← Акыда

Акыда · id 12027

صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان

محمد بشير السهسواني

Полный текст (549 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الواسطة يرحم، ولا يكفي وحده أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثره به من القلة وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن يرفع تلك الحاجة إليه، كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق، أو يظن أنه لا يسمع دعاءه لبعده عنهم حتى يرفع الوسائط إليه ذلك أو يظن أن للمخلوق عليه حقاً فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته، وكل ذلك تنقص للربوبية وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب قسمه ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فيضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دون الله، فالشرك ملزم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى، ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره، وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركاً قط إلا وهو منتقص لله سبحانه وإن زعم أنه معظم له بذلك اهـ. هكذا نقله بعض المحققين في كتاب رد فيه على داود بن جرجيس العراقي لم أقف على اسمه١. وأيضاً قال فيه: وأما قول هذا الجاهل العراقي، وكذلك المسلمون يذكرون أن طلبتهم من غير الله إنما هي من باب التسبب، فالجواب أن نسبة الطلب من غير الله إلى المسلمين من أمحل المحال وأبطل الباطل، فإن المسلم لا يطلب من غير الله، فإن من طلب وسأل حاجته من ميت أو غائب فقد فارق الإسلام، لأن المشرك ينافي الإسلام، لما تقدم من أن الإسلام هو إسلام الوجه والقلب واللسان والأركان لله وحده دون ما سواه، فالمسلم المخلص يخلص دعاءه لله، والمشرك يصرف جل الدعاء والعبادة أو بعضه لغير الله، وقد عرفت مما تقدم أن الدعاء هو العبادة، وقد

стр. 177

نهى سبحانه نبيه ﷺ أن يدعو غيره فقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . وهذا خرج مخرج الخصوص وهو عام لجميع الأمة، وكذلك: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ . فظهر من هذه الآية أن الدعاء تأله المدعو، فإن المألوه هو المعبود، والعابد آلهٌ له. اهـ. وأيضاً قال فيه: وأما ما ادعاه المنحرفون عن الإيمان من أن الوسيلة هو التوسل إلى الله تعالى بالأنبياء والصالحين فهذا باطل يناقض ما ذكره الله تعالى في أول الآية من تهديد من دعاهم وإنكاره عليهم دعوتهم، وقد تقدم ما يدل على أن هذا المدعى هو بعينه دين المشركين المتخذين الشفعاء يسألونهم أن يشفعوا لهم عند الله ويقربوهم إليه زلفى، والقرآن كله من أوله إلى آخره يبطل هذه الوسيلة ويبين أنها شرك وكفر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ . وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ -إلى قوله– وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ . فتظاهرت الآيات والأحاديث على أن هذه الوسيلة التي يدعيها أولئك الضلال من التعلق بالأموات والغائبين برغبة أو رهبة أن هذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله كما تقدم ذلك صريحاً في كلام العلماء والاستدلال على ذلك بهذه الآيات ونظائرها. اه وأيضاً قال فيه: فالإجماع الصحيح هو ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ وتلقاه عنه الفقهاء في كتبهم فإنه قال: ومن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعاً. اه وأيضاً قال فيه: قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ في مسألة الوسائط –وقد سئل عن رجل قال لابد لنا من واسطة بيننا وبين الله– فأجاب: الحمد لله رب العالمين، إنه إن أراد أنه لا بد لنا من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق، فإن الخلق

стр. 178

لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به ونهى عنه ولا يعرفون ما يستحقه من أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده –إلى أن قال:- وإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة تتخذه العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار، يسألونه ويرجونه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويستدفعون بهم المضار، لكن الشفاعة لمن أذن الله له فيها. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ . وذكر قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ . وقد تقدم. فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يمكلون كشف الضر عنهم ولا تحويله، وأنهم يتقربون إليه بما يحبه ويرضاه، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويسألهم جلب المنافع وسد الفاقات، وتفريج الكربات، فهو كافر بإجماع المسلمين. اه وأيضاً فيه: وذكر شيخ الإسلام أيضاً كلامه الذي سبق في مشايخ العلم الذين جعلهم وسائط بين الرسول وأمته يبلغون عنه ويقتدون به، فمن جعلهم وسائط بين الرسول وبين أمته في البلاغ عنه فقد أصاب، وأما جعل الوسائط بين الله وبين خلقه كالحجّاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون حوائج

стр. 179

الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدباً منهم ليباشروا سؤال الملك أو أن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أنداداً، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى. وأيضاً فيه: والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان. اه وأيضاً فيه: قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيميه: (الوجه الخامس) أن يقال: نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سبباً في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ ومن الذي قال إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر كان أو غيره كان ذلك سبباً في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن الذي شرع ذلك وأمر به ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين: (إحداهما) أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله. (والثانية) أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان سبباً كونياً يجوز تعاطيه، فإن المسافر قد يكون سفره سبباً لأخذ ماله وكلاهما محرم، والدخول في دين النصارى قد يكون سبباً لمال يعطونه له وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سبباً لنيل المال يؤخذ من المشهود له وهو حرام، وكثير من الفواحش والظلم قد يكون سبباً لنيل مطالب وهو محرم، والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب وهو محرم، وكذلك الشرك كدعوة الكواكب والشياطين، بل وعبادة البشر قد تكون سبباً لبعض المطالب وهو محرم، فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كانت مفسدته راجحة على مصلحته كالخمر، وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحياناً. وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقاً وأمراً، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية. اه.

стр. 180

وقال بعض أهل العلم في كتاب رد فيه على كتاب بعض معاصريه المسمى (جلاء الغمة عن تكفير هذه الأمة) لم أقف على اسمه١: والتوسل صار مشتركاً في عرف كثير، فبعض الناس يطلقه على قصد الصالحين، ودعائهم وعبادتهم مع الله، وهذا هو المراد بالتوسل في عرف عباد القبور وأنصارهم، وهو عند الله ورسوله وعند أولي العلم من خلقه الشرك الأكبر والكفر البواح، والأسماء لا تغير الحقائق، ويطلق أيضاً في عرف السنة والقرآن وأهل العلم بالله ودينه على التوسل والتقرب إلى الله تعالى بما شرعه من الإيمان به وتوحيده وتصديق رسله وفعل ما شرعه من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، كما توسل أهل الغار الثلاثة بالبر والعفة والأمانة، فإذا أطلق التوسل في كتاب الله تعالى وسنة رسوله وكلام أهل العلم من خلقه، فهذا هو المراد به، لا ما اصطلح عليه المشركون الجاهلون بحدود ما أنزل الله على رسوله، فلبّس هذا المعترض بكلمة مشتركة ترويجاً لباطله. وأما ما ورد في السنن من السؤال بحق السائلين عليك وبحق ممشاي ونحو ذلك فالله جعل على نفسه حقاً تفضلاً منه وإحساناً إلى عباده، فهو توسل إليه بوعده وإحسانه وما جعله لعباده المؤمنين على نفسه، فليس من هذا الباب، أعني باب مسألة الله بخلقه، وقد منع ذلك فقهاء الحنفية كما حدثني به محمد بن محمود الجزائري الحنفي ﵀ بداره باسكندرية، وذكر أنهم قالوا: لا حق لمخلوق على الخالق، ويشهد بهذا ما يروى أن داود قال: "اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك". فأوحى إليه: "أي حق لآبائك عليّ؟ " أو نحو هذا. وأما الحق المشار إليه بالنفي هنا غير ما تقدم إثباته، فإن المثبت بمعنى الوعد الصادق، وما جعله الله تعالى للماشي إلى الصلاة وللسائلين من الإجابة والإثابة فضلاً منه وإحساناً، والمنفي هنا هو الحق الثابت بالمعاوضة والمقابلة على الإيمان والأعمال

стр. 181

الصالحات، فالأول يعود ويرجع إلى التوسل بصفاته الفعلية الذاتية، والثاني يرجع إلى التوسل بذوات المخلوقين، فتأمله فإنه نفيس جداً. اه وقال أيضاً فيه قبيله: فاعلم أن قول الملحد "فجعل بكلامه هذا كما ترى التوسل بذوات الصالحين والرسل عليهم الصلاة والسلام وطلبه جل وعلا بأوليائه من دين المشركين الشرك الأكبر المخرج عن الملة وكفر به، كما ترى صريحاً من قوله تمويه وتلبيس أدخل فيه قوله "وطلبه جل وعلا بأوليائه" ليوهم الجهال ومن لا علم عندهم بحقيقة الحال، وموضوع الكلام أن مراد الشيخ مسألة التوسل في دعاء الله بجاه الصالحين، وهذه مسألة ودعاء الصالح وقصده فيما لا يقدر عليه إلا الله مسألة أخرى، فخلطهما ليروّج باطله فقبحاً قبحاً، وسحقاً سحقاً لمن ورث اليهود، وحرف الكلم عن مواضعه، وكلام الشيخ صريح فيمن دعا مع الله إلهاً آخر في حاجاته وملماته وقصده بعباداته فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى كحال من عبد عبد القادر أو أحمد البدوي أو العيدروس أو علياً والحسين، ومع هذا الصنيع الفظيع، والشرك الجلي، يقول: أنا لا أشرك بالله شيئاً، وأشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله، ظناً منهم أن ذلك هو الإسلام فقط، وأنه ينجو به من الشرك وما رتب عليه، فكشف الشيخ شبهته، وأدحض حجته بما تقدم من الآيات: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . وأما مسألة الله تعالى بحق أنبيائه وأوليائه أو بجاههم، بأن يقول السائل "اللهم إني أسألك بحق أنبيائك أو بجاه أوليائك" أو نحوها فليس الكلام فيه ولم يقل الشيخ إنه شرك ولا له ذكر في كلامه، وحكمه عند أهل العلم معروف، وقد نص على المنع منه جمهور أهل العلم، بل ذكره الشيخ في رده على ابن البكري أنه لا يعلم قائلاً بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق النبي ﷺ ولم يجزم بذلك، بل علق القول على ثبوت حديث الأعمى وصحته، وفيه من لا يحتج به عند أهل الحديث، وعلى تسليم صحته فليس الكلام فيه. اه وأيضاً قال فيه: حديث الأعمى قد تكلم فيه أهل الحديث ولم يصححوه كما تقدم،

стр. 182

لأن فيه من لا يحتج به، ولذلك توقف ابن عبد السلام في صحته وقال: إن صح الحديث فيجوز ذلك بالنبي خاصة، وغيره يقول: إن صح الحديث فليس فيه ما ذهب إليه من أجاز سؤال الله بجاه خلقه وبحقهم، لأن نص الحديث يفيد أن النبي ﷺ دعا له وسأل الله أن يرد بصره، فهو توسل بدعائه كما في حديث عمر ﵁ "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك". فدعاء الأنبياء وأقاربهم المؤمنين وأهل الفضل والصلاح من أعظم الوسائل إلى الله تعالى، وما المانع أن يكون هذا هو المراد؟ وعلى كل تقدير فالنزاع ليس في هذا، وكلام شيخنا ليس فيه، وإنما أورده المعترض لبساً ومغالطة، والمعترض ظن أن قول شيخنا فيما حكاه من شبه المشرك، وأنه يقول: وأطلب من الله بهم بجاههم وحقهم، وليس كذلك، لأن سياق الكلام وموضوعه فيمن يدعوهم مع الله، ويجعلهم وسائط بينه وبين ربه، في شأنه وأمره، وحاجته وملماته، فالمعنى حينئذ أطلب من الله بواسطتهم، بمعنى أنه يدعوهم لتحصيل مراده ومطلوبه من الله تعالى، فالغبي لم يفهم، ولبس وموه كما تقدم. وقال الشيخ حسين بن غنام الأحسائي في (روضة الأفكار والأفهام، لمرتاد حال الإمام) : (العاشرة) قولهم في الاستسقاء: لا بأس بالتوسل بالصالحين، وقول أحمد يتوسل بالنبي ﷺ خاصة مع قولهم إنه لا يستغاث بمخلوق، فالفرق ظاهر جداً، وليس الكلام مما نحن فيه، فكون بعضهم يرخص بالتوسل بالصالحين وبعضهم يخصه بالنبي ﷺ ، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه، هذه المسألة من مسائل الفقه ولو كان الصواب عندنا قول الجمهور إنه مكروه فلا ننكر على من فعله، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، لكن إنكارنا على من دعا المخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى، ويقصد القبر يتضرع عند الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب منه تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإعطاء الرغبات، فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين، لا يدعو مع الله أحداً، ولكن يقول في دعائه: أسألك بنبيك أو بالمرسلين أو بعبادك الصالحين، أو يقصد قبر معروف أو غيره يدعو عنده، لكن لايدعو إلا الله يخلص له الدين، فأين هذا مما نحن فيه؟!

стр. 183

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرسالة التي كتبها لأهل مكة بعد مناظرتهم إذا عرف هذا فالذي نعتقده وندين الله به أن من دعا نبياً أو ولياً أو غيرهما، وسأل منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، أن هذا من أعظم الشرك الذي كفرّ الله به المشركين، حيث اتخذوا أولياء وشفعاء يستجلبون بهم المنافع، ويستدفعون بهم المضار بزعمهم، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ . فمن جعل الأنبياء أو غيرهم كابن عباس أو المحجوب أو أبي طالب وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لكونهم أقرب إلى الملك، فمن جعلهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك حلال الدم والمال. اه وقال الشيخ في الرسالة التي كتبها إلى عبد الله بن سحيم: إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها ما هو البهتان الظاهر وهي قوله إني مبطل كتب المذاهب، وقوله إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وقوله إني أدّعي الاجتهاد، وقوله إني خارج عن التقليد، وقوله إني أقول إن اختلاف العلماء نقمة، وقوله إني أكفر من توسل بالصالحين –إلى أن قال– فهذه اثنا عشر مسألة جوابي فيها أن أقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ . ولكن كان قبله من بهت محمداً ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ . وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة وعيسى وعزيراً في النار فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ . الآية اه قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الرسالة التي اختصرها من رسائل محمد بن عبد الوهاب المؤلفة في التوحيد: فأخبر ﵎ أن دعاء غير الله شرك، فمن قال: يا رسول الله، أو يا ابن عباس أو يا عبد القادر أو يا محجوب أو غيرهم، زاعماً أنه باب حاجته إلى الله تعالى وشفيعه

стр. 184

عنده، ووسيلته إليه، فهو المشرك الذي يهدر دمه ويباح ماله، إلا أن يتوب من ذلك. اه وقال في موضع آخر: ونثبت لنبينا محمد ﷺ الشفاعة يوم القيامة كما ورد أيضاً، ونسألها من الله المالك لها والآذن فيها لمن شاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد، بأن يقول أحدنا متضرعاً إلى الله تعالى: الهم شفع نبينا محمداً ﷺ فينا يوم القيامة، أو: اللهم شفع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك، ونحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم، فلا يقال: يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة وغيرها وأدركني وأغثني أو انصرني على عدوي أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله، فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من الكتاب ولا من السنة، ولا حث من السلف الصالح عن ذلك، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف أن ما ذكر شرك أكبر، قاتل عليه رسول الله ﷺ . اه وأيضاً قال فيها: وأما التوسل، وهو أن يقول اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد ﷺ أو بجاه عبادك الصالحين أو نحو ذلك، فهو من البدعة المذمومة، إذ لم يرد بذلك نص. اه قال العلامة السيد نعمان خير الدين الشهير بابن الآلوسي البغدادي في (جلاء العينين في محاكمة الأحمدين) : الخاتمة في التوسط بين القولين، وهو عند المنصف قرة عين الفريقين، فقد قال الوالد عليه الرحمة في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ . ما نصه: "واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد، والقسم على الله تعالى بهم بأن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا، ومنهم من يقول للغائب أو الميت من عباد الله تعالى الصالحين: يا فلان ادع الله تعالى ليرزقني كذا، ويزعمون أن ذلك من باب ابتغاء الوسيلة ويروون عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور" أو "فاستغيثوا بأهل القبور". وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل.

стр. 185

"وتحقيق الكلام في هذا المقام أن الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حياً، ولا يتوقف على أفضليته من الطالب، بل قد يطلب الفاضل من المفضول، فقد صح أنه ﷺ قال لعمر ﵁ لما استأذنه في العمرة "لا تنسنا يا أخي من دعائك"، وأمره أيضاً أن يطلب من أويس القرني ﵀ أن يستغفر له، وأمر أمته ﷺ بطلب الوسيلة له وبأن يصلوا عليه، وأما إذا كان المطلوب منه ميتاً أو غائباً فلا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف، نعم السلام على أهل القبور مشروع ومخاطبتهم جائزة. اه وأيضاً قال فيه: وأما القسم على الله تعالى بأحد من خلقه مثل أن يقال: اللهم إني أقسم عليك أو أسألك بفلان إلا ما قضيت لي حاجتي، فعن العز بن عبد السلام جواز ذلك في النبي ﷺ لأنه سيد ولد آدم، ولا يجوز أن يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وقد نقل ذلك عن المناوي في شرحه الكبير للجامع الصغير، ودليله في ذلك ما رواه الترمذي –وقال حديث حسن صحيح– عن عثمان بن حنيف ﵁ أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ قال: ادع الله تعالى أن يعافيني" فقال "إن شئت دعوتُ وإن شئت صبرتَ فهو خير لك". قال فادعه، فأمره ﵊ أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء "اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك نبي الرحمة، يا رسول الله إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، اللهم فشفعه في" ونقل عن أحمد مثل ذلك. "ومن الناس من منع التوسل بالذات، والقسم على الله تعالى بأحد من خلقه مطلقاً، وهو الذي يرشح به كلام التقي بن تيميه، ونقله عن الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما من العلماء الأعلام، وأجاب عن الحديث بأنه على حذف مضاف أي بدعاء أو شفاعة نبيك ﷺ ، ففيه جعل الدعاء وسيلة، وهو جائز بل مندوب، والدليل على هذا التقدير قوله في آخر الحديث "اللهم فشفعه في" بل في أوله أيضاً ما يدل على ذلك، وقد شنع السبكي –كم هي عادته– على التقي فقال: ويحسن التوسل

стр. 186

والاستغاثة بالنبي ﷺ إلى ربه ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيميه فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم وابتدع ما لم يقله عالم وصار بين الإسلام مثلة. اه "وأنت تعلم أن الأدعية المأثورة عن أهل البيت الطاهرين وغيرهم من الأئمة ليس فيها التوسل بالذات المكرمة ﷺ ، ولو فرضنا وجود ما ظاهره ذلك فمؤول بتقدير مضاف كما سمعت، أو نحو ذلك كما ستسمع إن شاء الله تعالى، ومن ادعى النص فعليه البيان، وما رواه أبو داود في سننه وغيره من أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : إنا نستشفع بك إلى الله تعالى ونستشفع بالله تعالى عليك، فسبح رسول الله ﷺ حتى رؤى ذلك في وجوه أصحابه فقال ﷺ " ويحك أتدري ما الله تعالى؟ إن الله تعالى لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله تعالى أعظم من ذلك" لا يصلح دليلاً على ما نحن فيه حيث أنكر عليه قوله نستشفع بالله عليك، ولم ينكر ﵊ قوله نستشفع بك على الله لأن معنى الاستشفاع به ﷺ طلب الدعاء منه وليس معناه الإقسام به على الله تعالى ولو كان معنى الإقسام الاستشفاع فلم أنكر النبي ﷺ مضمون الجملة الثانية دون الأولى؟ وعلى هذا لا يصلح الخبر ولا ما قبله لمن ادعى جواز لمن ادعى جواز الإقسام بذاته ﷺ حياً وميتاً، وكذا بذات غيره من الأرواح المقدسة مطلقاً، قياساً عليه –﵊– بجامع الكرامة وإن تفاوتت قوة وضعفاً، وذلك لأن ما في الخبر الثاني استشفاع لا إقسام، وما في الخبر الأول ليس نصاً في محل النزاع، وعلى تقدير التسليم ليس فيه إلا الإقسام بالحي والتوسل به، وتساوي حالتي حياته ووفاته ﷺ في هذا الشأن يحتاج إلى نص، ولعل النص على خلافه، ففي صحيح البخاري عن أنس أن عمر ابن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس ﵁، قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. فإنه لو كان التوسل به ﵊ بعد انتقاله من هذه الدار جائزاً لما عدلوا عن غيره، بل كانوا يقولون: اللهم إننا نتوسل إليك بنبينا فاسقنا، وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس، إلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون أدنى مساغ، لذلك فعدولهم هذا مع أنهم السابقون الأولون وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله ﷺ وبحقوق

стр. 187

الله تعالى ورسوله ﵊ وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق، دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره، وما ذكر من قياس غيره من الأرواح المقدسة عليه ﷺ مع التفاوت في الكرامة الذي لا ينكره إلا منافق مما لا يكاد يسلم. "على أنك قد علمت أن الإقسام به ﷺ على ربه عز شأنه حياً وميتاً مما لم يقم النص عليه، لا يقال إن في خبر البخاري دلالة على صحة الإقسام به ﵊ وكذا بغيره كذلك، أما الأول فلقول عمر ﵁: كنا نتوسل بنبيك ﷺ ، وأما الثاني فلقوله: إنا نتوسل بعم نبيك، لما قيل إن هذا التوسل ليس من باب الإقسام، بل هو من جنس الاستشفاع، وهو أن يطلب من الشخص الدعاء والشفاعة ويطلب من الله تعالى أن يقبل دعاءه وشفاعته، ويؤيد ذلك أن العباس كان يدعو وهم يؤمنون لدعائه حتى سقوا. "وقد ذكر التقي أن لفظ التوسل بالشخص والتوجه إليه وبه فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح فمعناه في لغة الصحابة ﵃ أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون التوسل والتوجه في الحقيقة بدعائه وشفاعته وذلك لا محذور فيه، وأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى بذلك ويقسم به عليه، وهذا هو محل النزاع، وقد علمت الكلام فيه، وجعل من الإقسام الغير المشروع قول القائل: اللهم أسألك بجاه فلان، فإنه لم يرو عن أحد من السلف أنه دعا كذلك، وقال: إنما يقسم به تعالى وبأسمائه وصفاته، فيقال: أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت يا الله المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك –الحديث– ونحو ذلك من الأدعية المأثورة. وما يذكره بعض العامة من قوله ﷺ "إذا كانت لكم إلى الله تعالى حاجة فاسألوا الله تعالى بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم" لم يروه أحد من أهل العلم، ولا هو في شيء

стр. 188

من كتب الحديث، وما رواه القشيري عن معروف الكرخي قدس سره أنه قال لتلامذته: إن كانت لكم إلى الله حاجة فأقسموا عليه بي فإني الواسطة بينكم وبينه ﷻ الآن، لا يوجد له سند يعوّل عليه عن المحدثين، وأما ما رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في دعاء الخارج إلى الصلاة "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة، ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة ". ففي سنده العوفي وفيه ضعف، وعلى تقدير أن يكون من كلام النبي ﷺ يقال فيه: إن حق السائلين عليه تعالى أن يجيبهم، وحق الماشين في طاعته أن يثيبهم، والحق بمعنى الوعد الثابت المحقق الوقوع فضلاً لا وجوباً كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وفي الصحيح من حديث معاذ "حق الله تعالى على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحقهم عليه إن فعلوا ذلك أن لا يعذبهم" فالسؤال حينئذ بالإثابة والإجابة وهما من صفات الله تعالى الفعلية والسؤال بها مما لا نزاع فيه، فيكون هذا السؤال كالاستعاذة في قوله ﷺ "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك" فمتى صحت الاستعاذة بمعافاته صح السؤال بإثابته وإجابته، وعلى نحو ذلك يخرج سؤال الثلاثة لله بأعمالهم، على أن التوسل بالأعمال معناه التسبب بها لحصول المقصود، ولا شك أن الأعمال الصالحة سبب لثواب الله تعالى لنا ولا كذلك ذوات الأشخاص نفسها، والناس قد أفرطوا اليوم في الإقسام على الله تعالى: فأقسموا عليه عز شأنه بمن ليس في العير ولا في النفير، وليس عنده من الجاه قدر قطمير، وأعظم من ذلك أنهم يطلبون من أصحاب القبور نحو شفاء المريض وإغناء الفقير ورد الضال وتيسير كل عسير، وتوحي إليهم شياطينهم خبر: إذا أعيتكم الأمور الخ١. وهو حديث مفترى على رسول الله ﷺ بإجماع العارفين بحديثه لم يروه أحد من العلماء ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وقد نهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد ولعن على ذلك، فكيف يتصور منه ﵊ الأمر بالاستغاثة بها، والطلب من أصحابها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

стр. 189

"وعن أبي يزيد البسطامي قدس الله سره أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون، ومن كلام السجاد ﵁: إن طلب المحتاج من المحتاج سفه في رأيه وضلة في عقله، ومن دعاء موسى ﵇ "وبك المستغاث" وقال ﷺ لابن عباس ﵁ "إذا استعنت فاستعن بالله" الخبر، وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . وبعد هذا كله أنا لا أرى بأساً في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي ﷺ عند الله تعالى حياً وميتاً١، ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة من صفاته تعالى، مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته، فيكون معنى قول القائل: إلهي أتوسل بجاه نبيك ﷺ أن تقضي لي حاجتي: إلهي اجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي، ولا فرق بين هذا وقولك: إلهي أتوسل برحمتك أن تفعل كذا، إذ معناه أيضاً: إلهي اجعل رحمتك وسيلة في فعل كذا، بل لا أرى بأساً أيضاً بالإقسام على الله تعالى بجاهه ﷺ بهذا المعنى، والكلام في الحرمة كالكلام في الجاه، ولا يجري ذلك في التوسل والإقسام بالذات البحت. نعم لم يعهد التوسل بالجاه والحرمة عن أحد من الصحابة ﵃، ولعل ذلك كان تحاشياً منهم عما يخشى أن يعلق به في أذهان الناس إذ ذاك وهم قريبو عهد بالتوسل بالأصنام شيء٢، ثم اقتدى بهم من خلفهم من الأئمة الطاهرين، وقد ترك رسول الله ﷺ هدم الكعبة وتأسيسها على قواعد إبراهيم لكون القوم حديثي عهد بكفر كما ثبت ذلك في الصحيح. وهذا الذي ذكرته إنما هو لدفع الحرج عن الناس، والفرار من دعوى تضليلهم كما يزعمه البعض في التوسل بجاه عريض الجاه ﷺ ، لا للميل إلى أن الدعاء كذلك أفضل من استعمال الأدعية المأثورة التي جاء بها الكتاب وصرحت بها ألسنة السنة، فإنه لا يستريب منصف في أن ما علمه الله تعالى ورسوله ﷺ ودرج عليه الصحابة الكرام ﵃ وتلقاه من بعدهم بالقبول أفضل وأجمع وأنفع وأسلم، فقد

стр. 190

قيل ما قيل إن حقاً وإن كذباً. بقي ههنا أمران: (الأول) أن التوسل بجاه غير النبي ﷺ لا بأس به أيضاً إن كان المتوسل بجاهه مما علم أن له جاهاً عند الله تعالى كالمقطوع بصلاحه وولايته، وأما من لا قطع في حقه بذلك فلا يتوسل بجاهه لما فيه من الحكم الضمني على الله تعالى بما لم يعلم تحققه منه عز شأنه، وفي ذلك جرأة عظيمة على الله تعالى. (الثاني) أن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات، وغيرهم مثل: يا سيدي فلان أغثني، وذلك ليس من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك، وأن لا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركاً، وإن لا يكنه فهو قريب منه، ولا أرى أحداً ممن يقول بذلك إلا وهو يعتقد أن الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب، أو يسمع النداء، ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه، ولا فتح فاه: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ . فالحزم التجنب عن ذلك، وعدم الطلب إلا من الله تعالى القوي الغني الفعال لما يريد. ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه من أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق ﵁: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فجاءوا إليه فقال: إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله تعالى" لم يشك في أن الاستغاثة بأصحاب القبور الذين هم بين سعيد شغله نعيمه وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقي ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه، والإصاخة إلى أهل ناديه، أمر يجب اجتنابه، ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه. ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق قد تقضى حاجته، وتنجح طلبته، فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه ، وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به، هيهات هيهات، إنما هو شيطان أضله وأغواه، وزين له هواه، وذلك ما يتكلم الشيطان في الأصنام ليضل عبدتها الطغام، وبعض

стр. 191

الجهلة يقول إن ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته كرامة له! ولقد ساء ما يحكمون، لأن التطور والظهور وإن كانا ممكنين لكن لا في مثل هذه الصورة، وعند ارتكاب هذه الجريرة، نسأل الله تعالى بأسمائه أن يعصمنا من ذلك، ونتوسل بلطفه أن يسلك بنا وبكم أحسن المسالك. اه١ وهو توسط عند ذوي العقول مقبول، موافق للمنقول والمعقول، ولا أظنك تجده في كتاب، فهو اللباب لذوي الألباب. وقال الوالد عليه الرحمة أيضاً في باب الإشارة من تفسيره ما نصه: قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ . الآية. فيه إشارة إلى ذم المتصوفة الذين إذا سمعوا الآيات الرادة عليهم ظهر عليهم التجهم والبسور، وهم في زماننا كثيرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً﴾ الآية، إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة، غافلين عن الله تعالى وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ننذر لله تعالى ونجعل ثوابه للولي، ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم أو رد غائبهم أو نحو ذلك، والظاهر من حالهم الطلب، ويرشدك إلى ذلك أنه لو قيل انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا. وقال أيضاً عند تفسير قوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . الآية ما نصه: فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ

стр. 192

الأمة، ولا ترى فيهم أحداً يخص مولاه، بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له ببال، أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال. فبالله تعالى عليك قل لي: أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلاً، وأي الداعين أقوم قيلا؟ وإلى الله سبحانه المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة، وتلاطمت أمواج الضلالة، وغرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف. اهـ. ومما يفتى به في هذا المقام ما أنشدنيه لنفسه مفتى مصرنا مدينة السلام وهو قوله: ولا تدع في حاجة بازاً ولا أسدا١ ... الله ربك لا تشرك به أحدا وهو كلام يرشح منه التوحيد، ويكفى من القلادة ما أحاط بالجيد، اهـ ما في جلاء العينين. هذا كله ما عن لي أن أذكره في هذا المقام، من كلام الأئمة الأعلام، والآن اكتب ما ألقى الله تعالى في روعي في هذا الباب، وإن كان مأخوذاً من أقوال من سلف من أهل العلم واللباب، وفي مطاوي هذا التقرير أبين إن شاء الله تعالى بعض ما أظهره الله لي من النقض والإبرام، والرد والقبول في هاتيك الأقوال، وليس المقصود منه إلا إظهار الحق والصواب من دون تعصب لقول دون قول فإنه من سيئ الخلال، فأقول مستعيناً بالرحمن الرحيم، ومتوسلاً بفضله العظيم:

стр. 193

معنى الوسيلة والتوسل لغة وشرعا ... بتحقيق المؤلف لمسألة التوسل١ إنه لا بد هناك أولاً من بيان معنى التوسل لغة وشرعاً ثم بيان حكمه قسماً قسماً. قال العلامة أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي في المصباح المنير: وسلت إلى الله بالعمل أسل -من باب وعد- رغبت وتقربت، ومنه اشتقاق الوسيلة، وهي ما يتقرب به إلى الشيء، والجمع الوسائل، والوسيل قيل جمع وسيلة وقيل لغة فيها، وتوسل إلى ربه بوسيلة تقرب إليه بعمل. اه وقال في النهاية: وفي حديث الأذان "آت محمداً الوسيلة". هي في الأصل ما يتوسل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل، يقال وسل إليه وسيلة وتوسل، والمراد به في الحديث القرب من الله تعالى، وقيل هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل هي منزل من منازل الجنة، كذا جاء في الحديث. اه وقال في مجمع البحار: لأن الواصل إليها يكون قريباً من الله، ومنه "سلوا الله لي الوسيلة". طلب من أمته الدعاء له افتقاراً إلى الله هضماً لنفسه لتنتفع به أمته ويثاب عليه، أو للإرشاد ليسأل كل صاحبه الدعاء له. اه وقال الجوهري في الصحاح: الوسيلة ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسيل والوسائل والتوسيل والتوسل واحد، يقال وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل، والواسل الراغب إلى الله، قال لبيد: بلى كل ذي دين إلى الله واسل ... انتهى ملخصاً. وقال في القاموس: الوسيلة والواسلة المنزلة عند الملك والدرجة والقربة، ووسل إلى الله تعالى توسيلاً عمل عملاً تقرب به إليه كتوسل، والواسل الواجب والراغب إلى الله تعالى. اهـ. وهذا الذي ذكرنا يعلم منه معنى التوسل اللغوي. وأما معناه الشرعي فتحقيقه متوقف على استقراء مواقع هذا اللفظ في الكتاب

стр. 194

والسنة، فليعلم أن هذا اللفظ قد جاء في سورة المائدة قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قال سفيان الثوري عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس: أي القربة، وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وابن زيد وغير واحد، وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ . وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه، وأنشد عليه ابن جرير قال الشاعر: إذا غفل الواشون عدنا لوصلها ... وعاد التصافي بيننا والوسائل والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود. والوسيلة أيضاً علم لأعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش اهـ. وهكذا في سائر التفاسير، وقال تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ . قال الحافظ ابن كثير: الوسيلة هي القربة كما قال قتادة، ولهذا قال: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ . وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: " من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" رواه البخاري. قال الحافظ في الفتح: قوله: "رب هذه الدعوة" بفتح الدال، زاد البيهقي من طريق محمد بن عون عن علي بن عياش "اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة". قوله "الوسيلة" هي ما يتقرب به إلى الكبير، يقال توسلت أي تقربت، وتطلق على المنزلة

стр. 195

العلية، وقع ذلك في حديث عبد الله بن عمر، وعند مسلم بلفظ "فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله" الحديث، ونحوه للبزار عن أبي هريرة، ويمكن ردها إلى الأول بأن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله فتكون كالقربة التي يتوسل بها. اه قال المؤلف: محمد بن عون الخراساني عن عكرمة، قال النسائي: متروك، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال عباس عن ابن معين: ليس بشيء، كذا في الميزان فلا تصلح روايته لأن يحتج بها على مسألة من مسائل الشرع، فليعلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة". رواه مسلم. قال النووي: وأما لغاته ففيه الوسيلة، وقد فسرها قوله ﷺ : "فإنها منزلة من الجنة" قال أهل اللغة: الوسيلة المنزلة عند الملك. اه. وعن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال فيسقون. رواه البخاري، وقد نقلنا فيما تقدم رواية الزبير بن بكار التي فيها صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك من الفتح، فتذكر فإنها تفيد أن التوسل بالعباس ﵁ إنما كان بدعائه لا بذاته. وأيضاً قال في الفتح: وأخرج -يعني ابن الزبير بن بكار- أيضاً من طريق داود عن عطاء بن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس ابن عبد المطلب فذكر الحديث وفيه فخطب الناس عمر ﵁ فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله ﷺ في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله. وفيه فما برحوا حتى سقاهم الله. اهـ. فتحصل من هذا كله أن التوسل في اللغة التقرب، والوسيلة هي ما يتقرب به إلى الشيء، ولم يجعل الشرع للتوسل حقيقة غير الحقيقة اللغوية، نعم جعل للوسيلة حقيقة

стр. 196

حيث استعمل في الآيتين بمعنى القربة باتفاق المفسرين، وفي الحديثين بمعنى أعلى منزلة في الجنة، ولا مرية في كون المعنى الأخير حقيقة شرعية، وأما كون المعنى الأول أي القربة حقيقة شرعية ففيه تأمل لا يخفى على من له أدنى تأمل، وبعد اللتيا والتي فالتوسل إلى الله تعالى على أنواع: (أحدهما) التوسل بأسمائه تعالى وصفاته، وهو ثابت بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأنك أن الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال "دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب". رواه الترمذي وأبو داود كذا في المشكاة. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بأبي عياش زيد بن الصامت الزرقي وهو يصلي وهو يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت يا منان يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام. فقال رسول الله ﷺ : "لقد سألت الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى". رواه أحمد واللفظ له وابن ماجه. ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم، وزاد هؤلاء الأربعة: "يا حي يا قيوم". وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. كذا في الترغيب والترهيب للمنذري. وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إني أسألك باسمك الطاهر الطيب المبارك الأحب إليك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت وإذا استرحمت به رحمت وإذا استفرجت به فرجت" قال فقال يوماً: ياعائشة: "هل علمت أن الله قد دلني على الاسم الذي إذا دعي به أجاب". قالت فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله فعلمنيه، قال "إنه لا ينبغي لك يا عائشة". قالت فتنحيت وجلست ساعة ثم قمت فقبلت رأسه ثم قلت: يا رسول الله علمنيه، قال: "إنه لا ينبغي لك يا عائشة أن أعلمك، إنه لا ينبغي لك أن تسألي به شيئاً للدنيا" قالت فقمت فتوضأت

стр. 197

ثم صليت ركعتين، ثم قلت: اللهم إني أدعوك الله وأدعوك الرحمن وأدعوك البر الرحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم أن تغفر لي وترحمني. قالت: فاستضحك رسول الله ﷺ ثم قال: "إنه لفي الأسماء التي دعوت بها" رواه ابن ماجه. و (الثاني) التوسل بالأعمال الصالحة، وهذا أيضاً ثابت بالكتاب والسنة الصحيحة، أما الكتاب فما تقدم ذكره من الآيتين اللتين فيهما ذكر الوسيلة، فإن المراد بها بإجماع المفسرين هي القربة، وفي قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . إشارة إلى ذلك، فإن العبادة قدمت على الاستعانة لكون الأولى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب وأدعى إلى الإجابة، كذا في البيضاوي وغيره يدل عليه قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ . والمعنى: استعينوا على حوائجكم وما تؤملون من خير الدنيا والآخرة إلى الله تعالى بالصبر والصلاة، حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب، كذا في البيضاوي وغيره، وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير عن حذيفة قال: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وأما السنة فما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر، فمالوا إلى غاز في الجبل، فانحت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها". الحديث متفق عليه، والحديث دال على أنه يستحب للإنسان أن يتوسل بصالح أعماله إلى الله تعالى، فإن هؤلاء فعلوه واستجيب لهم، وذكره النبي ﷺ في معرض الثناء عليهم، وجميل فضائلهم، لكن الثابت منه إنما هو توسل الشخص بأعمال نفسه لا بأعمال غيره من الأنبياء والصالحين، كما زعم الإمام الشوكاني ﵀. و (الثالث) أن يتوسل بالنبي ﷺ بتصديقه على الرسالة، والإيمان بماجاء به، طاعته في أمره ونبيه، ونصرته حياً وميتاً، ومعاداة من عاداه، ومولاة من ولاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته، ونشر شريعته، ونفي التهمة عنها واستشارة علومها، والتفقه في معانيها والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها،

стр. 198

وتعليمها وإعظامها وإجلالها، والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ومحبته ومحبة أهل بيته وأصحابه ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من عترته وصحبه ودعاء الوسيلة له، والصبر على لأواء مهجره وشدته ونحو ذلك، وكذلك التوسل بالصالحين بمحبتهم وتوقيرهم وإجلالهم، وما يحذو حذوه. وهذا التوسل هو عين دين الإسلام لا يجحده أحد من المسلمين، لكن هذا التوسل في الحقيقة هو التوسل بالأعمال الصالحة، وإن سماه أحد توسلاً بالأنبياء والصالحين فلا يتغير حكمه بهذه التسمية، فإن العبرة للمسمى والمعنون لا للاسم والعنوان. (الرابع) التوسل بدعاء النبي ﷺ في حياته كفاحاً، وكذلك التوسل بدعاء الصالحين، ومنه قول عمر ﵁: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. ومنه قول أعرابي حين أصابت الناس سنة على عهد النبي ﷺ : يا رسول الله هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، ومنها ما كانت الصحابة ﵃ من أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة جاء إليه، فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . وهذا أيضاً مما لا نزاع فيه لأحد، وعليه يحمل حديث الضرير "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" على تقدير ثبوته، أي بدعاء نبيك، ويدل عليه لفظ فقال "ادع الله" وقوله "اللهم شفعه فيّ". (الخامس) أن يدعو الرب سبحانه بإضافته إلى عباده الصالحين، كما في حديث عائشة ﵂ "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل" المروي في صحيح مسلم. فلو قال أحد في دعائه: اللهم رب إبراهيم وموسى وعيسى وداود ومحمد -أو قال- اللهم رب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -أو قال- اللهم رب فاطمة والحسن والحسين -أو قال- اللهم رب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -أو قال- اللهم رب البخاري

стр. 199

ومسلم والترمذي وأبي داود وابن ماجه -أو قال- اللهم رب معروف الكرخي وأبي يزيد البسطامي والشيخ عبد القادر الجيلاني وجنيد، فلا أرى به بأساً. (السادس) التوسل بالصلاة على النبي ﷺ ، كما روى عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء، وليصل ركعتين، ثم ليثن على الله وليصل على النبي ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم" الحديث رواه الترمذي وابن ماجه، وفي سنده فائد بن عبد الرحمن بن أبي الورقاء، وهو وإن كان عند الجمهور ضعيفاً لكن قال الحاكم إنه مستقيم الحديث١، ولهذا شاهد من حديث أنس فكان صالحاً لأن يحتج به. وقد ورد في حديث أبي بن كعب في فضل الصلاة قال: "إذاً تكفي همك، ويكفر لك ذنبك" رواه الترمذي. وعن فضالة بن عبيد قال: بينما رسول الله ﷺ قاعد إذ دخل رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول الله ﷺ "عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصل عليّ ثم ادعه" قال ثم صلى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي ﷺ فقال له النبي "أيها المصلي ادع تجب". رواه الترمذي، وروى أبو داود والنسائي نحوه. وعن عبد الرحمن بن مسعود قال: كنت أصلي والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله تعالى ثم الصلاة على النبي ﷺ ثم دعوت لنفسي فقال النبي ﷺ : "سل تعطه" رواه الترمذي، وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منها شيء حتى تصلي على نبيك، رواه الترمذي. وعن علي ﵁ قال: كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد ﷺ . رواه الطبراني في الأوسط موقوفاً ورواته ثقات.

стр. 200

و (السابع) أن يقول: اللهم أسألك بحق فلان عبدك أو بجاهه أو حرمته أو نحو ذلك، فعن العز بن عبد السلام ومن تابعه عدم الجواز إلا بالنبي ﷺ . وعند الحنابلة في أصح القولين أنه مكروه كراهة تحريم. ونقل القدوري وغيره من الحنفية عن أبي يوسف أنه قال قال أبو حنيفة ﵀: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وذكر العلائي في شرح التنوير عن التتار خانية عن أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله سبحانه إلا به. وفي جميع متونهم أن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء وبحق البيت والمشعر الحرام مكروه كراهة تحريم، وهي كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد، وعللوا ذلك كلهم بقولهم: لأنه لا حق للمخلوق على الخالق. قلت: قد ورد في حديث معاذ المتفق عليه قال: كنت ردف النبي ﷺ على حمار ليس بني وبينه إلا مؤخرة الرحل فقال: "يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً". فقد ثبت بهذا الحديث أن للمخلوق أيضاً حقاً على الله، فالتعليل المذكور فاسد، فإن أُوّلَ الحديث فليؤول بمثله قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء، ولكن مجرد ثبوت الحق للمخلوق على الخالق لا يقتضي جواز السؤال به، فالقول الفصل في ذلك الفصل أن السؤال بحق فلان إن ثبت بحديث صحيح أو حسن فلا وجه للمنع، وإن لم يثبت فهي بدعة، وقد عرفت فيما سلف أن كل حديث ورد في هذا الباب لا يخلو عن مقال ووهن، فالأحوط ترك هذه الألفاظ، وقد جعل الله في الأمر سعة، وعلمنا النبي ﷺ التوسل المشروع على هيئات متعددة كما تقدم، فلا ملجئ إلى الوقوع في مضيق الشبهات، فقد ورد في حديث نعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ "الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام: كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه". الحديث متفق عليه. وأما ما قال الإمام الشوكاني من أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في

стр. 201

التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة، ومزاياهم الفاضلة، إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله، فإذا قال القائل: اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني فهو باعتبار ما قام به من العلم، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة. اهـ. ففيه نظر من وجوه: (الأول) أن قوله في دليل الدعوى: إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله، دعوى مجرد لم يذكر عليه دليلاً فلا تقبل١. ألا ترى أن أمته ﷺ خير أمة بدليل قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ . مع أن من خلا من الأمم أكثر عملاً منهم، فيجوز أن يكون الفاضل فاضلاً بفضل الله تعالى لا بمجرد العمل. (الثاني) أنا لا نسلم أن الفاضل إذا كان فضله بالأعمال كان التوسل به توسلاً بالأعمال الصالحة، لم لا يجوز أن يكون التوسل به توسلاً بذاته؟ بل هو الظاهر٢، فإن حقيقة التوسل بالشيء التوسل بذاته، والتوسل بالأعمال أمر خارج زائد على الحقيقة، ولا يصرف عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمانع.

стр. 202

(الثالث) أن الثابت بحديث الصخرة إنما هو توسل شخص بأعمال نفسه، لا بأعمال غيره، فلا يتم التقريب، بل التوسل بأعمال الغير مما يستنكف عنه العقل السليم، ولا يدل عليه دليل من الكتاب والسنة. فإن قلت: قد ورد في حديث جابر في باب دعاء الأذان من طريق محمد بن عون "اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة" فهذا القول من غير المؤذن توسل بعمل الغير، قلت: جوابه من وجهين: (الأول) ما تقدم من الكلام في محمد بن عون فلا يصلح لأن يستدل به على شيء من مسائل الدين. (والثاني) أن المراد بهذه الدعوة التامة نوع الأذان لا أذان مؤذن مخصوص، كما أن المراد مطلق الصلاة لا صلاة مصل معين، فغاية ما يثبت منه التوسل بمطلق الأعمال الصالحة، من غير إضافتها إلى أشخاص معينين، وهو بمعزل عن المطلوب. (الرابع) أنه لو سلم أن مراد القائل: اللهم إني أتوسل إليك بأبي بكر ﵁ مثلاً هو التوسل بأعمال أبي بكر ﵁ لا التوسل بذاته، فاللفظ محتمل للتوسل بالذات أيضاً، وهذا مما لا شك فيه، وقد نهانا الله تعالى عن استعمال لفظ موهم لأمر غير جائز فقال في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قال الإمام العلامة أبو الطيب صديق بن حسن القنوجي دام فيضه في تفسيره (فتح البيان) : وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص، وإن لم يقصد المتكلم بها هذا المعنى المفيد للشتم، سداً للذريعة، وقطعاً لمادة المفسدة والتطرق إليه. اهـ. وكذلك ما قال والد صاحب (جلاء العينين) مجوزاً قول القائل: اللهم إني أسألك بحق النبي ﷺ وجاهه، من أن المراد من الحق والجاه معنى يرجع إلى صفة من صفات الله تعالى، مثل أن يراد المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته محل نظر، فإن إرجاع لفظ الحق والجاه إلى صفة من صفاته تعالى لا يخلو من تعسف، ولو سلم فاللفظ محتمل للتوسل بالذات أيضاً، واستعمال الألفاظ المحتملة للأمر غير الجائز منهي عنه بدليل الآية المتقدمة، وكذلك ما قيل إنه إذا جاز التوسل

стр. 203

بالأعمال الصالحة فالتوسل به ﷺ أحق وأولى لما فيه من النبوة والفضائل فاسد، فإن بينهما من الفرق ما لا يخفى، إذ التوسل بالأعمال الصالحة ثابت بالكتاب والسنة الصحيحة، بخلاف التوسل بالذوات الفاضلة فإن أمثل ما يستدل به على هذا المطلب هو حديث عثمان بن حنيف، وهو غير ثابت لأن في سنده أبا جعفر الرازي وهو سيئ الحفظ يهم كثيراً فلا يحتج بما ينفرد به، وعلى تقدير ثبوته فالمراد بقوله "بنبيك" بدعاء نبيك وشفاعته، بل هذا متعين بدليل قول الضرير ادع الله أن يعافيني، وقوله ﷺ "إن شئت دعوت". وقوله في الدعاء "فشفعه في". وبدليل قول عمر ﵁: كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فإن المراد بالتوسل بالنبي ﷺ وبعم النبي ﷺ في هذا القول هو التوسل بدعاء النبي ﷺ وبدعاء عمه ﷺ لا غير، كما يدل عليه صفة ما استسقى به النبي ﷺ وعمه العباس ﵁، فقد علم بذلك أن المراد بالتوسل بالنبي ﷺ في عرف الصحابة هو التوسل بدعاء النبي ﷺ ، وهذا القسم من التوسل لم يقل أحد من العلماء إنه شرك، فإن أشدهم في المنع شيخ الإسلام ابن تيميه وتلامذته وتبعهم في ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمهم الله تعالى وهؤلاء العلماء يصرحون بأنه ليس بشرك. قال في (تبعيد الشيطان بتقريب إغاثة اللهفان) قال شيخنا قدس الله روحه: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب، أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيما كما يفعله كثير من الناس. قال: وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قل يتمثل لهم الشطان في صورة الميت الغائب كما يتمثل لعباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل لهم الشيطان أحياناً، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وكذلك السجود للقبر وتقبيله. (المرتبة الثانية) أن يسأل الله به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة باتفاق المسلمين. (الثالثة) أن يسأله نفسه. (الرابعة) أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب وأنه أفضل من المسجد فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه، وهذا أيضاً من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعاً بين أئمة الدين وإن كان كثير من المتأخرين يفعل ذلك ويقول بعضهم: قبر

стр. 204

فلان ترياق مجرب! والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر. اهـ. وأيضاً قال فيه: والشيطان له تلطف في الدعوة، فيدعوه أولاً إلى الدعاء عنده، فيدعو العبد عنده بحرقة وانكسار وذلة، فيجيب الله دعوته لما قام بقلب لا لأجل القبر، فيظن الجاهل أن للقبر، فيظن الجاهل أن للقبر تأثيراً -إلى أن قال- فإذا وقع ما يريده الشطان من الإنسان من استحسان الدعاء عند القبر وأنه أرجح من دعائه في بيته ومسجده نقله درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به والإقسام على الله به، وهذا أعظم من الذي قبله، فإن شأن الله تعالى أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه، وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك. قال أبو الحسن القدوري في شرح كتاب الكرخي: قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف يقول قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأجد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول أسألك بمعاقد العز من عرشك، وأن يقول بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام. وقال أبو الحسن: أما المسألة بغير الله فمنكرة لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق له على خلقه، وأما قوله بمعقد العز من عرشك فكرهه أبو حنيفة ورخص فيه أبو يوسف، وروى أنه ﷺ دعا بذلك، قال: ولأن معقد العز يراد به القدرة التي خلق الله بها العرش مع عظمته، وكأنه سأله بأوصافه، وقال ابن بلدجي في شرح المختار: ويكره أن يدعو الله إلا به، ولا يقول أسألك بملائكتك أو بأنبيائك أو نحو ذلك لأنه لا حق للمخلوق على خالقه، أو يقول في دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك، وعن أبي يوسف جوازه، وما يقوله فيه أبو حنيفة وأصحابه: أكره كذا، هو عند محمد حرام، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب، وفي فتاوى ابن عبد السلام نحو ذلك، وتوقف في نبينا ﷺ لاعتقاده أن ذلك جاء في حديث وأنه لم يعرف صحة الحديث. فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به والدعاء أبلغ في تعظيمه واحترامه وأنجح في قضاء الحاجة نقله إلى درجة أعلى من تلك وهي دعاؤه نفسه من دون

стр. 205

الله، ثم إلى درجة فوق تلك هي اتخاذه وثناً يعكف عليه ويوقد عليه القناديل، ويعلق عليه الستور ويبني عليه المسجد ويعبده بالسجود له والطواف عليه وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده، ثم ينقله إلى دعاء الناس وعبادته واتخاذه عيداً ومنسكاً، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم. اهـ. وقد نقلنا عبارة محمد بن عبد الوهاب في ذلك فيما تقدم، فتذكر. (الثامن) أن يسال الله ويدعوه عند قبور الصالحين معتقداً أن الدعاء عند القبر مستجاب. و (التاسع) أن يقول عند قبر نبي أو صالح: يا سيدي فلان ادع الله تعالى أو نحو ذلك، فهذان القسمان مما لا يتسريب عالم أنهما غير جائزين وأنهما من البدع التي لم يفعلها السلف، وإن كان السلام على القبور جائزاً. (العاشر) أن يقول عند قبر نبي أو صالح: يا سيدي فلان اشف مريضي واكشف عني كربتي وغير ذلك، وهذا شرك جلي، إذ نداء غير الله طالباً بذلك دفع شر أو جلب منفعة فيما لا يقدر عليه الغير دعاء، والدعاء عبادة، وعبادة غير الله شرك، وهذا أعم من أن يعتقد فيهم أنهم مؤثرون بالذات، أو أعطاهم الله تعالى التصرفات في تلك الأمور، أو أنهم أبواب الحاجة إلى الله تعالى وشفعاؤه ووسائله، وفي هذا الحكم التوسل بسائر العبادات من الذبح لهم والنذر لهم والتوكل عليهم والالتجاء إليهم والخوف والرجاء منم والسجود لهم والطواف لهم. (الحادي عشر) أن يدعو غائباً أو ميتاً عند غير القبور: يا سيدي فلان ادع الله تعالى في حاجتي فلانة، زاعماً أنه يعلم الغيب ويسمع كلامه في كل زمان ومكان ويشفع له في كل حين وأوان، فهذا شرك صريح، فإن علم الغيب من الصفات المختصة بالله تعالى. (الثاني عشر) أن يدعو غائباً أو ميتاً عند غير القبر: يا سيدي فلان اشف مريضي واقض عن الدين وهب لي ولداً وارزقني واغفر لي وأمثال ذلك، وهذا أيضاً شرك من وجهين: الأول أنه يعتقد علم الغيب لذلك المدعو وهو شرك، والثاني أنه ينادي ويدعو غير الله تعالى طالباً بذلك دفع شر أو جلب منفعة فيما لا يقدر ذلك

стр. 206

الغير عليه، وهذا الدعاء عبادة، وعبادة غير الله شرك، ومن قال من العلماء بكون التوسل شركاً فإنما أراد به أحد الأقسام الثلاثة الأخيرة. قوله: وإنما استسقى عمر ﵁ بالعباس ﵁ ولم يستسق بالنبي ﷺ ليبين للناس جواز الاستسقاء بغير النبي ﷺ وأن ذلك لا حرج فيه، وأما الاستسقاء بالنبي ﷺ فكان معلوماً عندهم فلربما أن بعض الناس يتوهم أنه لا يجوز الاستسقاء بغير النبي ﷺ فبين لهم عمر باستسقائه بالعباس الجواز، ولو استسقى بالنبي ﷺ لربما يفهم منه بعض الناس أنه لا يجوز الاستسقاء بغيره ﷺ . أقول فيه كلام من وجهين: (الأول) أن المراد بالاستسقاء بالعباس والتوسل به الوارد في حديث أنس ﵁ هو الاستسقاء بدعاء العباس على طريقة معهودة في الشرع، وهي أن يخرج من يستسقي به إلى المصلى فيستسقي ويستقبل القبلة داعياً ويحول رداءه ويصلي ركعتين أو نحوه من هيئات الاستسقاء التي وردت في الصحاح، والدليل عليه قول عمر ﵁: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإن نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، ففي هذا القول دلالة واضحة على أن التوسل بالعباس كان مثل توسلهم بالنبي ﷺ ، والتوسل بالنبي ﷺ لم يكن إلا بأن يخرج ﷺ ويستقبل القبلة ويحول رداءه ويصلي ركعتين أو نحوه من الهيئات الثابتة للاستسقاء، ولم يرد في حديث ضعيف فضلاً عن الحسن أو الصحيح أن الناس طلبوا السقيا من الله في حياته متوسلين به ﷺ من غير أن يفعل ﷺ ما يفعل في الاستسقاء المشروع من طلب السقيا والدعاء والصلاة وغيرهما مما ثبت بالأحاديث الصحيحة، ومن يدعي وروده فعليه الإثبات. إذا تمهد هذا فاعلم أن الاستسقاء والتوسل على الهيئة التي وردت في الصحاح للاستسقاء لا يمكن إلا بالحي لا بالميت، فالقول بإمكان هذا الاستسقاء بالنبي ﷺ بعد وفاته من أبطل الأباطيل، وكان القول بأنه لو استسقى بالنبي ﷺ لربما يفهم منه

стр. 207

بعض الناس أنه لا يجوز الاستسقاء بغيره ﷺ بديهي البطلان، فإن ما ثبت بفعله ﷺ هو مشروع لنا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ . وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ . ما لم يدل دليل على كونه مخصوصاً بالنبي ﷺ فلا مجال لهذا التوهم حتى يحتاج إلى دفعه. و (الثاني) أن المقصود لو كان دفع التوهم المذكور لكان أولى أن يتوسل بحي غير النبي ﷺ في حياته ﷺ أو بميت غير النبي ﷺ بعد وفاته ﷺ أو بميت غير النبي ﷺ في حياته ﷺ ، فإن هاتيك الصور الثلاث أبعد من أن يبدأ فيها الاحتمال الآتي من أنه إنما استسقى بالعباس لأنه حي والنبي ﷺ قد مات، وأن الاستسقاء بغير الحي لا يجوز، فلما ترك عمر ﵁ تلك الصور واختار الصورة التي يتأتى فيها الاحتمال المذكور دل هذا الصنيع على أن مقصوده ﵁ ليس دفع التوهم المذكور. و (الثالث) أن توهم عدم جواز الاستسقاء بغير النبي ﷺ أخف من وهم عدم جواز الاستسقاء بالميت، سيما إذا كا ذلك الميت غير النبي ﷺ ، فكان هذا التوهم أولى بالدفع، فكان الأنسب حينئذ أن يستسقي بميت غير النبي ﷺ . و (الرابع) أن هذا التعليل فاسد، لأن المعلل لم يقم عليه برهاناً ولا دليلاً فلا يصغى إليه. قوله: وليس لقائل أن يقول إنما استسقى بالعباس لأنه حي والنبي ﷺ قد مات وأن الاستسقاء بغير الحي لا يجوز، لأنا نقول إن هذا الوهم باطل ومردود بأدلة كثرة. أقول: هذه الأدلة ليست صالحة لأن يستدل بها على المطلوب كما تقدم، فتذكر. قوله: ومع أنه ﷺ حي في قبره. أقول: بعد التسليم هذه الحياة حياة برزخية، وتساوي الحياة البرزخية والدنيوية في جميع الأحكام لا يقول به أحد من العقلاء، إذ هو يستلزم مفاسد غير محصورة كما لا يخفى على من له أدنى فهم.

стр. 208

قوله: قال بعض العارفين: وفي توسل عمر بالعباس ﵁ دون النبي ﷺ نكتة أخرى زيادة على ما تقدم، وهي شفقة عمر ﵁ على ضعفاء المؤمنين، فإنه لو استسقى بالنبي ﷺ لربما استأخرت الإجابة، لأنها معلقة بإرادة الله تعالى ومشيئته، فلو تأخرت الإجابة ربما تقع وسوسة فاضطراب لمن كان ضعيف الإيمان بسبب تأخر الإجابة. أقول: هذه النكتة أحق أن يقال إنها نكتة سوداء، أو وسوسة دهماء، أو فتنة صماء، أو شبهة عمياء، فإنها تقتضي ترك الاستسقاء بالنبي ﷺ في حياته ﷺ أيضاً، فإنه لو استسقى بالنبي ﷺ لربما استأخرت الإجابة لأنها معلقة بإرادة الله تعالى في حياته وبعد وفاته، فلو تأخرت الإجابة ربما تقع وسوسة فاضطراب، ولا يقول به أحد من المسلمين. وبالجملة فالذي ألجأ هؤلاء إلى إبداء أمثال هذه النكتة السخيفة الساقطة الردية، والتعليلات الباردة الفاسدة المرمية، هو أن عمر ﵁ وسائر الصحابة مع أنهم السابقون الأولون عدلوا بعد وفاة النبي ﷺ عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس، وهذا العدول أوضح دليل وأبهر برهان على أن التوسل بالأموات غير جائز، فهؤلاء المجوّزون للتوسل بالأموات احتاجوا إلى توجيه هذا العدول وتأويله، فعموا وصموا وقالوا ما قالوا، فخبطوا خبط عشواء، وركبوا متن عمياء، وإلى الله المشتكى من أمثال هذه التوجيهات، فإنها تحريفات واضحات. قوله: والحاصل أن مذهب أهل السنة والجماعة صحة التوسل وجوازه بالنبي ﷺ في حياته وبعد وفاته، وكذا بغيره من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وكذا بالأولياء والصالحين، لما دلت عليه الأحاديث السابقة. أقول: إن أراد أن مذهب أهل السنة والجماعة صحة جميع أقسام التوسل التي ذكرناها آنفاً ففاسد، فإن كثيراً من أهل السنة صرحوا بكون بعض الأقسام غير جائز أو مكروهاً، بل بكون بعضها كفراً وشركاً، وإن أراد أن مذهب أهل السنة والجماعة صحة بعض أقسام التوسل فنحن لا ننكره ولا أحد من العلماء الذين رُموا

стр. 209

بإنكار التوسل. قوله: لأنا معشر أهل السنة لا نعتقد تأثيراً ولا خلقاً ولا إيجاداً ولا إعداماً ولا نفعاً ولا ضراً إلا لله وحده لا شريك له، ولا نعتقد تأثيراً ولا نفعاً ولا ضراً للنبي ﷺ ولا لغيره من الأموات، فلا فرق في التوسل بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكذا بالأولياء والصالحين، لا فرق بين كونهم أحياء وأمواتاً، لأنهم لا يخلقون شيئاً، وليس لهم تأثير في شيء، وإنما يتبرك بهم لكونهم أحباء الله تعالى، وأما الخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر فإنه لله وحده لا شريك له. أقول: فيه كلام من وجوه: (الأول) أنه يعتقد كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم، فصاروا يدعونهم تارة مع الله وتارة استقلالاً، ويصرخون بأسمائهم، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع، ويخضعون لهم خضوعاً زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي ربهم في الصلاة والدعاء، كما تقدم ذلك في كلام الشوكاني. و (الثاني) أن مجرد عدم اعتقاد التأثير والخلق، والإيجاد والإعدام، والنفع والضر إلا لله لا يبرئ من الشرك، فإن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم أيضاً كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق، بل لابد فيه من إخلاص توحيده وإفراده، وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والنداء والاستغاثة والرجاء واستجلاب الخير واستدفاع الشر له ومنه لا بغيره ولا من غيره، وكذلك النذر والذبح والسجدة كلها تكون لله، وهذا قد ظهر من العبارات التي نقلناها سابقاً ظهوراً بيناً لا خفاء فيه. و (الثالث) أن مجرد كون الأحياء والأموات شركاء في أنهم لا يخلقون شيئاً وليس لهم تأثير في شيء لا يقتضي أن يكون الأحياء والأموات متساوين في جميع

стр. 210

الأحكام حتى يلزم من جواز التوسل بالأحياء جواز التوسل بالأموات، وكيف وليس معنى التوسل بالأحياء إلا التوسل بدعائهم وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة، وأما التوسل بدعاء الأموات فلم يثبت بحديث صحيح ولا حسن. قوله: وأما الذين يفرقون بين الأحياء والأموات فإنهم بذلك الفرق يتوهم منهم أنهم يعتقدون التأثير للأحياء دون الأموات، ونحن نقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ . فهؤلاء المجوزون التوسل بالأحياء دون الأموات أو المعتقدون تأثير غير الله وهم الذين دخل الشرك في توحيدهم لكونهم اعتقدوا تأثير الأحياء دون الأموات. أقول: هذا كلام تقشعر منه الجلود، أما يعلم هذا القائل الصنديد، والمتفوه العنيد، أن الفارقين بين الأحياء والأموات هم الذين يمنعون مما هو دون اعتقاد تأثير الله بمراحل ويصرحون بكونه شركاً؟ فكيف يتوهم منهم أنهم يعتقدون تأثير غير الله؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، على أن مناط الفرق بين الأحياء والأموات ليس اعتقاد التأثير للأحياء دون الأموات كما زعم هذا المتقول على الموحدين، إنما مناطه ثبوت التوسل بالأحياء بالأحاديث الصحيحة دون الأموات. قوله: فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أحباء الله تعالى، لما ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياء أو أمواتاً. أقول: هذا الحصر غير مسلم فإن صاحب الرسالة١ قد عد من أفراد التوسل ١ أي صاحب هذه الرسالة المردود عليها، والرد هنا قاصر، ومما كان ينبغي أن يقوله المصنف في رده: إن الألفاظ الثلاثة ليست بمعنى واحد، وإن الذين ليس لها في قلوبهم معنى إلا التبرك لا يشدون الرحال إلى القبور لأجل ذكر موتاها –وإن ذكرها في الدعاء تبركاً من التعبد الذي لا يعلم إلا بالنص من الشارع وهو غير موجود– وإن كونها سبباً للرحمة مضاد لكونها لا تأثير لها. وهو قد جمع بين الضدين في الجملة الآتية ويسمى ذكرهم سبباً عادياً للتأثير الإلهي، والمعروف عن جماعة القبوريين أنهم يعدونه من خوارق العادات لا من الأسباب العادية. وكتبه محمد رشيد رضا.

стр. 211

ما رواه الدارمي عن أبي الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة ﵂، فقالت: انظروا إلى قبر رسول الله ﷺ فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا، فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق، وليس فيه التبرك بذكر أحباء الله، على أن التوسل إذا كان خالياً من اعتقاد التأثير ودعاء غير الله والنذر له والذبح له وسائر العبادات وجميع ما نهى الله ورسوله عنه، وكان محض التبرك بذكر أحباء الله لا يكون شركاً، لكن ينظر إليه فإن كان ذلك التبرك ثابتاً بكتاب أو سنة صحيحة فلا مرية في مشروعيته، وإن لم يكن ثابتاً فهو بدعة ضلالة، والكلام في حديث أبي الجوزاء سيأتي فارتقبه، ودعوى أنه ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياءً أو أمواتاً تحتاج إلى إقامة البرهان عليها، ودونه لا تُسمع، ثم إلى تبيين أن المراد بلفظة "بسببهم" بسبب ذكرهم، وبدونه لا يتم التقريب. قوله: فالمؤثر والموجد حقيقة هو الله تعالى، وذكر هؤلاء الأخيار سبب عادي في ذلك التأثير، وذلك مثل الكسب العادي فإنه لا تأثير له. أقول: كون ذكر هؤلاء الأخيار سبباً عادياً في ذلك التأثير من أين علم؟ وأي دليل عليه؟ ولو سلم فالسببية لا تستلزم المشروعية، ألا ترى أن كثيراً من العقود الفاسدة سبب لتحصيل المنافع وليست بمشروعة. قوله: وحياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم ثابتة عند أهل السنة بأدلة كثيرة. أقول: هب أن حياة الأنبياء ﵈ ثابتة، ولكنها حسب اعتراف صاحب الرسالة ليست مثل الحياة الدنيوية، فلا يتفرع عليها جواز التوسل كما يتفرع على الحياة الدنيوية. قوله: فإن قال قائل: إن شبهة هؤلاء المانعين للتوسل أنهم رأوا بعض العامة يأتون بألفاظ توهم أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياء وأمواتاً أشياء جرت العادة بأنها لا تطلب إلا من الله تعالى، ويقولون للولي

стр. 212

افعل لي كذا وكذا، وأنهم ربما يعتقدون الولاية في أشخاص لم يتصفوا بها بل اتصفوا بالتخليط وعدم الاستقامة، وينسبون لهم كرامات وخوارق عادات وأحوالاً ومقامات وليسوا بأهل لها ولم يوجد فيهم شيء منها، فأراد هؤلاء المانعون للتوسل أن يمنعوا العامة من تلك التوسعات دفعاً للإيهام وسداً للذريعة، وإن كانوا يعلمون أن العامة لا يعتقدون تأثيراً ولا نفعاً ولا ضراً لغير الله تعالى ولا يقصدون بالتوسل إلا التبرك، ولو أسندوا للأولياء شيئاً لا يعتقدون فهيم تأثيراً، فنقول لهم إذا كان لأمر كذلك وقصدتم سد الذريعة فما الحامل لكم على تكفير الأمة عالمهم وجاهلهم وخاصهم وعامهم، وما الحامل لكم على منع التوسل مطلقاً، بل كان ينبغي لكم أن تمنعوا العامة من الألفاظ الموهمة لتأثير غير الله تعالى، وتأمروهم بسلوك الأدب في التوسل. أقول: أولاً - إن تقرير دليل المانعين نوع تحريف مقصود، وأصل تقريرهم هكذا: إنا نرى كثيراً من العامة وبعض الخواص يأتون بألفاظ دالة دلالة مطابقة على أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتاً أشياء لا يقدر عليها إلا الله، وينذرون لهم النذور وينحرون لهم النحائر ويقربون إليهم نفائس الأموال، ويجعلونهم وسائط يدعونهم ويسألونهم جلب المنافع، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملوك أو لكونهم أقرب إلى الملك١، وبعد ملاحظة أصل تقريرهم وجه التكفير ظاهر، فإن اعتقاد تأثير غير الله كفر صريح، والدعاء والنذر والنحر عبادة، وعبادة غير الله شرك وكفر. وثانياً - أنا معاشر أهل التوحيد لا نكفر الأمة كلهم عالمهم وجاهلهم وعامهم وخاصهم، هذا افتراء علينا، بل نكفر من وجد فيه موجبات الكفر من اعتقاد

стр. 213

التأثير لغير الله واعتقاد أنه يضر وينفع، ودعاء غير الله والنذر له والنحر له وغيرها. ثالثاً: أن مجرد عدم اعتقاد التأثير لغير الله لا يكفي للبراءة من الشرك كما تقدم، بل لابد فيها من إخلاص العبادة لله تعالى، بأن يكون الدعاء والاستغاثة والنذر والنحر وسائر أقسام العبادة كلها لله تعالى. ورابعاً- أنا معاشر الموحدين لا نمنع التوسل مطلقاً كما تقدم، وإنما نمنع منه ما كان متضمناً لعبادة غير الله، أو لما نهى الله عنه ورسوله، أو محدثاً لم يدل عليه دليل من كتاب وسنة ثابتة. قوله: مع أن تلك الألفاظ الموهمة يمكن حملها على المجاز من غير احتياج إلى التكفير للمسلمين، وذلك المجاز مجاز عقلي شائع ومعروف. اهـ. أقول: فيه نظر من وجوه: (الأول) أن لفظ "الموهمة" في هذا المقام وفيما تقدم لا يخلو عن تدليس وتلبيس، فإن تلك الألفاظ دالة دلالة مطابقة على تأثير غير الله تعالى، فما معنى الإيهام؟ (والثاني) أنه لو سلم هذا الحمل لاستحال الارتداد، ولغاب باب الردة الذي يعقده الفقهاء، فإن المسلم الموحد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز العقلي، والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز. (والثالث) أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله بشركهم مشركين، "فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، لكن كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أن المراد بالعبادة ليس معناها الحقيقي، بل المراد هو المعنى المجازي، أي التكريم مثلاً، فما هو جوابكم هو جوابنا. (الرابع) أنكم هؤلاء أوّلتم عنهم في تلك الألفاظ الدالة على تأثير غير الله

стр. 214

تعالى، فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله واستغاثة والنذر والنحر؟ فإن الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله، بل إذا صدر من أحد عبادة من العبادات لغير الله صار مشركاً سواء اعتقد ذلك الغير مؤثراً أم لا. قوله: وأما منع التوسل مطلقاً فلا وجه له مع ثبوته في الأحاديث الصحيحة، وصدوره من النبي ﷺ وسلف الأمة وخلفها. أقول: لا نمنع التوسل مطلقاً كما بينا فيما تقدم، إنما نمنع منه ما هو متضمن لعبادة غير الله، أو لما نهى عنه الله ورسوله، أو كان محدثاً لم يدل عليه دليل من الكتاب والسنة الثابتة، وأما الأحاديث التي ذكرها صاحب الرسالة ويزعم أنها صحيحة فقد تقدم الكلام عليها، فتذكر. قوله: فهؤلاء المنكرون للتوسل المانعون منه منهم من يجعله محرماً، ومنهم من يجعله كفراً وشركاً، وكل ذلك باطل، لأنه يؤدي إلى اجتماع معظم الأمة على ضلالة. أقول: قد عرفت فيما تقدم أن التوسل له أقسام: بعضها مشروع، وبعضها شرك ومحرم، وبعضها مكروه وبدعة، فالذي نجعله محرماً أو كفراً وشركاً أو بدعة لا نسلم اجتماع معظم الأمة عليه، والذي عليه اجتماع معظم الأمة لا نقول بكونه شركاً أو محرماً أو بدعة. قوله: لقوله ﷺ في الحديث الصحيح "لا تجتمع أمتي على ضلالة". قال بعضهم: إن هذا حديث متواتر. أقول: الحديث رواه الترمذي في أبواب الفتن من حديث ابن عمر ولفظه هكذا: إن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا يجمع أمتي -أو قال أمة محمد- على ضلالة. ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار". هذا حديث غريب من هذا الوجه. وسليمان المديني هو عندي سليمان بن سفيان. اهـ. قلت: هذا حديث ضعيف، ففي سنده سليمان بن سفيان قال الذهبي في الميزان:

стр. 215

سليمان بن سفيان أبو سفيان المدني عن عبد الله بن دينار وبلال بن يحيى، قال ابن معين ليس بشيء، وقال مرة ليس بثقة، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم والدراقطني: ضعيف. اهـ وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: سليمان بن سفيان التيمي مولاهم أبو سفيان المدني ضعيف من الثامنة، وقال الذهبي في الكاشف: ضعفه أبو حاتم وغيره، اهـ. وقال في الخلاصة: سليمان بن سفيان مولى آل طلحة التيمي أبو سفيان المدني عن عبد الله بن دينار وبلال بن يحيى، وعنه معتمر بن سليمان وأبو دود الطيالسي، ضعفه أبو حاتم وغيره. اهـ. قال الترمذي في جامعه: وفي الباب عن ابن عباس حدثنا يحيى بن موسى حدثنا عبد الرزاق أنبأنا إبراهيم بن ميمون عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "يد الله مع الجماعة" هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه. اهـ. قلت: في سنده عبد الرزاق وهو وإن كان ثقة حافظاً، لكن عمي في آخر عمره فتغير. قال الحافظ في التقريب: عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، اهـ. وقال الذهبي في الميزان: قال أبو زرعة الدمشقي: قال لي أحمد أتينا عبد الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعد ما ذهب بصره فهو ضعيف السماع، وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث "النار جبار" فقال: هذا باطل من يحدث به عن عبد الرزاق؟ قلت حدثني أحمد بن شبويه. قال: هؤلاء سمعوا منه بعد ما عمي، كان يلقن فيلقنه، وليس هو في كتبه. وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه كان يلقنها بعدما عمي، وقال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بأخرة. روى عنه أحاديث مناكير. وقال البخاري: ما حدث عنه عبد الرزاق من كتابه فهو أصح اهـ. ملخصاً. قال المؤلف: يجب على من يستدل بهذا الحديث أن يثبت أن يحيى بن موسى سمع هذا الحديث من عبد الرزاق قبل ذهاب بصره، على أن هذا الحديث ليس فيه لفظ يحتج به على حجية الإجماع، ورواه ابن ماجه في أبواب الفتن من حديث أنس بن مالك ولفظه هكذا: حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا معان بن رفاعة
следующие страницы →