← Акыда

Акыда · id 12027

صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان

محمد بشير السهسواني

Полный текст (549 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال يحيى بن معين: قال لنا سيمان الشاذكوني هاتوا حرفاً من رأي الحسن البصري لا أحفظه، وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: كان أعلمنا بالرجال يحيى بن معين وأحفظنا للأبواب الشاذكوني، وكان ابن المديني أحفظنا للطوال، وقال صالح بن محمد الحافظ: ما رأيت أحفظ من الشاذكوني، وكان يكذب في الحديث، وقال أحمد: جالس الشاذكوني حماد بن زيد وبشر بن المفضل ويزيد بن زريع فما نفعه الله بواحد منهم، وقيل كان يتعاطى المسكر ويتماجن، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، وقال ابن عدي: قال محمد بن موسى السواق قال ابن الشاذكوني لما حضرته الوفاة: اللهم من اعتذر إليك فإني لا أعتذر إليك ما قذفت محصنة، ولا دلست حديثاً، وساق له ابن عدي أحاديث خولف فيها ثم قال: وللشاذكوني حديث كثير مستقيم، وهو من الحفاظ المعدودين ما أشبه أمره بما قال عبدان: يحدث حفظاً فيغلط. اهـ. وأما حديث عمر بن الخطاب فقد رواه الطبراني في الأوسط، وفيه علي بن سعيد المقيري العقاري ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد وثق وفيه ضعف، كذا في مجمع الزوائد، قال الحافظ في التقريب: عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة، من العاشرة مات سنة اثنتين وعشرين وله خمس وثمانون سنة. اهـ. وقال الذهبي في الكاشف: عبد الله بن صالح الجهني مولاهم كاتب الليث، عن معاوية بن صالح وموسى بن علي، وعنه البخاري تعليقاً، والأصح أنه أيضاً روى عنه في الصحيح، وابن معين وبكر بن سهل، وكان مكثراً جداً، قال أبو زرعة: كان حسن الحديث، لم يكن ممن يكذب، وقال الفضل الشعراني: ما رأيته إلا يحدث أو يسبح، وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث، وله أغاليط، وكذبه جزرة اهـ. وقال الذهبي في الميزان: عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني المصري أبو صالح كاتب الليث بن سعد على أمواله، صاحب حديث وعلم، مكثر له مناكير، حدث عن معاوية

стр. 142

ابن صالح وخلق، وعن شيخه الليث وابن وهب وابن معين وأحمد بن الفرات والناس. قال عبد الملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون سمع من جدي حديثه، وقال أبو حاتم: سمعت محمد بن عبد الله بن عبيد الحكم وسئل عن أبي صالح فقال: تسألني عن أقرب رجل إلى الليث لزمه سفراً وحضراً وكان يخلو معه كثيراً، لا ينكر لمثله أن يكون قد سمع منه لكثرة ما أخرج عن الليث، وقال أبو حاتم سمعت ابن معين يقول: أقل أحواله أن يكون قرأ هذه الكتب على الليث وأجازها له، ويمكن أن يكون ابن أبي ذئب كتب إليه بهذا الدرج، قال: وسمعت أحمد بن صالح يقول: لا أعلم أحداً روى عن الليث عن أبي ذئب إلا أبو صالح، وقال أحمد بن حنبل: كان أول أمره متماسكاً ثم فسد بأخرة، يروي عن ابن أبي ذئب، ولم يسمع الليث من ابن أبي ذئب شيئاً. وقال أبو حاتم: هو صدوق أين ما علمته، وقال أبو زرعة: لم يكن عندي ممن يتعمد الكذب، وكان حسن الحديث. وقال أبو حاتم: أخرج أحاديث في آخر عمره أنكروها عليه، يرى أنها مما افتعل خالد بن نجيح، وكان أبو صالح يصحبه، وكان سليم الناحية، لم يكن وزن أبي صالح الكذب، كان رجلاً صالحاً. وقال أحمد بن محمد الحجاج بن رشدين: سمعت أحمد بن صالح يقول: متهم، ليس بشيء، يعني الحمراوي عبد الله بن صالح، وسمعت أحمد بن صالح يقول في عبد الله بن صالح: فأجروا عليه كلمة أخرى. وقال ابن عبد الحكم: سمعت أبا عبد الله يقول ما لا أحصي وقد قيل له إن يحيى ابن بكير يقول في أبي صالح شيئاً فقال: قل له هل حدثك الليث؟ قال لا. وأبو صالح عنده وقد كان يخرج معه إلى الأسفار وهو كاتبه فينكر أن يكون عند غيره. وقال سعيد بن منصور: كلمني يحيى بن معين وقال: أحب أن تمسك عن عبد الله ابن صالح، فقلت: لا أمسك عنه، وأنا أعلم الناس به، إنما كان كاتباً للضياع، وقال:

стр. 143

أحمد: كتب إليّ وأنا بحمص يسألني الزيارة، قال الفضل بن محمد الشعراني: ما رأيت أبا صالح إلا وهو يحدّث أو يسبح، قال صالح جزرة: كان ابن معين يوثقه، وهو عندي يكذب في الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، ويحيى بن بكير أحب إلينا منه، وقال ابن المديني: لا أروى عنه شيئاً، وقال ابن حبان: كان في نفسه صدوقاً، إنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له، فسمعت ابن خزيمة يقول: كان له جار كان بينه وبينه عداوة، كان يضع الحديث على شيخ أبي صالح ويكتبه بخط يشبه خط عبد الله ويرميه في داره بين كتبه فيتوهم عبد الله أنه خطه فيحدّث به. وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث، إلا أنه يقع في أسانيده ومتونه غلط ولا يتعمد، قلت: وقد روى عنه البخاري في الصحيح على الصحيح، ولكنه يدلسه فيقول: حدثنا عبد الله ولا ينسبه وهو هو. نعم قد علق البخاري حديثاً فقال فيه: قال الليث ابن سعد حدثني جعفر بن ربيعة. ثم قال في آخر الحديث حدثني عبد الله بن صالح أنبأنا الليث فذكره، ولكن هذا عند ابن حمويه السرخسي دون صاحبيه، وفي الجملة ما هو بدون نعيم بن حماد ولا إسماعيل بن أبي أويس ولا سويد بن سعيد وحديثهم في الصحيحين، ولكل منهما مناكير تغتفر في كثرة ما روى، وبعضها منكر واه، وبعضها غريب محتمل، انتهى. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ما كان نبي إلا في أمته معلم أو معلمان، فإن يكن في أمتي منهم أحد فهو عمر بن الخطاب، إن الحق على لسان عمر وقلبه". قلت في الصحيح بعضه بغير سياق، رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو لين الحديث كذا في مجمع الزوائد، قال ابن معين: هو أثبت الناس في هشام بن عروة، وقال أبو حاتم وغيره: لا يحتج به، كذا في الكاشف، وقال الحافظ في التقريب: صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهاً من السابعة، ولي خراج المدينة فحمد. اهـ. وعن علي قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، ما كنا نبعد أصحاب محمد ﷺ أن السكينة تنطق على لسان عمر، رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وعن ابن مسعود قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنزل على لسان عمر رضي الله

стр. 144

عنه. رواه الطبراني وإسناده حسن. وعن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث أن السكينة تنزل على لسان عمر، رواه الطبراني ورجاله ثقات. كذا في مجمع الزوائد، فالصواب أن حديث "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". وإن كان لا يخلو طريق من طرقه من مقال ولكنه لكثرة الشواهد صالح لأن يحتج به، إلا أن دلالته على أن فعل عمر ﵁ حجة ممنوعة. قوله: روى الطبراني في الكبير وابن عدي في الكامل عن الفضل بن العباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "عمر معي وأنا مع عمر والحق بعدي مع عمر حيث كان". أقول: مجرد رواية الطبراني وابن عدي هذا الحديث لا يقتضي أن يصح الاحتجاج به ما لم يثبت كونه صحيحاً أو حسناً، فيجب على من يحتج به أن يبين صحته أو حسنه، ودونه خرط القتاد، على أن دلالته على المطلوب غير مسلمة على نحو ما مر في الحديث المتقدم. قوله: وهذا مثل ما صح في حق علي ﵁ حيث قال ﷺ في حقه: "وأدر الحق معه حيث دار". وهو صحيح. أقول: مدّعي صحة هذا الحديث يطالب أولاً بإقامة الدليل عليه، وأنى له ذلك؟ كيف وهذا الحديث رواه الترمذي وفي سنده سعيد بن حبان، قال الذهبي في الميزان: لا يكاد يعرف. اه. وأيضاً فيه مختار بن نافع التيمي عن أبي حيان التيمي قال النسائي وغيره: ليس بثقة، وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً. أحمد بن عبد الرحمن الكزبراني حدثنا مختار بن نافع عن أبي حيان عن أبيه عن علي مرفوعاً: "رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وصحبني إلى دار الهجرة". وذكر الحديث. قال البخاري: منكر الحديث، كنيته أبو إسحاق، كذا في الميزان، وقال الحافظ في التقريب: مختار بن نافع التيمي – ويقال العكلي – أبو إسحاق التمار الكوفي ضعيف من السادسة اهـ. وفيه أيضاً سهل بن حماد، قال الذهبي في الميزان: كان بعد المائتين

стр. 145

لا يدري من هو وليس بالدلال أبي عتاب، والظاهر أنه هو فقد قال عثمان الدارمي: سألت يحيى بن معين عن سهل بن حماد الدلال فقال لا أعرفه، عنى أنه ما يخبر حاله وقال فيه أبو زرعة وأبو حاتم: صالح الحديث، شيخ، وأما أحمد فقال: لا بأس به. قلت: مات سنة ثمان ومائتين، روى عن قرة بن خالد وشعبة وطبقتها، ما خرج له البخاري شيئاً. اهـ. ويالله العجب ما أجرأ هذا المؤلف على تصحيح هذا الحديث، مع أن في سنده مختار بن نافع التيمي وهو ضعيف جداً، على أن دلالة مثل هذا الحديث على المطلوب غير مسلمة وإلا لزم أن يكون فعل معاوية ﵁ أيضاً حجة، فإنه روى عن عبد الرحمن بن أبي عميرة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: "اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به". أخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب، وعن عمير ﵁ قال: لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم اهد به". رواه الترمذي. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اهده بالهدى، وجنبه الردى، واغفر له في الآخرة والأولى". رواه الطبراني في الأوسط وفيه السدي بن عاصم وهو ضعيف كذا في مجمع الزوائد، مع أن القول بحجية فعله ﵁ بعيد جداً. قوله: ومن الأدلة على أن توسل عمر بالعباس ﵁ حجة على جواز التوسل قوله ﷺ : "لو كان بعدي نبي لكل عمر". اهـ. أقول: أخرجه الترمذي، وفي سنده مشرح بن هاعان، قال الذهبي في الميزان: مشرح بن هاعان المصري عن عقبة بن عامر صدوق لينه ابن حبان، وقال عثمان بن سعيد عن ابن معين: ثقة، قال ابن حبان يكنى أبا مصعب، يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليها، روى عن الليث وابن لهيعة، فالصواب ترك ما انفرد به وذكره العقيلي فما زاد في ترجمته أكثر من أن قيل: إنه ممن جاء مع الحجاج إلى مكة، ونصب المنجنيق على الكعبة. اهـ.

стр. 146

وأما حديث عصمة قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان بعدي نبي لكان عمر" فقد رواه الطبراني، وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف، كذا في مجمع الزوائد، قال الذهبي في الميزان: الفضل بن المختار أبو سهل البصري عن ابن أبي ذئب وغيره قال أبو حاتم: أحاديثه منكرة يحدث بالأباطيل، وقال الأزدي: منكر الحديث جداً، وقال ابن عدي: أحاديثه منكرة، عامتها لا يتابع عليها، ثم ذكر له أربعة أحاديث وقال بعده: فهذه أباطيل وعجائب، ثم ذكر حديث عصمة بن مالك في السرقة الذي رواه الطبراني وقال: هذا يشبه أن يكون موضوعاً، والله أعلم. اهـ. وفي الباب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان الله باعثاً رسولاً بعدي لبعث عمر بن الخطاب" رواه الطبراني في الأوسط. وفيه عبد المنعم ابن بشير وهو ضعيف، كذا في مجمع الزوائد، قال الذهبي في الميزان: عبد المنعم بن بشير أبو الخير الأنصاري المصري عن عبد الله بن عمر العمري وعنه يعقوب الفسوي جرحه ابن معين، وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً، لا يجوز الاحتجاج به، قال الحنبلي: سمعت ابن معين يقول: أتيت عبد المنعم فأخرج إليّ أحاديث أبي مودود نحواً من مائتي حديث كذب، فقلت له يا شيخ أنت سمعت هذا من أبي مودود؟ قال: نعم. قلت: اتق الله فإن هذه كذب. وقمت ولم أكتب عنه شيئاً، اهـ. ملخصاً، على أن دلالة تيك الأحاديث على المطلوب ممنوعة. قوله: وروى الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، فإنهما حبل الله الممدود، من تمسك بهما فقد تمسك بالعورة الوثقى لا انفصام لها". أقول: قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم، اهـ. وفي الباب عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر". أخرجه الترمذي بثلاث طرق في اثنتين منهما عبد الملك بن عمير اللخمي الكوفي الثقة كان من أوعية العلم، ولكنه طال عمره وساء حفظه، قال أبو حاتم: ليس بحافظ تغير حفظه، وقال أحمد: ضعيف يغلط، وقال ابن معين: مخلط،

стр. 147

وقال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه، وذكر الكوسج عن أحمد أنه ضعفه جداً، ووثقه العجلي، وقال النسائي وغيره: ليس به بأس. قال عبد الله بن أحمد: سئل أبي عن عبد الملك بن عمير وعاصم بن أبي النجود فقال: عاصم أقل اختلافاً عندي، وقدم عاصما. قلت: لم يورده ابن عدي ولا العقيلي، ولا ابن حبان، وقد ذكروا من هو أقوى حفظاً منه، وأما ابن عمير فذكر فحكى الجرح، وما ذكر التوثيق، والرجل فمن نظراء السبيعي أبي إسحاق وسعيد المقبري لما وقعوا في هرم الشيخوخة فنقص حفظهم، وساءت أذهانهم، ولم يختلطوا، وحديثهم في كتب الإسلام كلها، وكان عبد الملك ممن جاوز المائة، كذا في الميزان، وقال الحافظ في التقريب: ثقة فقيه، تغير حفظه، وربما دلس. اهـ. وإذ قد عرفت أنه مع تغير حفظه مدلس، وقد عنعن في هذا الحديث، فلا يقبل حديثه. وفي الأولى منها الحسن بن الصباح البزار، وهو وإن كان صدوقاً لكنه يهم كما قال الحافظ في التقريب، وقال النسائي: ليس بالقوي، كذا في الميزان. وفي الثانية منها هلال مولى ربعي وهو مجهول، ما حدث عنه سوى عبد الملك ابن عمير كذا في الميزان، وأيضاً فيها سفيان الثوري وهو مدلس وقد عنعنه، وفي الثالثة منها عمرو بن هرم ضعفه يحيى القطان ووثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم كذا في الميزان، وفيها سالم بن العلاء أبو العلاء المرادي، وقيل سالم بن عبد الواحد عن ربعي بن حراش وعطية العوفي، وعنه يعلى بن عبيد وجماعة، وضعفه ابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، كذا في الميزان، على أن دلالة هذا الحديث على المقصود أيضاً غير مسلمة، لاحتمال أن يكون المراد بالاقتداء الاقتداء في الأمور التي يجب فيها طاعة الخلفاء وأولي الأمر، كما هو المراد بلفظ السمع والطاعة الواردين في الأحاديث التي أمر فيها بإطاعة الأمراء والأئمة كقوله ﷺ : "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصىالله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني". رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وعن أم الحصين قالت:

стр. 148

قال رسول الله ﷺ : "إن أمر عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا". رواه مسلم. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة". رواه البخاري، وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، متفق عليه. وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ : "على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم". وفي رواية: "على أن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان". متفق عليه. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية". متفق عليه، وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية". رواه مسلم، وغير ذلك من الأحاديث الواردة في ذلك الباب. ومن البين أن المراد بالسمع والطاعة في تيك الأحاديث ليس إلا الاتباع في الأمور المتعلقة بالخلافة والإمامة، لا أن أفعالهم وأقوالهم وتقريراتهم حجة كفعل النبي ﷺ وقوله وتقريره، ولعل هذا هو المراد في حديث أمر فيه بالتمسك بسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وفي حديث: "اتبعوا السواد الأعظم، وعليك بالجماعة والعامة". ومما يؤيد إرادة هذا المعنى في الحديث المتنازع فيه قوله ﷺ : "اللذين من بعدي ". فإنه لو كان المقصود أن أفعالهما حجة لكفى أن يقال اقتدوا بأبي بكر وعمر، فلما زيد فيه "اللذين من بعدي " علم أن الاقتداء بهما ليس إلا في أمر يحصل لهما بعد موت النبي ﷺ لا في حياته، وهو أمر الخلافة والإمارة، ونظير ذلك إطاعة المرأة لبعلها

стр. 149

وإطاعة الولد للوالدين، ولن ترى أحداً من المسلمين يقول إن فعل البعل والوالدين وقولهم أو تقريرهم حجة، فكذلك الحال فيما نحن فيه. وهذا كله كان تكلماً على الأحاديث التي ذكرها صاحب الرسالة لإثبات التوسل وما والاه، وها أنا أشرع في تحقيق مسألة التوسل، فننقل أولاً كلام بعض أهل العلم والتحقيق، ثم نذكر ما هو الحق عندي فأقول: قال العلامة محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير اليماني الصنعاني في (تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد) في ديباجة الكتاب١. "الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد، حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الأفراد، من اتخاذ الأنداد، فلا يتخذون له نداً، ولا يدعون معه أحداً، ولا يتوكلون إلا عليه، ولا يفزعون في كل حال إلا إليه، ولا يدعونه بغير أسمائه الحسنى ولا يتوسلون إليه بالشفاء ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . اهـ. ثم ذكر أصولاً خمسة هي من قواعد الدين فقال في الأصل الثاني: "إن رسل الله وأنبياءه من أولهم إلى آخرهم بعثوا لدعاء العباد إلى توحيد الله تعالى بتوحيد العبادة، وكل رسول أول ما يقرع به أسماع قومه قوله: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . و ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ . و ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ . وهذا هو الذي تضمنه قول لا إله إلا الله، فإنما دعت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة واعتقاد معناها، لا مجرد قولها باللسان، ومعناها هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لما يعبد من دونه والبراءة منه". وقال في الأصل الثالث: "إن التوحيد قسمان: (القسم الأول) توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها، ومعناه أن الله وحده هو الخالق للعالم وهو الرب لهم

стр. 150

والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون ولا يجعلون لله فيه شريكاً، بل هم مقرون به. (والقسم الثاني) توحيد العبادة، ومعناه إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي بيانها، فهذا هو الذي جعلوا لله فيه شركاء، بهذا تعرف أن المشركين لم يتخذوا الأوثان والأصنام ولم يتخذوا المسيح وأمه ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى لأجل أنهم أشركوهم في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى كما قالوه، فهم مقرون بالله تعالى في نفس كلمات كفرهم، وأنهم شفعاء عند الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فجعل الله اتخاذهم الشفعاء شركاً فيه نزه نفسه عنه، لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه". اهـ. وقال في الأصل الرابع: "إن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون بأن الله تعالى خلقهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . وأنه خلق السموات والأرض: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ . وبأنه الرزاق الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وأنه هو الذي يدبر الأمر من السماء والارض، وأنه هو الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ . ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ . وكل مشرك مقر بأن الله خالقه وخالق السموات والأرض ورب ما فيهما ورازقهم". اهـ. ثم قال: "إذا عرفت هذه الأصول فاعلم أنه سبحانه جعل العبادة له أنواعاً: (منها) اعتقادية وهي أساسها، وذلك أن تعتقد أنه الرب الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر بيده النفع والضر، وأنه الذي لا شريك له ولا يشفع عنده أحد إلا

стр. 151

بإذنه، وأنه لا معبود بحق غيره، وغير ذلك مما يجب من لوازم الإليهة. (ومنها) لفظية وهي النطق بكلمة التوحيد. (ومنها) بدنية كالقيام والركوع والسجود. (ومنها) الصوم وأفعال الحج والطواف. (ومنها) مالية كإخراج جزء من المال امتثالاً لما أمر الله تعالى به، وأنواع الواجبات والمندوبات في الأبدان والأموال والأفعال والأقوال كثيرة، ولكن هذه أمهاتها". اهـ. ثم أدرج التوسل في الشرك في العبادة حيث قال: "قد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر، أو أنه يقرب إلى الله تعالى أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع والتوسل إلى الرب تعالى إلا ما ورد من حديث فيه مقال في حق نبينا ﷺ أو نحو ذلك فإنه قد أشرك مع الله غيره". اهـ. وقال في موضع آخر: "والنذر بالمال على الميت ونحوه والنحر على قبره والتوسل به وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كان تفعله الجاهلية" اهـ. وقال في موضع آخر: "فإن قلت: القبوريون وغيرهم الذين يعتقدون في فسقة الناس وجهالهم من الأحياء يقولون: نحن لا نعبد هؤلاء ولا نعبد إلا الله وحده ولا نصلي لهم ولا نصوم ولا نحج. قلت: هذا جهل بمعنى العبادة، فإنها ليست منحصرة فيما ذكرت، بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك، بل يسمونه معتقداً ويصنعون له ما سمعته مما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم، والتوسل بهم، والاستغاثة والاستعانة والحلف والنذور وغير ذلك". اهـ. وقد ظهر من ملاحظة تلك العبارات أن التوسل عند هذا الإمام داخل في الشرك في العبادة. وقال الإمام محمد بن علي الشوكاني في (الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد) : "اعلم أن الكلام على هذه الأطراف يتوقف على إيضاح ألفاظ هي منشأ

стр. 152

الاختلاف والالتباس: (فمنها) الاستغاثة بالغين المعجمة والمثلثة، (ومنها) الاستعانة بالعين المهملة والنون، (ومنها) التشفع، (ومنها) التوسل، فأما الاستغاثة بالمعجمة والمثلثة فهي طلب الغوث وهو إزالة الشدة، كالاستنصار وهو طلب النصر، ولا خلاف أنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على الغوث فيه من الأمور، ولا يحتاج مثل ذلك إلى استدلال فهو في غاية الوضوح، وما أظنه يوجد فيه خلاف، ومنه: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ . وكما قال: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ . وكما قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ . "وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يستغاث فيه إلا به كغفران الذنوب، والهداية، وإنزال المطر والرزق، ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ . وقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ . وعلىهذا يحمل ما أخرجه الطبراني في معجمه الكبير أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر ﵁: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال ﷺ : "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله". فمراده ﷺ أنه لا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله. "وأما ما يقدر عليه المخلوق فلا مانع من ذلك، مثل أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر، أو يحول بينه وبين عدوه الكافر، أو يدفع عنه سبعاً صائلاً أو لصاً أو نحو ذلك". " وقد ذكر أهل العلم أنه يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله سبحانه، وأن كل غوث من عنده، وإذا حصل شيء من ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه ولغيره مجاز، ومن أسمائه المغيث والغياث. قال أبو عبد الله الحليمي: الغياث هو المغيث، وأكثر ما يقال: يا غياث المستغيثين، ومعناه المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلصهم، وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا". إغاثة وغياثة وغوثاً، وهو في معنى المجيب

стр. 153

والمستجيب، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ . إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر. "قال شيخ الإسلام ابن تيميه في بعض فتاواه ما لفظه: والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ﷺ ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيه مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر وإما مخطئ ضال، وأما بالمعنى الذي نفاه رسول الله ﷺ فهو أيضاً مما يجب نفيه، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضاً كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها. "ومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقول الشيخ أبي عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون". "وأما الاستعانة بالنون فهو طلب العون، ولا خلاف أنه يجوز أن يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من أمور الدنيا، كأن يستعين به على أن يحمل معه متاعه أو يعلف دابته أو يبلغ رسالته، وأما ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ فلا يستعان فيه إلا به، ومنه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . "وأما التشفع بالمخلوق فلا خلاف بين المسلمين أنه يجوز طلب الشفاعة من المخلوقين فيما يقدرون عليه من أمور الدنيا، وثبت بالسنة المتواترة واتفاق جميع الأئمة أن نبينا ﷺ هو الشافع المشفع، وأنه يشفع للخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربه، ولم يقع الخلاف إلا في كونها لمحو ذنوب المذنبين أو لزيادة ثواب المطيعين، ولم يقل أحد بنفيها قط، وفي سنن أبي داود أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله، فقال: "شأن الله أعظم من ذلك، أنه لا يستشفع به على أحد من خلقه". فأقره على قوله نستشفع بك على الله، وأنكر عليه قوله نستشفع بالله عليك، وسيأتي تمام الكلام في الشفاعة.

стр. 154

"أما التوسل إلى الله سبحانه بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه فقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي ﷺ أن صح الحديث فيه. ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في سننه والترمذي وصححه ابن ماجه وغيرهم أن أعمى أتى إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أصبت في بصري، فادع الله تعالى لي. فقال له النبي ﷺ : "توضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، يا محمد إني استشفع بك في رد بصري، اللهم شفع النبي فيّ، وقال: فإن كان لك حاجة فمثل ذلك، فرد الله بصره". "وللناس في معنى هذا قولان: أحدهما أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال: كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، وهو في صحيح البخاري وغيره، فقد ذكر عمر ﵁ أنهم كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ في حياته في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى، والنبي ﷺ كان في مثل هذا شافعاً وداعياً لهم. "والقول الثاني التوسل به ﷺ يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه". ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به ﷺ في حياته، وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعاً سكوتياً لعدم إنكار أحد منهم على عمر ﵁ في التوسل بالعباس ﵁. "وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي ﷺ كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين: (الأول) ما عرفناك به من إجماع الصحابة ﵃. و (الثاني) أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة١، إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله، فإذا قال القائل:

стр. 155

اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني، فهو باعتبار ما قام به من العلم، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة، فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركاً كما يزعمه المتشددون في هذا الباب كابن عبد السلام ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة من الله لهم ولا سكت النبي ﷺ عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم، ولهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل إلى الله بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . ونحو قوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ . ونحو قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ . ليس بوارد، بل هو من الاستدلال على محل النزاع بما هو أجنبي عنه، فإن قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . مصرح بأنهم عبدوهم لذلك، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ . فإنه نهي أن يدعى مع الله غيره، كأن يقول يا الله ويا فلان، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله، وإنما وقع منه التوسل إليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطلقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم، وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ . الآية، فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستحبب لهم، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه. "فإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النزاع خروجاً زائداً على ما ذكرنا كاستدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ . فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين، وأنه ليس لغيره من الأمر شيء، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركته ﷻ في أمر يوم الدين، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ، ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ . فإن هاتين

стр. 156

الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله ﷺ من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره، وليس فيها منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء والأولياء أو العلماء، وقد جعل الله لرسوله ﷺ المقام المحمود، مقام الشفاعة العظمى، وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك١ ويطلبوه منه، وقال له "سل تعطه واشفع تشفع" وقيد ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه، ولا تكون إلا لمن ارتضى، ولعله يأتي تحقيق هذا المقام إن شاء الله تعالى. "وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله ﷺ لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ : "يا فلان ابن فلان لا أملك لك من الله شيئاً، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئاً". فإن هذا ليس فيه إلا التصريح بأنه ﷺ لا يستطيع نفع من أراد الله تعالى ضره، ولا ضر من أراد الله نفعه، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله، وهذا معلوم لكل مسلم، وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله، فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي، وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبته ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المتفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين. "وإذا عرفت هذا فاعلم أن الرزية كل الرزية، والبلية كل البلية، أمر غير ما ذكرنا من التوسل المجرد والتشفع بمن له الشفاعة، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور، وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء من

стр. 157

أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم، فصاروا يدعونهم تارة مع الله وتارة استقلالاً، ويصرخون بأسمائهم ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع، ويخضعون لهم خضوعاً زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي ربهم في الصلاة والدعاء، وهذا إذا لم يكن شركاً فلا ندري ما هو الشرك، وإذا لم يكن كفراً فليس في الدنيا كفر، وها نحن نقص عليك أدلة في كتاب الله سبحانه، وفي سنة رسوله ﷺ فيها المنع مما هو دون هذا بمراحل، وفي بعضها التصريح بأنه شرك، وهو بالنسبة إلى هذا الذي ذكرناه يسير حقير، ثم بعد ذلك نعود إلى الكلام على مسألة السؤال". اه ثم قال بعد عدة أوراق: "وبالجملة فالوارد عن الشرع من الأدلة الدالة على قطع ذرائع الشرك وهدم كل شيء يوصل إليه في غاية الكثرة، ولو رمت حصر ذلك على التمام لجاء في مؤلف بسيط، فلنقتصر على هذا المقدار ونتكلم على حكم ما يفعله القبوريون من الاستغاثة بالأموات، ومناداتهم لقضاء الحاجات، وتشريكهم مع الله في بعض الحالات، وإفرادهم بذلك في بعضها، فنقول: "أعلم أن الله لم يبعث رسله ولم ينزل كتبه لتعريف خلقه بأنه الخالق لهم، والرازق لهم ونحو ذلك، فإن هذا يقر به كل مشرك قبل بعثة الرسل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ . ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ . ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ . ولهذا نجد كل ما ورد في الكتاب العزيز في شأن خالق الخلق ونحوه في مخاطبة الكفار معنوناً باستفهام التقرير: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ

стр. 158

وَالأَرْضِ﴾ ، ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ . بل بعث الله رسله وأنزل كتبه لإخلاص توحيده وإفراده بالعبادة: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ – ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ – ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ – ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ – ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ – ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ . وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله والنداء والاستغاثة والرجاء واستجلاب الخير واستدفاع الشر له ومنه لا لغيره ولا من غيره: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ – ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ – ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ – ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقد تقرر أن شرك المشركين الذين بعث الله إليهم خاتم رسله ﷺ لم يكن إلا باعتقادهم أن الأنداد التي اتخذوها تنفعهم وتضرهم وتقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده، مع اعترافهم بأن الله سبحانه هو خالقها وخالقهم، ورازقها ورازقهم، ومحييها ومحييهم، ومميتها ومميتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . وكانوا يقولون في تلبيتهم:١ لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. "وإذا تقرر هذا فلا شك أن من اعتقد في ميت من الأموات، أو حيّ من الأحياء أنه يضره أو ينفعه إما استقلالاً أو مع الله تعالى، وناداه أو توجه إليه، أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق فلم يخلص التوحيد لله، ولا أفرده بالعبادة، إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه ودفع الضر عنه، هو نوع من أنواع العبادة، ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجراً أو ملكاً أو شيطاناً كما كان يفعل ذلك أهل الجاهلية، وبين أن يكون إنساناً من الأحياء أو الأموات، كما يفعله الآن كثير من المسلمين، وكل عالم بعلم هذا ويقر به، فإن العلة واحدة، وعبادة غير الله تعالى وتشريك غيره معه يكون للحيوان كما يكون للجماد،

стр. 159

وللحي كما يكون للميت". "فمن زعم أن ثم فرقاً بين من اعتقد في وثن من الأوثان أنه يضر أو ينفع، أو يقدر على أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فقد غلط غلطاً بيناً، وأقر على نفسه بجهل كثير، فإن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه. ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكاً بالصنم والوثن والإله لغير الله زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد كما يفعله كثير من المسلمين١ بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن، إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئاً يختص به سبحانه، سواء أطلق على ذلك الغير ما كانت تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسماً آخر، فلا اعتبار بالاسم قط، ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم. "وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها، واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقريب لها في بعض الحاجات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور، فإنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله سبحانه، بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريباً منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله أو في مسجد من المساجد أو قريباً من ذلك، وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذباً ولم يحلف بالميت الذي يعتقده. "وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحد منهم ميتاً أو حياً عند استجلابه لنفع، أو استدفاعه لضر، قائلاً: يا فلان افعل لي كذا وكذا، وعلى الله وعليك، وأنا بالله وبك.

стр. 160

وأما التقرب للأموات فانظر ما يجعلونه من النذور لهم وعلى قبورهم في كثير من المحلات، ولو طلب الواحد منهم ليسمح بجزء من ذلك لله تعالى لم يفعل، وهذا معلوم يعرفه من عرف أحوال هؤلاء. فإن قلت: إن هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله تعالى هو الضار، والنافع، والخير والشر بيده، وإن استغاثوا بالأموات قصداً لإنجاز ما يطلبونه من الله سبحانه. قلت: وهكذا كانت الجاهلية، فإنهم يعلمون أن الله هو الضار النافع وأن الخير والشر بيده، وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز. نعم إذا لم يحصل من المسلم إلا مجرد التوسل الذي قدمنا تحقيقه فهو كما ذكرناه سابقاً، ولكن من زعم أنه لم يقع منه إلا مجرد التوسل – وهو يعتقد من تعظيم ذلك الميت ما لا يجوز اعتقاده في أحد من المخلوقين، وزاد على مجرد الاعتقاد فتقرب إلى الأموات بالذبائح والنذور، وناداهم مستغيثاً بهم عند الحاجة – فهذا كاذب في دعواه أنه متوسل فقط، فلو كان الأمر كما زعمه لم يقع منه شيء من ذلك المتوسل به: لا يحتاج إلى رشوة بنذر أو ذبح ولا تعظيم ولا اعتقاد، لأن المدعو هو الله سبحانه وهو أيضاً المجيب، ولا تأثير لمن وقع به التوسل قط، بل هو بمنزلة التوسل بالعمل الصالح فأي جدوى في رشوة من قد صار تحت أطباق الثرى بشيء من ذلك؟ وهل هذا إلا فعل من يعتقد التأثير اشتراكاً أو استقلالاً، ولا أعدل من شهادة أفعال جوارح الإنسان على بطلان ما ينطق به لسانه من الدعاوى الباطلة العاطلة، بل زعم أنه لم يحصل منه إلا مجرد التوسل –وهو يقول بلسانه "يا فلان" منادياً لمن يعتقده من الأموات– فهو كاذب على نفسه، ومن أنكر حصول النداء للأموات والاستغاثة بهم استقلالاً فليخبرنا ما معنى ما سمه في الأقطار اليمنية من قولهم: يا ابن العجيلي، يا زيلعي، يا ابن علوان، يا فلان يا فلان؟ هل ينكر هذا منكر، ويشك فيه شاك؟ وما عدا ديار اليمن فالأمر فيها أطم وأعم، ففي كل قرية ميت يعتقده أهلها وينادونه وفي كل مدينة جماعة منهم، حتى أنهم في حرم الله ينادون: يا ابن عباس، يا محجوب، فما ظنك بغير ذلك؟ فلقد تلطف إبليس وجنوده أخزاهم الله تعالى لغالب أهل الملة الإسلامية بلطفة تزلزل الأقدام عن الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 161

أين من يعقل معنى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ – ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ – ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ . وقد أخبرنا الله سبحانه أن الدعاء عبادة بمحكم كتابه بقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . وأخرج أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الدعاء هو العبادة". وفي رواية "مخ العبادة". ثم قرأ رسول الله ﷺ الآية المذكورة، وأخرجه أيضاً النسائي وابن ماجه والحاكم وأحمد وابن أبي شيبة باللفظ المذكور، وكذلك النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتعظيم عبادة لهم، كما أن النحر للنسك وإخراج صدقة المال والخضوع والاستكانة عبادة لله بلا خلاف، ومن زعم أن ثم فرقاً بين الأمرين فليهده إلينا. ومن قال إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر عليهم عبادتهم، فقل له فلأي مقتض صنعت هذا الصنيع؟ فإن دعاءك للميت عند نزول أمر بك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم فأنت مصاب بعقلك، وهكذا إن كنت تنحر لله وتنذر لله فلأي معنى جعلت ذلك للميت وحملته إلى قبره؟ فإن الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض، وفعلك وأنت عاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته أو أمر قد أردته، وإلا فأنت مجنون قد رفع عنك القلم، ولا نوافقك على دعوى الجنون إلا بعد صدور أفعالك وأقوالك في غير هذا على نمط أفعال المجانين، فإن كنت تصدرها مصدر أفعال العقلاء فأنت تكذب على نفسك في دعواك الجنون في هذا الفعل بخصوصه فراراً عن أن يلزمك ما لزم عباد الأوثان الذين حكى الله عنهم في كتابه العزيز ما حكاه بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ . وبقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ .

стр. 162

فإن قلت: إن المشركين كانوا لا يقرون بكلمة التوحيد، وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرون بها، قلت: هؤلاء إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها بأفعالهم، فإن من استغاث بالأموات أن طلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، أو عظمهم أو نذر عليهم بجزء من ماله أو نحر لهم فقد نزلهم منزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذه الأفعال، فهو لم يعتقد معنى لا إله إلا الله ولا عمل بها، بل خالفها اعتقاداً وعملاً، فهو في قوله لا إله إلا الله كاذب على نفسه، فإنه قد جعل إلهاً غير الله يعتقد أنه يضر وينفع، وعبده بدعائه عند الشدائد والاستغاثة به عند الحاجة، وبخضوعه له وتعظيمه إياه نحر له النحائر، وقرب إليه نفائس الأموال. وليس مجرد قول لا إله إلا الله من دون عمل بمعناه مثبتاً للإسلام، فإنه لو قالها أحد من أهل الجاهلية وعكف على صنمه يعبده لم يكن ذلك إسلاماً. اه وأيضاً قال فيه١: "فإن قلت: فقد ورد الحديث الصحيح بأن الخلائق يوم القيامة يأتون آدم فيدعونه ويستغيثون ثم نوحاً ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمداً ﷺ وسائر إخوانه من الأنبياء. قلت: أهل المحشر إنما يأتون هؤلاء الأنبياء يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله سبحانه ويدعوا لهم بفصل الحساب، والإراحة من ذلك الموقف، هذا جائز فإنه من طلب الشفاعة والدعاء المأذون فيهما. وقد كان الصحابة يطلبون من رسول الله ﷺ في حياته أن يدعو لهم كما في حديث "يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم" لما أخبرهم بأنه يدخل الجنة سبعون ألفاً، وحديث: "سبقك بها عكاشة". وقول أم سليم: "يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له". وقول المرأة التي كانت تصرع: "يا رسول الله ادع الله لي". وآخر الأمر سألته الدعاء بأن لا تتكشف عند الصرع فدعا لها. ومنه إرشاده ﷺ لجماعة من الصحابة بأن يطلبوا الدعاء من أويس القرني إذا أدركوه، ومنه ما ورد في دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، وغير ذلك مما لا يحصر، حتى أن رسول الله ﷺ قال لعمر لما خرج معتمراً: "لا تنسني يا أخي من دعائك".

стр. 163

فمن جاء إلى رجل صالح واستمد منه أن يدعو له، فهذا ليس من ذلك الذي يفعله المعتقدون في الأموات، بل هو سنة حسنة وشريعة ثابتة، وهكذا طلب الشفاعة ممن جاءت الشريعة المطهرة بأنه من أهلها كالأنبياء، ولهذا يقول الله لرسوله يوم القيامة: "سل تعطه واشفع تشفع", وذلك هو المقام المحمود الذي وعده الله به كما في كتابه العزيز. والحاصل أن طلب الحوائج من الأحياء جائز إذا كانوا يقدرون عليها، ومن ذلك الدعاء فإنه يجوز استمداده من كل مسلم بل يحسن ذلك، وكذلك الشفاعة من أهلها الذين ورد الشرع بأنهم يشفعون، ولكن ينبغي أن يعلم أن دعاء من يدعو له لا ينفع إلا بإذنه وإرادته ومشيئته، وكذلك شفاعة من شفع لا تكون إلا بإذن الله كما ورد بذلك القرآن العظيم، فهذا تقييد للمطلق لا ينبغي العدول عنه بحال". اهـ. وأيضاً قال فيه: "ومن جملة الشبه التي عرضت لبعض أهل العلم ما صرح به السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير ﵀ في شرحه لأبياته التي يقول في أولها: رجعت عن النظم الذي قلت في النجدي فإنه قال: إن كفر هؤلاء المعتقدين للأموات هو من الكفر العملي، لا الكفر الجحودي، ونقل ما ورد في كفر تارك الصلاة كما ورد في الأحاديث الصحيحة، وكفر تارك الحج وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ . ونحو ذلك من الأدلة الواردة فيمن زنى ومن سرق ومن أتى امرأة حائضاً أو امرأة في دبرها أو أتى كاهناً أو عرافاً أو قال لأخيه يا كافر. قال: فهذه الأنواع وإن أطلقها الشارع على فعل هذه الكبائر فإنه لا يخرج به العبد عن الإيمان ويفارق به الملة ويباح به دمه وماله وأهله كما ظنه من لم يفرق بين الكفرين ومن لم يميز بين الأمرين، وذكر ما عقده البخاري في صحيحه من كتاب الإيمان في كفر دون كفر، وما قاله العلامة ابن القيم أن الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة من الكفر العملي، وتحقيقه أن الكفر كفر عمل وكفل جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحوداً وعناداً، فهذا الكفر يضاد الإيمان من

стр. 164

كل وجه. وأما كفر العمل فهو نوعان: نوع يضاد الإيمان ونوع لا يضادّه، ثم نقل عن ابن القيم كلاماً في هذا المعنى، ثم قال السيد المذكور "قلت: ومن هذا –يعني الكفر العملي– من يدعو الأولياء، ويهتف بهم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم، ويقبل جدرانها وينذر له بشي من ماله، فإنه كفر عملي لا اعتقادي، فإنه مؤمن بالله وبرسوله ﷺ وباليوم الآخر، لكن زين له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون ويضرون فاعتقد ذلك كما اعتقد ذلك أهل الجاهلية في الأصنام، لكن هؤلاء مثبتون التوحيد لله لا يجعلون الأولياء آلهة كما قاله الكفار إنكاراً على رسول الله ﷺ لما دعاهم إلى كلمة التوحيد: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ . فهؤلاء جعلوا لله شركاء حقيقة فقالوا في التلبية،: لبيك لا شريك لك، إلا شرك هو لك، تملكه وما ملك، فأثبتوا للأصنام شركة مع رب الأنام، وإن كانت عباراتهم الضالة قد أفادت أنه لا شريك له، لأنه إذا كان يملكه وما ملك فليس بشريك له تعالى بل مملوك. فعباد الأصنام الذين جعلوا لله أنداداً واتخذوا من دونه شركاء يقولون إنهم شفعاء يقربونهم إلى الله زلفى، بخلاف جهلة المسلمين الذين اعتقدوا في أوليائهم النفع والضر، فإنهم مقرّون لله بالوحدانية وإفراده بالإلهية وصدقوا رسله، فالذي أتوه من تعظيم الأولياء كفر عمل لا اعتقاد، فالواجب وعظهم وتعريفهم جهلهم وزجرهم ولو بالتعزير، كما أمرنا بحد الزاني والشارب والسارق من أهل الكفر العملي، إلى أن قال: فهذه كلها قبائح محرمة من أعمال الجاهلية، فهو من الكفر العملي، وقد ثبت أن هذه الأمة تفعل أموراً من أمور الجاهلية هي من الكفر العملي كحديث: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة". أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري فهذه من الكفر العملي لا تخرج به الأمة من الملة، بل هم من إتيانهم بهذه الخصلة الجاهلية أضافهم إلى نفسه فقال: "من أمتي".

стр. 165

فإن قلت: أهل الجاهلية تقول في أصنامها إنهم يقربونهم إلى الله زلفى كما يقوله القبوريون، ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . كما يقوله القبوريون. قلت: لا سواء، فإن القبوريين مثبتون التوحيد لله قائلون إنه لا إله إلا هو، ولو ضربت عنقه على أن يقول إن الولي إله مع الله لما قالها، بل عنده اعتقاد جهل أن الولي لما أطاع الله كان له لطاعته عنده تعالى جاه به تقبل شفاعته ويرجى نفعه، لا أنه إله مع الله، بخلاف الوثني فإنه امتنع عن قوله إله لا إله الله حتى ضربت عنقه زاعماً أن وثنه إله مع الله ويسميه رباً وإلهاً، قال يوسف ﵇: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ . سماهم أرباباً لأنهم كانوا يسمونهم بذلك كما قال الخليل: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ . في الثلاث الآيات مستفهماً لهم مبكتاً متكلماً على خطئهم حيث يسمون الكواكب أرباباً وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ . وقال قوم إبراهيم: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ - ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ . وقال إبراهيم: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ؟ ومن هنا يعلم أن الكفار غير مقرّين بتوحيد الإلهية كما توهمه من توهم من قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ – ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ، ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ -إلى قوله- فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ . فهذا إقرار بتوحيد الخالقية والرازقية ونحوهما، لا أنه إقرار بتوحيد الإلهية، لأنهم يجعلون أوثانهم أرباباً كما عرفت. فهذا الكفر الجاهلي كفر اعتقاد، ومن لازمه كفر العمل، بخلاف من اعتقد في الأولياء النفع والضر مع توحيد الله وإيمان به وبرسوله وباليوم الآخر فإنه كفر عمل، فهذا تحقيق بالغ وإيضاح لما هو الحق من غير إفراط ولا تفريط اهـ، كلام السيد المذكور رحمه الله تعالى. وأقول: هذا الكلام في التحقيق ليس بتحقيق بالغ، بل كلام متناقض متدافع، وبيانه أنه لا شك أن الكفر ينقسم إلى كفر اعتقاد وكفر عمل، ولكن دعوى أن ما يفعله المعتقدون في الأموات من كفر العمل في غاية الفساد، فإنه قد ذكر في هذا

стр. 166

البحث أن كفر من اعتقد في الأولياء كفر عملي، هذا عجيب، كيف يقول كفر من يعتقد في الأولياء كفر عمل، ويسمى ذلك اعتقاداً ثم يقول إنه من الكفر العملي؟ وهل هذا إلا التناقض البحت، والتدافع الخالص؟ انظر كيف ذكر في أول البحث أن كفر من يدعو الأولياء ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويقبل جدرانها وينذر لها بشيء من ماله هو كفر عملي، فليت شعري ما هو الحامل له على الدعاء والاستغاثة، وتقبيل الجدارات، ونذر النذورات؟ هل هو مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد؟ فهذا لا يفعله إلا مجنون. أم الباعث عليه الاعتقاد في الميت، فكيف لا يكون هذا من كفر الاعتقاد الذي لولاه لم يصدر فعل من تلك الأفعال؟ ثم انظر كيف اعترف بعد أن حكم على هذا الكفر بأنه كفر عمل لا كفر اعتقاد بقوله: لكن زين له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون، فاعتقد ذلك جهلاً كما اعتقده أهل الجاهلية في الأصنام، فتأمل كيف حكم بأن هذا كفر اعتقاد ككفر أهل الجاهلية، وأثبت الاعتقاد واعتذر عنهم بأنه اعتقاد جهل، وليت شعري أي فائدة لكونه اعتقاد جهل؟ فإن طوائف الكفر بأسرها وأهل الشرك قاطبة إنما حملهم على الكفر ودفع الحق والبقاء على الباطل الاعتقاد جهلاً، وهل يقول قائل إن اعتقادهم اعتقاد علم حتى يكون اعتقاد الجهل عذراً لإخوانهم المعتقدين في الأموات؟ ثم تمم الاعتذار بقوله: لكن هؤلاء مثبتون للتوحيد إلى آخر ما ذكره. ولا يخفاك أن هذا عذر باطل، فإن إثباتهم التوحيد إن كان بألسنتهم فقط فهم مشتركون في ذلك هم واليهود والنصارى والمشركون والمنافقون، وإن كان بأفعالهم فقد اعتقدوا في الأموات ما اعتقده أهل الأصنام في أصنامهم، ثم كرر هذا المعنى في كلامه وجعله السبب في رفع السيف عنهم وهو باطل، فما ترتب عليه مثله باطل، فلا نطوِّل بردّه، بل هؤلاء القبوريون قد وصلوا إلى حد في اعتقادهم في الأموات لم يبلغه المشركون في اعتقادهم في أصنامهم، وهو أن الجاهلية كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله وحده، وإنما يدعون أصنامهم مع عدم نزول الشدائد من الأمور كما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ

стр. 167

الإِنسَانُ كَفُوراً﴾ . وبقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ . وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . بخلاف المعتقدين في الأموات فإنهم إذا دهتم الشدائد استغاثوا بالأموات ونذروا لهم النذور، وقل من يستغيث بالله سبحانه في تلك الحال، وهذا يعلمه كل من له بحث عن أحوالهم. ولقد أخبرني بعض من ركب البحر أنه اضطرب اضطراباً شديداً، فسمع من أهل السفينة من الملاحين وغالب الراكبين معهم ينادون الأموات ويستغيثون بهم، ولم يسمعهم يذكرون الله قط، قال: ولقد خشيت في تلك الحال الغرق لما شاهدته من الشرك بالله. وقد سمعنا عن جماعة من أهل البادية المتصلة بصنعاء أن كثيراً منهم إذا حدث له ولد جعل قسطاً من ماله لبعض الأموات المعتقدين ويقول إنه قد اشترى ولده من ذلك الميت الفلاني بكذا، فإذا عاش حتى بلغ سن الاستقلال دفع ذلك الجعل لمن يعتكف على قبر ذلك الميت من المحتالين لكسب الأموال. وبالجملة فالسيد المذكور رحمه الله تعالى قد جرد النظر في بحثه السابق إلى الإقرار بالتوحيد الظاهري، واعتبر مجرد التكلم بكلمة التوحيد، ويخالفه من اعتقاده الذي صدرت عنه تلك الأفعال المتعلقة بالأموات، وهذا الاعتبار لا ينبغي التعويل عليه ولا الاشتغال به، فالله سبحانه إنما ينظر إلى القلوب وما صدر من الأفعال عن اعتقاد لا إلى مجرد الألفاظ، وإلا لما كان فرق بين المؤمن والمنافق. اه. وأيضاً قال فيه١ وأقول: قد قدمنا في أوائل هذا الجواب أنه لا بأس بالتوسل بنبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء أو عالم من العلماء، وأوضحنا ذلك بما لا مزيد

стр. 168

عليه، فهذا الذي جاء إلى القبر زائراً ودعا الله وحده وتوسل بذلك الميت كأن يقول: اللهم إني أسألك أن تشفيني من كذا، وأتوسل إليك بما لهذا العبد الصالح من العبادة لك والمجاهدة فيك أو التعلم والتعليم خالصاً لك، فهذا لا تردد في جوازه١ لكن لأي معنى قام يمشي إلى القبر؟ فإن كان لمحض الزيارة ولم يعزم على الدعاء والتوسل إلا بعد تجريد القصد إلى الزيارة فهذا ليس بممنوع، فإنه إنما جاء ليزور، وقد أذن لنا رسول الله ﷺ بزيارة القبور لحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" وهو في الصحيح، وخرج لزيارة الموتى ودعا لهم وعلمنا كيف نقول إذا نحن زرناهم وكان يقول: "السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا بكم إن شاء الله لاحقون، وأتاكم ما توعدون، نسأل الله لنا ولكم العافية". وهو أيضاً في الصحيح بألفاظ وطرق، فلم يفعل هذا الزائر إلا ما هو مأذون له به ومشروع، لكن بشرط أن لا يشد راحلته، ولا يعزم على سفر ولا يرحل كما ورد تقييد الإذن بالزيارة للقبور بحديث: "لا تشدوا الرحال إلا لثلاثة مساجد". وهو مقيد لمطلق الزيارة، وقد خصص بمخصصات: (منها) زيارة القبر الشريف النبوي المحمدي على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم، وفي ذلك خلاف بين العلماء، وهي مسألة من المسائل التي طالت ذيولها، واشتهرت أصولها، وامتحن بسببها من امتحن، وليس ذكر ذلك من مقصودنا. وأما إذا لم يقصد مجرد الزيارة بل قصد المشي إلى القبر ليفعل الدعاء عند فقط وجعل الزيارة تابعة لذلك أو مشى لمجموع الزيارة والدعاء فقد كان يغنيه أن يتوسل إلى الله بما لذلك الميت من الأعمال الصالحة من دون أن يمشي إلى قبره، فإن قال إنما مشيت إلى قبره لأشير إليه عند التوسل به، فيقال له إن الذي يعلم السر وأخفى، ويحول بين المرء وقلبه، ويطلع على خفيات الضمائر، وتنكشف لديه مكنونات السرائر لا يحتاج منك إلى هذه الإشارة التي زعمت أنها الحاملة لك على قصد القبر والمشي إليه، وقد كان يغنيك أن تذكر ذلك الميت باسمه العلم أو بما يتميز به عن غيره، فما أراك

стр. 169

مشيت لهذه الإشارة، فإن الذي تدعوه في كل مكان مع كل إنسان، بل مشيت لتسمع الميت توسلك به وتعطف قلبك عليك، وتتخذ عنده يداً بقصده وزيارته والدعاء عنده والتوسل به، وأنت إن رجعت إلى نفسك، وسألتها عن هذا المعنى فربما تقر لك به وتصدقك الخبر، فإن وجدت عندها هذا المعنى الدقيق، الذي هو بالقبول منك حقيق فاعلم أنه قد علق بقلبك ما علق بقلوب عباد القبور، ولكنك قهرت هذه النفس الخبيثة عن أن تترجم بلسانك عنها، وتنشد ما انطوت عليه من محبة ذلك القبر والاعتقاد فيه والتعظيم له والاستغاثة به، فأنت مالك لها من هذه الحيثية، مملوك لها من الحيثية التي أقامتك من مقامك، ومشيت بك إلى فوق القبر، فإن تداركت نفسك بعد هذه وإلا كانت المستولية عليك المتصرفة فيك، والمتلاعبة بك في جميع ما تهواه مما قد وسوس به لها الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس. اه وأيضاً قال فيه: قد ظهر بمجموع هذا التقسيم أن من يقصد القبر ليدعو عنده هو أحد ثلاثة: إن مشى لقصد الزيارة فقط وعرض له الدعاء ولم يحصل بدعائه تغرير على الغير فذلك جائز، وإن مشى لقصد الدعاء فقط أو له مع الزيارة وكان له من الاعتقاد ما قدمنا فهو على خطر الوقوع في الشرك فضلاً عن كونه عاصياً، وإذا لم يكن له اعتقاد في الميت على الصفة التي ذكرنا فهو عاص آثم، وهذا أقل أحواله، وأحقر ما يربحه في رأس ماله. اه وأيضاً قال فيه: وإذا عرف هذا فالذي نعتقده وندين به الله أن من دعا نبياً أو ولياً أو غيرهما وسأل منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات أن هذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا أولياء وشفعاء يستجلبون بهم المنافع ويستدفعون بهم المضار بزعمهم، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ . فمن جعل الأنبياء أو غيرهم كابن عباس أو أبي طالب١ وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع بمعنى أن الخلق

стр. 170

يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملوك، أو لكونهم أقرب إلى الملك، فمن جعلهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك حلال الدم والمال وقد نص العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك وحكوا عليه الإجماع. قال في (الإقناع) : وشرحه: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم كفر إجماعاً، لأن ذلك كفعل عبادي الأصنام قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . انتهى. وقال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي ﵀: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها وإلزامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها١ وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل لي كذا وكذا وأخذ تربتها تبركاً، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى٢. انتهى. وقال الإمام البكري الشافعي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ : وكانت الكفار إذا سئلوا من خلق السموات والأرض؟ قالوا الله. فإذا سئلوا عن عبادة الأصنام قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، لأجل طلب شفاعتهم عند الله، وهذا كفر. انتهى كلامه. فتأمل ما ذكره صاحب الإقناع، وكذلك ما ذكره ابن عقيل من تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج وهو كفر.

стр. 171

قال الحافظ العماد بن كثير ﵀ في تفسيره عند قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ : أي إنما يحملهم على عبادتهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به. قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ : أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك، وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . فأخبر أن الملائكة في السموات من المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك أو أبغضوه: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ . تعالى الله عن ذلك. انتهى كلامه. وقال الإمام البكري ﵀ عند قوله: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ . الآية: فإن قلت إذا أقروا فكيف عبدوا الأصنام؟ قلت: كلهم يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله تعالى، والتقرب إليه، ولكن بطرق مختلفة، ففرقة قالت: ليس لنا أهلية عبادة الله تعالى بلا واسطة لعظمته، فعبدناها لتقربنا إليه زلفى، وفرقة قالت: الملائكة ذوو جاه ومنزلة عند الله تعالى، فاتخذنا لنا أصناماً على هيئة الملائكة لتقربنا إلى الله زلفى، وفرقة قالت: جعلنا الأصنام لنا قبلة في العبادة، كما أن الكعبة قبلة في عبادته، وفرقة اعتقدت أن لكل صنم شيطاناً موكلاً بأمر الله، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان

стр. 172

حوائجه بأمر الله، وإلا أصابه شيطانه بنكبة بإذن الله. اهـ كلامه. فانظر إلى كلام هؤلاء الأئمة وتصريحهم بأن المشركين ما أرادوا مما عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله، وتأمل ما ذكره ابن كثير، وما حكاه عن زيد بن أسلم وابن زيد ثم قال: وهذه الشبهة هي التي اعتقدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بردها والنهي عنها، وتأمل ما ذكره البكري ﵀ عند آية الزمر: إن الكفار ما أرادوا إلا الشفاعة، ثم صرح بأن هذا كفر، فمن تأمل ما ذكره الله في كتابه تبين له أن الكفار ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله، فإنهم لم يعتقدوا فيها أنها تخلق الخلائق وتنزل المطر وتنبت النبات، بل كانوا مقرين أن الفاعل لذلك هو الله وحده، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ . الآيتين، إلى غير ذلك من الآيات التي أخبر الله فيها أن المشركين معترفون أن الله هو الخالق الرازق، وإنما كانوا يعبدونهم ليقربوهم ويشفعوا لهم كما ذكره الله سبحانه في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . فبعث الله الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده، لا يجعل معه إله آخر، وأخبر أن الشفاعة كلها لله، وأنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، وأنه لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، وأنه لا يرضى إلا التوحيد، والشفاعة مقيدة بهذه القيود، قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ . وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ . وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . اهـ

стр. 173

وأيضاً قال فيه: والمقصود أن الكتاب والسنة دلا على أن من جعل الملائكة والأنبياء أو ابن عباس أو أبا طالب١ أو المحجوب وسائط بينه وبين الله يشفعون له عند الله لأجل قربهم من الله كما يفعل عند الملوك أنه كافر مشرك حلال المال والدم وإن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ وصلى وصام وزعم أنه مسلم، بل هو من الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يسحبون أنهم يحسنون صنعاً. اهـ. وأيضاً قال فيه: فإذا تبين لكم أن القرآن قد صرح بهذه المسائل الثلاث –أعني اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية، وأنهم يدعون الصالحين، وأنهم ما أرادوا منهم إلا الشفاعة– تبين لكم أن هذا الذي يفعل عند القبور اليوم من سؤال جلب الفوائد وكشف الشدائد أنه الشرك الأكبر الذي كفّر الله به المشركين، فإن هؤلاء المشركين شبهوا الخالق بالمخلوق. وفي القرآن العزيز وكلام أهل العلم من الرد على هؤلاء ما لا يتسع له هذا الموضع، فإن الوسائط التي تكون بين الملوك وبين الناس تكون على أحد وجوه ثلاثة: إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه، ومن قال إن الله لا يعرف أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الأنبياء أو غيرهم من الأولياء والصالحين فهو كافر، بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. الثاني أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان يعاونونه، فلابد له من أعوان وأنصار، لذله وعجزه! والله سبحانه ليس له ولي ولا ظهير من الذل، وكل ما في الوجود من الأسباب فهو سبحانه ربه وخالقه، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم، والله سبحانه ليس له شريك في الملك، بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، ولهذا لا يشفع عنده إلا بإذنه لا ملك مقرب ولا نبي

стр. 174

مرسل فضلاً عن غيرهما، فإن من شفع عنده بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب أثر فيه بشفاعته حتى يفعل ما يطلب منه، والله لا شريك له بوجه من الوجوه. الثالث أن يكون الملك ليس مريداً لنفع رعيته والإحسان إليهم إلا بمحرك يحركه من خارج، فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظه أو من يدل عليه بحيث يكون يرجوه أو يخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته، والله سبحانه رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو سبحانه إذا أجرى نفع العباد بعضهم على يد بعض فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع له فهو الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي إرادة الإحسان والدعاء، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده، أو يعلمه ما لم يكن يعلمه، والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون عنده إلا بإذنه كما تقدم بيانه، بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم يكون شريكاً لهم في الملك، وقد يكون مظاهراً لهم ومعاوناً لهم على ملكهم، وهم يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، والملك يقبل شفاعتهم: تارة لحاجته إليهم، وتارة لجزاء إحسانهم ومكافأتهم، حتى أنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك، فإنه محتاج إلى الزوجة والولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك ويقبل شفاعة مملوكه، فإنه إذا لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه، ويقبل شفاعة أخيه مخافة أن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس، فلا أحد يقبل شفاعة أحد إلا لرغبة أو لرهبة، والله سبحانه لا يرجو أحداً ولا يخافه، ولا يحتاج إلى أحد، بل هو الغني سبحانه عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه. اهـ. وأيضاً قال فيه: وقال شيخ الإسلام تقي الدين في الإقناع: إن من دعا ميتاً وإن كان من الخلفاء الراشدين فهو كافر، وإن من شك في كفره فهو كافر، وقال في النهر الفائق: اعلم أن الشيخ قاسماً قال في شرح البحار: إن النذر الذي يقع من أكثر العوام،

стр. 175

بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً: يا سيدي فلان إن رُد غائبي أو عوفي مريضي فلك من الذهب أو الفضة أو الشمع أو الزيت كذا، باطل إجماعاً لوجوه -إلى أن قال:- ومنها ظن أن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر، وقال ابن حجر في شرح أربعين له: من دعا غير الله فهو كافر. اهـ. وقال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀ في (الرسالة السنية) : إن كل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعاً من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني أو انصرني أو ارزقني أو أجبرني، وأنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب نجا وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده، لا يجعل معه إله آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم ويعبدون قبورهم أو صورهم ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ . الآية. اه قال العلامة ابن القيم: ومن العجب أنهم ينسبون أهل التوحيد إلى التنقص بالمشايخ والأنبياء والصالحين، وما ذنبهم إلا أن قالوا: إنهم عبيد لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وإنهم لا يشفعون لعابديهم أبداً، بل حرم الله تعالى شفاعتهم لهم، ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد إذن الله لهم في الشفاعة، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، والشفاعة كلها لله سبحانه، والولاية له، فليس لخلقه من دونه ولي ولا شفيع. فالمشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير أو عوين، وهذا أعظم التنقص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أنه يظن أنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، ولا يرحم حتى يجعله

стр. 176

الواسطة يرحم، ولا يكفي وحده أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثره به من القلة وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن يرفع تلك الحاجة إليه، كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق، أو يظن أنه لا يسمع دعاءه لبعده عنهم حتى يرفع الوسائط إليه ذلك أو يظن أن للمخلوق عليه حقاً فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته، وكل ذلك تنقص للربوبية وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب قسمه ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فيضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دون الله، فالشرك ملزم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى، ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره، وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركاً قط إلا وهو منتقص لله سبحانه وإن زعم أنه معظم له بذلك اهـ. هكذا نقله بعض المحققين في كتاب رد فيه على داود بن جرجيس العراقي لم أقف على اسمه١. وأيضاً قال فيه: وأما قول هذا الجاهل العراقي، وكذلك المسلمون يذكرون أن طلبتهم من غير الله إنما هي من باب التسبب، فالجواب أن نسبة الطلب من غير الله إلى المسلمين من أمحل المحال وأبطل الباطل، فإن المسلم لا يطلب من غير الله، فإن من طلب وسأل حاجته من ميت أو غائب فقد فارق الإسلام، لأن المشرك ينافي الإسلام، لما تقدم من أن الإسلام هو إسلام الوجه والقلب واللسان والأركان لله وحده دون ما سواه، فالمسلم المخلص يخلص دعاءه لله، والمشرك يصرف جل الدعاء والعبادة أو بعضه لغير الله، وقد عرفت مما تقدم أن الدعاء هو العبادة، وقد

стр. 177

نهى سبحانه نبيه ﷺ أن يدعو غيره فقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . وهذا خرج مخرج الخصوص وهو عام لجميع الأمة، وكذلك: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ . فظهر من هذه الآية أن الدعاء تأله المدعو، فإن المألوه هو المعبود، والعابد آلهٌ له. اهـ. وأيضاً قال فيه: وأما ما ادعاه المنحرفون عن الإيمان من أن الوسيلة هو التوسل إلى الله تعالى بالأنبياء والصالحين فهذا باطل يناقض ما ذكره الله تعالى في أول الآية من تهديد من دعاهم وإنكاره عليهم دعوتهم، وقد تقدم ما يدل على أن هذا المدعى هو بعينه دين المشركين المتخذين الشفعاء يسألونهم أن يشفعوا لهم عند الله ويقربوهم إليه زلفى، والقرآن كله من أوله إلى آخره يبطل هذه الوسيلة ويبين أنها شرك وكفر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ . وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ -إلى قوله– وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ . فتظاهرت الآيات والأحاديث على أن هذه الوسيلة التي يدعيها أولئك الضلال من التعلق بالأموات والغائبين برغبة أو رهبة أن هذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله كما تقدم ذلك صريحاً في كلام العلماء والاستدلال على ذلك بهذه الآيات ونظائرها. اه وأيضاً قال فيه: فالإجماع الصحيح هو ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ وتلقاه عنه الفقهاء في كتبهم فإنه قال: ومن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعاً. اه وأيضاً قال فيه: قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ في مسألة الوسائط –وقد سئل عن رجل قال لابد لنا من واسطة بيننا وبين الله– فأجاب: الحمد لله رب العالمين، إنه إن أراد أنه لا بد لنا من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق، فإن الخلق

стр. 178

لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به ونهى عنه ولا يعرفون ما يستحقه من أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده –إلى أن قال:- وإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة تتخذه العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار، يسألونه ويرجونه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويستدفعون بهم المضار، لكن الشفاعة لمن أذن الله له فيها. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ . وذكر قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ . وقد تقدم. فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يمكلون كشف الضر عنهم ولا تحويله، وأنهم يتقربون إليه بما يحبه ويرضاه، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويسألهم جلب المنافع وسد الفاقات، وتفريج الكربات، فهو كافر بإجماع المسلمين. اه وأيضاً فيه: وذكر شيخ الإسلام أيضاً كلامه الذي سبق في مشايخ العلم الذين جعلهم وسائط بين الرسول وأمته يبلغون عنه ويقتدون به، فمن جعلهم وسائط بين الرسول وبين أمته في البلاغ عنه فقد أصاب، وأما جعل الوسائط بين الله وبين خلقه كالحجّاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون حوائج

стр. 179

الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدباً منهم ليباشروا سؤال الملك أو أن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أنداداً، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى. وأيضاً فيه: والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان. اه وأيضاً فيه: قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيميه: (الوجه الخامس) أن يقال: نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سبباً في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ ومن الذي قال إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر كان أو غيره كان ذلك سبباً في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن الذي شرع ذلك وأمر به ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين: (إحداهما) أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله. (والثانية) أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان سبباً كونياً يجوز تعاطيه، فإن المسافر قد يكون سفره سبباً لأخذ ماله وكلاهما محرم، والدخول في دين النصارى قد يكون سبباً لمال يعطونه له وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سبباً لنيل المال يؤخذ من المشهود له وهو حرام، وكثير من الفواحش والظلم قد يكون سبباً لنيل مطالب وهو محرم، والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب وهو محرم، وكذلك الشرك كدعوة الكواكب والشياطين، بل وعبادة البشر قد تكون سبباً لبعض المطالب وهو محرم، فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كانت مفسدته راجحة على مصلحته كالخمر، وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحياناً. وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقاً وأمراً، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية. اه.

стр. 180

وقال بعض أهل العلم في كتاب رد فيه على كتاب بعض معاصريه المسمى (جلاء الغمة عن تكفير هذه الأمة) لم أقف على اسمه١: والتوسل صار مشتركاً في عرف كثير، فبعض الناس يطلقه على قصد الصالحين، ودعائهم وعبادتهم مع الله، وهذا هو المراد بالتوسل في عرف عباد القبور وأنصارهم، وهو عند الله ورسوله وعند أولي العلم من خلقه الشرك الأكبر والكفر البواح، والأسماء لا تغير الحقائق، ويطلق أيضاً في عرف السنة والقرآن وأهل العلم بالله ودينه على التوسل والتقرب إلى الله تعالى بما شرعه من الإيمان به وتوحيده وتصديق رسله وفعل ما شرعه من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، كما توسل أهل الغار الثلاثة بالبر والعفة والأمانة، فإذا أطلق التوسل في كتاب الله تعالى وسنة رسوله وكلام أهل العلم من خلقه، فهذا هو المراد به، لا ما اصطلح عليه المشركون الجاهلون بحدود ما أنزل الله على رسوله، فلبّس هذا المعترض بكلمة مشتركة ترويجاً لباطله. وأما ما ورد في السنن من السؤال بحق السائلين عليك وبحق ممشاي ونحو ذلك فالله جعل على نفسه حقاً تفضلاً منه وإحساناً إلى عباده، فهو توسل إليه بوعده وإحسانه وما جعله لعباده المؤمنين على نفسه، فليس من هذا الباب، أعني باب مسألة الله بخلقه، وقد منع ذلك فقهاء الحنفية كما حدثني به محمد بن محمود الجزائري الحنفي ﵀ بداره باسكندرية، وذكر أنهم قالوا: لا حق لمخلوق على الخالق، ويشهد بهذا ما يروى أن داود قال: "اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك". فأوحى إليه: "أي حق لآبائك عليّ؟ " أو نحو هذا. وأما الحق المشار إليه بالنفي هنا غير ما تقدم إثباته، فإن المثبت بمعنى الوعد الصادق، وما جعله الله تعالى للماشي إلى الصلاة وللسائلين من الإجابة والإثابة فضلاً منه وإحساناً، والمنفي هنا هو الحق الثابت بالمعاوضة والمقابلة على الإيمان والأعمال
следующие страницы →