيرًا ما أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريرهم ببيت مجهول فرحوا به.
стр. 84
وأنا شديد العجب منهم؛ لأنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول دليلًا على صحة القرآن، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلًا على صحته كان أولى".
ولقد بلغ من اعتزاز ابن مالك بالقراءات في القرآن الكريم، أنه كان يرى أن القرآن العظيم اشتمل على الاستعمالات المختلفة في اللغة العربية.
قال في شرح التسهيل (١):
إن القرآن العزيز ليس فيه إشارة إلا بمجرد من اللام والكاف معًا، أو بمصاحب لهما معًا أعني: غير المثنى والمجموع.
فلو كانت الإشارة إلى المتوسط بكاف لا لام معها لكان القرآن العزيز غير جامع لوجوه الإشارة.
وهذا مردود بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
١٢ - الدفاع عن القراء:
وابن مالك قارئ يحب القراء، ويدافع عنهم، ويقف بجانبهم، والحق معهم دائمًا، ولم يمنعه من هذا الموقف رد كثير من العلماء لبعض القراءات، ورمي أصحابها بالخطأ واللحن، كما فعل الزمخشري في قراءة ابن عامر: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾.
قال المصنف (٢):
стр. 85
"الفصل بالظرف والجار والمجرور بين المضاف، والمضاف إليه كثير فمن ذلك قول الشاعر:
كما خط الكتاب بكف يومًا ... يهودي يقارب أو يزيل
وقول آخر:
هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يومًا نبوة فدعاهما
وقد يقع بينهما فصلان كقول الشاعر:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج
فهذا وما قبله لا يجوز في الاختيار، بل هو مخصوص بالاضطرار لوجهين:
أجدهما: أنه فصل بما لا يتعلق بالمضاف، فتمحضت أجنبيته.
الثاني: أنه فصل بحرف جر، أو بما فيه معنى جر مع كون المضاف مقتضيًا للجر ففي إيلائه ظرفًا، أو حرف جر يلاقي مقتضى الجر.
بخلاف إضافة المصدر إلى الفاعل مفصولًا بينهما بمفعول المصدر، فإن المجرورين فيهما مأمونان، مع أن الفاعل كجزء من عامله فلا يضر فصله؛ لأن رتبته منبهة عليه، والمفعول بخلاف ذلك.
فعلم بهذا أن قراءة ابن عامر ﵀ غير منافية للقياس العربية.
على أنها لو كانت منافية له لوجب قبولها لصحة نقلها، كما قبلت أشياء تنافي القياس بالنقل، وإن لم تساو صحتها صحة القراءة المذكورة، ولا قاربتها كقولهم: "استحوذ" وقياسه "استحاذ" وقوله: "بنات ألببه"، وقياسه "ألبّة" وكقولهم: "هذا جحر ضَبٍّ
стр. 86
خرب" وكقولهم: "لدن غدوة" -بالنصب- وقياسه الجر.
وأمثال ذلك كثيرة.
١٣ - الاستشهاد بالحديث:
ومن السمات البارزات في "شرح الكافية الشافية" الإفاضة في الاستدلال بالحديث الشريف.
وقد وقع في هذا الكتاب بضع وسبعون حديثًا نبويًا استمدها المصنف من الكتاب الصحاح، وساعده على ذلك درايته التامة بعلم الحديث.
وفي ساتدلاله بالحديث قد يثبت المصنف المراجع التي استمد منها كقوله في "باب القسم" يتحدث عن "أيمن" (١).
"يضاف في لغاته كلها إلى "الله"، ولا يضاف إلى غيره منقوصًا إلا ما ندر في حديث النبي ﷺ من كلامه في الصحيحين: "وايم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهد وأتى سبيل الله فرسانًا أجمعين".
وقد لا يثبت المصنف المرجع الذي استمد منه الحديث كقوله يتحدث عن علامات الاسم (٢):
"وجعله معرفًا يتناول تعريف الإضافة، والتعريف بحرف التعريف سواء قيل: إنه اللام وجوها على ما ذهب إليه سيبويه، أو أنه الألف واللام معًا على ما ذهب إليه الخليل، ويتناول ذلك -أيضًا- التعريف بالألف والميم على لغة أهل اليمن، وقد تكلم بها الرسول
стр. 87
صلى الله عليه وسلم- إذا قال: "ليس من أمبر أمصيام في أمسفر"يريد: ليس من البر الصيام في السفر.
وقد يذكر المصنف الحديث على وجه لا ينبئ عنه، كقوله في باب الاختصاص المشابه للنداء (١):
قد يجاء بكلام على صورة هي لغيره توسعًا عند أمن الالتباس، فمن ذلك ورود الخبر بصورة الأمر، وورود الأمر بصورة الخبر، وورود الخبر بصورة الاستفهام، وورود الاستفهام بصورة الخبر، ومن ذلك ورود الاختصاص بصورة النداء كقولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، ونحن معاشر الأنبياء لا نورث".
ومهما يك من شيء فقد كان المصنف ﵀ يعتد بالحديث أصلًا ثانيًا في إثبات القواعد بعد القرآن الكريم، وها هو ذا يقول (٢):
"يجوز الاستغناء عن حرف النداء إن لم يكن المنادى "الله" ولا مضمرًا ولا مستغاثًا به، ولا اسم إشارة، ولا اسم جنس مفردًا غير معين.
فإن كان أحد هذه الخمسة لزمه "يا" نحو "يا الله" و "يا إياك" و:
يا لبكر انشروا لي كليبًا .... . . . . . . . . . .
و"يا هذا" و "يا رجلًا" إذا لم يتعين، فإن قصدت واحدًا معينًا، فالأكثر ألا يحذف الحرف، وقد يحذف في الكلام الفصيح كقول النبي ﷺ مترجمًا عن موسى ﷺ : "ثوبي حجر".
стр. 88
وكقوله ﷺ "اشتدي أزمة تتفرجي".
وفي هذين غنى عن غيرهما من الشواهد نثرًا ونظمًا"، ثم قال المصنف:
"والبصريون يرونه شاذًا لا يقاس عليه، والكوفيون يقيسون عليه، وقولهم في هذا أصح"، فالمصنف يكتفي بالحديثين في الاستشهاد على القاعدة ويرى فيهما غناء عن غيرهما من الشواهد، ثم يصحح الرأي الذي اعتمد عليهما.
وبذا يكون ابن مالك، وضع الحديث النبوي الشريف في مكانه اللائق به.
وقد عاب أو حيان على ابن مالك ما فعله من استشهاد بالحديث، فقال في شرح التسهيل (١):
"قد أكثر هذا المصنف من الاستدلال بما وقع في الأحديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، وما رأيت أحدًا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره، على أن الواضعين الولين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، والخليل، وسيبويه من أئمة البصريين.
والفراء، وعلي بن المبارك الأحمر، وهشام الضرير من أئمة الكوفيين، لم يفعلوا ذلك.
وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين، وغيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة بغداد، وأهل الأندلس".
стр. 89
وادعاء أبي حيان بأن الواضعين الأولين لعلم النحو، لم يستدلوا بالحديث ادعاء غير مبني على أساس سليم من الحقيقة والواقع.
ذلك أن سيبويه، وهو إمام أئمة البصريين ضمن كتابه بعض الأحاديث، وفي المقتضب للمبرد، وهو من أئمة البصرة -أيضًا- ثلاثة أحاديث (١).
والكسائي إمام الكوفيين استدل بالحديث، بل أفاض في ذلك عندما استدل بثلاثة أحاديث، هي قوله ﷺ : "فلا يقرب مسجدنا يؤذنا بريح الثوم"، وقوله:
"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض". وقول أبي طلحة لرسول الله ﷺ : "لا تشرف يصبك سهم"على مسألة واحدة هي جزم جواب النهي إذا سقطت الفاء.
واللغويون الأولون استشهدوا بالحديث، وممن أكثر من ذلك الأزهري صاحب "التهذيب" الذي كان كثيرًا ما يعمد إلى حديث من الأحاديث الشريفة، فيصدر به المادة، ويجعله مركزًا يدور حوله البحث. كما في مادة "نخ" الذي صدرها بقوله ﷺ : "ليس في النخة صدقة".
وادعاء أبي حيان بأن المتأخرين من نحاة الأقاليم، تابعوا المتقدمين في عدم الاحتجاج بالحديث إدعاء مردود بما تضمنته مؤلفات النحاة من أندلسيين، وغير أندلسيين من أحاديث.
فقد استدل بالحديث: الشريف الصقلي، والشريف الغرناطي، والسيرافي، والصفار في شروحهم لكتاب سيبويه.
стр. 90
واستدل بالحديث ابن عصفور في المقرب، وابن الحاج في شرح "المقرب"، وابن الخباز في شرح ألفية ابن معط، وأبو علي الشلوبين في "التوطئة".
ولم يخل كتابًا أبي حيان "التذييل والتكميل" و "إرتشاف الضرب" من الاستدلال بالحديث كما في بابي أفعل التفضيل، والصفة المشبهة.
وقد تابع المصنف في هذا المسلك -وهو الاعتداد بالحديث في إرساء القواعد النحوية- كثير من المتأخرين كناظر الجيش، والدماميني الذي يقول (١):
"وقد أكثر المصنف -رحمه الله تعالى- من الاستدلال بالأحاديث النبوية على إثبات الأحكام النحوية، وشنع عليه أبو حيان، وقال: إن ذلك لا يتم له لتطرق احتمال الرواية بالمعنى إلى ما يستدل به من تلك الأحاديث، فلا يوثق بأن ذلك المحتج به لفظه ﵊ حتى تقوم به الحجة".
ثم قال الدماميني:
"وقد أجريت ذلك لبعض شيوخنا، فصوب رأي ابن مالك فيما فعله من ذلك بناء على أن اليقين ليس بمطلوب في هذا الباب، وإنما المطلوب غلبة الظن الذي هو مناط الأحكام الشرعية".
١٤ - الإشارة إلى المراجع:
وذلك كقول يتحدث عن الحروف المفتتح بها السور (٢):
"وبعضهم يجعلها معربة؛ لأنها تتأثر بالعوامل لو دخلت عليها، وهذا اختيار الزمخشري في الكشاف".
стр. 91
وكقوله في باب الموصول (١):
وذكر أبو علي في الشيرازيات عن يونس وقوع "الذي" مصدرية مستغنية عن عائد، وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾.
وقوله يتحدث عن "ذو" (٢).
"وذكر ابن جني في المحتسب أن بعضهم يعربها، ومنه قول بعضهم:
وإما كرام موسرون رأيتهم ... فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
وذكر ابن درستويه في الإرشاد مثل ما ذكر ابن جني في المحتسب".
وقوله في باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر (٣):
وفي كلام ابن عصفور في شرح الجمل ما يوهم أن الأكثرين على تجويز نحو "كان الماء يشرب زيد".
وقوله (٤):
وقال الأخفش في كتاب "المعاني" له: وزعموا أن بعضها يقول: "إن زيدًا لمنطلق" وهي مثل: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، قرئ بالنصب والرفع.
وقوله (٥):
стр. 92
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: "إن كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل".
١٥ - استخدام الأساليب المنطقية في الاستدلال:
والمصنف يلجأ كثيرًا إلى الأساليب المنطقية في إقامة حججه، أو هدم أدلة خصومه وهذا يدل على أنه نال قسطًا وفرًا من العلوم اللسانية ساعده على إقامة الأدل النظرية التي تؤيد آراءه، كما روفقه في الوصول إلى استنتاج أقيسة دقيقة على ما صح من كلام العرب.
من ذلك قوله في باب العطف يستدل لرأيه في "أما" المسبوقة بمثلها (١):
"وأما المسبوقة بمثلها عاطفة عند أكثر النحويين".
ومذهب ابن كيسان وأبي علي أن العطف إنما هو بالواو التي قبلها، وهي جائية لمعنى من المعاني المفادة بـ"أو".
وبقولهما أقول: لأنه في ذلك تخلصًا من دخول عاطف على عاطف.
ولأن وقوعها بعد الواو مسبوقة بمثلها شبيه بوقوع "لا" بعد الواو مسبوقة بمثلها في مثل "لا زيد، ولا عمرو فيها".
و"لا" هذه غير عاطفة بإجماع، فلتكن "أما" مثلها إلحاقًا للنظير بالنظير، وعملًا بمقتضى الأولوية.
وذلك أن "لا" قبل مقارنة الواو صالحة للعطفية بإجماع. ومع
стр. 93
ذلك حكم بعدم عطفيتها عند مقارنتها، فلأن يحكم بعدم عطفية "أما" عند مقارنة الواو أحق وأولى".
وقوله في باب ما ينصرف، وما لا ينصرف يرد مذهب صدر الأفاضل في "سحر" إذا قصد به سحر يوم بعينه، وجعل ظرفًا مثل: "خرجت يوم الجمعة سحر" (١):
وزعم صدر الأفاضل أن "سحر" المشار ِإليه مبني على الفتح لتضمنه معنى حرف التعريف، وما ذهب إليه مردود بثلاثة أوجه:
أحدهما: أن ما ادعاه ممكن وما ادعيناه ممكن، لكن ما ادعيناه أولى، فإنه خروج عن الأصل بوجه دون وجه؛ لأن الممنوع من الصرف باق على الإعراب.
بخلاف ما ادعاه؛ لأنه خروج عن الأصل بكل وجه.
الثاني: أنه لو كان مبنيًا لكان غير الفتحة أولى به؛ لأنه موضع نصب فيجب اجتناب الفتحة، لئلا يتوهب الإعراب.
كما اجتنب في "قبل" و "بعد" والمنادى المضموم.
الثالث: أنه لو كان مبنيًا لكان جائز الإعراب جواز إعراب "حين" في قوله:
على حين عاتبت المشيب على الصبا .... . . . . . . . . . .
لتساويهما في ضعف سبب البناء لكونه عارضًا، وكان يكون علامة إعرابه تنوينه في بعض المواضع.
وفي عدم ذلك دليل على عدم البناء، وأن فتحته إعرابية، وأن عدم التنوين إنما كان من أجل منع الصرف.
стр. 94
١٦ - تبرير أمور وقعت في النظم:
وجد المصنف في الشرح الفرصة السانحة، لتبرير أمور اضطره النظم إليها.
من ذلك ما ورد عند شرحه للبيتين الآتيين في باب ما ينصرف، وما لا ينصرف:
وزائدًا فعلان وصفًا قابلًا ... فعلى وما يلفى لتاء قابلًا
وجهان في فعلان وصفا إن عدم ... في الوضع تأنيثًا كانت من "رحم
قال المصنف (١):
الثاني من الأنواع الخمسة التي لا تنصرف في التعريف، ولا في التنكير: كل صفة على "فعلان" لا تلحقها تاء التأنيث أما؛ لأن لها مؤنث على "فعلي" فاستغنى به كـ"سكران" و "غضبان".
وإما لكونها صفة لا مؤنث لها كـ"لحيان"، وهو الكبير اللحية.
ثم قال:
والتمثيل بـ"لحيان" أولى بالتمثيل بـ"الرحمن" لوجهين:
أحدهما: أن "الرحمن" بغير ألف ولام دون نداء، ولا إضافة غير مستعمل فلا فائدة في الحكم عليه بانصراف ولا منع.
الثاني: إن الممثل به في هذه المسألة معرض، لأن يذكر موصولًا بالتاء، أو بألف "فعلى" ومجردًا منهما لينظر ما هو الأحق به، والأصلح له.
стр. 95
وتعريض "الرحمن" لذلك مع وجدان مندوحة عنه مخاطرة من فاعله.
فلذلك مثلت بـ"لحيان" ولكني اضطررت فقلت:
. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . كآت من رحم
ومن ذلك ما ورد في فصل تمييز العدد بمذكر ومؤنث عند قوله:
الحكم للسابق أن يضف عدد ... لذكر وضده وما اتحد
إذ قال (١):
إذا كان للعدد المضاف مميزان مذكر ومؤنث، فالحكم لسابقهما أي: إن سبق مذكر العدد بالتاء نحو: "لي ثمانية أبعد وآم"، وإن سبق مؤنث كان العدد بلا تاء نحو: "لي ثماني إماء وأعبد".
واحترزت بقولي:
. . . . . . . . . . . وما اتحد
من أن يعبر عن المذكر والمؤنث بلفظ واحد.
وهذا الاحتراز مستغنى عنه بذكر السابق، فإنه مشعر بعدم الاتحاد لكن الحاجة دعت إلى كلمة تكمل، فكان ما يناسب أولى مما لا يناسب.
١٧ - الاعتداد بالنفس في غير غرور:
ومع ثقة المصنف فيما يورده من آراء، وأحكام في المسائل المختلفة لم يأخذه. الغرور فلم يصدر أحكامه قاطعة، ولم يطلق
стр. 96
القول على عمومه، وإنما كان يحترس معترفًا بأن ما أورده هو منتهى علمه، وهذا من تواضع العلماء.
وذلك كقوله (١):
وممن صرح بإلغاء عجمة الثلاثي -مطلقًا- السيرافي وابن برهان، وابن خروف ولا أعلم لهم من المتقدمين مخالفًا.
وقوله (٢):
وبينت أن في "كأين" خمس لغات، وأصلها "كأي" وهي أشرها وبها قرأ السبعة إلا ابن كثير:
ويليها "كائن" وبها قرأ ابن كثير والبواقي.
وقرأ الأعمش وابن محيصن "كأين" -بهمزة ساكنة بعد الكاف، وبعدها ياء مكسورة خفيفة بعدها نون ساكنة في وزن "كَعْيِنْ".
ولا أعرف أحدًا قرأ باللغتين الباقيتين".
وقوله (٣):
وأجاز يونس حكاية كل معرفة قياسًا على العلم، فيجوز عنده أن يقال: لمن قال: رأيت "غلام زيد" و "مررت بصاحب عمرو" من غلام زيد؟ ومن صاحب عمرو؟
وأجاز -أيضًا- حكاية النكرة بـ"من" في الوصل.
ولا أعلم له في المسألتين موافقًا".
стр. 97
وقوله (١).
"ومثال" "فعائل" جمعًا للمجرد من التاء "شمائل" في جمع "شمأل" و"شمال"، "عجائز" و"عقائب" جمع "عجوز" و"عقاب".
وأما "فعائل" جمع "فعيل" من هذا القبيل، فلم يأت في اسم جنس فيما أعلم".
موقف المصنف بين البصريين والكوفيين:
نظر المصنف ﵀ في النحو نظر المجتهدين، فهو يعرض الحكم، ويناقش أدلته مناقشة حرة، مبتعدًا عن التكلف في التأويل، والتعقيد في إيراد الدليل، يلتزم مبدأ السهولة، مؤثرًا جانب اليسر، غير متعبد بآراء القدماء، غير مهمل لها، وإنما ينظر فيها، ويناقش أدلتها، فإن اتفقت مع منهجه، ولم تخالف مبادئه أقرها، وأيدها بروح من عنده.
وإن خالفت منهجه، ولم يجد لها من الأدلة ما يدعم كيانها كر عليها، هادمًا أساسها الذي تعتمد عليه.
وهو في ذلك ينزع دائمًا إلى السهولة والتيسير في كل ما يذهب إليه من آراء. واتجاهات، ما دام الأسلوب لم يخرج عن نطاق العربية، وإن كان في ذلك مخالفة لمذهب أئمة النحو كسيبويه، ولم تمنعه مكانة سيبويه من الجهر بذلك كقوله في "باب إعمال اسم الفاعل" (٢).
"ولك في المعطوف على ما خفض بإضافته إليه: الجر حملًا على اللفظ، والنصب حملًا على الموضع كما قال الشاعر:
стр. 98
هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عون بن مخراق
فنصب "عبد رب" عطفًا على "دينار" -وهو اسم رجل- ولا حاجة إلى تقدير ناصب غير ناصب المعطوف عليه.
وإن كان التقدير قول سيبويه".
من هنا رأينا المصنف يوافق الكوفيين إن رأى الصواب معهم، ويؤيد البصريين إن سار الحق في ركابهم، ويفند آراء هؤلاء وهؤلاء إن حادث عن طريقه المرسوم.
فمن تأييده للكوفيين قوله (١):
"وأشرت بقولي:
ونحو "زيد شثن كفه" أبى ... في النثر سيبويه أن يرتكبا
إلى نحو قوله: "هو حسنُ وَجْهِه"
وقول الشماح:
أمن دمنتين عرس الركب فيهما ... بحقل الرخامي قد عفا طللالهما
أقامت على ربعيهما جارتا صفا ... كميتا الأعالي جونت مصطلاهما
وهذا عند سيبويه مخصوص بالشعر.
وهو عند أبي العباس المبرد ممنوع في الشعر وغيره.
وهو عند الكوفيين جائز في الكلام كله.
وهو الصحيح؛ لأنه مثله قد ورد في الحديث كقوله في حديث أم زرع: "سفر وشاحها"، وفي حديث الدجال: "أعور عينه اليمنى"، وفي وصف النبي، ﷺ : "شثن أصابعه".
стр. 99
وقوله: في باب النائب عن الفاعل" (١):
ولا يجيز غير الأخفش من البصريين أن ينوب غير المفعول به وهو موجود.
وأجار ذلك الأخفش، والكوفيون ويؤيد مذهبهم قراءة بعض القراء: "لِيُجْزَى قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" (٢).
ومن تأييده للبصريين قوله في "باب المفعول المطلق، وهو المصدر" (٣):
"والفعل مشتق من المصدر: لأن المشتق فرع، والمشتق منه أصل، وكل فرع يتضمن الأصل وزيادة عليه.
ولا شك في أن الفعل يتضمن المصدر، والوقت فثبتت فرعيته وأصلية المصدر؛ لأنه دل على بعض ما يدل عليه الفعل.
وهذا مذهب البصريين، وهو الصحيح".
وقد يبلغ من استهانته بالرأي، واستخفافه به لضعفه البين في نظرة أن يذكره في النظم، ولا يتعرض له في الشرح كما في حديثه عن الخير إذ قال في النظم:
وخبرا بمبتدأ أو بابتدا ... أو بهما أرفع والمقدم اعضدا
وقال أهل الكوفة الجزآن قد ... ترافعا وذا ضعيف المستند
وقال في الشرح (٤):
стр. 100
"وأما الخبر:
فرافعه المبتدأ -وحده- أو الابتداء -وحده- أو المبتدأ والابتداء معًا.
هذه الثلاثة أقوال البصريين.
والأول قول سيبويه، وهو الصحيح".
ولم يتعرض في الشرح لقول الكوفيين، وإنما أغفله إغفالًا تامًا.
وقد لا يرتضى المصنف ﵀ أقوال النحويين جميعًا فيردها، ثم يبين رأيه.
وذلك كما في تأويل العلم المستعميل في مثل قولهم "قضية ولا أبا حسن لها" إذ قال المصنف (١):
وللنحويين في تأويل العلم المستعمل هذا الاستعمال قولان:
أحدهما، أنه على تقدير إضافة مثل إلى العلم ثم حذف مثل فخلفه المضاف إليه في الإعراب والتنكير.
والثاني: أنه على تقدير لا واحد من مسميات هذا الاسم.
وكلا القولين غير مرضي:
أما الأول فيدل على فساده أمران: ... "
وهكذا يبدأ المصنف يفند هذين الرأيين، فإذا ما انتهى من ذلك ذكر رأيًا يسلم من الاعتراض عليه.
стр. 101
شخصية المؤلف في الكتاب:
وشخصية المؤلف في الكتاب واضحة، فهو غير مقلد ولا متابع، وإنما مجتهد له رأيه، وهو حين يبدي رأيه لا يبديه إلا بعد أن يستعرض الآراء المختلفة ويبحث فيها، وينظر أدلتها، سواء تلك الأدلة التي أوردها صاحب الرأي أو الأدلة التي يراها هو مؤيدة له، ثم يختار الرأي، الذي ترجح كفته عنده بغض النظر عن شخصية قائله أو مكانته، ولا يلبث من موضع لآخر أن يدلي بدلوه بين الدلاء، فالعلم عنده ليس مقصورًا على طائفة من العلماء ولا محدودًا بزمن.
وقد صرح بذلك في مقدمة كتابه "شرح تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد" حين قال: "غير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين".
لذا فلا يكاد يمر موضوع من الموضعات التي تناولها الكتاب، إلا رأينا المصنف يبدي رأيه، مدعمًا بالدليل، ولقد شارع هذا الأمر بصورة يصعب على الباحث حصرها، وإنما يكتفي بضرب أمثلة منها كقوله (١):
"وأما نون "الزيتون" فالأكثر على أنها زائدة بناء على أنه من "الزيت".
والصحيح أنها غير زائدة لقول بعض العرب: "أرض زتنة" إذا كانت كثيرة الزيتون".
وقوله (٢):
стр. 102
"وزعم قوم أن المحذوف في نحو "تأمروني" هو الثاني، وليس كذلك.
بل المحذوف هو الأول، نص على ذلك سيبويه.
ويدل على صحة قوله".
وقوله (١):
وأجاز الفراء -أيضًا- في "الذي" من تمام على الذي أحسن" أن تكون مصدرية ... وبه أقول".
وقوله (٢):
اللام وحدها هي المعرفة عند سيبويه، والهمزة قبلها همزة وصل زائدة.
وهي عند الخليل همزة قطع عوملت غالبًا معاملة همزة الوصل لكثرة الاستعمال. وهي أحد جزأي الأداة المعرفة.
وقول الخليل هو المختار عندي ... ".
وقوله (٣):
"واختلف في تقديم خبر "ليس" فأجازه قوم، ومنعه قوم. والمنع أحب إلى".
وكقوله -يبين الحكم إذا جر خبر "ليس" بالباء وعطف عليه مخبر عنه أجنبي (٤).
стр. 103
"ويجوز جر الخبر الثاني إذا جر الأول عند الأخفش، لا عند سيبويه.
والقول في ذلك قول الأخفش، لاستعمال العرب إياه كقول الشاعر:
وليس بمعروف لنا أن نردها ... صحاحًا ولا مستنكرٍ أن تعقرا
وقوله في باب "ما" و "لا" و "إنْ" المشبهات بليس (١):
"وزعم أبو علي أن دخول الباء الجارة على الخبر -يعني خبر "ما"- مخصوص بلغة أهل الحجاز، وتبعه في ذلك الزمخشري.
والأمر بخلاف ما زعماه لوجوه".
وقوله (٢):
"يحيى: هو الفراء، وسعيد: هو، أبو الحسن الأخفش اتفقا على جواز "إن قائمًا الزيدان"، فمذهبهما في ذلك ضعيف".
وقوله (٣):
"ونسب سيبويه قائل "إنهم أجمعون ذاهبون" إلى الغلط مع أنه من العرب الموثوق بعربيتهم.
وليس ذلك من سيبويه ﵀ بمرضي.
بل الأولى أن يخرج على أن قائل ذلك أراد".
стр. 104
وقوله (١):
وزعم قوم منهم الزمخشري، والجزولي أن بني تميم يحذفون خبر "لا" مطلقًا على سبيل اللزوم.
وليس بصحيح ما قالاه؛ لأن".
وقوله "في باب النائب عن الفاعل" (٢):
"حكى ابن السراج أن قومًا يجيزون نيابة خبر كان المفرد.
وهو فاسد، لعدم الفائدة، ولاستلزامه إخبارًا عن غير مذكور ولا مقدر".
وقوله (٣):
"يستغنى بذكر المصدر الذي له فعل عن فعله في الخبر، والدعاء، والأمر والنهي ...
والفراء يرى ذلك مطردًا غير متوقف على سماع، خبرًا كان ما يرد فيه ذلك أو طلبًا بشرط أن يكون الموضع صالحًا لوقوع الفعل فيه مجردًا.
ورأيه في ذلك عندي صواب".
وقوله (٤):
"اختار أبو الفتح ابن جني في الخصائص تقديم المفعول معه
стр. 105
على مصحوبه نحو "جاء والطيالسة البرد"، واستدل بقول الشاعر:
جمعت وفحشا غيبة ونميمة ... ثلاثة خصال لست عنها بمرعو
ومثله قول الآخر:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوأة اللقبا
ولا حجة لابن جني في البيتين لإمكان جعل الواو فيهما".
وقوله (١):
"سوى" اسم يستثنى به، ويجر ما يستثنى به لإضافته إليه، ويعرب هو تقديرًا كما تعرب "غير" لفظًا.
خلافًا لأكثر البصريين في ادعاء لزومها النصب على الظرفية، وعدم التصرف، وإنما اخترت خلاف ما ذهبوا إليه لأمرين"
وقوله (٢):
"ورود المصدر النكرة حالًا كثير كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (٣).
ولا يجوز استعماله عند سيبويه إلا بسماع.
وأجاز أبو العباس القياس على ما كان نوعًا من الفعل كـ"جئت ركضًا"
стр. 106
فيقيس عليه "جئت سرعة ورجلة".
وليس ذلك ببعيد".
وقوله (١):
إذا كان صاحب الحال مجرورًا بالإضافة لم يجز تقديم الحال عليه بإجماع.
وأكثر النحويين يقيس المجرور بحرف على المجرور بالإضافة، فيلحقه به في امتناع تقدم حاله عليه. وأجاز ذلك أبو علي في كلامه في المبسوط.
وبقوله في ذلك أقول وآخذ؛ لأن"
وقوله (٢):
وأشرت بقولي .... . . . . . . . . . .
وقديري "كما" لفعل ناصبًا.
إلى ما أنشده أبو علي في التذكرة من قول الشاعر:
وطرفك إما جئتنا فاصرفنه ... كيما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
ومثله قول الآخر:
اسمع حديثًا كما يومًا تحدثه ... عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا
وقدر أبو علي النصب بـ"كما" في البيتين، وزعم أن الأصل "كيما" فحذفت الياء.
وهذه دعوى لا دليل عليها".
стр. 107
وقوله (١):
"ولما كان إقسامهم بالله أكثر من غيره خص في القسم بدخول التاء عليه.
وتحذف جارة بغير عوض قليلًا، وبعوض كثيرًا.
ومذهب الأخفش أن الجر هنا بالعوض من الحرف لا بالحرف المحذوف ..
وهو مذهب قوي؛ لأنه".
وقوله -في حديثه عن قول الشاعر:
نهيتك عن طلابك أم عمرو ... بعاقبة وأنت إذ صحيح (٢)
"وزعم الأخفش أنه أراد "حينئذ" فحذف "حينًا"، وأبقى جر "إذ" وهذا بعيد، وغير قول الأخفش أولى بالصواب".
وقوله:
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن "قبلا" في قوله:
. . . . . . . . . . . وكنت قبلا .... . . . . . . . . . .
معرفة بنية الإضافة إلا أنه أعرب؛ لأنه جعل ما لحقه من التنوين عوضًا من اللفظ بالمضاف إليه.
وهذا عندي قول حسن".
وقوله -يرد اعتذار الشنتمري عن سيبويه للاستشهاده بقول ساعده ابن جؤية:
стр. 108
حتى شآها كليل موهنا عمل ... باتت طراباوبات الليل لم ينم
قال محمد:
وهذا عندي تكلف لا حاجة إليه".
وهكذا تبدو شخصية المصنف واضحة من خلال ما يبديه من آراء لا تكاد تخلو صفحة من صفحات الكتاب منها.
стр. 109
بعض الأصول التي بنى عليها المصنف آراءه في الكتاب:
١ - السماع حجة:
يعتد المصنف بما سمع من العرب، ويعتمد عليه في إرساء القواعد، ولا يهدره ولو كان في الاعتداد به ما يؤدي إلى مخالفة لأئمة النحو كسيبويه.
وذلك كقوله (١):
وإذا أضيف اسم زمان إلى جملة مستقبلة المعنى، وجب عند سيبويه منع كونها اسمية كما يمتنع ذلك بعد إذا.
لأن "إذ" و"إذا" هما أصلان لكل زمان أضيف إلى جملة، فإذا كان معناها المضي فالموضع لـ"إذ" فيجري مجراها.
وإن كان معناها الاستقبال فالموضع لـ"إذا" فيجري ذلك الاسم مجراها.
وهذا الذي اعتبره سيبويه بديع، لولا أن المسموع ما جاء بخلافه كقوله -تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ (٢).
وكقول سواد بن قارب ﵁
стр. 110
فكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلًا عن سواد بن قارب
وكقوله في باب الحال (١):
"وبعض النقلة يزعم أن الكوفيين لم يمنعوا تقديم حال المرفوع عليه، إلا إذا تأخر هو ورافعه عن الحال نحو "راكبًا جاء زيد"
وأما نحو "جاء راكبا زيد" فيجيزونه.
وعلى كل حال قولهم مردود بقول العرب "شتى تئوب الحلبة"
أي: متفرقين يرجع الحالبون.
وهذا كلام مروي عن الفصحاء، وقد تضمن جواز ما حكموا بمنعه، فتعينت مخالفتهم في ذلك.
وقد يعتد المصنف بالمسموع عن العرب، ولو كان غريبًا وذلك كقوله في "باب القسم" (٢).
ثم أشرت إلى أن نافي الماضي قد يحذف إذا دلت قرينة على إرادة النفي، كقول أمية بن أبي عائذ الهذلي:
فإن شئت آليت بين المقا ... م والركن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معي ... أمد به أمد السرمد
أراد: لا نسيتك.
فحذف النافي؛ لأن المعنى لا يصح إلا بتقديره؛ ولأنه لو أراد الإثبات لقال: لقد نسيتك.
وقد يحذف أيضًا نافي الجملة الاسمية إذا لم يستقم المعنى إلا بتقديره كقول عبد الله بن رواحة ﵁: