باب: التمييز
"ص":
مزيل إبهام منكر حوى ... معنى "من" التمييز نحو "كم لوى"
وأكثر (١) استعماله بعد العدد ... كذا كثيرا بعد مقدار ورد
كـ"شبر ارضا" و"قفيز برا" ... و"منوين عنجدا (٢) وتمرا"
واجرره بعد ذي ونحوها إذا ... أضفتها كـ"مد بر كال ذا"
"ش": مزيل إبهام صدق على المفعولات، والنعت الرافع للاشتراك والحال.
فخرج (٣) بـ"منكر ما سوى الحال.
стр. 772
وخرج الحال بقولي:
. . . . . . . . . . . حوى ... معنى "من" (١). . . . . . . . . . .
وخرج بقولي:
مزيل إبهام. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
اسم "لا" التبرئة فإن فيه معنى "من" لكنه ليس مزيلا لإبهام و"لوى" من قولي:
. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . "كم لوى"
منصوب المحصل (٢) على التمييز، وهو من قول الشاعر:
(٤٠٤) - حثثنا (٣) مطايانا فلم ندركم لوى ... قطعنا فهل يقضي لنا بعد ذا قرب؟
ولما كان الغرض بالتمييز رفع (٤) الإبهام، وكان الإبهام بعد العدد، والوزن والكيل والمساحة أكثر منه بعد ما سوى ذلك قوي داعي التمييز مع هذه فوقع بعدها أكثر من وقوعه بعد غيرها.
стр. 773
والعدد أولى به لوجهين:
أحدهما: أن العدد قد يميز بالكيل، والوزن والمساحة نحو: عشرين "مدا" و"ثلاثين رطلا"، و"أربعين شبرا"
والثاني: أن من مميز العدد ما يجب انتصابه على التمييز كـ"عشرين درهما".
وليس من مميز الثلاثة ما يجب انتصابه.
بل مميز الثلاثة يجوز نصبه على التمييز، وجره بالإضافة إليه.
ولذا لما مثلت بـ"شبر أرضا" و"قفيز برا" و"منوين عنجدا وتمرا" (١) قلت:
واجرره بعد ذي ونحوها إذا (٢) ... أضفتها. . . . . . . . . . .
وذلك كقولك (٣): "لا تحقرن ظلامة، ولو شبر (٤) أرض، ولا برا ولو مد بر أو رطل ملح".
"ص":
وكالثلاثة اجعلن كل وعا ... مميزا بالجر والنصب (٥) معا
стр. 774
والنصب إن لم ينو مقدار منع ... كـ"ظرف سمن فيه ماله صنع"
"ش": المراد بالثلاثة: الكيل، والوزن والمساحة وقد أجرت العرب الأوعية مجراها في الافتقار إلى مميز يستعمل تارة منصوبا، وتارة مجرورا بشرط أن يراد المقدار.
تقول: "عندي راقود (١) خلا، وراقواد خل" "وظرف سمنا، وظرف سمن"، "وحب (٢) ماء، وحب ماء".
والنصب أولى من الجر؛ لأن النصب يدل على أن المتكلم أراد: أن عنده ما يملأ الوعاء المذكور، من الجنس المذكور.
وأما الجر: فيحتمل (٣) أن يكون مراد المتكلم كمراده حين نصب (٤).
ويحتمل أن يكون مراده بيان أن عنده الوعاء الصالح للمذكور، دون ما هو وعاء له كقولك: "اشتريت ظرف سمن فارغا" و"بعت سقاء لبن مملوءا عسلا".
стр. 775
"ص":
والنصب حتم بعد ما أضيف إن ... لم يغن عما بالمضاف قد قرن
"ش": مميز المضاف إن لم يغن عن المضاف إليه تعين نصبه.
وإن أغنى عنه جاز أن يجر بإضافة المميز إليه.
فالأول نحو: "لي ملؤه (١) عسلا".
والثاني نحو: "هو أشجع الناس رجلا"، فلك في هذا أن تقول: "هو أشجع رجل".
وليس لك في الأول أن تقول: "لي ملء عسل".
"ص":
وانصبه بعد أفعل التفضيل ... إن وافق الفاعل بالتأويل
وانصبه بعد ما بـ"مثل" جر أو ... "ملء" وما ضاهاهما كما قضوا
وبعد كل ما اقتضى تعجبا ... فشا كـ"أكرم بأبي بكر أبا"
"ش": إذا حسن موضع أفعل التفضيل المذكور بعده (٢) نكرة: فعل من لفظه ومعناه، وصلح أن يسند إلى النكرة فهي تمييز.
فإن حسن موضعه "بعض" مضاف إلى جمع قائم مقام النكرة جرت بالإضافة.
стр. 776
فالأول نحو: "زيد (١) أكمل فقها" فتنصب النكرة على التمييز لأنه بمعنى: كمل فقهه.
والثاني نحو: "زيد أفضل فقيه" فتضيفه لأنه يحسن أن تجعل (٢) موضعه "بعضا" مضافا إلى جمع قائم مقام النكرة فتقول: "زيد بعض الفقهاء".
فمن نحو هذا احترزت بقولي:
وانصبه. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
أي: التمييز.
. . . . . . . . . . . بعد أفعل التفضيل ... إن وافق الفاعل بالتأويل
أي: إن كان ما بعد "أفعل" فاعلا في المعنى، كما كان "الفقه" بعد "أكمل" حين وضع موضعه "كمل".
وتقول: "لي مثل الغنم خيلا" و"ملء الجب (٣) زيتا". و"مقدار الكثيب دقيقا".
فإلى هذا ونحوه (٤) أشرت بقولي:
وانصبه بعد ما بـ"مثل" جر أو ... "ملء" وما ضاهاهما. . . . . . . . . . .
стр. 777
ومن انتصابه بعد "مثل" قول الشاعر:
(٤٠٥) - فإن خفت يوما أن يلج بك الهوى ... فإن الهوى يكفيكه مثله صبرا
وتقول: "ويل لزيد رجلا، وويحه إنسانا" و"حسبك بعمرو فارسا، وما أكرمه فتى".
وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي:
وبعد كل ما اقتضى تعجبا ... فشاك "أكرم بأبي بكر أبا"
والمراد بـ"أبي بكر": صاحب رسول الله ﷺ ﵁ وأرضاه (١).
"ص":
واجرر بـ"من" إن شئت تمييزا (٢) "سوى ... معدود أو ما الفاعلية اقتضى
لذاك "بر" من "قفيز برا" ... يجوز كونه بـ"من" منجرا
стр. 778
ونحو "نفس" من "تطيب نفسا" ... جنب "من" كذاك "شبت رأسا"
"ش": كل منصوب على التمييز فيه معنى "من" وبعضه يصلح لمباشرتها، وبعضه لا يصلح.
[كما أن كل ظرف فيه معنى "في" (١) وبعضه يصلح لمباشرتها وبعضه لا يصلح] (٢).
وقد جعلت علامة ما لا يصلح لمباشرة "من" وقوعه بعد (٣) عدد كـ"أحد عشر درهما".
وكونه فاعلا في المعنى نحو: "تطيب نفسا" و"شبت رأسا".
فإن معناهما: تطيب نفسك، وشاب رأسك.
"ص":
وعامل التمييز قدم وهو ما ... لو أسقط التمييز كان مبهما
وإن يؤخر، وهو فعل صرفا ... فابن يزيد بالجواز مقتفى
стр. 779
من ذاك "ماء" بعد "تحلبا" ... و"نفسا" الذ بـ"يطيب" (١) انتصبا
"ش": عامل التمييز ما قبله من المبهمات المفتقرة إليه. ولا يتقدم على شيء منها إذا كان غير فعل كـ"عشرين درهما"، أو فعلا غير متصرف نحو: "نعم رجلا زيد".
فإن كان الفعل متصرفا، فمذهب سيبويه (٢) منع التقديم أيضا نظرا إلى أنه في الأصل فاعل وقد أوهن بزوال رفعه، وإلحاقه لفظا بالفضلات، فلا يزاد وهنا بتقديمه على الفعل.
стр. 780
ومذهب المازني (١)، والمبرد (٢)، والكسائي جواز تقديمه؛ لأن الفعل عامل قوي بالتصرف، فمنع تقديم معموله، وليس فاعلا في اللفظ لا موجب له.
стр. 781
ولو كانت الفاعلية الأصلية موجبة للتأخير مانعة من التقدم (١) لعمل بمقتضى ذلك في نحو: "أذهبت زيدا".
فكان لا يجوز أن يقال: "زيدا أذهبت": لأن أصله: ذهب زيد ولا خلاف في أن ذلك جائز، فكذلك ينبغي أن يحكم بجواز (٢) "صدرا ضاق زيد" وما أشبهه.
ومن شواهد ذلك قول الشاعر:
(٤٠٦) - ولست إذا ذرعا أضيق بضارع ... ولا يائس عند التعسر من يسر
ومثله قول الآخر:
(٤٠٧) - وواردة كأنها عصب القطا ... تثير عجاجا بالسنابك أصهبا
(٤٠٨) - رددت بمثل السيد نهد مقلص ... كميش إذا عطفاه ماء تحلبا
стр. 782
[ومثله قول الآخر] (١):
(٤٠٩) - أتهجر ليلى للفراق حبيبها ... وما كان نفسا بالفراق يطيب (٢)
وإلى هذين (٣) أشرت بقولي:
من ذاك "ماء" بعده (٤) "تحلبا" ... و"نفسا" الذب "يطيب" انتصبا
[ومثلهما:
стр. 783
(٤١٠) - ونارنا لم ير نارا مثلها
(٤١١) - قد علمت ذاك معد كلها
نارا: (١) تمييز] والله أعلم (٢).
стр. 784
باب: حروف الجر
"ص":
هاك حروف الجر وهي "من" "إلى" (١) "حتى" ... "خلا" "حاشا" "عدا" في "عن" "على".
"مذ" "منذ" "رب" اللام والكاف و"تا" ... والواو والبا "كي" "لعل" و"متى"
ونحو يا "لولاي" مجرور لدى ... عمرو ورفعه سعيد أيدا
وأنكر استعماله (٢) المبرد ... وللمجيز حجج لا تجحد
"ش": قد تقدم في باب الاستثناء التنبيه على أن "خلا" و"عدا" و"حاشا" أفعال إذا نصبت، وحروف إذا جرت.
ثم ذكرت هنا لأنه موضع استقصاء.
стр. 785
ولكل حرف منها تفصيل يأتي إلا "كي" و"لعل" و"متى" و"لولا" فقل من يذكرهن لقلة استعمالهن وغرابتهن، وللخلاف (١) في "لولا" هل هو من جملتها أم لا؟ ولنبدأ بالكلام على هذه الأربعة فنقول:
أما "كي" فإنها استعملت (٢) حرف جر في موضعين:
أحدهما: قولهم في الاستفهام عن علة الشيء "كيمه؟ " بمعنى "لمه؟ "
فـ"كي" هنا عند جميع البصريين حرف (٣) جر دخل على "ما" فحذفت ألفها وزيدت هاء السكت وقفا.
كما يفعل مع سائر حروف الجر الداخلة على "ما" الاستفهامية.
والموضع الثاني: قولهم: "جئت كي أراك" بمعنى: "لأن أراك".
فـ"أن" المضمرة والفعل في موضع جر بـ"كي" كما يكون ذلك إذا قلت: "لأراك".
ويدل (٤) على إضمار "أن" بعد "كي" ظهورها عند الضرورة كقول الشاعر:
стр. 786
(٤١٢) - فقالت: أكل الناس أصبحت مانحا ... لسانك كيما أن تغر وتخدا
وقد وقعت حرف جر في موضع ثالث وهو قول الشاعر:
(٤١٣) - إذا أنت لم تنفع فضر فإنما ... يراد الفتى كيما يضر وينفع
أي: لضر (١) من يستحق الضر ولنفع (٢) من يستحق النفع.
فـ"ما" مصدرية. وهي وصلتها في موضع جر بـ"كي" (٣).
стр. 787
وأما "لعل" فإنها حرف جر في لغة بني (١) عقيل [كقول الشاعر:
(٤١٤) - لعل الله يمكنني علها ... جهارا من زهير أو أسيد] (٢)
روى ذلك عنهم أبو زيد (٣).
وحكى الجر بها أيضا الفراء وغيره.
ورُوي في لامها الأخيرة: الفتح والكسر، وأنشد باللغتين (٤) قول الشاعر:
(٤١٥) - لعل الله فضلكم علينا ... بشيء أن أمكم شريم
стр. 788
[الشريم: هي المفضاة] (١).
وأما "متى" فهي في (٢) لغة هذيل حرف جر بمعنى "من".
ومنه قول الشاعر:
(٤١٦) - شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج
ومن كلامهم: "أخرجها متى كمه"، يريدون (٣): من كمه.
وأما "لولا" فإذا وليها (٤) مضمر فالمشهور كونه (٥) أحد المضمرات المرفوعة المنفصلة؛ لأنه في موضع ابتداء.
قال الله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِين﴾ (٦).
стр. 789
ومن العرب من يقول: "لولاي" و"لولانا" ... إلى "لولاهن".
وزعم المبرد أنه لا يوجد ذلك في كلام من يحتج بكلامه (١).
وما زعمه مخالف لقول سيبويه (٢)، وأقوال
стр. 790
الكوفيين (١).
وأنشد سيبويه:
(٤١٧) - وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي
стр. 791
وأنشد الفراء:
(٤١٨) - أتطمع (١) فينا من أراق دماءنا ... ولولاك لم يعرض لأحسابنا (٢) حسن
وإلى هذين البيتين وأمثالهما (٣) أشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . ... وللمجيز حجج لا تجحد
ومذهب سيبويه في ياء "لولاي" وأخواتها أنها في موضع جر بـ"لولا" (٤) لأن الياء وأخواتها لا يعرف وقوعها إلا في موضع نصب أو جر.
والنصب هنا ممتنع؛ لأن الياء لا تنصب بغير اسم إلا ومعها نون الوقاية واجبة، أو جائزة.
ولا تخلو منها وجوبا إلا وهي مجرورة.
وياء "لولا" خالية منها وجوبا، فامتنع كونها منصوبة، وتعين كونها مجرورة.
стр. 792
وفي ذلك مع شذوذه (١) استيفاء حق لـ"لولا" كان فترك.
وذلك أنها مختصة بالاسم غير مشابهة للفعل، ومقتضى ذلك، أن تجر (٢) الاسم (٣) مطلقا.
لكن منع من ذلك شبهها بما اختص بالفعل من أدوات الشرط في ربط جملة بجملة.
وأرادوا التنبيه على موجب العمل في الأصل فجروا بها المضمر المشار إليه.
ومذهب الأخفش: أن الياء وأخواتها بعد "لولا" في موضع رفع نيابة عن ضمائر الرفع المنفصلة.
ونظره بنيابة المرفوع عن المجرور في قول بعضهم: "ما أنا كأنت" (٤).
стр. 793
"ص":
بالظاهر اخصص "منذ" "مذ" (١) و"حتى" ... والكاف والواو (٢) و"رب" والتا
والواو والتا باليمين خصتا ... ومع "رب الكعبة" استعمل (٣) تا
واخصص بـ"مذ" و"منذ" وقتا وبـ"رب" ... منكرا، والتاء لـ"لله" و"رب"
ولم (٤) يجر (٥) "الرب" إلا وهو ... أضيف لـ"الكعبة" فيما (٦) قد ورد
"ش": لما كان بعض الحروف المذكورة يجر الظاهر دون المضمر وجب التنبيه على ذلك.
فـ"مذ" و"منذ" لابتداء غاية الزمان إن كان ماضيا.
وللظرفية إن كان حاضرا هو أو بعضه نحو: "ما رأيته مذ يوم الجمعة، ومذ يومنا، ومذ يومين".
و"حتى" للغاية مطلقا نحو: "سرت حتى الصباح".
стр. 794
و"أكلت السمكة حتى رأسَها".
والكاف للتشبيه نحو: "زيد كالأسد".
وزائدة كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَة﴾ (١) و [قوله] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ (٢). وكقول (٣) رؤبة (٤):
(٤١٩) - لواحق الأقراب فيها كالمقق
وللتعليل كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (٥).
وجعل ابن برهان (٦) من هذا قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُون﴾ (٧) [أي: أعجب لأنه لا يفلح الكافرون] (٨).
стр. 795
كذا قدره، ثم قال:
"وحكى سيبويه: "كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه" (١) والتقدير: لأنه لا يعلم فتجاوز الله عنه.
و"ما" زائدة بين الكاف و"أن" هكذا قال ابن برهان.
ولا يقال: "مذه" ولا منذه" ولا "حتاه ولا "كه" إلا في الشعر كقول الراجز:
(٤٢٠) - ولا ترى بعلا ولا حلائلا
(٤٢١) - كه، ولا كهن إلا حاظلا
ويقال: "والله" و"تالله". ولا يقال: "وَهُ" ولا "تَهُ".
ولا يجر بـ"مذ" و"منذ" غير وقت.
ولا بـ"رب" غير نكرة معنى ولفظا (٢)، أو معنى لا لفظا
стр. 796
نحو: "ربه رجلا" و"رب رجل وأخيه".
فإن هاء: "ربه رجلا" (١) لا تدل (٢) على معين، وإن كان لفظها لفظ معرفة.
وكذا لفظ "أخيه" بعد (٣) "رجل" كلفظ معرفة، وهو في المعنى نكرة؛ لأن معناه: "رب رجل، وأخ له".
ولا يجر بالتاء إلا "الله" إلا ما حكى الأخفش من قول بعضهم: "ترب الكعبة" (٤).
"ص":
ومضمر الغيبة كاف خفضا ... في الشعر منه قول بعض من مضى
"ولا ترى بعلا ولا حلائلا ... كه ولا كهن إلا حاظلا"
و"ربه عطبا" استندر وقيس ... عليه إن شئت وحد عن ملتبس (٥)
стр. 797
"ش": استغنوا في جر الضمائر بـ"مثل".
إذ لو لم يستغنوا بـ"مثل" (١) لزمهم دخول الكاف على كاف المخاطب إذا كان مشبها به وذلك في غاية من (٢) الاستثقال.
فإذ اضطروا والضمير ضمير غائب أدخلوا عليه الكاف كقول العجاج (٣):
(٤٢٢) -[خلا الذئاب (٤) شمالا كثبا] (٥)(٤٢٣) - وأم أوعال كها (٦) أو أقربا
وكقول الآخر (٧) في حمار وحش وأتن:
(٤٢٤) - ولا ترى بعلا ولا حلائلا
(٤٢٥) - كه ولا كهن إلا حاظلا
стр. 798
وأنشد ثعلب شاهدا على "ربه رجلا".
(٤٢٦) - واه (١) رأبت وشيكا صدع أعظمه ... وربه عطبا أنقذت من عطبه
وأشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . "وقيس" ... عليه إن شئت. . . . . . . . . . .
إلى أن هذا الضمير لا بد من إفراده، وتذكيره، وتفسيره بمميز بعده على حسب قصد المتكلم فيقال. "ربه رجلا" و"ربه امرأة" و"ربه رجلين، ورجالا" و"ربه امرأتين، ونساء".
فيختلف المميز، ولا يختلف الضمير. هذا (٢) هو المشهور.
وذكر ابن الأنباري أن تطابقهما في التأنيث، والتثنية، والجمع، جائز.
стр. 799
"ص":
بعض وعلل وابتدئ بـ"من" وفي ... بدء الزمان الخلف ليس بالخفي (١)
وبعد نفي، أو كنفي نكرة ... "من" جر زائدة كـ"ما لي من ذرة"
مطلقا الأخفش زادها ومن ... أقسامها تبيين جنس لم يبن
للانتها "حتى" ولام و"إلى" ... و"من" وباء يفهمان بدلا
واجعل "إلى" أيضا كـ"عند" أو ك "مع". ... واللام مثل "عند" (٢) أو مع قد (٣) تقع]
واللام للملك، وشبهه وفي ... تعدية -أيضا- وتعليل قفي
وزيد مع مفعول ذي الواحد إن ... بالسبق أو تفريغ (٤) عامل يهن
بالبا و"في" التعليل والظرفية ... عنوا فكن ذا فظنة مرضية
стр. 800
و"في" للاستعلاء والمصاحبه (١) ... وفي استعانة لها مناسبه
وعد بالبا، واستعن وألصق ... ومثل "مع" و"من" و"عن" (٢) بها انطق
"ش": التبعيض بـ"من" كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّه﴾ (٣).
والتعليل كقوله تعالى (٤): ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيل﴾ (٥).
وابتداء الغاية في المكان كقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٦).
وابتداء الغاية في الزمان كقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيه﴾ (٧).
ومنه قول الشاعر في وصف سيوف:
стр. 801
(٤٢٧) - تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب
والمشهور من قول البصريين إلا الأخفش أن "من" لا تكون لابتداء الغاية في الزمان. بل يخصونها بالمكان.
ومذهب الكوفيين والأخفش (١) جواز استعمالها في ابتداء الغاية مطلقا وهو الصحيح لصحة السماع بذلك.
وتزاد "من" جارة لنكرة بعد نفي نحو قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ (٢).
وأشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . ... أو كنفي. . . . . . . . . . .
إلى النهي، والاستفهام بـ"هل" كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّه﴾ (٣).
стр. 802
وأشرت بقولي:
مطلقا. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
إلى ما روي عن الأخفش من جواز زيادتها -مطلقا - (١) ومن شواهد ذلك قول الشاعر:
(٤٢٨) - وكنت أرى كالموت من بين ساعة ... فكيف ببين كان موعده الحشر
أراد: وكنت أرى بين ساعة كالموت، فزاد "من".
ومثله قول الآخر:
стр. 803
(٤٢٩) - يظل به الحرباء يمثل قائما ... ويكثر فيه من حنين الأباعر
أراد: ويكثر فيه حنين الأباعر.
فزاد "من" مع الفاعل المعرفة دون نفي، ولا ما يشبهه. وروي مثل ذلك أيضا عن الكسائي.
ومثال "من" المبينة للجنس: قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَان﴾ (١).
وقوله تعالى [﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢)
ودلالة حتى و"إلى" (٣) على الانتهاء كثير.
إلا أن "إلى" أمكن من "حتى"، ولذلك يقال: "سرى زيد إلى نصف النهار، وعمرو إلى الصباح".
ولا يجر بـ"حتى" إلا آخر أو ما اتصل بآخر كقوله
стр. 804
تعالى] (١) ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٢).
ومثال الانتهاء باللام قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّى﴾ (٣).
ومثال "من" الدالة على البدل قوله تعالى (٤): ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُون﴾ (٥) أي: بدلكم.
وقول الراجز:
(٤٣٠) - جارية لم تأكل المرققا
(٤٣١) - ولم تذق من البقول الفستقا
أي: بدل البقول.
ومثال الباء الدالة على البدل قول النبي عليه
стр. 805
السلام (١):
"لا يسرني بها حمر النعم" (٢).
وقول الشاعر:
(٤٣٢) - فليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
وكون "إلى" بمعنى "عند" كقول الشاعر:
(٤٣٣) - أملا لا سبيل إلى الشباب، وذكره ... أشهى إلي من الرحيق السلسل
وكونها بمعنى "مع" كقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا
стр. 806
أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُم﴾ (١).
وكون اللام بمعنى "عند" (٢) كقوله تعالى: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُو﴾ (٣).
وكقولهم: "كان ذلك لليلة بقيت من الشهر".
ومثال كون اللام بمعنى "مع" قول الشاعر:
(٤٣٤) - فلما تفرقن كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وكونها للملك [كقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤).
وكونها لشبه الملك (٥)] كقولك: "السرج للفرس" و"القتب للبعير".
ومثال التعدية بها قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي﴾ (٦).
стр. 807
ومثال التعليل قول الشاعر:
(٤٣٥) - وإني لتعروني لذكرك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
وتزاد اللام مقوية (١) لعامل ضعف بالتأخير كقوله تعالى: [﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُون﴾ (٢) و [قوله: ] ﴿هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُون﴾ (٣).
أو بكونه فرعا كقوله تعالى: ] (٤) ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُم﴾ (٥) و [قوله: ] ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد﴾ (٦) ولا يفعل ذلك إلا بمتعد إلى واحد.
إذ لو فعل ذلك بمتعد إلى اثنين فإما أن يزاد فيهما (٧) [أو
стр. 808
في أحدهما، وفي كليهما محذور:
أما الزيادة فيهما فيلزم (١) منها] تعدية فعل واحد إلى مفعولين بحرف واحد، ولا نظير له.
وأما الزيادة في أحدهما فيلزم منها ترجيح دون مرجح، وإيهام غير المقصود فوجب اجتنابه (٢).
وإلى هذا أشرت بقولي:
وزيد مع مفعول ذي الواحد إن ... بالسبق أو تفريغ عامل (٣) يهن
ومثال التعليل بالباء و"في" قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٥).
ومثال الظرفية بهما قوله تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِين﴾ (٦). و [قوله: ] ﴿إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ
стр. 809
وَبِاللَّيْل﴾ (١).
والاستعلاء بـ"في" كقوله تعالى (٢): ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٣) وكقول عنترة (٤):
(٤٣٦) - بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوءم
ومثله قول الآخر:
(٤٣٧) - ولولا اتقاء الله بقياي فيكم ... للمتكم لوما آخر من الجمر
стр. 810
فيكم بمعنى: عليكم. و"بقياي": بدل من "اتقاء الله" ومعنى البقيا هنا: الإبقاء.
وكونها للمصاحبة كقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ (١).
وكونها لما يناسب الاستعانة كقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَأُكُمْ فِيه﴾ (٢) أي: يكثركم به. كذا قال الفراء (٣).
ومثال الباء المعدية قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم﴾ (٤).
ومثال ورودها للاستعانة قولك (٥): "كتبت بالقلم".
ومثال ورودها للإلصاق قولك: "وصلت هذا بهذا".
ومثال كونها بمعنى "من" (٦) التبعيضية قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي (٧):