← Акыда

Акыда · id 12027

صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان

محمد بشير السهسواني

Полный текст (549 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الغرب في كتابه (بيان الوهم والإيهام) بأن هذا القسم لا يحتج به كله بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف على العمل به في الأحكام، إلا إذا كثرت طرقه أو عضده اتصال عمل أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرآن، وهذا حسن قوي واثق ما أظن منصفاً يأباه دال على أن الحديث إذا وصفه الترمذي بالحسن لا يلزم أن يحتج به، لأنه أخرج حديث خيثمة البصري عن الحسن عن عمران بن حصين وقال بعده: هذا حديث حسن، وليس إسناده بذاك. وقال في كتاب العلم بعد أن أخرج حديثاً في فضل العلم: هذا حديث حسن، وإنما لم نقل هذا الحديث صحيح لأنه يقال إن الأعمش دلس فيه، فقال: حدثت عن أبي صالح عن أبي هريرة، فحكم له بالحسن للتردد الواقع فيه، وامتنع عن الحكم عليه بالصحة لذلك، لكن في كل من المثالين نظر، لاحتمال أن يكون سبب تحسينه لهما إنما جاء من وجه آخر كما تقدم تقريره، ولكن محل بحثنا هنا هل يلزم من الوصف بالحسن الحكم له بالحجة أم لا بل يتوقف، والقلب إلى ما حررة ابن القطان أميل. وأيضاً قال فيه: ثم قال –أي الحافظ في نكته على ابن الصلاح-: إنه يدل على أن الحديث إذا وصفه الترمذي بالحسن لا يلزم أن يحتج به، فإنه أخرج حديثاً من طريق خيثمة البصري عن الحسن عن عمران بن الحصين، وقال بعده: هذا حديث حسن، وليس إسناده بذاك، وقد قدمنا ذلك اهـ. وأيضاً قال فيه: على أنه لا يعزب عنك ما أسلفناه فيما صححه أو حسنه من البحث فتذكر اهـ. ومن أجل ذلك قد رد المنذري في (تلخيص سنن أبي داود) على الترمذي في غير ما موضع ولم يقبل تصحيحه وتحسينه. فمنه ما قال تحت حديث المغيرة بن شعبة إن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين: أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وذكر أبو بكر البيهقي حديث المغيرة هذا وقال: ذلك حديث منكر ضعفه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومسلم بن الحجاج. وأبو قيس الأودي اسمه عبد الرحمن بن مروان الأودي الكوفي هو وإن كان

стр. 107

البخاري قد احتج به، فقد قال الإمام أحمد بن حنبل: لا يحتج بحديثه، وسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: ليس بقوي، هو قليل الحديث وليس بحافظ، قيل له كيف حديثه؟ قال صالح، هو لين الحديث اهـ. ومنه ما قال تحت حديث علي إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، الحديث، قال الترمذي: حسن صحيح، وذكر أبو بكر البزار أنه لا يروى عن علي إلا من حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة، وحكى البخاري عن عمرو بن مرة: كان عبد الله يعني ابن سلمة يحدثنا فنعرف وننكر وكان قد كبر، لا يتابع في حديثه. وذكر الإمام الشافعي هذا الحديث وقال: وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه. وذكر الخطابي أن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ كان يوهن حديث علي هذا. ومنه ما قال تحت حديث أبي عطية قال: كان مالك بن حويرث يأتينا إلى مصلانا هذا فأقيمت الصلاة، الحديث. قال الترمذي: حسن. وسئل أبو حاتم الرازي عن أبي عطية قال: لا يعرف ولا يسمى اهـ. قلت: قال الترمذي تحت حديث أبي عطية في تعجيل الإفطار: وأبو عطية اسمه مالك بن أبي عامر الهمداني، ويقال مالك بن عامر وهو أصح. هذا آخر كلام الترمذي، فقول أبي حاتم "لا يسمى" يعارضه١. ومنه ما قال تحت حديث وائل بن حجر في باب وضع الركبتين قبل يديه: قال الترمذي: حسن، قال الدارقطني: تفرد به يزيد عن شريك ولم يحدث به عن عاصم ابن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به، وقال أبو بكر البيهقي: هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام مرسلاً، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين. قلت: قال الترمذي نفسه تحت حديث جابر إن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، قال: نعم، وشريك كثير الغلط، وقد استغرب الترمذي حديث علي "أنا دار الحكمة وعلي بابها" وأنكره من جهة تفرد شريك، ولم يحسنه.

стр. 108

ومنه ما قال تحت حديث "لا جلب ولا جنب": وأخرج الترمذي من حديث الحسن البصري عن عمران بن حصين وقال: حديث حسن صحيح. وقد ذكر علي بن المديني وأبو حاتم الرازي وغيرهما من الأئمة أن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين اهـ. قلت: قد حسن الترمذي حديث الحسن عن عمران وصححه في ما موضع، منه حديث في ميراث الجد، ومنه حديث في الكي، ومنه حديث "لا أركب الأرجوان ولا ألبس المعصفر"، ومنه حديث في الجلب على الخيل في السباق. ومنه ما قال تحت حديث سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد قال: أمر رسول الله ﷺ أن تخرص العنب كما تخرص النخل. أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. وذكر غير الترمذي أنه هذا الحديث منقطع، وما ذكره ظاهر جدا فإن عتاب بن أسيد توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر الصديق ﵁، ومولد سعيد بن المسيب في خلافة عمر سنة خمس عشرة على المشهور، وقيل كان مولده بعد ذلك، والله أعلم. ومنه ما قال تحت حديث أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سمعت رسول اله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: أنا الرحمن وهي الرحم"، وأخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح. وفي تصحيحه نظر، قال يحيى بن معين: أبو سلمة ابن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئاً، وذكر غيره أن أبا سلمة وأخاه حميداً لم يصح لهما سماع من أبيهما. ومنه ما قال تحت حديث ابن عباس ﵄ قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق. وأخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن. هذا آخر كلامه، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف، وذكر البيهقي أنه تفرد به. قلت: وقد صحح الترمذي حديث ابن أبي زياد في مواضع: منها حديث علي في المذي، وحديث أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وحديث أن العباس دخل على النبي ﷺ مغضباً. وقد حسن أيضاً حديثه في حديث إنها

стр. 109

دخلت العمرة في الحج، وفي حديث عبد الله بن عمر في التولي يوم الزحف، مع أن يزيد ليس من رجال الحسن، فكيف الصحيح؟ قال الذهبي: يزيد بن أبي زياد الكوفي أحد علماء الكوفة المشاهير المجمع على سوء حفظه، قال يحيى: ليس بالقوي، وقال أيضا: لا يحتج به، وقال ابن المبارك: ارم به، وقال شعبة: كان يزيد بن أبي زياد رفاعا١، وقال علي بن عاصم قال لي شعبة: ما أبالي إذا كتبت عن يزيد بن أبي زياد أن لا أكتبه عن أحد، وقال وكيع: يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم بن علقمة عن عبد الله –يعني حديث الرايات- ليس بشيء، وقال أحمد: حديثه ليس بذاك، وحديثه عن إبراهيم يعني في الرايات ليس بشيء. ثم ذكر حديث الرايات قال: قلت هذا ليس بصحيح. أما أحسن ما روى أبو قدامة سمعت أبا أسامة يقول في حديث يزيد عن إبراهيم في الرايات: لو حلف عندي خمسين يميناً قسامة ما صدقته أبداً، أهذا حديث إبراهيم؟ أهذا مذهب علقمة؟ أهذا مذهب عبد الله؟ قال ابن عدي: يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم يكنى أبا عبد الله، علي بن المنذر حدثنا ابن فضيل قال: كان يزيد بن أبي زياد من أئمة الشيعة الكبار، خرج له مسلم مقروناً بآخر اهـ. قال المنذري في الترغيب والترهيب: يزيد بن أبي زياد الكوفي أحد الأعلام، قال يحيى: لا يحتج به، وقال مرة: ليس بالقوي، ووهاه ابن المبارك، وقال علي بن عاصم قال لي شعبة: ما أبالي إذا كتبت عن يزيد بن أبي زياد أن لا أكتبه عن أحد، وقال أحمد: حديثه ليس بذاك، وأخرج له مسلم مقروناً، وحسن له الترمذي اهـ. قال الحافظ ابن حجر في التقريب: يزيد بن أبي زياد الهاشمي مولاهم الكوفي ضعيف، كبر فتغير، صار يتلقن، وكان شيعياً، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين٢ اهـ. قال الذهبي في الكاشف: يزيد بن أبي زياد الكوفي مولى بني هاشم عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل وابن جحيفة وابن أبي ليلى، وعنه زائدة وابن إدريس،

стр. 110

شيعي عالم فهيم صدوق رديء الحفظ لين ولم يترك اهـ. وقال في الخلاصة: يزيد بن أبي زياد الهاشمي عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل وأبي جحيفة، وعنه زائدة بن قادمة وأبو عوانة وابن فضيل، وقال: كان من أئمة الشيعة الكبار، وقال ابن عدي: يكتب حديثه، وقال الحافظ شمس الدين الذهبي: هو صدوق رديء الحفظ، قال مطين: مات سنة سبع وثلاثين ومائة، روى له مسلم مقروناً اهـ. ومنه ما قال في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر" وأخرجه الترمذي وقال صحيح، هذا آخر كلامه، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة اهـ. قلت: قال المنذري في الترغيب والترهيب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي صدوق إمام ثقة رديء الحفظ كثيراً، كذا قال الجمهور فيه. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ فاحش الخطأ فكثر المناكير في حديثه فاستحق الترك، تركه أحمد ويحيى كذا قال اهـ. قال الحافظ في التقريب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي أبو عبد الرحمن صدوق سيء الحفظ جدا اهـ. وقال في الخلاصة: قال أبو حاتم: محله الصدق، شغل بالقضاء فساء حفظه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال العجلي: كان فقيهاً صاحب سنة جائز الحديث اهـ. وقال الذهبي في الكاشف: قال أحمد سيء الحفظ، وقال أبو حاتم محله الصدق اهـ. ومنه ما قال تحت حديث واثلة بن الأسقع ﵁ في ميراث ابن الملاعنة: قال الترمذي: حسن، وفي إسناده عمرو بن رؤبة التغلبي قال البخاري: فيه نظر، وسئل أبو حاتم الرازي فقال: صالح الحديث. قيل تقوم به الحجة؟ فقال: لا ولكن صالح، وقال الخطابي: وهذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل، وقال البيهقي: لم يثبت البخاري ولا مسلم هذا الحديث لجهالة بعض رواته اهـ. ومنه ما قال تحت حديث عائشة ﵂ في تقبيل الميت: قال الترمذي حسن صحيح، وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب وقد تكلم

стр. 111

فيه غير واحد من الأئمة اهـ. ومنه ما قال تحت حديث أبي صالح عن ابن عباس في زيارة النساء القبور: قال الترمذي حديث حسن، وفيما قاله نظر، فإن أبا صالح هذا هو باذام ويقال باذان مولى أم هانئ بنت أبي طالب وهو صاحب الكلبي، وقد قيل: إنه لم يسمع من ابن عباس، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، وقال ابن عدي: ولا أعلم أحداً من المتقدمين رضيه، وقد قيل عن يحيى بن سعيد القطان وغيرها: بخير أمره ولعله براضيه١، حجة أو قال هو ثقة اهـ. وقال الذهبي في الميزان: باذام أبو صالح تابعي ضعفه البخاري، وقال النسائي: باذام ليس بثقة، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه تفسير. قلت: روى عن مولاته أم هانئ وأخيها علي وأبي هريرة، وعنه مالك بن مغول وسفيان الثوري وابن أخته عمار بن محمد، وقال يحيى القطان: لم أر أحداً من أصحابنا ترك أبا صالح مولى هانئ. وقال محمد بن قيس عن حبيب بن أبي ثابت: كنا نسمي أبا صالح باذام مولى أم هانئ: دروغ زن، وقال زكريا بن أبي زائدة: كان الشعبي يمر بأبي صالح فيأخذ بأذنه فيهزها ويقول له: ويلك تفسر القرآن وأنت لا تحفظ القرآن! وقال إسماعيل بن أبي خالد: كان أبو صالح يكذب، فما سألته عن شيء إلا فسره لي. وروى ابن إدريس عن الأعمش قال: كنا نأتي مجاهداً فنمر على أبي صالح وعنده بضعة عشر غلاماً ما نرى أن عنده شيئاً، ابن المديني سمعت يحيى بن سعيد يذكر عن سفيان قال: قال الكلبي قال لي أبو صالح: كل ما حدثتك كذب: وروى مفضل بن مهلهل عن مغيرة قال: إنما كان أبو صالح صاحب الكلبي يعلم الصبيان، وضعف تفسيره، وقال ابن معين: إذا روى عنه الكلبي فليس بشيء، وقال عبد الحق في أحكامه ضعيف جداً، فأنكر هذه العبارة عليه أبو الحسن بن القطان.

стр. 112

ومنه ما قال تحت حديث عبد الله بن مالك عن عقبة بن عامر في باب النذر في المعصية قال الترمذي: حديث حسن، وفي إسناده عبد الله بن زحر وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قلت: قال المنذري في الترغيب والترهيب: عبيد الله بن زحر قال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن زيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد عبيد الله وعلي بن زيد والقاسم ابن عبد الرحمن لم يكن ذلك الحديث إلا مما عملت أيديهم. وقال الدارقطني: ليس بالقوي اهـ. وقال ابن عدي: يقع في أحاديثه ما لا يتابع عليه، كذا في الخلاصة. ومنه ما قال تحت حديث الحسن عن سمرة ﵁ في الشفعة: قال الترمذي: حسن صحيح، هذا آخر كلامه. وقد تقدم اختلاف الأئمة في سماع الحسن من سمرة، والأكثر على أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة اهـ. قلت: قد حسن الترمذي وصحح حديث الحسن عن سمرة في غير ما موضع، ومنها حديث في الصلاة الوسطى، وحديث في السكتتين، وحديث في غسل يوم الجمعة، وحديث: نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وحديث "جار الدار أحق بدار الجار"، وحديث "لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار"، فأكثر المحدثين لم يقبلوا تصحيحه في تلك الأحاديث. ومنه ما قال تحت حديث عمر بن حرملة عن ابن عباس في "باب ما يقول إذا شرب اللبن" قال الترمذي: حسن، وعمر بن حرملة -ويقال ابن أبي حرملة- سئل عنه أبو زرعة الرازي فقال: بصري لا أعرفه إلا في هذا الباب، وفي إسناده أيضاً علي بن زيد بن جدعان أبو الحسن البصري، وقد ضعفه جماعة من الأئمة اهـ. ومنه ما قال تحت حديث ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ الحديث، قال الترمذي: حسن، وفي إسناده خصيف وهو ابن عبد الرحمن الجزري وقد تكلم فيه غير واحد. ومنه ما قال في (كتاب الحمام) وأما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي وقال

стр. 113

حسن، وفي إسناده أبو يحيى القتات، واسمه عبد الرحمن بن دينار –وقيل اسمه زاذان، وقيل عمران وقيل غير ذلك- وقد تكلم فيه غير واحد اهـ. ومنه ما قال تحت حديث سهل بن معاذ بن أنس في كتاب اللباس، قال الترمذي: حسن، وسهل بن معاذ بصري ضعيف، والراوي عنه أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون بصري أيضاً لا يحتج به اهـ. قال الذهبي في الميزان: سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه ضعفه ابن معين، وقال ابن حبان في الثقات: لست أدري أوقع التخليط منه أو من صاحبه زبان بن فائد. ومنه ما قال تحت حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: مر على النبي ﷺ رجل عليه ثوبان أحمران فسلم، الحديث، قال الترمذي: حسن. وفي إسناده أبو يحيى القتات وهو كوفي لا يحتج بحديثه، وقال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلم يروى بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بن عمرو، ولا نعلم له طريقاً إلا هذه الطريق، ولا نعلم رواه عن إسرائيل إلا إسحاق بن منصور اهـ. ومنه ما قال تحت حديث أبي عبيدة وهو ابن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود في باب الأمر والنهي قال الترمذي: حسن. وقد تقدم أن أبا عبيدة ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، فهو منقطع اهـ. قال الحافظ في التقريب: والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه اهـ. ومنه ما قال تحت حديث عبد الله بن محيريز عن فضالة بن عبيد في تعليق يد السارق في عنقه. قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن علي المقدمي عن الحجاج بن أرطأة. وقال النسائي: الحجاج بن أرطأة ضعيف لا يحتج بحديثه، قاله غير واحد من الأئمة. ومنه ما قال تحت حديث عبد الله بن سراقة عن أبي عبيدة بن الجراح في الدجال، قال الترمذي: حسن، وذكر البخاري أن عبد الله بن سراقة لا يعرف له سماع من أبي عبيدة. ومنه ما قال تحت حديث عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه في باب الصبي يولد فيؤذن

стр. 114

في أذنه، قال الترمذي: حسن صحيح، وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد غمزه الإمام مالك، وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج بحديثه، وتكلم فيه غيرهما، وانتقد عليه أبو حاتم محمد بن حبان البستي رواية هذا الحديث وغيره اهـ. قال الحافظ في التقريب: عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني ضعيف من الرابعة اهـ، قال الذهبي في الميزان عفان١ قال كان شعبة يقول: عاصم بن عبيد الله لو قلت له: من بنى مسجد البصرة؟ فيقول: أنبأنا فلان عن فلان أن رسول الله ﷺ بناه. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: منكر الحديث، قال الدارقطني يترك وهو مغفل، وقال ابن عدي: هو مع ضعفه يكتب حديثه، وقال العجلي: لا بأس به، وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه. ومنه ما قال تحت حديث ابن عباس في اتباع الصيد، قال الترمذي: حسن، وفي إسناده أبو موسى عن وهب بن منبه ولا نعرفه. قال الحافظ أبو أحمد الكرابيسي: حديثه ليس بالقائم اهـ، قال الحافظ في التقريب: أبو موسى عن وهب بن منبه مجهول من السادسة اهـ. ومنه ما قال تحت حديث عامر وهو الشعبي قال أخبرني عروة بن مضرس الطائي قال أتيت رسول الله ﷺ بالموقف يعني بجمع٢ قلت: جئت يا رسول الله من جبلى طيء، الحديث، قال الترمذي: حسن صحيح. هذا آخر كلامه، وقال علي بن المديني: عروة بن مضرس لم يرو عنه الشعبي. والله أعلم اهـ. قلت: قد راجعت سنن أبي داود فوجدت فيه من رواية إسماعيل أنبأنا عامر أخبرني عروة بن مضرس. وراجعت سنن الترمذي فوجدت فيه هكذا عن داود بن أبي هند وإسماعيل بن أبي خالد وزكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن عروة بن مضرس

стр. 115

ابن أوس بن حارثة بن لأم الطائي اهـ. ومنه ما قال تحت حديث أبي سعيد في ذكاة الجنين، قال الترمذي: حديث حسن، هذا آخر كلامه. وفي إسناده مجالد بن سعيد الهمداني وقد تكلم فيه غير واحد اهـ. ومنه ما قال تحت حديث أبي واقد في صيد قطع منه قطعة، قال الترمذي: حسن، وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار المديني قال يحيى بن معين: في حديثه ضعف، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به اهـ. قال ابن عدي: هو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء. كذا في الخلاصة. ومنه ما قال تحت حديث سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي في الظهار، قال الترمذي: حسن، وقال محمد -يعني البخاري-: سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر، وقال البخاري أيضاً: هو مرسل، سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر. ومنه ما قال تحت حديث قيس بن طلق عن أبيه في السحور، أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب، وقيس هذا قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة اهـ. ومنه ما قال تحت حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه في السواك للصائم، أخرجه الترمذي وقال: حسن. وفي إسناده عاصم بن عبيد الله وقد تكلم فيه غير واحد اهـ. ومنه ما قال تحت حديث يونس بن عبيد مولى محمد بن القاسم قال: بعثني محمد بن القاسم إلى البراء بن عازب اهـ. في باب الرايات والألوية. قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة. هذا آخر كلامه، وأبو يعقوب الثقفي هذا كوفي، وقال ابن عدي الجرجاني: روى عنه الثقات ما لا يتابع عليه، وقال أيضاً أحاديث غير محفوظة اهـ. قال الذهبي في الميزان: إسحاق بن إبراهيم الثقفي الكوفي عن ابن المنكدر وأبي إسحاق وعنه أبو نعيم وطائفة، قال ابن عدي: روى عن الثقات ما لا يتابع عليه اهـ.

стр. 116

وللترمذي أحاديث أخر صححها أو حسنها وليست بحرية للتصحيح والتحسين: (منها) حديث إسماعيل بن عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه عن جده "إن التجار يبعثون فجاراً إلا من اتقى الله وبر" ما علمت روى عنه سوى عبد الله بن عثمان ابن خثيم، ولكن صحح هذا الترمذي، قاله الذهبي في الميزان. (ومنها) أن الترمذي حسن حديث جميع بن عمير التيمي وفيه كلام شديد، قال الذهبي في الميزان: قال ابن حبان: رافضي يضع الحديث، وقال ابن نمير: كان من أكذب الناس، كان يقول الكراكي تفرخ في السماء ولا تقع فراخها، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه اهـ ملخصاً. (ومنها) أن الترمذي صحح حديث حفص بن عبد الله عن عمران بن حصين في النهي عن التختم بالذهب، وهو حفص الليثي ما علمت روى عنه سوى أبي التياح، ففيه جهالة، قاله الذهبي في الميزان. (ومنها) حديث حنظلة السدوسي البصري: أينحني بعضنا لبعض؟ قال يحيى القطان: تركته عمداً كان قد اختلط، وضعفه أحمد وقال: منكر الحديث يحدث بأعاجيب، وقال ابن معين: ليس بشيء، تغير في آخر عمره، وقال النسائي: ليس بقوي، وقال مرة: ضعيف. قاله الذهبي في الميزان. (ومنها) حديث "صلاة في مسجد قباء كعمرة" في سنده زياد أبو الأبرد عن أسيد بن ظهير، وهذا حديث منكر، ورى عنه عبد الحميد بن جعفر فقط. (ومنها) حديث "الفريعة في العدة" قال الذهبي: زينب بنت كعب بن عجرة ما روى عنها سوى سعد بن إسحاق حديث الفريعة في العدة، قال ابن حزم مجهولة، وقال ت١: تحديثها صحيح.

стр. 117

(ومنها) حديث ابن مسعود "لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا"، حسنه الترمذي، مع أن في سنده سعد بن الأحزم الطائي الكوفي وهو مجهول ذكره الذهبي في الميزان فقال: تفرد عنه ولده مغيرة ا.?. (ومنها) حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ للعباس: "إذا كان غداة الإثنين فائتني أنت وولدك" الحديث أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. أنكر هذا الحديث على رواية عبد الوهاب ابن عطاء حتى قال ابن معين: موضوع. كذا في الخلاصة. (ومنها) حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "من سبح مائة بالغداة ومائة بالعشي كان كمن حج حجة" الحديث، قال الذهبي في الميزان: رواه الترمذي عن محمد بن وزير وحسنه فلم يصنع شيئاً اهـ. (ومنها) حديث عثمان في تخليل اللحية، فإن الترمذي حسنه وصححه، مع أن في سنده عامر بن شقيق ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال النسائي: ليس به بأس، كذا في الميزان، والراجح فيه الضعف، قال الحافظ في التقريب: لين الحديث، وقال أحمد: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح، وقال أبو حاتم: لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية شيء. (ومنها) حديث أنس أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة اهـ. في سنده سلمة بن الفضل الأبرش قاضي الري، وراوي المغازي عن ابن إسحاق يكنى أبا عبد الله، ضعفه ابن راهويه، قال البخاري: في حديثه بعض المناكير، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن المديني: ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديث سلمة، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أبو زرعة: كان أهل الري لا يرغبون فيه لسوء رأيه وظلم فيه، كذا في الميزان، وقال الحافظ في التقريب: سلمة بن الفضل الأبرش بالمعجمة مولى الأنصار قاضي الري صدوق كثير الخطأ اهـ. وفي سنده حميد أيضاً وهو مدلس، وقد عنعنه، وفيه محمد بن إسحاق وهو أيضاً مدلس وقد عنعنه.

стр. 118

هذا كله كلام على تحسين الترمذي وتصحيحه، ولو سلم أن تحسين الترمذي وتصحيحه حقيق بالقبول فلا يقبل تحسينه لحديث عطية بالخصوص لظهور علة قادحة. قال في تنقيح الأنظار: اعلم أن التصحيح على ضربين: أحدهما أن ينص على صحة الحديث أحد الحفاظ المرضيين المأمومين فقبل ذلك منه للإجماع وغيره من الأدلة الدالة على وجوب قبول خبر الآحاد كما ذلك مبين في موضعه، إلا أن تظهر علة قادحة في صحة الحديث من فسق في الراوي خفي على من صحح حديثه أو تغفل كثيراً وغير ذلك من المانع من قبول الثقات اهـ. وقال في توضيح الأفكار: حاصله أن قبول خبر العدل بأن الحديث صحيح مقتض للعمل به ما لم يعارضه المانع. انتهى. ومن موجبات ضعف حديث عطية العوفي أنه قد روى عنه حديثان منكران ضعيفان جداً حتى قيل إنهما موضوعان، ورجال سندهما كلهم ثقات غير عطية فهما من بلاياه: (أحدهما) ما ذكره الذهبي في الميزان في ترجمة الحكم بن فضيل ونصه: حدثنا القاسم بن زكريا عن سويد أنبأنا الحكم بن فضيل حدثنا عطية عن أبي سعيد مرفوعاً "اليدان جناح، والرجلان بريد، والأذنان قمع، والعينان دليل، واللسان ترجمان، والطحال ضحك، والرئة نفس، والكليتان مكر، والكبد رحمة، والقلب ملك، فإذا فسد الملك فسد جنوده"، قلت: وقد وثقه أبو داود، وعطية واه. قال الخطيب: الحكم بن فضيل واسطي سكن المدائن يكنى أبا محمد عن سيار أبي الحكم ويعلى بن عطاء روى عنه عاصم بن علي ومحمد بن أبان الواسطي، وقال: كان من العباد. هذا آخر كلام الذهبي، فعلم أن ضعف هذا الحديث ليس من قبل الحكم بن فضيل بل من جهة عطية. و (ثانيهما) ما ذكره الذهبي أيضاً في الميزان في ترجمة سلام بن سليمان١ ونصه هكذا: أخبرنا عبد الرحمن بن مخلد بن كنانة أخبرنا عبد الصمد بن محمد سنة تسع

стр. 119

وستمائة أنبأنا عبد الكريم بن حمزة أنبأنا عبد العزيز بن أحمد أنبأنا تمام أنبأنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد حدثنا سلام ابن سليمان حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يوم السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم عرس وبناء، ويوم الإثنين يوم سفر، ويوم الثلاثاء يوم حديد وبأس، ويوم الأربعاء يوم الأخذ والإعطاء، ويوم الخميس يوم طلب الحوائج ودخول على السلطان، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح"، وقال النسائي في الكنى: أنبأنا العباس بن الوليد حدثنا سلام بن سليمان ثقة مدائني، وقال ابن عدي: سلام بن سليمان عامة ما يرويه حسان، إلا أن أنه لا يتابع عليه، كذا في الميزان. فعلم أن هذا البلاء ما جاء من قبل سلام بن سليمان إنما جاء من قبل عطية. و (الثاني) أن في سنده فضيل بن مرزوق وهو ممن اختلف فيه، قال الذهبي في الميزان قال النسائي: ضعيف، وكذا ضعفه عثمان بن سعيد. قلت: كان معروفاً بالتشيع من غير سب، وقال أبو عبد الله الحاكم: فضيل بن مرزوق ليس من شرط الصحيح، عيب على مسلم إخراجه في الصحيح، وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً، كان ممن يخطئ على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات. قلت: عطية أضعف منه، قال ابن عدي إنه إذا وافق الثقات يحتج به، وروى أحمد بن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. انتهى ملخصاً. وأيضاً قال في الميزان: فضيل بن مرزوق الرقاشي هو الأول روى عطية وضعف، وهم من فرّقهما اهـ. وقال أبو حاتم: صدوق يهم كثيراً يكتب حديثه ولا يحتج به كذا في التهذيب. وقال الحافظ في التقريب: صدوق يهم، ورمي بالتشيع اهـ. والقول الراجح فيه ما قاله ابن عدي من أنه إذا وافق الثقات يحتج به، وفي روايته هذا الحديث لا يعلم أحد تابعه، ومن يدعي فعليه البيان. و (الثالث) أن في سنده الفضل بن موفق عن مسعر، ضعفه أبو حاتم، كذا في الميزان والترغيب والترهيب للمنذري والكاشف والتلخيص. فإن قلت: قد وثقه

стр. 120

ابن حبان كما ذكر المنذري في الترغيب والترهيب، قلت لا اعتداد بتوثيق ابن حبان إذا تفرد به. قال الذهبي في الميزان في ترجمة عمارة بن حديد: ولا تفرح بذكر ابن حبان له بين الثقات فإن قاعدته معروفة من الاحتجاج بمن لا يعرفه اهـ. و (الرابع) أن الأشبه أن هذا الحديث موقوف، قال الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي الكوفي: وله عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "إذا خرج الرجل من بيته قال: اللهم بحق السائلين عليك وبحق ممشاي" خالفه أبو نعيم رواه عن فضيل فما رفعه، قال أبو حاتم: وقفه أشبه اهـ. والموقوف ليس بحجة عند المحققين. و (الخامس) أن عطية مدلس وقد عنعنه فلا يقبل. فإن قلت: قال الحافظ ابن حجر في تخريج الأذكار: في كتاب الصلاة لأبي نعيم عن فضيل عن عطية قال حدثني أبو سعيد فذكره، لكن لم يرفعه، فقد أمن بذلك تدليس عطية العوفي. قلت: لا يحصل الأمن من تدليس عطية، فإن عطية يكنى محمد بن السائي الكلبي أبا سعيد، فكان إذا حدث عنه يقول حدثني أبو سعيد فيوهم أنه أبو سعيد الخدري كما تقدم. على أن الحديث على ذلك التقدير موقوف لا مرفوع، فإذا لا أظنك شاكاً في الحكم بضعف هذا الحديث، ومن ثم صدّر المنذري هذا الحديث في باب الترغيب في المشي إلى المساجد بلفظ: "روي"، وأهمل الكلام عليه في آخره، وهما عنده دلالتان للإسناد الضعيف كما قال في ديباجة الكتاب، وصرح النووي في الأذكار بضعفه، فبطل قول صاحب الرسالة١ "بسند صحيح". قوله: وروى الحديث المذكور أيضا ابن السني بإسناد صحيح عن بلال ﵁ مؤذن رسول الله ﷺ ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا خرج، الحديث. أقول: القول بصحة إسناده خطأ بين، وغلط فاحش، فإن هذا الحديث أشد

стр. 121

ضعفاً من حديث أبي سعيد الخدري، قال النووي في الأذكار: حديث ضعيف، أحد رواته الوازع بين نافع العقيلي وهو متفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث اهـ. قال الحافظ في شرح الأذكار بعد تخريجه من طريق ابن السني بهذا اللفظ: هذا حديث واه أخرجه الدارقطني في الأفراد من هذا الوجه، وقال: تفرد به الوازع، وهو متفق على ضعفه وأنه منكر الحديث، قال الحافظ: والقول فيه أشد من ذلك، فقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم وجماعة: متروك، وقال الحاكم: روى أحاديث موضوعة، قال ابن عدي: أحاديثه كلها غير محفوظة. قال الحافظ: وقد اضطرب في هذا الحديث فأخرجه أبو نعيم في اليوم والليلة من وجه آخر عنه فقال عن سالم بن عمر عن بلال –محل قوله في الطريق الأول: عن نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عن بلال- قال الحافظ ولم يتابع عليه. كذا في الفتوحات الربانية. وفي (كتاب الجرح والتعديل) لأبي حاتم: الوازع بن نافع العقيلي أصله من المدينة سكن الجزيرة، يروي عن سالم بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وروى عنه أهل الجزيرة، وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات على قلة روايته، ويشبه أنه لم يكن المتعمد لذلك، بل وقع في روايته لكثرة وهمه، فبطل الاحتجاج به لما انفرد به عن الثقات بما ليس من أحاديثهم. حدثنا الحنبلي قال حدثنا أحمد بن زهير عن يحيى بن معين قال: وازع بن نافع ليس بثقة، ثم نقل عنه أحاديث تكلم في إسناد بعضها بأنه موضوع أو مقلوب اهـ. كذا في الفتوحات الربانية، وقال الذهبي في الميزان: الوازع بين نافع العقيلي الجزيري روى عن أبي سلمة وسالم بن عبد الله وعنه علي بن ثابت وبقية وجماعة، قال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال: ليس بثقة. قال ابن عدي: عامة ما يرويه الوازع غير محفوظ اهـ ملخصاً. وقال الدارقطني في سننه: الوازع بن نافع ضعيف الحديث. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وهو ضعيف. وقال أيضاً: وهو متروك. وقال أيضاً: مجمع على ضعفه.

стр. 122

قوله: ومما جاء عنه ﷺ من التوسل أنه كان يقول في بعض أدعيته: بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي -إلى قوله- وهذا الفظ قطعة من حديث طويل رواه الطبراني في الكبير والأوسط وابن حبان والحاكم وصححوه. أقول: قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن أنس بن مالك قال: لما توفيت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها فقال: "رحمك الله يا أمي كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعينني، وتعرين وتكسونني، وتمنعين نفسك طيباً وتطعمينني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة"، ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله ﷺ بيده ثم خلع رسول الله ﷺ قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه، ثم دعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ فاضطجع فيه ثم قال: "الله الذي يحيى ويميت وهو حي لا يموت، اللهم اغفر لي ولأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين" وكبر عليها وأدخلوا بها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق ﵄، رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ. وقال الذهبي في الميزان: روح بن صلاح المصري يقال به ابن سبابة، ضعفه ابن عدي، يكنى أباب الحارث، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحاكم: ثقة مأمون اهـ. فقد علم بذلك أن في سنده روح بن صلاح المصري وهو ضعيف ضعفه ابن عدي، وهو داخل في القسم المعتدل من أقسام من تكلم في الرجال كما في فتح المغيث للسخاوي، ولا اعتداد بذكر ابن حبان له في الثقات، فإن قاعدته معروفة من الاحتجاج بمن لا يعرف كما في الميزان، وقد تقدم. وكذلك لا اعتداد بتوثيق الحاكم وتصحيحه فإنه داخل في القسم المتسمح، قال السخاوي: وقسم منهم متسمح كالترمذي

стр. 123

والحاكم اهـ. قال السيوطي في تدريب الراوي: وهو متساهل، فما صححه ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحاً ولا تضعيفاً حكمنا بأنه حسن، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه. قال البدر بن جماعة: والصواب أنه يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الضعف أو الصحة. ووافقه العراقي وقال: إن حكمه عليه بالحسن فقط تحكم، قال: إلا أن ابن الصلاح قال ذلك بناء على رأيه أنه انقطع التصحيح في هذه الأعصار، فليس لأحد أن يصححه، فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه. والعجب من المصنف كيف وافقه هنا مع مخالفته له في المسألة المبني عليها كما سيأتي اهـ. وليعلم أن في هذا الباب أيضا حديث أبي أمامة فيه: "أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض وبكل حق هو لك وبحق السائلين عليك" رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وفيه فضالة بن جبير وهو ضعيف مجمع على ضعفه اهـ. قال الذهبي في الميزان: فضالة بن جبير أبو المهند الغداني صاحب أبي أمامة، قال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة، وقال ابن حبان لا يحل الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل لها، وروى الكناني عن أبي حاتم الرازي قال: ضعيف الحديث. انتهى ملخصاً. وفي الباب حديث أن ابن عباس قال: سألت النبي ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه١ قال: "سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت عليّ، فتيب عليه"، قال الدارقطني: تفرد به عمرو بن ثابت، وقد قال يحيى: إنه لا ثقة ولا مأمون، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات، كذا في الفوائد المجموعة للشوكاني. قال الذهبي في الميزان: عمرو بن ثابت أبي المقدام بن هرمز الكوفي يكنى أبا ثابت، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة ولا مأمون، وقال النسائي:

стр. 124

متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات، وقال أبو داود: رافضي، وقال البخاري ليس بالقوي عندهم. وقال هناد: كتبت عنه كثيراً فبلغني أنه كان عند حبان بن علي فأخبرني من سمعه يقول: كفر الناس بعد رسول الله ﷺ إلا أربعة، فقيل لحبان: ألا تنكر عليه؟ فقال حبان: هو جليسنا. ولما تكلم عمرو بهذا أخذ يتنادم١ يعني حبان. وقال ابن المبارك: لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف. وقال الفلاس: سألت عبد الرحمن عن حديث لعمرو بن ثابت فأبى أن يحدث عنه. وروى معاوية ابن صالح عن يحيى قال: عمرو بن ثابت لا يكذب في حديثه. وفي سؤالات الآجري أبا داود عنه فقال: رافضي خبيث. وقد روى إسماعيل بن أبي خالد وسفيان عنه كذا. انتهى ملخصاً. قوله: ومن الأحاديث الصحيحة التي جاء التصريح فيها بالتوسل ما رواه الترمذي والنسائي والبيهقي والطبراني بإسناد صحيح عن عثمان بن حنيف وهو صحابي مشهور رضي الله تعالى عنه أن رجلاً ضريراً أتى النبي ﷺ فقال: "ادع الله أن يعافيني" فقال: "إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير" قال فادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد أني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى، اللهم شفعه فيّ"، فعاد وقد أبصر، إلى قوله: ففي هذا الحديث التوسل والنداء أيضاً. أقول: في سنده أبو جعفر، فإن كان هو عيسى بن أبي عيسى ماهان أبو جعفر الرازي التميمي –كما ظنه الحافظ ابن حجر في التقريب- فالأكثرون على ضعفه. قال الذهبي في الميزان: عيسى بن أبي عيسى ماهان الرازي صالح الحديث، روى عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح وقتادة وجماعة، ولد بالبصرة واستوطن الري. روى عنه ابنه عبد الله وأبو نعيم وأبو أحمد الزبيري وعلي بن الجعد وآخرون، قال ابن معين:

стр. 125

ثقة، وقال أحمد والنسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن المديني: ثقة كان يخلط. وقال مرة: يكتب حديثه، إلا أنه يخطئ. وقال الفلاس: سيء الحفظ. وقال ابن حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير. وقال أبو زرعة: يهم كثيراً. وروى حاتم بن إسماعيل وهاشم أبو النضر وحجاج بن محمد وغيره عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره عن النبي ﷺ حديثاً طويلاً في المعارج وفيه ألفاظ منكرة اهـ. وقال الحافظ في التقريب في ترجمة الرازي التميمي: أبو جعفر الرازي التميمي مولاهم مشهور بكنيته، واسمه عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، وأصله من مرو وكان يتجر إلى الري، صدوق سيء الحفظ خصوصاً عن مغيرة، من كبار السابعة مات في حدود الستين اهـ. وقال في الكاشف: أبو جعفر الرازي مولى تميم عيسى بن أبي عيسى مروزي يتجر إلى الري، عن عطاء وابن المنكدر، وعنه ابنه عبد الله وأبو أحمد الزبير وعبد الرحمن الفتكي، قال أبو زرعة: يهم كثيراً، وقال النسائي: ليس بالقوي، ووثقه أبو حاتم اهـ. قال في الخلاصة: أبو جعفر التميمي مولاهم الرازي اسمه عيسى عن عطاء وعمرو بن دينار وقتادة، وعنه أبو عوانة وشعبة، وقال ابن معين: ثقة، قال الفلاس: سيء الحفظ، قال ابن المديني: يخلظ عن المغيرة اهـ. وإن كان أبا جعفر المدني كما في سنن ابن ماجه –ولكن النسخة التي رأيت فيها سقيمة جداً- فهو مجهول لأن الذهبي قال في الميزان في ترجمته: روى عنه يحيى بن أبي كثير وحده. على أن قول الذهبي هذا يرد هذا الاحتمال، فإن الراوي عنه في الحديث المتنازع فيه هو شعبة لا يحيى بن أبي كثير. وأما ما في التقريب من أن أبا جعفر المؤذن الأنصاري المدني مقبول من الثالثة، ومن زعم أنه محمد بن علي بن الحسين فقد وهم انتهى، وما في الخلاصة ومن أن أبا جعفر الأنصاري المؤذن المدني عن أبي هريرة، وعنه يحيى بن أبي كثير حسن الترمذي حديثه اهـ، فلا تقتضى أنه ممن يحتج به، فإن لفظ مقبول من ألفاظ المرتبة

стр. 126

السادسة التي يكتب حديثها للاعتبار لا للاحتجاج بها، وتحسين الترمذي لا يغني عنك شيئاً لما قد عرفت فيما تقدم من الكلام فيه. على أنه لا يعرف رواية شعبة عن أبي جعفر المدني هذا، ولا رواية أبي جعفر هذا عن عمار بن خزيمة. وإن كان رجلاً آخر فلا بد من تعيينه حتى ينظر فيه، فإن قلت قال الترمذي حديث حسن صحيح، ورواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، كذا في الترغيب والترهيب للمنذري، قلت: قد عرفت ما في تصحيح الترمذي والحاكم من التساهل، وأما رواية ابن خزيمة في صحيحه فلا تقتضي الصحة مطلقاً. قال في توضيح الأفكار: ونقل العماد ابن كثير أيضاً أن ابن حبان وابن خزيمة التزما الصحة وهما خير من المستدرك بكثير وأنظف إسنادا ومتونا، وعلى كل حال فلا بد للمتأهل من الاجتهاد والنظر ولا يقلد هؤلاء ومن نحا نحوهم، فكم حكم ابن خزيمة بالصحة لما لا يرتقي عن رتبة الحسن، بل فيما صححه الترمذي من ذلك جملة، مع أنه يفرق بين الحسن والصحيح اهـ. قلت: فلا تأخذ ما قاله المصنف والزين وغيرهما مما ذكروه حكماً كلياً اهـ. قوله: وليس لمنكر التوسل أن يقول إن هذا إنما كان في حياة النبي ﷺ ، لأن قوله ذلك غير مقبول، لأن هذا الدعاء استعمله الصحابة ﵃ والتابعون أيضاً بعد وفاته ﷺ لقضاء حوائجهم، فقد روى الطبراني والبيهقي أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في زمن خلافته في حاجة، فكان لا يلتفت إليه ولا ينظر إليه في حاجته، فشكا ذلك لعثمان بن حنيف الراوي للحديث المذكور فقال: ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك لتقضى حاجتي. وتذكر حاجتك"، إلى قوله: فهذا توسل ونداء بعد وفاته ﷺ . أقول: هذا الحديث قال الطبراني عقبه والحديث صحيح بعد ذكر طرقه التي روى بها، كذا في مجمع الزوائد والترغيب والترهيب للمنذري، ولكن في سنده روح بن

стр. 127

صلاح وقد ضعفه ابن عدي كما تقدم. قوله: وروى البيهقي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن الناس أصابهم قحط في خلافة عمر ﵁، فجاء بلال بن الحارث ﵁ وكان من أصحاب النبي ﷺ إلى قبر النبي ﷺ وقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم هلكوا، فأتاه رسول الله ﷺ في المنام وأخبره أنهم يسقون. أقول: قال الحافظ في الفتح: وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري وكان خازن عمر ﵁ قال: أصاب الناسَ قحط في زمن عمر ﵁، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر الحديث. وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة. انتهى. فعلم أن ما روي بإسناد صحيح ليس فيه أن الجائي أحد الصحابة، وما فيه أن الجائي أحد الصحابة ضعيف غاية الضعف. قال الذهبي في الميزان: سبق بن عمر الضبي الأسدي –ويقال التميمي البرجمي ويقال السعدي الكوفي- مصنف الفتوح والردة وغير ذلك هو كالواقدي يروي عن هشام بن عروة وعبيد الله بن عمر وجابر الجعفي وخلق كثير من المجهولين، كان أخباريا عارفا، روى عنه عبادة بن المفلس وأبو معمر القطيعي والنضر بن حماد العتكي وجماعة، قال عباس عن يحيى: ضعيف، وروى مطين عن يحيى: فليس خير منه، قال أبو داود: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: متروك، وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة، وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر. مكحول البيروتي: سمعت جعفر بن أبان سمعت ابن نمير يقول: سيف الضبي تميمي، كان جميع يقول: حدثني رجل من بني تميم كان سيف يضع الحديث وقد اتهم بالزندقة. انتهى ملخصاً. قال الحافظ في التقريب: سيف بن عمر التميمي صاحب الردة –ويقال له الضبي ويقال غير ذلك- الكوفي ضعيف في الحديث، عمدة في الأخبار. أفحش ابن حبان القول فيه اهـ. وقال الذهبي في الكاشف: قال ابن معين وغيره ضعيف.

стр. 128

وقال في الخلاصة: سيف بن عمر الأسدي الكوفي صاحب الردة عن جابر الجعفي وأبي الزبير، وعنه محمد بن عيسى الطباع وأبو معمر الهذلي ضعفوه اهـ. قوله: وحديث توسل آدم ﵇ بالنبي ﷺ رواه البيهقي بإسناد صحيح في كتابه المسمى "دلائل النبوة" الذي قال فيه الحافظ الذهبي: عليك به فإنه كله هدى ونور، فرواه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي"، إلى قوله: رواه الحاكم وصححه والطبراني. أقول: العجب من المؤلف أنه ينقل عن الذهبي ما قال في وصف (كتاب دلائل النبوة) ولم يذكر ما قال في حق الحديث بالخصوص. قال الذهبي في الميزان: عبد الله ابن مسلم أبو الحارث الفهري عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً فيه "يا آدم لولا محمد ما خلقتك" رواه البيهقي في دلائل النبوة. قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه من لم أعرفهم اهـ. قال في الصارم المنكي: وإني لأتعجب منه كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل وفيه قول الله لآدم "ولولا محمد ما خلقتك"، مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت، بل هو حديث ضعيف الإسناد جداً، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن ابن زيد بصحيح بل هو مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه، ولو كان صحيحاً إلى عبد الرحمن لكان ضعيفاً غير محتج به، لأن عبد الرحمن في طريقه، وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه وتناقض تناقضاً فاحشاً كما عرف له ذلك في موضع، فإنه قال في كتاب الضعفاء بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم، وقال ما حكيته عنه فيما تقدم أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. قال في آخر هذا الكتاب: فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح

стр. 129

لا أستحله تقليداً. والذي أختاره لصاحب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم داخل في قوله ﷺ "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" هذا كله كلام الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك، وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر له جرحه بالدليل، وأن الراوي لحديثه داخل في قوله ﷺ : "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". ثم إنه ﵀ لما جمع المستدرك على الشيخين ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة –بل والموضوعة- جملة كثيرة، وروى فيه لجماعة من المجروحين الذين ذكرهم في كتابه في الضعفاء، وذكر أنه تبين له جرحهم، وقد أنكر عليه غير واحد من الأئمة هذا الفعل، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره فلذلك وقع منه ما وقع، وليس ذلك ببعيد. ومن جملة ما أخرجه في المستدرك حديث لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب في التوسل، قال بعد روايته: هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب. فانظر إلى ما وقع للحاكم في هذا الموضع من الخطأ العظيم، والتناقض الفاحش. ثم إن هذا المعترض المخذول١ عمد إلى هذا الذي أخطأ فيه الحاكم وتناقض فقلده فيه، واعتمد عليه، وأخذ في التشنيع على من خالفه، فقال: والحديث المذكور لم يقف ابن تيمية عليه بهذا الإسناد ولا بلغه أن الحاكم صححه٢ ولو بلغه أن الحاكم صححه لما قال ذلك، يعني أنه كذب. ولنعرض للجواب عنه. قال وكأني به إن بلغه بعد ذلك يطعن في عبد الرحمن بن زيد بن أسلم راوي الحديث، ونحن نقول قد

стр. 130

اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم، وذكر قبل ذلك بقليل أنه مما تبين له صحته، فانظر رحمك الله إلى هذا الخذلان البين والخطأ الفاحش، كيف جاء هذا المعترض إلى حديث غير صحيح ولا ثابت –بل هو حديث موضوع- فصححه، واعتمد عليه، وقلد في ذلك الحاكم مع ظهور خطأه وتناقضه، ومع معرفة هذا المعترض لضعف راويه وجرحه واطلاعه على الكلام المشهور فيه، وأخذ مع هذا التشنيع على من رد هذا الحديث المنكر ولم يقبله، ويبالغ في تخطئته وتضليله. وليس المقصود هنا الكلام على ضعف هذا الحديث، ومناقشة المعترض على ما وقع منه من الكلام عليه بغير علم، وإنما أشرنا إلى ذلك إشارة لما أخذ المعترض يقوي أمر عبد الرحمن بن زيد عند ذكر الحديث المروي عنه في الزيارة اهـ. قال الترمذي في جامعه تحت حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة والقيء، والاحتلام"، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يضعف في الحديث، سمعت أبا داود السجزي يقول: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فقال: أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به، وسمعت محمداً يذكر عن علي بن عبد الله قال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف، قال محمد١ ولا أروي عنه شيئاً اهـ. قال السيوطي في مناهل الصفا في تحريج أحاديث الشفا: حديث أن آدم قال عند معصيته الحديث عند البيهقي والطبراني من حديث عمر ﵁ بسند ضعيف اهـ. قوله وإلى هذا التوسل أشار الإمام مالك ﵁ للخليفة المنصور، وذلك أنه لما حج المنصور وزار قبر النبي ﷺ سأل الإمام مالكاً ﵁ وهو بالمسجد النبوي فقال لمالك: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال له الإمام مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به يشفعه الله فيك، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ

стр. 131

الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . ذكره القاضي عياض في الشفاء وساقه بإسناد صحيح. أقول: قال في الصارم المنكي: وهذه الحكاية التي ذكره القاضي عياض ورواها بإسناده عن مالك ليست بصحيحة عنه، وقد ذكر المعترض في موضع من كتباه أن إسنادها إسناد جيد، وهو مخطئ في هذا القول خطأ فاحشا، بل إسنادها ليس بجيد، بل إسناد مظلم منقطع، وهو مشتمل على من يتهم بالكذاب، وعلى من يجهل حاله. وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته ولم يسمع من مالك شيئاً ولم يلقه، بل روايته منقطعة غير متصلة، وقد ظن المعترض أنه أبو سفيان محمد بن حميد المعمري أحد الثقات المخرج لهم في صحيح مسلم، قال: فإن الخطيب ذكره في الرواة عن مالك، وقد أخطأ فيما ظنه خطأ فاحشاً، ووهم وهما قبيحاً، فإن محمد بن حميد المعمري رجل متقدم لم يدركه يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل راوي الحكاية عن ابن حميد بل بينهما مفازة بعيدة. وقد روى المعمري عن هشام بن حسان ومعمر والثوري وتوفي سنة اثنتين وثمانين ومائة قبل أن يولد يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل. وأما محمد بن حميد الرازي فإنه في طبقة الرواة عن المعمري كأبي خيثمة وابن نمير وعمرو الناقد وغيرهم، وكانت وفاته سنة ثمان وأربعين ومائتين، فرواية يعقوب بن إسحاق عنه ممكنة، بخلاف روايته عن المعمري فإنها غير ممكنة. وقد تكلم في محمد بن حميد الرازي، -وهو الذي رويت عنه هذه الحكاية- غير واحد من الأئمة، ونسبه بعضهم إلى الكذب. قال يعقوب بن شيبة السدوسي: محمد ابن حميد الرازي كثير المناكير. وقال البخاري: حديثه فيه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: رديء المذهب، غير ثقة. وقال فضلك الرازي: عندي عن ابن حميد خمسون ألف حديث لا أحدث عنه بحرف. وقال أبو العباس أحمد بن محمد الأزهري سمعت إسحاق بن منصور يقول: أشهد

стр. 132

على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان. وقال صالح بن محمد الحافط: كان كل ما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحيله على عمرو بن قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء وعلى عنبسة، ثم قال: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه. وقال في موضع آخر: كان أحاديثه تزيد، وما رأيت أحداً أجرأ على الله منه، وكان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض. وقال في موضع آخر: ما رأيت أحداً أحذق بالكذب من رجلين، سليمان الشاذكوني، ومحمد بن حميد الرازي، كان يحفظ حديثه كله، وكان حديثه كل يوم يزيد. وقال أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد الكريم الرازي ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومأ بأصبعه إلى فمه، فقلت له كان يكذب؟ فقال برأسه: نعم. قلت له: قد شاخ، لعله كان يعمل عليه ويدلس عليه؟ فقال: لا يا بني، كان يتعمد. وقال أبو حاتم الرازي: حضرت محمد بن حميد وحضره عون بن جرير، فجعل ابن حميد يحدث بحديث عن جرير فيه شعر، فقال عون: ليس هذا الشعر في الحديث، إنما هو من كلام أبي. فتغافل ابن حميد فمر فيه. وقال أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي: سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الرازي في منزله وعنده عبد الرحمن بن يوسف بن خراش وجماعة من مشايخ أهل الري وحفاظهم للحديث، فذكروا ابن حميد، فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جداً، وأنه يحدث بما لم يسمعه وأنه يأخذ أحاديث لأهل البصرة والكوفة فيحدث بها عن الرازيين. وقال أبو العباس بن سعيد سمعت داود بن يحيى يقول: حدثنا عنه – يعني محمد بن حميد- أبو حاتم قديماً ثم تركه بأخرة قال: سمعت عبد الرحمن بن يوسف بن خراش

стр. 133

يقول: حدثنا ابن حميد، وكان والله يكذب. وقال أبو حاتم بن حبان البستي في كتاب الضعفاء: محمد بن حميد الرازي، كنيته أبو عبد الله، يروي عن ابن المبارك وجرير، حدثنا عنه شيوخنا، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، كان ممن ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات، ولا سيما إذا حدث عن شيوخ بلده، سمعت إبراهيم بن عبد الواحد البغدادي يقول قال صالح بن أحمد بن حنبل: كنت يوماً عند أبي إذ دق عليه الباب، فخرجت فإذا أبو زرعة ومحمد بن مسلم بن وارة يستأذنان على الشيخ، فدخلت وأخبرته فأذن لهم، فدخلوا وسلموا عليه، فأما ابن وارة فباس يده فلم ينكر عليه ذلك، وأما أبو زرعة فصافحه، فتحدثوا ساعة، فقال ابن وارة: يا أبا عبد الله إن رأيت تذكر حديث أبي القاسم بن أبي الزناد فقال نعم حدثنا، أبو القاسم بن أبي الزناد عن إسحاق بن حازم عن ابن مقسم –يعني عبيد الله- عن جابر ابن عبد الله أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه، الحلال ميتته"، وقام فقالوا ما له؟ قلنا: شك في شيء، ثم خرج والكتاب بيده، فقال في كتابه "ميته" بتاء واحدة، والناس يقولون: "ميتته". ثم تحدثوا ساعة فقال له ابن وارة: يا أبا عبد الله رأيت محمد بن حميد؟ قال: نعم، قال كيف رأيت حديثه؟ قال: إذا حدث عن العراقيين يأتي بأشياء مستقيمة، وإذا حدث عن أهل بلده مثل إبراهيم ابن المختار وغيره أتى بأشياء لا تعرف، لا يدرى ما هي. قال فقال أبو زرعة وابن وارة: صح عندنا أنه يكذب. قال: فرأيت أبي بعد ذلك إذا ذكر ابن حميد نفض يده. وقال العقيلي في (كتاب الضعفاء) : حدثني إبراهيم بن يوسف قال: كتب أبو زرعة ومحمد بن مسلم عن محمد بن حميد حديثاً كثيراً، ثم تركا الرواية عنه، وقال الحاكم أبو أحمد في (كتاب الكنى) : أبو عبد الله محمد بن حميد الرازي ليس بالقوي عندهم، تركه أبو عبد الله محمد بن يحيى الذهلي، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة. فإذا كانت هذه حال محمد بن حميد الرازي عند أئمة هذا الشأن، فكيف يقال

стр. 134

في حكاية رواها منقطعة إن إسنادها إسناد جيد، مع أن في طريقها إليه من ليس بمعروف؟ وقد قال المعترض بعد أن ذكر هذه الحكاية وتكلم على رواتها: فانظر هذه الحكاية وثقة رواتها، وموافقتها لما رواه ابن وهب عن مالك. هكذا قال، والذي حمله على ارتكاب هذه السقطة قله علمه وارتكاب هواه، نسأل الله التوفيق. والذي ينبغي أن يقال: فانظر هذه الحكاية وضعفها وانقطاعها ونكارتها، وجهالة بعض رواتها، ونسبة بعضهم إلى الكذب، ومخالفتها لما يثبت عن مالك وغيره من العلماء اهـ. وقال الذهبي في الميزان: محمد بن حميد الرازي الحافظ عن يعقوب القمي وابن المبارك من بحور العلم وهو ضعيف. قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير. وقال البخاري: فيه نظر، وكذبه أبو زرعة. وقال فضلك الرازي: عند ابن حميد خمسون ألف حديث، ولا أحدث عنه بحرف. وروى محمد بن شاذان عن إسحاق الكوسج قال: قرأ علينا ابن حميد كتاب المغازي عن سلمة، فقلت له: قرأه عليه ابن حميد –يعني عن سلمة- فتعجب علي وقال سمعه محمد بن حميد مني، وعن الكوسج قال أشهد أنه كذاب. وقال صالح جزرة: كنا نتهم ابن حميد في كل شيء يحدثنا، ما رأيت أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض. وقال ابن خراش: حدثنا ابن حميد، وكان والله يكذب. وجاء عن غير واحد: كان يسرق الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب من ابن حميد ومن ابن الشاذكوني. وقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة لو أخذت الإسناد عن ابن حميد فإن أحمد بن حنبل قد أحسن الثناء عليه. قال: إنه لم يعرفه، ولو عرفه كما عرفناه لما أثنى عليه أصلاً. وقال أبو أحمد العسال: سمعت فضلك الرازي يقول دخلت على محمد بن حميد وهو يركب الأسانيد على المتون. قلت: ولم يكن يحفظ القرآن، فقد قال محمد بن جرير الطبري فيما صح عنه قال: قرأ علينا محمد بن حميد الرازي ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوك﴾ . وقال أبو بكر الصنعاني: حدثنا محمد بن حميد، فقيل له: أتحدث عنه؟ فقال: وما لي لا أحدث عنه

стр. 135

وقد حدث عنه أحمد بن حنبل وابن معين. وقال أبو زرعة من فاته محمد بن حميد يحتاج أن يترك في عشرة آلاف حديث. ومن آخر أصحاب ابن حميد أبو القاسم البغوي وابن جرير الطبري. مات سنة ثمان وأربعين ومائتين اهـ. قوله: وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ : أن من جملة تلك الكلمات توسل آدم بالنبي ﷺ حين قال يا رب أسألك بحرمة محمد إلا ما غفرت لي. أقول قد عرفت فيما تقدم أن هذه الرواية ليست صالحة لأن يحتج بها على حكم من أحكام الشريعة. قوله: واستسقى عمر بن الخطاب ﵁ في زمن خلافته بالعباس بن عبد المطلب ﵁ عم النبي ﷺ . أقول: هذا الحديث مما لا شك في صحته، ولكنه بمعزل عما نتكلم فيه، فإن الكلام في التوسل بالأموات وهذا التوسل بدعاء الأحياء، وهو مما لا نزاع فيه. قال في الصارم: وقد أجدب الناس على عهد عمر بن الخطاب ﵁ فاستسقى بالعباس ﵁، ففي صحيح البخاري عن أنس ﵁ أن عمر استسقى بالعباس ﵁ وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون"، فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته، وهم إنما كان يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم فيدعو لهم ويدعون معه، كالإمام والمأمومين من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق، ولما مات ﷺ توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به اهـ. قال الحافظ في الفتح: وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبته، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة،

стр. 136

فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس اهـ. قوله: وفعلُ عمر رضي الله تعالى عنه حجة لقوله ﷺ : "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" رواه الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر ﵁. أقول: فيه كلام من وجوه: (الأول) أن في سنده خارجة بن عبد الله الأنصاري، وهو ضعيف، ضعفه أحمد، قال الذهبي في الكاشف: خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت عن أبيه ونافع، وعنه معن والقضبي، ضعفه أحمد. توفي سنة ١٦٥هـ. وقال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام من السابعة مات سنة خمس وستين١ اهـ. و (الثاني) أن جعل الحق على لسان عمر وقلبه لا يستلزم كون فعله ﵁ حجة، ومن يدعيه فعليه البيان. و (الثالث) أن المقصود أن الله تعالى أجرى الحق على لسان عمر ﵁ في وقائع، كما قال ابن عمر راوي الحديث: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر، ويقويه الحديث المتفق عليه عن أنس وابن عمر أن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث، قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ . وقلت يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة، فقلت عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت كذلك. وفي رواية لابن عمر قال: قال عمر وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. قال الحافظ في الفتح: قوله وافقت ربي في ثلاث اهـ أي وقائع، والمعنى وافقني ربي فأنزل القرآن على وفق ما رأيت. لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه، أو أشار إلى حدوث رأيه وقدم الحكم. وليس في تخصيصه العدد بالثلاث ما ينفي الزيادة عليها، لأنه حصلت له الموافقة في أشياء غير هذه من مشهور قصة أسارى بدر، وقصة الصلاة على المنافقين، وهما في الصحيح.

стр. 137

وصحح الترمذي من حديث ابن عمر أنه قال: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال فيه عمر أو قال ابن الخطاب فيه –شك خارجة- إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر، وهذا دال على كثرة موافقته، وأكثر ما وقفنا منها بالتعيين على خمسة عشر لكن ذلك بحسب المنقول اهـ. وجملة القول أن هذا الحديث على تقدير ثبوته ليس معناه إلا ما روى في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر"، وفقي رواية: "لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر". قال الحافظ في الفتح: قوله "محدثون" بفتح الدال جمع محدث، واختلف في تأويله، فقيل ملهم قاله الأكثر، قالوا المحدث بالفتح هو الرجل الصادق الظن، وهو من ألقى في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدثه غيره به، وبهذا جزم أبو أحمد العسكري. وقيل من يجري الصواب على لسانه من غير قصد. وقيل مكلم أي تكلمه الملائكة بغير نبوة. وهذا ورد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً ولفظه: "قيل يا رسول الله وكيف يحدث؟ قال تتكلم الملائكة على لسانه" رويناه في فوائد الجوهري، وحكاه القابسي وآخرون، ويؤيده ما ثبت في الرواية المعلقة ويحتمل رده إلى المعنى الأول أي تكلمه في نفسه وإن لم ير مكلماً في الحقيقة فيرجع إلى الإلهام، وفسره ابن التين بالتفرس. ووقع في مسند الحميدي عقب حديث عائشة: المحدث الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه. وعند مسلم من رواية ابن وهب "ملهمون" وهي الإصابة بغير نبوة، وفي رواية الترمذي عن بعض أصحاب ابن عيينة "محدثون" يعني مفهمون. وفي رواية الإسماعيلي قال إبراهيم –يعني ابن سعد- رواية قوله "محدث" أي يلقى في روعه اهـ. ويؤيده حديث "إن الله جعل الحق على لسان عمر قلبه" أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر وأحمد من حديث أبي هريرة والطبراني من حديث بلال،

стр. 138

وأخرجه في الأوسط من حديث معاوية، وفي حديث أبي ذر عند أحمد وأبي داود يقول به بدل قوله وقلبه، وصححه الحاكم، وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عمر نفسه اهـ. وأيضاً قال في الفتح: وقوله "وإن يك في أمتي"، قيل لم يورد هذا القول مورد الترديد، فإن أمته أفضل الأمم، وإذا ثبت أن ذلك وجد في غيرهم فإمكان وجوده فيهم أولى، وإنما أورد مورد التأكيد كما يقول الرجل إن يكن لي صديق فإنه فلان يريد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء، ونحوه قول الأجير: إن كنت عملت لك توفني حقي، وكلاهما عالم، لكن مراد القائل إن تأخيرك حقي عمل من عنده شك في كوني عملت. وقيل الحكمة فيه أن وجودهم في بني إسرائيل قد تحقق وقوعه، وسبب ذلك احتياجهم حيث لا يكون حينئذ فيهم نبي، واحتمل عنده ﷺ أن لا تحتاج هذه الأمة إلى ذلك لاستغنائها بالقرآن عن حدوث نبي، وقد وقع الأمر كذلك حتى أن المحدث منهم إذا تحقق وجوده لا يحكم بما وقع له، بل لا بد له من عرضه على القرآن، فإن وافقه أو وافق السنة عمل به وإلا تركه، وهذا وإن جاز أن يقع لكنه نادر ممن يكون أمره مبنياً على اتباع الكتاب والسنة، وتمحضت الحكمة في وجودهم وكثرتهم بعد العصر الأول في زيادة شرف هذه الأمة لوجود أمثالهم فيها، وقد تكون الحكمة في تكثيرهم مضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء فيهم، فلما فات هذه الأمة كثرة الأنبياء فيها -لكون نبيها خاتم الأنبياء- عوضوا بكثرة الملهمين اهـ. وأيضاً قال فيه: والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي ﷺ من الموافقات التي نزل القرآن مطابقاً لها، ووقع له بعد النبي ﷺ عدة إصابات. انتهى. إذا عرفت هذا فقد علمت أن معنى ما ورد في الصحيح عند الأكثر أنه ملهم، وعند البعض أنه ممن يجري الصواب على لسانه من غير قصد، وعند البعض أنه مكلم تكلمه الملائكة بغير نبوة. وقد رده الحافظ إلى المعنى الأول، وعند البعض أنه

стр. 139

متفرس، وعلى كل تقدير لا يحكم بما وقع للمحدث، بل لا بد له من عرضه على الكتاب والسنة. ومن ثم أجمع أهل السنة على أن إلهام غير النبي ﷺ ليس بحجة، وعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل حديث ابن عمر المذكور، وليس الغرض أن الله جعل الحق في كل حادثة وواقعة على لسان عمر وقلبه، وأن فعله وقوله حجة شرعية، وأنه لا يقع منه خطأ قط، وإلا لما خالفة ونازعه أحد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل الحديث والفقه. (والثاني) باطل فإن مخالفات الصحابة والتابعين وغيرهم لعمر ﵁ أكثر من أن تكتب في هذا المختصر، وأشهر من أن تخفى على من له إلمام بصحف الحديث والأثر، فالمقدم مثله. ويا لله العجب كيف يصح القول بحجية فعل عمر ﵁ عموماً كما زعم هذا المؤلف، فقد أخطأ عمر ﵁ في مسائل: (منها) عدم جواز التيمم عنده لمن أجنب فلم يجد الماء. (ومنها) عدم جواز التمتع في الحج عنده. (ومنها) قوله ﵁: إن لمعتدة الثلاث السكنى والنفقة. وإذ قد ثبت من عبارة الفتح أن الحديث المتنازع فيه قد روي بطرق كثيرة، فلا بأس أن نذكر منها ما وقفنا عليه، ونتكلم عليه بالعدل والإنصاف فنقول: أما حديث ابن عمر فقد رواه الترمذي، وفي سنده خارجة بن عبد الله الأنصاري ضعفه أحمد، له أوهام، كذا في الكاشف والتقريب. ولكن حسنه الترمذي وصححه، وقد عرفت فيما سلف ما في تحسين الترمذي وتصحيحه من التساهل. وأما حديث أبي هريرة، فقد رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال البزار رجال الصحيح، غير الجهم بن أبي الجهم وهو ثقة، كذا في مجمع الزوائد. قال الذهبي في الميزان: جهم بن أبي الجهم عن ابن جعفر بن أبي طالب وعنه محمد بن إسحاق، لا يعرف له قصة حليمة السعدية اهـ. فعلم أن جهماً هذا مجهول.

стр. 140

وأما حديث بلال فقد رواه الطبراني، وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط كذا في مجمع الزوائد، قال الذهبي في الميزان: أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الحمصي، يقال اسمه بكر، وقيل بكير، وقيل عمرو وقيل عامر وقيل عبد السلام، ضعيف عندهم. قلت: وكان من العباد، عن راشد بن أسعد وخالد بن معدان، وعنه بقية وأبو اليمان وطائفة، ضعفه أحمد وغيره لكثرة ما يغلط، وكان أحد أوعية العلم، وقال ابن حبان: رديء الحفظ لا يحتج به إذا انفرد. قال بقية: قال لنا رجل في قرية أبي بكر وهي كثيرة الزيتون: ما في هذه القرية شجرة إلا وقد أقام أبو بكر إليها ليلة جمعا، وقال آخر: كان كثير البكاء، وقال الجوزجاني: هو متماسك، وقال ابن عدي: أحاديثه صالحة ولا يحتج به، وقال يزيد بن عبد ربه: مات سنة ست وخمسين ومائة. وله حديث آخر منكر جداً. قال أبو داود سُرق لأبي بكر بن أبي مريم حلى فأنكر عقله، وسمعت أحمد يقول: ليس بشيء اهـ ملخصاً. قال الحافظ في التقريب: أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، وقد ينسب إلى جده، قيل اسمه بكير وقيل عبد السلام ضعيف. وكان قد سرق بيته فاختلط، من السابعة، مات سنة ست وخمسين اهـ. وقال الذهبي في الكاشف: أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني اسمه بكير وقيل عبد السلام، عن خالد بن معدان ومكحول، وعنه ابن المبارك وأبو اليمان ضعفوه، وله علم وديانة اهـ. وأما حديث معاوية قد رواه الطبراني وفيه ضعفاء، سليمان الشاذكوني وغيره، كذا في مجمع الزوائد، قال الذهبي في الميزان: سليمان بن داود المنقري الشاذكوني البصري الحافظ أبو أيوب، لقي حماد بن زيد وجعفر بن سليمان فمن بعدهما، قال البخاري: فيه نظر، وكذبه ابن معين في حديثه ذكر له عنه، وقال عبدان الأهوازي: معاذ الله أن يتهم، إنما كانت كتبه قد ذهبت فكان يحدث من حفظه، وقال ابن عدي: كان أبو يعلى والحسن بن سفيان إذا حدثا عنه يقولان: حدثنا سليمان أبو أيوب، ولم يزيدا فيدلسانه ويسترانه.

стр. 141

وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال يحيى بن معين: قال لنا سيمان الشاذكوني هاتوا حرفاً من رأي الحسن البصري لا أحفظه، وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: كان أعلمنا بالرجال يحيى بن معين وأحفظنا للأبواب الشاذكوني، وكان ابن المديني أحفظنا للطوال، وقال صالح بن محمد الحافظ: ما رأيت أحفظ من الشاذكوني، وكان يكذب في الحديث، وقال أحمد: جالس الشاذكوني حماد بن زيد وبشر بن المفضل ويزيد بن زريع فما نفعه الله بواحد منهم، وقيل كان يتعاطى المسكر ويتماجن، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، وقال ابن عدي: قال محمد بن موسى السواق قال ابن الشاذكوني لما حضرته الوفاة: اللهم من اعتذر إليك فإني لا أعتذر إليك ما قذفت محصنة، ولا دلست حديثاً، وساق له ابن عدي أحاديث خولف فيها ثم قال: وللشاذكوني حديث كثير مستقيم، وهو من الحفاظ المعدودين ما أشبه أمره بما قال عبدان: يحدث حفظاً فيغلط. اهـ. وأما حديث عمر بن الخطاب فقد رواه الطبراني في الأوسط، وفيه علي بن سعيد المقيري العقاري ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد وثق وفيه ضعف، كذا في مجمع الزوائد، قال الحافظ في التقريب: عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة، من العاشرة مات سنة اثنتين وعشرين وله خمس وثمانون سنة. اهـ. وقال الذهبي في الكاشف: عبد الله بن صالح الجهني مولاهم كاتب الليث، عن معاوية بن صالح وموسى بن علي، وعنه البخاري تعليقاً، والأصح أنه أيضاً روى عنه في الصحيح، وابن معين وبكر بن سهل، وكان مكثراً جداً، قال أبو زرعة: كان حسن الحديث، لم يكن ممن يكذب، وقال الفضل الشعراني: ما رأيته إلا يحدث أو يسبح، وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث، وله أغاليط، وكذبه جزرة اهـ. وقال الذهبي في الميزان: عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني المصري أبو صالح كاتب الليث بن سعد على أمواله، صاحب حديث وعلم، مكثر له مناكير، حدث عن معاوية

стр. 142

ابن صالح وخلق، وعن شيخه الليث وابن وهب وابن معين وأحمد بن الفرات والناس. قال عبد الملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون سمع من جدي حديثه، وقال أبو حاتم: سمعت محمد بن عبد الله بن عبيد الحكم وسئل عن أبي صالح فقال: تسألني عن أقرب رجل إلى الليث لزمه سفراً وحضراً وكان يخلو معه كثيراً، لا ينكر لمثله أن يكون قد سمع منه لكثرة ما أخرج عن الليث، وقال أبو حاتم سمعت ابن معين يقول: أقل أحواله أن يكون قرأ هذه الكتب على الليث وأجازها له، ويمكن أن يكون ابن أبي ذئب كتب إليه بهذا الدرج، قال: وسمعت أحمد بن صالح يقول: لا أعلم أحداً روى عن الليث عن أبي ذئب إلا أبو صالح، وقال أحمد بن حنبل: كان أول أمره متماسكاً ثم فسد بأخرة، يروي عن ابن أبي ذئب، ولم يسمع الليث من ابن أبي ذئب شيئاً. وقال أبو حاتم: هو صدوق أين ما علمته، وقال أبو زرعة: لم يكن عندي ممن يتعمد الكذب، وكان حسن الحديث. وقال أبو حاتم: أخرج أحاديث في آخر عمره أنكروها عليه، يرى أنها مما افتعل خالد بن نجيح، وكان أبو صالح يصحبه، وكان سليم الناحية، لم يكن وزن أبي صالح الكذب، كان رجلاً صالحاً. وقال أحمد بن محمد الحجاج بن رشدين: سمعت أحمد بن صالح يقول: متهم، ليس بشيء، يعني الحمراوي عبد الله بن صالح، وسمعت أحمد بن صالح يقول في عبد الله بن صالح: فأجروا عليه كلمة أخرى. وقال ابن عبد الحكم: سمعت أبا عبد الله يقول ما لا أحصي وقد قيل له إن يحيى ابن بكير يقول في أبي صالح شيئاً فقال: قل له هل حدثك الليث؟ قال لا. وأبو صالح عنده وقد كان يخرج معه إلى الأسفار وهو كاتبه فينكر أن يكون عند غيره. وقال سعيد بن منصور: كلمني يحيى بن معين وقال: أحب أن تمسك عن عبد الله ابن صالح، فقلت: لا أمسك عنه، وأنا أعلم الناس به، إنما كان كاتباً للضياع، وقال:

стр. 143

أحمد: كتب إليّ وأنا بحمص يسألني الزيارة، قال الفضل بن محمد الشعراني: ما رأيت أبا صالح إلا وهو يحدّث أو يسبح، قال صالح جزرة: كان ابن معين يوثقه، وهو عندي يكذب في الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، ويحيى بن بكير أحب إلينا منه، وقال ابن المديني: لا أروى عنه شيئاً، وقال ابن حبان: كان في نفسه صدوقاً، إنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له، فسمعت ابن خزيمة يقول: كان له جار كان بينه وبينه عداوة، كان يضع الحديث على شيخ أبي صالح ويكتبه بخط يشبه خط عبد الله ويرميه في داره بين كتبه فيتوهم عبد الله أنه خطه فيحدّث به. وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث، إلا أنه يقع في أسانيده ومتونه غلط ولا يتعمد، قلت: وقد روى عنه البخاري في الصحيح على الصحيح، ولكنه يدلسه فيقول: حدثنا عبد الله ولا ينسبه وهو هو. نعم قد علق البخاري حديثاً فقال فيه: قال الليث ابن سعد حدثني جعفر بن ربيعة. ثم قال في آخر الحديث حدثني عبد الله بن صالح أنبأنا الليث فذكره، ولكن هذا عند ابن حمويه السرخسي دون صاحبيه، وفي الجملة ما هو بدون نعيم بن حماد ولا إسماعيل بن أبي أويس ولا سويد بن سعيد وحديثهم في الصحيحين، ولكل منهما مناكير تغتفر في كثرة ما روى، وبعضها منكر واه، وبعضها غريب محتمل، انتهى. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ما كان نبي إلا في أمته معلم أو معلمان، فإن يكن في أمتي منهم أحد فهو عمر بن الخطاب، إن الحق على لسان عمر وقلبه". قلت في الصحيح بعضه بغير سياق، رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو لين الحديث كذا في مجمع الزوائد، قال ابن معين: هو أثبت الناس في هشام بن عروة، وقال أبو حاتم وغيره: لا يحتج به، كذا في الكاشف، وقال الحافظ في التقريب: صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهاً من السابعة، ولي خراج المدينة فحمد. اهـ. وعن علي قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، ما كنا نبعد أصحاب محمد ﷺ أن السكينة تنطق على لسان عمر، رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وعن ابن مسعود قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنزل على لسان عمر رضي الله

стр. 144

عنه. رواه الطبراني وإسناده حسن. وعن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث أن السكينة تنزل على لسان عمر، رواه الطبراني ورجاله ثقات. كذا في مجمع الزوائد، فالصواب أن حديث "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". وإن كان لا يخلو طريق من طرقه من مقال ولكنه لكثرة الشواهد صالح لأن يحتج به، إلا أن دلالته على أن فعل عمر ﵁ حجة ممنوعة. قوله: روى الطبراني في الكبير وابن عدي في الكامل عن الفضل بن العباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "عمر معي وأنا مع عمر والحق بعدي مع عمر حيث كان". أقول: مجرد رواية الطبراني وابن عدي هذا الحديث لا يقتضي أن يصح الاحتجاج به ما لم يثبت كونه صحيحاً أو حسناً، فيجب على من يحتج به أن يبين صحته أو حسنه، ودونه خرط القتاد، على أن دلالته على المطلوب غير مسلمة على نحو ما مر في الحديث المتقدم. قوله: وهذا مثل ما صح في حق علي ﵁ حيث قال ﷺ في حقه: "وأدر الحق معه حيث دار". وهو صحيح. أقول: مدّعي صحة هذا الحديث يطالب أولاً بإقامة الدليل عليه، وأنى له ذلك؟ كيف وهذا الحديث رواه الترمذي وفي سنده سعيد بن حبان، قال الذهبي في الميزان: لا يكاد يعرف. اه. وأيضاً فيه مختار بن نافع التيمي عن أبي حيان التيمي قال النسائي وغيره: ليس بثقة، وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً. أحمد بن عبد الرحمن الكزبراني حدثنا مختار بن نافع عن أبي حيان عن أبيه عن علي مرفوعاً: "رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وصحبني إلى دار الهجرة". وذكر الحديث. قال البخاري: منكر الحديث، كنيته أبو إسحاق، كذا في الميزان، وقال الحافظ في التقريب: مختار بن نافع التيمي – ويقال العكلي – أبو إسحاق التمار الكوفي ضعيف من السادسة اهـ. وفيه أيضاً سهل بن حماد، قال الذهبي في الميزان: كان بعد المائتين

стр. 145

لا يدري من هو وليس بالدلال أبي عتاب، والظاهر أنه هو فقد قال عثمان الدارمي: سألت يحيى بن معين عن سهل بن حماد الدلال فقال لا أعرفه، عنى أنه ما يخبر حاله وقال فيه أبو زرعة وأبو حاتم: صالح الحديث، شيخ، وأما أحمد فقال: لا بأس به. قلت: مات سنة ثمان ومائتين، روى عن قرة بن خالد وشعبة وطبقتها، ما خرج له البخاري شيئاً. اهـ. ويالله العجب ما أجرأ هذا المؤلف على تصحيح هذا الحديث، مع أن في سنده مختار بن نافع التيمي وهو ضعيف جداً، على أن دلالة مثل هذا الحديث على المطلوب غير مسلمة وإلا لزم أن يكون فعل معاوية ﵁ أيضاً حجة، فإنه روى عن عبد الرحمن بن أبي عميرة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: "اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به". أخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب، وعن عمير ﵁ قال: لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم اهد به". رواه الترمذي. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اهده بالهدى، وجنبه الردى، واغفر له في الآخرة والأولى". رواه الطبراني في الأوسط وفيه السدي بن عاصم وهو ضعيف كذا في مجمع الزوائد، مع أن القول بحجية فعله ﵁ بعيد جداً. قوله: ومن الأدلة على أن توسل عمر بالعباس ﵁ حجة على جواز التوسل قوله ﷺ : "لو كان بعدي نبي لكل عمر". اهـ. أقول: أخرجه الترمذي، وفي سنده مشرح بن هاعان، قال الذهبي في الميزان: مشرح بن هاعان المصري عن عقبة بن عامر صدوق لينه ابن حبان، وقال عثمان بن سعيد عن ابن معين: ثقة، قال ابن حبان يكنى أبا مصعب، يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليها، روى عن الليث وابن لهيعة، فالصواب ترك ما انفرد به وذكره العقيلي فما زاد في ترجمته أكثر من أن قيل: إنه ممن جاء مع الحجاج إلى مكة، ونصب المنجنيق على الكعبة. اهـ.
следующие страницы →