ما رواه الدارمي عن أبي الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة ﵂، فقالت: انظروا إلى قبر رسول الله ﷺ فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا، فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق، وليس فيه التبرك بذكر أحباء الله، على أن التوسل إذا كان خالياً من اعتقاد التأثير ودعاء غير الله والنذر له والذبح له وسائر العبادات وجميع ما نهى الله ورسوله عنه، وكان محض التبرك بذكر أحباء الله لا يكون شركاً، لكن ينظر إليه فإن كان ذلك التبرك ثابتاً بكتاب أو سنة صحيحة فلا مرية في مشروعيته، وإن لم يكن ثابتاً فهو بدعة ضلالة، والكلام في حديث أبي الجوزاء سيأتي فارتقبه، ودعوى أنه ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياءً أو أمواتاً تحتاج إلى إقامة البرهان عليها، ودونه لا تُسمع، ثم إلى تبيين أن المراد بلفظة "بسببهم" بسبب ذكرهم، وبدونه لا يتم التقريب.
قوله: فالمؤثر والموجد حقيقة هو الله تعالى، وذكر هؤلاء الأخيار سبب عادي في ذلك التأثير، وذلك مثل الكسب العادي فإنه لا تأثير له.
أقول: كون ذكر هؤلاء الأخيار سبباً عادياً في ذلك التأثير من أين علم؟ وأي دليل عليه؟ ولو سلم فالسببية لا تستلزم المشروعية، ألا ترى أن كثيراً من العقود الفاسدة سبب لتحصيل المنافع وليست بمشروعة.
قوله: وحياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم ثابتة عند أهل السنة بأدلة كثيرة.
أقول: هب أن حياة الأنبياء ﵈ ثابتة، ولكنها حسب اعتراف صاحب الرسالة ليست مثل الحياة الدنيوية، فلا يتفرع عليها جواز التوسل كما يتفرع على الحياة الدنيوية.
قوله: فإن قال قائل: إن شبهة هؤلاء المانعين للتوسل أنهم رأوا بعض العامة يأتون بألفاظ توهم أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياء وأمواتاً أشياء جرت العادة بأنها لا تطلب إلا من الله تعالى، ويقولون للولي
стр. 212
افعل لي كذا وكذا، وأنهم ربما يعتقدون الولاية في أشخاص لم يتصفوا بها بل اتصفوا بالتخليط وعدم الاستقامة، وينسبون لهم كرامات وخوارق عادات وأحوالاً ومقامات وليسوا بأهل لها ولم يوجد فيهم شيء منها، فأراد هؤلاء المانعون للتوسل أن يمنعوا العامة من تلك التوسعات دفعاً للإيهام وسداً للذريعة، وإن كانوا يعلمون أن العامة لا يعتقدون تأثيراً ولا نفعاً ولا ضراً لغير الله تعالى ولا يقصدون بالتوسل إلا التبرك، ولو أسندوا للأولياء شيئاً لا يعتقدون فهيم تأثيراً، فنقول لهم إذا كان لأمر كذلك وقصدتم سد الذريعة فما الحامل لكم على تكفير الأمة عالمهم وجاهلهم وخاصهم وعامهم، وما الحامل لكم على منع التوسل مطلقاً، بل كان ينبغي لكم أن تمنعوا العامة من الألفاظ الموهمة لتأثير غير الله تعالى، وتأمروهم بسلوك الأدب في التوسل.
أقول: أولاً - إن تقرير دليل المانعين نوع تحريف مقصود، وأصل تقريرهم هكذا: إنا نرى كثيراً من العامة وبعض الخواص يأتون بألفاظ دالة دلالة مطابقة على أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتاً أشياء لا يقدر عليها إلا الله، وينذرون لهم النذور وينحرون لهم النحائر ويقربون إليهم نفائس الأموال، ويجعلونهم وسائط يدعونهم ويسألونهم جلب المنافع، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملوك أو لكونهم أقرب إلى الملك١، وبعد ملاحظة أصل تقريرهم وجه التكفير ظاهر، فإن اعتقاد تأثير غير الله كفر صريح، والدعاء والنذر والنحر عبادة، وعبادة غير الله شرك وكفر.
وثانياً - أنا معاشر أهل التوحيد لا نكفر الأمة كلهم عالمهم وجاهلهم وعامهم وخاصهم، هذا افتراء علينا، بل نكفر من وجد فيه موجبات الكفر من اعتقاد
стр. 213
التأثير لغير الله واعتقاد أنه يضر وينفع، ودعاء غير الله والنذر له والنحر له وغيرها.
ثالثاً: أن مجرد عدم اعتقاد التأثير لغير الله لا يكفي للبراءة من الشرك كما تقدم، بل لابد فيها من إخلاص العبادة لله تعالى، بأن يكون الدعاء والاستغاثة والنذر والنحر وسائر أقسام العبادة كلها لله تعالى.
ورابعاً- أنا معاشر الموحدين لا نمنع التوسل مطلقاً كما تقدم، وإنما نمنع منه ما كان متضمناً لعبادة غير الله، أو لما نهى الله عنه ورسوله، أو محدثاً لم يدل عليه دليل من كتاب وسنة ثابتة.
قوله: مع أن تلك الألفاظ الموهمة يمكن حملها على المجاز من غير احتياج إلى التكفير للمسلمين، وذلك المجاز مجاز عقلي شائع ومعروف. اهـ.
أقول: فيه نظر من وجوه:
(الأول) أن لفظ "الموهمة" في هذا المقام وفيما تقدم لا يخلو عن تدليس وتلبيس، فإن تلك الألفاظ دالة دلالة مطابقة على تأثير غير الله تعالى، فما معنى الإيهام؟
(والثاني) أنه لو سلم هذا الحمل لاستحال الارتداد، ولغاب باب الردة الذي يعقده الفقهاء، فإن المسلم الموحد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز العقلي، والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز.
(والثالث) أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله بشركهم مشركين، "فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، لكن كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أن المراد بالعبادة ليس معناها الحقيقي، بل المراد هو المعنى المجازي، أي التكريم مثلاً، فما هو جوابكم هو جوابنا.
(الرابع) أنكم هؤلاء أوّلتم عنهم في تلك الألفاظ الدالة على تأثير غير الله
стр. 214
تعالى، فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله واستغاثة والنذر والنحر؟ فإن الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله، بل إذا صدر من أحد عبادة من العبادات لغير الله صار مشركاً سواء اعتقد ذلك الغير مؤثراً أم لا.
قوله: وأما منع التوسل مطلقاً فلا وجه له مع ثبوته في الأحاديث الصحيحة، وصدوره من النبي ﷺ وسلف الأمة وخلفها.
أقول: لا نمنع التوسل مطلقاً كما بينا فيما تقدم، إنما نمنع منه ما هو متضمن لعبادة غير الله، أو لما نهى عنه الله ورسوله، أو كان محدثاً لم يدل عليه دليل من الكتاب والسنة الثابتة، وأما الأحاديث التي ذكرها صاحب الرسالة ويزعم أنها صحيحة فقد تقدم الكلام عليها، فتذكر.
قوله: فهؤلاء المنكرون للتوسل المانعون منه منهم من يجعله محرماً، ومنهم من يجعله كفراً وشركاً، وكل ذلك باطل، لأنه يؤدي إلى اجتماع معظم الأمة على ضلالة.
أقول: قد عرفت فيما تقدم أن التوسل له أقسام: بعضها مشروع، وبعضها شرك ومحرم، وبعضها مكروه وبدعة، فالذي نجعله محرماً أو كفراً وشركاً أو بدعة لا نسلم اجتماع معظم الأمة عليه، والذي عليه اجتماع معظم الأمة لا نقول بكونه شركاً أو محرماً أو بدعة.
قوله: لقوله ﷺ في الحديث الصحيح "لا تجتمع أمتي على ضلالة". قال بعضهم: إن هذا حديث متواتر.
أقول: الحديث رواه الترمذي في أبواب الفتن من حديث ابن عمر ولفظه هكذا: إن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا يجمع أمتي -أو قال أمة محمد- على ضلالة. ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار". هذا حديث غريب من هذا الوجه. وسليمان المديني هو عندي سليمان بن سفيان. اهـ.
قلت: هذا حديث ضعيف، ففي سنده سليمان بن سفيان قال الذهبي في الميزان:
стр. 215
سليمان بن سفيان أبو سفيان المدني عن عبد الله بن دينار وبلال بن يحيى، قال ابن معين ليس بشيء، وقال مرة ليس بثقة، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم والدراقطني: ضعيف. اهـ وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: سليمان بن سفيان التيمي مولاهم أبو سفيان المدني ضعيف من الثامنة، وقال الذهبي في الكاشف: ضعفه أبو حاتم وغيره، اهـ. وقال في الخلاصة: سليمان بن سفيان مولى آل طلحة التيمي أبو سفيان المدني عن عبد الله بن دينار وبلال بن يحيى، وعنه معتمر بن سليمان وأبو دود الطيالسي، ضعفه أبو حاتم وغيره. اهـ.
قال الترمذي في جامعه: وفي الباب عن ابن عباس حدثنا يحيى بن موسى حدثنا عبد الرزاق أنبأنا إبراهيم بن ميمون عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "يد الله مع الجماعة" هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه. اهـ. قلت: في سنده عبد الرزاق وهو وإن كان ثقة حافظاً، لكن عمي في آخر عمره فتغير.
قال الحافظ في التقريب: عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، اهـ. وقال الذهبي في الميزان: قال أبو زرعة الدمشقي: قال لي أحمد أتينا عبد الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعد ما ذهب بصره فهو ضعيف السماع، وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث "النار جبار" فقال: هذا باطل من يحدث به عن عبد الرزاق؟ قلت حدثني أحمد بن شبويه. قال: هؤلاء سمعوا منه بعد ما عمي، كان يلقن فيلقنه، وليس هو في كتبه. وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه كان يلقنها بعدما عمي، وقال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بأخرة. روى عنه أحاديث مناكير. وقال البخاري: ما حدث عنه عبد الرزاق من كتابه فهو أصح اهـ. ملخصاً.
قال المؤلف: يجب على من يستدل بهذا الحديث أن يثبت أن يحيى بن موسى سمع هذا الحديث من عبد الرزاق قبل ذهاب بصره، على أن هذا الحديث ليس فيه لفظ يحتج به على حجية الإجماع، ورواه ابن ماجه في أبواب الفتن من حديث أنس بن مالك ولفظه هكذا: حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا معان بن رفاعة
стр. 216
السلامي حدثني أبو خلف الأعمى قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم السواد الأعظم". في سنده معان بن رفاعة السلامي قال الحافظ في التقريب: لين الحديث، كثير الإرسال. اهـ.
وقال الذهبي في الميزان: معان بن رفاعة الدمشقي وقيل الحمصي عن أبي الزبير وعبد الوهاب بن بخت، وعنه أبو المغيرة وعصام بن خالد وجماعة، وثقه ابن المديني وقال الجوزجاني ليس بحجة، ولينه يحيى بن معين، مات مع الأوزاعي تقريباً، وهو صاحب حديث ليس متقن اهـ. وقال في الكاشف: قال أبو حاتم وغيره لا يحتج به. اهـ.
وفي سنده أيضاً أبو خلف الأعمى، قال الحافظ في التقريب: أبو خلف الأعمى نزيل الموصل خادم أنس، قيل اسمه حازم بن عطاء، متروك، ورماه ابن معين بالكذب، من الخامسة، ومن زعم أنه مروان الأصغر فقد وهم، ومروان أيضاً يكنى أبا خلف فيما قال مسلم والله أعلم. اهـ.
قال الذهبي في الميزان: أبو خلف الأعمى عن أنس بن مالك قيل اسمه حازم، كذبه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث اهـ، وقال الذهبي في الكاشف: لين.
وبالجملة هذا الحديث بهذا السند ضعيف جداً، قال علي بن أحمد العزيزي في (السراج المنير) قال الشيخ أي محمد حجازي الشعراني أنى حديث صحيح اهـ. قلت: هذا خطأ من الشيخ بين لما عرفت من أن في سنده من رمي بالكذب ومن هو لين الحديث كثير الإرسال، فالحكم بصحته عجيب، ورواه الدرامي في باب فضل النبي ﷺ من حديث عمرو بن قيس، ولفظه هكذا: أخبرنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية عن عروة بن قيس أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله أدرك بي الأجل المرحوم، واختصر لي اختصاراً، فنحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة، وإني قائل قولاً غير فخر: إبراهيم خليل الله، وموسى صفي الله، وأنا حبيب الله، ومعي لواء الحمد يوم القيامة،
стр. 217
وأن الله وعدني في أمتي وأجارهم من ثلاث: لا يعمهم بسنة، ولا يستأصلهم عدو، ولا يجمعهم على ضلالة". اهـ. في سنده عبد الله بن صالح وهو كثير الغلط، وقد تقدم الكلام عليه فتذكر. وفيه معاوية بن صالح الحضرمي وهو صاحب أوهام، قال الحافظ في التقريب: معاوية بن صالح بن حدير بالمهملة مصغراً الحضرمي أبو عمرو -أو أبو عبد الرحمن- الحمصي قاضي الأندلس صدوق له أوهام اهـ. قال الذهبي في الميزان: وكان يحيى القطان يتعنت ولا يرضاه، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وكذا لم يخرج له البخاري ولينه ابن معين. اهـ ملخصاً.
وفيه عروة بن رويم وهو كثير الإرسال قال الحافظ في التقريب عروة بن رويم بالراء مصغراً اللخمي أبو القاسم صدوق يرسل كثيراً من الخامسة. اهـ.
ورواه أبو داود من حديث أبي مالك الأشعري في كتاب الفتن، ولفظه هكذا: حدثنا محمد بن عوف الطائي أنبأنا محمد بن إسماعيل حدثني أبي، قال ابن عوف وقرأت في أصل إسماعيل قال: حدثني ضمضم عن شريح عن أبي مالك -يعني الأشعري- قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة". اهـ.
قال المؤلف: في سنده محمد بن إسماعيل بن عياش الحصمي، قال الذهبي في الميزان: محمد بن إسماعيل بن عياش الحمصي قال أبو داود: لم يكن بذاك، وقال أبو حاتم الرازي: لم يسمع من أبيه شيئاً اهـ. وقال الحافظ في التقريب: محمد بن إسماعيل بن عياش بالتحتانية والمعجمة الحمصي عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع. اهـ.
وقال في الخلاصة: محمد بن إسماعيل بن عياش بتحتانية العنسي بنون الحمصي قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه إنما حملوه على ذلك فحدث. وعنه أبو زرعة قال أبو داود: ليس بذاك اهـ. وفي سنده ضمضم بن زرعة وهو صاحب أوهام، قال الحافظ في التقريب: ضمضم بن زرعة بن ثوب بضم المثلثة وفتح الواو ثم موحدة الحضرمي الحمصي صدوق يهم اهـ. وقال الذهبي في الميزان: ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد وثقه يحيى بن معين وضعفه أبو حاتم، روى عنه جماعة. اهـ.
стр. 218
وقال في الخلاصة: ضمضم بن زرعة الحضرمي عن شريح بن عبيد وعنه ابن عبيد وعنه إسماعيل بن عياش ويحيى بن حمزة وثقه ابن معين وابن حبان، وضعفه أبو حاتم اهـ. وفيه شريح بن عبيد وهو يرسل كثيراً، قال الحافظ في التقريب: شريح بن عبيد بن شريح الحضرمي الحمصي ثقة من الثالثة، وكان يرسل كثيراً، مات بعد المائة، وقال الذهبي في الكاشف: وثق وقد أرسل عن خلق. اهـ.
ورواه الدراقطني من حديث كعب بن عاصم الأشعري ولفظه هكذا: أنبأنا محمد بن إسماعيل الفارسي أنبأنا الوليد بن مروان أنبأنا جنادة بن مروان أنبأنا أبي أنبأنا شعوذ ابن عبد الرحمن عن خالد بن معدان قال: قال كعب بن عاصم الأشعري إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى أجارني على أمتي من ثلاث: لا يجوعوا ولا يستجمعوا على ضلال، ولا تستباح بيضة المسلمين" اهـ. في سنده جنادة بن مروان وهم متهم بالكذب، قال الذهبي في الميزان: جنادة بن مروان حمصي عن جرير بن عثمان وغيره اتهمه أبو حاتم. اهـ.
وفيه خالد بن معدان الكلاعي الحمصي أبو عبد الله قال الحافظ في التقريب: خالد بن معدان الكلاعي الحمصي أبو عبد الله ثقة عابد يرسل كثيراً، اهـ. وقال في الخلاصة: عن جماعة من الصحابة مرسلاً، وعن معاوية والمقدام بن معديكرب وأبي أمامة اهـ. وبقية رجاله ما وجدتهم لا في الميزان ولا في الكاشف ولا في التقريب والخلاصة، بيد أن الذهبي قال في الميزان: الوليد بين مروان عن غيلان بن جرير مجهول اهـ. فإن كان الوليد الواقع في سنده هذا فهو مجهول، وإن كان آخر فما عرفته.
وبالجملة فهذا الحديث بهذا السند ضعيف جداً بل موضوع، ورواه أحمد من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: "اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإن الله لن يجمع أمتي إلا على هدى". وفيه البختري بن عبيد وهو ضعيف كذا في مجمع الزوائد، قال الذهبي في الميزان:
стр. 219
البختري بن عبيد عن أبيه عبيد بن سليمان وعنه هشام بن عمار وسليمان بن بنت شرحبيل ضعفه أبو حاتم، وغيره تركه، فأما أبو حاتم فأنصف فيه، وأما أبو نعيم الحافظ فقال: روى عن أبيه موضوعات، وقال ابن عدي: روى عن أبيه قدر عشرين حديثاً عامتها مناكير، اهـ ملخصاً، وقال الحافظ في التقريب: ضعيف متروك، وقال الذهبي في الكاشف ضعفوه. اهـ.
قوله: ومن الشبه التي تمسك بها هؤلاء المنكرون للتوسل قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ . فإن الله نهى المؤمنين في هذه الآية أن يخاطبوا النبي ﷺ بمثل ما يخاطب بعضهم بعضاً كأن ينادوا باسمه، وقياساً على ذلك يقال: لا ينبغي أن يطلب من غير الله تعالى كالأنبياء والصالحين الأشياء التي جرت العادة بأنها لا تطلب إلا من الله تعالى، لئلا تحصل المساواة بين الله تعالى وخلقه بحسب الظاهر.
أقول: لم يتمسك أحد من منكري التوسل بالآية المذكورة فيما أعلم، فإن كان أحد تمسك بها فالحق أنه أخطأ ولا ملجئ لنا إليه، فإن هناك أدلة قوية صحيحة دالة على المطلوب، مغنية عما سواها كما تقدم.
قوله: فإنه يحمل على المجاز العقلي إذا صدر من موحد.
أقول: قد عرفت فيما سلف ما فيه من لزوم كون المشركين الأولين غير مشركين وعدم إمكان الارتداد ولغوية١. أحكام الردة.
قوله: فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، وأما النبي ﷺ فهو واسطة بينه وبين المستغيث، فهو مستغاث به حقيقة، والغوث منه بالخلق والإيجاد، والنبي ﷺ مستغاث به مجازاً، والغوث منه بالكسب والتسبب العادي.
أقول: وهكذا كان المشركون السابقون الذين بعث الله الرسل إليهم، فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد، وأما الأصنام فيقولون إنها أسباب
стр. 220
ووسائل عادية، فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم ويعبدونهم، وهذا هو دأب عبدة الصالحين، والقبور في هذا الزمان، يدعونهم ويستغيثون بهم، وينحرون لهم وينذرون لهم، والدعاء والاستغاثة والنحر والنذر كلها من أقسام العبادة على معناها المجازي، فكذلك فليحمل لفظ العبادة الواقع في كلام المشركين الأولين الذي حكاه الله تعالى عنهم حيث قال : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . فما وجه الفرق١؟
قوله: وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث باعتبار الكسب أمر معلوم لا شك فيه لغة ولا شرعاً، فإذا قلت: أغثني يا الله، تريد الإسناد الحقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإذا قلت: أغثني يا رسول الله، تريد الإسناد المجازي باعتبار التسبب والكسب والتوسط بالشفاعة.
أقول: هكذا كان مشركو الجاهلية حذو النعل بالنعل، كانوا يدعون الصالحين والأنبياء والمرسلين طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ .
стр. 221
وقال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . على أن القول بأن إسناد الغوث إلى الله تعالى إسناد حقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإلى الأنبياء والصالحين إسناد مجازي باعتبار التسبب والكسب، بديهي البطلان، بيانه من وجوه:
(الأول) أنه لو كان مناط الإسناد الحقيقي اعتبار الخلق والإيجاد كما توهم صاحب الرسالة لزم أن يكون إسناد أفعال العباد كلها إلى الله تعالى حقيقياً، فإن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الخالق لأفعال العباد هو الله تعالى، وهذا يقتضي أن يتصف الله تعالى بالإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وصلة الرحم، وغير ذلك من الأعمال الحسنة، وكذلك يتصف حقيقة بالأعمال السيئة من الكفر والشرك والفسق والفجور والزنا والكذب والسرقة والعقوق وقتل النفس وأكل الربا وغيرها، فإنه تعالى هو الخالق لجميع الأفعال حسنها وسيئها، والتزام هذا فعل من لا عقل له ولا دين له، فإنه يستلزم اتصاف الله تعالى بالنقائص وصفات الحدوث واجتماع الأوصاف المتضادة بل المتناقضة.
و (الثاني) أنه لو كان مناط الإسناد المجازي اعتبار التسبب والكسب كما زعم هذا الزاعم لزم أن لا يكون إنسان حقيقة مؤمناً ولا كفاراً ولا براً ولا فاجراً، ولا مصلياً ولا مزكياً ولا صائماً ولا حاجاً ولا مجاهداً ولا زانياً ولا سارقاً، ولا قاتلاً، ولا كاذباً، فيبطل الجزاء والحساب، وتلغى الشرائع والجنة والنار، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين.
و (الثالث) أن دعوى كون الأنبياء والصالحين سبباً للغوث وكاسباً له محتاج إلى إقامة الدليل ودونه لا تسمع، وبالجملة فهذه شبهة داحضة ووسوسة زاهقة، تنادي بأعلى نداء على صاحبها بالجهل والسفه.
قوله: ومنه ما في صحيح البخاري في مبحث الحشر ووقوف الناس للحساب يوم القيامة: "بينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ﷺ ". فتأمل تعبيره ﷺ بقوله: "استغاثوا بآدم" فإن الاستغاثة به مجازية، والمستغاث به حقيقة هو الله تعالى.
стр. 222
أقول: هذا ليس مما نحن فيه، فإن الاستغاثة بالمخلوق على نوعين:
(أحدهما) أن يستغاث بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه، مثل أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر أو يحول بينه وبين عدوه الكافر، أو يدفع عنه سبعاً صائلاً أو لصاً أو نحو ذلك، ومن ذلك طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض، وهذا لا خلاف في جوازه، والاستغاثة الواردة في حديث المحشر من هذا القبيل، فإن الأنبياء الذين يستغيث العباد بهم يوم القيامة يكونون أحياء، وهذه الاستغاثة إنما تكون بأن يأتي أهل المحشر هؤلاء الأنبياء يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله سبحانه، ويدعوا لهم بفصل الحساب والإراحة من ذلك الموقف، ولا ريب أن الأنبياء قادرون على الدعاء، فهذه الاستغاثة تكون بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه.
و (الثاني) أن يستغاث بمخلوق ميت أو حي فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وهذا هو الذي يقول فيه أهل التحقيق إنه غير جائز، فإن قلت: هؤلاء المستغيثون بالأموات أو الغائبين أيضاً يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله تعالى ويدعوا لهم بقضاء حاجاتهم وهم قادرون على ذلك فتكون استغاثتهم هذه من قبيل النوع الأول، قلت في هذا التقرير خلل من وجوه:
(الأول) أن فيه ذهولاً عن قيد الحي، والمراد بالحياة الدنيوية لا البرزخية.
و (الثاني) أن ظاهر ألفاظهم مثل: يا رسول الله اشف مريضي واكشف عني وهب لي ولداً ورزقاً واسعاً ونحو ذلك، دال على أنهم لا يطلبون منهم الشفاعة بل يطلبون شفاء شفاء المريض وكشف الكربة وإعطاء الولد والرزق، وظاهر أنهم غير قادرين على تلك الأمور.
و (الثالث) أن هؤلاء المستغيثين بالأموات والغائبين يدعونهم ويستغيثون من أماكن مختلفة ومواضع بعيدة معتقدين أن الأموات والغائبين يعلمون استغاثتهم ويسمعون دعاءهم من كل مكان وفي كل زمان، ولا ريب أن هذا إثبات لعلم الغيب لهم الذي هو من الصفات المختصة بالله تعالى فيكون شركاً.
стр. 223
قوله: وصح عنه ﷺ ممن أراد عوناً أن يقول: "يا عباد الله أعينوني". وفي رواية "أغيثوني".
أقول: فيه كلام من وجهين:
(الأول) أن الحديث ضعيف كما سيأتي بيانه، فلا يصح الاحتجاج به.
و (الثاني) على تقدير ثبوته يقال: إن هذه الاستغاثة من جنس النوع الأول، فإن هؤلاء العباد ليسوا أمواتاً بل أحياء من جنس الملائكة قادرون على الإعانة.
قوله: وجاء في قصة قارون لما خسف به أنه استغاث بموسى ﵇ فلم يغثه، بل صار يقول: يا أرض خذيه، فعاتب الله موسى حيث لم يغثه وقال له: استغاث بك فلم تغثه ولو استغاث بي لأغثته، فإسناد الإغاثة إلى الله تعالى حقيقي، وإسنادها إلى موسى مجازي.
أقول: القصة أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: كان قارون ابن عم موسى، وكان يتتبع العلم حتى جمع علماً، فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى وحسده، فقال له موسى: إن الله أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى فقال: إن موسى يريد أن يأكل أموالكم، جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحتملون أن تعطوه أموالكم؟ فقالوا: لا نحتمل، فما ترى؟ فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه أراداها على نفسها، فأرسلوا إليها فقالوا لها نعطيك جعلك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك، قالت: نعم. فجاء قارون إلى موسى فقال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك، قال نعم. فجمعهم فقالوا: ما أمرك ربك؟ قال أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تصلوا الرحم، وكذا وكذا، وأمرني إذا زنى الرجل وقد أحصن أن يرجم. قالوا: وإن كنت أنت؟ قال: نعم. قالوا فإنك قد زنيت! قال: أنا؟ فأرسلوا للمرأة فجاءت فقالوا: ما تشهدين على موسى؟ فقال لها موسى: أنشدك بالله إلا ما صدقت. قالت: أما إذ أنشدتني بالله فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء وأنك
стр. 224
رسول الله، فخر موسى ساجداً يبكي ويقول: يا رب إن كنتُ رسولك فاغضب لي. فأوحى الله إليك: ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض، فمرها فتطيعك، فرفع رأسه فقال: خذيهم، فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى، فقال: خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم، فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى، فقال: خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى، فقال: خذيهم، فأخذتهم فغشيتهم، فأوحى الله إليه: يا موسى، سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم، كذا في تفسير فتح البيان.
فقد علمت من ههنا أن الوارد في حديث قصة قارون ليس لفظ الإغاثة، بل إنما هو لفظ الإجابة، ولكن المآل واحد فلا ننازع فيه، إنما ننازع في أن الحديث المذكور هل يدل على المطلوب أم لا؟ فنقول: ليس الحديث المذكور من المطلوب في شيء، فإن الثابت منه -بعد تسليم اتحاد معنى الإغاثة والإجابة- إنما هو أن الإغاثة مسندة إلى الله تعالى وإلى موسى، وأما أن إسنادها إلى الله تعالى حقيقي وإلى موسى مجازي، فكلا، لم لا يجوز أن يكون إسناد الإغاثة إلى موسى حقيقياً؟ بل هو المتعين فإن إغاثة موسى بني إسرائيل التي عاتب الله تعالى موسى على تركها ولو وقعت لكانت فيما يقدر موسى ﵇ عليه، بدليل ما أوحى الله تعالى إليه من أنه ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض فتطيعك. ولأن موسى لم يكن قادراً على الإغاثة لما عاتبه الله على تركها، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . وإسناد الإغاثة إلى المخلوق فيما يقدر عليه حقيقي، وتلك القدرة إنما تكون باعتبار العمل والكسب لا باعتبار الخلق والإيجاد، ألا ترى أن إسناد الصلاة والصوم والزكاة والحج ونحوها من الأعمال الحسنة، وإسناد الزنا والسرقة والكذب والخيانة ونحوها من الأعمال السيئة، وإسناد الأكل والشرب واللبس وجماع المنكوحة ونحوها من الأعمال المباحة- إلى العباد إسناد حقيقي؟ وليست القدرة عليها باعتبار الفعل والكسب دون الخلق والإيجاد، فإن الخالق لأفعال العباد كلها هو الله تعالى عند أهل السنة والجماعة.
стр. 225
وأما قوله: إن إسناد الإغاثة إلى الله تعالى حقيقي، فلا وجه لصحته حسب اعتقاد صاحب الرسالة، فإن المراد بالإغاثة أي إغاثة، فإن كان المراد بها الإغاثة التي هي كسب موسى ﵇ فكون الله تعالى خالقاً لها مسلم. ولكن إسنادها إلى الله تعالى حقيقة يقتضي أن تكون جميع أفعال العباد مسندة إلى الله تعالى، وبطلانه أجلى من الشمس في نصف النهار كما تقدم، وإن كان المراد الإغاثة التي هي صفة من صفات الله تعالى فإسنادها إلى الله تعالى حقيقة مسلم، ولكن لا يتأتى على معتقد صاحب الرسالة، إذ مناط الإسناد الحقيقي عنده اعتبار الخلق والإيجاد، والله تعالى ليس خالقاً وموجداً لصفاته، وإلا يلزم أن تكون صفاته تعالى مخلوقة محدثة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فانعكس الأمر.
قوله: وقد يكون معنى التوسل به ﷺ طلب الدعاء منه إذ هو ﷺ حي في قبره يعلم سؤال من يسأله.
أقول: سلمنا أنه ﷺ حي في قبره، ولكن تلك الحياة حياة برزخية، وتساوي الحياة البرزخية للحياة الدنيوية في جميع الأحكام غير مسلم حتى يتفرع عليها علم سؤال من يسأله وجواز طلب الدعاء منه ﷺ .
قوله: وقد تقدم حديث بلال بن الحارث ﵁.
أقول: قد تقدم الكلام عليه، فتذكر.
قوله: فعلم منه أنه ﷺ يطلب منه الدعاء بحصول الحاجات كما كان يطلب منه حياته.
أقول: هذا بناء الفاسد على الفاسد، فلا يعبأ به.
قوله: وأنه ﷺ يتوسل به في كل خير قبل بروزه لهذا العالم وبعده في حياته وبعد وفاته وكذا في عرصات القيامة فيشفع إلى ربه.
أقول: هذا التوسيع والتعميم مما لا يدل عليه دليل يعتمد عليه، وكل ما ذكره صاحب الرسالة قد عرفت وهنه فيما تقدم.
стр. 226
قوله: وكل هذا مما تواترت به الأخبار وقام به الإجماع قبل ظهور المانعين منه.
أقول: دعوى التواتر والإجماع محتاجة إلى إقامة البرهان عليها ودونها لا تسمع.
قوله: وأما تخيل المانعين المحرومين من بركاته أن منع التوسل والزيارة من المحافظة على التوحيد، وأن التوسل والزيارة مما يؤدي إلى الشرك، فهو تخيل فاسد باطل.
أقول: قد عرفت فيما تقدم أن بعض أقسام التوسل شرك، وكذا بعض أقسام الزيارة، وهو الذي يتضمن دعاء غير الله والنحر له والنذر له والطواف بقبره ونحو ذلك من أقسام العبادة، فلا شك أن منع ذلك التوسل والزيارة من المحافظة على التوحيد.
قوله: وكأن هؤلاء المانعين للتوسل والزيارة يعتقدون أنه لا يجوز تعظيم النبي ﷺ ، فحيثما صدر من أحد تعظيم له ﷺ حكموا على فاعله بالكفر والإشراك.
أقول: هذا الإيجاب الكلي والسلب الكلي اللذان يشتمل عليهما هذا الكلام الساقط الفاسد بهتانان صريحان، فإن المانعين للتوسل لا يمنعون مطلق التعظيم ولا يحكمون على فاعله بالكفر والإشراك، إنما يمنعون التعظيم الذي يتضمن عبادة غير الله أو ما نهي الله عنه ورسوله، أو التعظيم المحدث الذي لا يدل عليه دليل من الكتاب والسنة، وإنما يحكمون بالكفر والشرك على من عظم تعظيماً يتضمن شيئاً من موجبات الكفر والشرك، وأما التعظيم الذي هو ثابت بالكتاب والسنة فهو عين الإيمان.
قوله: نعم يجب علينا أن لا نصفه بشيء من صفات الربوبية.
أقول: وكذلك يجب علينا أن لا نعبد غير الله بقسم من أقسام العبادة كالدعاء والنذر والنحر والطواف، وأن لا نفعل ما نهى الله عنه ورسوله، وأن لا نحدث في أمر الدين شيئاً.
قوله: ورحم الله الأبوصيري حيث قال:
стр. 227
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
أقول: هذا القول من سيئ الأقوال وأقبحها، فإنه يقتضي جواز وصفه ﷺ بغير الألوهية وإن كان ذلك الغير من موجبات الكفر والشرك أو محرماً أو كذباً أو بدعة، وهذا الحكم ما أظن أحداً من أهل العلم يستقر له قدم عليه لمخالفته نصوص الكتاب والسنة.
قوله: فليس في تعظيمه بغير صفات الربوبية شيء من الكفر والإشراك، بل ذلك من أعظم الطاعات والقربات.
أقول: هذا غلط فاحش وخطأ بين، فإن دعاء غير الله والنحر له والنذر له والطواف له والسجدة له والركوع له وغيرها من أنواع العبادة كفر وشرك، مع أنها تعظيم بغير صفات الربوبية، ودعوى كونه من أعظم الطاعات والقربات محتاجة إلى إقامة الدليل عليها.
قوله: ومن تعظيمه ﷺ الفرح بليلة ولادته وقراءة المولد والقيام عند ذكر ولادته ﷺ وإطعام الطعام وغير ذلك مما يعتاد الناس فعله من أنواع البر، فإن ذلك كله من تعظيمه ﷺ .
أقول: هذا ادعاء بحت لا دليل عليه، بل الأمور المذكورة ليست من التعظيم في شيء، فإن التعظيم في الإطاعة، والأمور المذكورة معصية، فإنها محدثة، وكل محدثة بدعة، والبدعة مما نهى الله ورسوله عنه، فالأمور المذكورة ليست من تعظيمه ﷺ ، بل من تحقيره وتوهينه ﷺ أعاذنا الله منه، فلولا احتمال التأويل والخطأ الاجتهادي لحكم على مرتكبها بالكفر، فإن تحقير النبي ﷺ وتوهينه كفر بواح.
قوله: وقد أفردت مسألة المولد وما يتعلق بها بالتأليف، واعتنى بذلك كثير من العلماء، فألفوا في ذلك مصنفات مشحونة بالأدلة والبراهين، فلا حاجة لنا إلى الإطالة بذلك.
أقول: قد ألف غير واحد من المحققين في إثبات كون هذا العمل المحدث المبتدع
стр. 228
بدعة مؤلفات نفيسة طيبة مشتملة على رد تلك الشبهات الواهية الداحضة التي يحسبها صاحب الرسالة أدلة وبراهين، من شاء التحقيق فليرجع إليها١.
قوله: ومما أمر الله بتعظيمه الكعبة المعظمة والحجر الأسود، ومقام إبراهيم ﵇، فإنها أحجار وأمرنا الله بتعظيمها بالطواف بالبيت، ومسّ الركن اليماني، وتقبيل الحجر الأسود، وبالصلاة خلف المقام.
أقول: هذه التعظيمات ثابتة بعضها بالكتاب وبعضها بالسنة، بخلاف التعظيم الذي يتضمن الشرك أو الأمر المنهي عنه أو يكون محدثاً وهو الذي يمنعه المانعون، فقياس أحد التعظيمين على الآخر قياس مع الفارق، ولو لم يثبت تعظيم هذه الأحجار لم نفعله أبداً، دل عليه ما روي عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك، متفق عليه. ومن ثم يكتفى باللمس في الركن اليماني ولا يقبل، إذ الأول ثابت منه ﷺ والآخر لم يثبت، فافترقا.
وأما تعظيم النبي ﷺ الذي هو ثابت فهو عين الإيمان لا يمنعه أحد من المسلمين، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ . على قول من قال برجوع الضمير إلى الرسول، وقد جاء في الكتاب العزيز والسنة المطهرة من تفصيل ذلك التوقير الكثير الطيب:
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ . ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ . ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ . ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ . ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ . ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ . وغير ذلك من الآيات.
فمن تعظيمه ﷺ عدم جعل دعاء الرسول كدعاء البعض بعضاً، وعدم التقديم بين يدي الله ورسوله، وعدم رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ ، وعدم الجهر له بالقول كجهر بعضكم لبعض، وغض الأصوات عند رسول الله ﷺ وعدم المناداة من وراء الحجرات، والتصلية والتسليم على النبي ﷺ ، وعدم بقاء الخيرة لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى رسول الله ﷺ أمراً، وسؤال نساء النبي ﷺ من وراء حجاب، وعدم نكاح أزواجه من بعده أبداً، وتحكيم النبي فيما شجر بينهم، وعدم وجدان الحرج في أنفسهم مما قضى النبي ﷺ ، وأخذ ما آتاه الرسول، والانتهاء عما نهى عنه، والاقتداء بسنته ﷺ ، وإطاعة الرسول، والرد إليه إذا وقع التنازع في شيء، وإجابة دعوة الرسول وإن كان المدعو في الصلاة كما دل عليه حديث أبي سعيد ابن المعلى المروي في صحيح البخاري، واعتقاد أن الله تعالى يبعث رسولنا ﷺ مقاماً محموداً الذي هو أعلى درجة في الجنة١. لا ينالها إلا عبد من عباد الله وهو نبينا ﷺ ، واعتقاد أن أمة محمد ﷺ يكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليهم شهيداً، واعتقاد أن أمة محمد ﷺ خير الأمم، واعتقاد أن محمداً ﷺ خاتم النبيين، واعتقاد أن الله تعالى أسرى بمحمد ﷺ ليلاً، واعتقاد أن النبي ﷺ أرسل إلى الناس كافة، واعتقاد أن النبي ﷺ رأى الله تعالى ليلة الإسراء على قول، أو جبرائيل ﵇ على صورته الأصلية على قول، واعتقاد أن الله تعالى قد غفر له ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر
стр. 231
وأما الأحاديث فمنها ما روي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". متفق عليه. ومنها ما روي عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر ابن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي، فقال النبي ﷺ : "لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفس. فقال له النبي ﷺ : "الآن يا عمر". رواه البخاري في "باب كيف يمين النبي ﷺ ".
ومنها ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قيل: ومن أبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". رواه البخاري، ومنها ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به". رواه في شرح السنة.
ومنها ما روي عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ حين أتاه عمر فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: "أمتهوّكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي". رواه أحمد والبيهقي.
ومنها ما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان في نفر من المهاجرين والأنصار، فجاء بعير فسجد له، فقال أصحابه: يا رسول الله تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحق أن نسجد لك، فقال: "اعبدوا ربكم وأكرموا أخاكم، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" الحديث رواه أحمد. قال العلماء في تفسير قوله "أكرموا أخاكم": أي عظموه تعظيماً يليق له بالمحبة والإكرام المشتمل على الإطاعة الظاهرية والباطنية.
ومنها ما روي عن قيس بن سعد قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: لرسولُ الله ﷺ أحق أن يسجد له. فأتيت رسول الله ﷺ فقلت:
стр. 232
إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت أحق بأن يسجد لك، فقال لي: "لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ فقلت: لا. فقال: "لا تفعلوا لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من حق" رواه أبو داود.
ومنها ما روي عن عبد الرحمن بن أبي قراد أن النبي ﷺ توضأ يوماً، فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه، فقال لهم النبي ﷺ : "ما يحملكم على هذا ". قالوا: حب الله ورسوله. فقال النبي ﷺ : "من سره أن يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله، فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤد أمانته إذا أتمن، وليحسن جوار من جاوره". رواه البيهقي.
ومنها ما روي عن أنس ﵁ قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ومنها ما روي عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار" رواه الترمذي وأبو دواد.
ومنها ما روي عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﷺ متكئاً على عصاً، فقمنا له، فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً". رواه أبو داود.
ومنها ما روي عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاءنا أبو بكرة ﵁ في شهادة، فقام له رجل من مجلسه، فأبى أن يجلس فيه وقال: إن النبي ﷺ نهى عن ذا.
ومنها ما روي عن أبي الدرداء ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس وجلسنا حوله فقام فأراد الرجوع نزع نعله أو بعض ما يكون عليه فيعرف ذلك أصحابه فيثبتون. روه أبو داود.
ومنها ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً". رواه البخاري.
ومنها ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع". رواه مسلم.
стр. 233
ومنها ما روي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة". رواه مسلم.
ومنها ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون ". رواه مسلم.
ومنها ما روي عن العباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيرهم نفساً، وخيرهم بيتاً". رواه الترمذي.
ومنها ما روي عن ابن عباس ﵄ في حديث طويل بعضه أنه قال رسول الله ﷺ : "ألا أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر". رواه الترمذي.
ومنها ما روي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا قائد المرسلين ولا فخر". رواه الدرامي.
ومنها ما روي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي". رواه الترمذي والدارمي.
ومنها ما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "فأكسى حلة من حلل الجنة، ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري". رواه الترمذي.
ومنها ما روي عن أبيّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر" رواه الترمذي.
стр. 234
ومنها ما روي عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله". متفق عليه.
ومنها ما روي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال "السيد الله" فقلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً. فقال: "قولوا قولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان". رواه أحمد وأبو داود، ومنها ما روي عن أنس ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا خير البرية. فقال رسول الله ﷺ "ذاك إبراهيم". رواه مسلم.
ومنها ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمداً على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي ﷺ المسلم فسأله عن ذلك فأخبره، فقال النبي ﷺ : "لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري كان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان فيمن استثنى الله تعالى". متفق عليه.
فعلم من تلك الأحاديث بعض من طرق تعظيم النبي ﷺ وإن رأس الأمر والعمدة في ذلك محبة النبي ﷺ فوق محبة الوالد والولد والناس أجمعين، وهي لا تتم إلا بالاتباع والطاعة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . فمن كان أكثر اتباعاً وطاعة كان أكثر محبة، ومن كان أكثر محبة كان أشد تعظيماً، وأيضاً علم أن بعض أفراد التعظيم قد نهى رسول الله ﷺ عنه، فمنه السجدة، وفي هذا الحكم جميع التعظيمات التي هي من جنس العبادة، كالدعاء والنذر والنحر والطواف والركوع وغير ذلك، ومنه التمثل قياماً والقيام تعظيماً كما تقوم الأعاجم، وأن المبالغة في الثناء والغلو والإطراء منهي عنه، بل الواجب في ذلك القصر على ما ثبت بالكتاب العزيز والسنة المطهرة، والدليل عليه أن في أول الأمر قد نهى رسول الله ﷺ عن لفظ السيد وخير البرية والتخيير على موسى، فلما أوحي إليه أنه سيد ولد آدم، وأنه أكرم الأولين
стр. 235
والآخرين، وأنه قائد المرسلين، وإمام النبيين، وهو صاحب المقام المحمود، وأنه حبيب الله، وأنه حامل لواء الحمد، وأنه أول شافع وأول مشفع، وغير ذلك من الأوصاف، أخبر بها أمته وقال: "ولا فخر". ويؤيده قوله: "لا تطروني". وقوله: "ولا يستجرينكم الشيطان".
فالواجب على المؤمن أن لا يتجاسر على التكلم بكل كلمة في ثناء النبي ﷺ فالمقام مقام الاحتياط، إذ اعتقاد اتصاف النبي ﷺ بصفاته الكمالية من جملة مسائل العقائد، فما لم يثبت بالكتاب العزيز أو السنة الثابتة المطهرة لم يجز وصف النبي به، فمن ههنا دريت خطأ الأبوصيري في قوله: "واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم" وخطأ صاحب الرسالة حيث استحسنه.
وبالجملة فنحن معاشر أهل الحديث نعظم رسول الله ﷺ بكل تعظيم جاء في الكتاب أو السنة الثابتة، سواء كان ذلك التعظيم فعلياً أو قولياً أو اعتقادياً، والوارد في الكتاب العزيز والسنة المطهرة من ذلك الباب في غاية الكثرة، وما ذكر هو بعض منه ولو رمت إحصاء ذلك على التمام لجاء في مؤلف بسيط، نعم نجتنب التعظيمات التي تشتمل على موجبات الكفر والشرك، وما نهى الله عنه ورسوله، والتعظيمات المحدثة المبتدعة.
وأما أهل البدع فمعظم تعظيمهم تعظيم محدث، كشد الرحال إلى قبر رسول الله ﷺ والفرح بليلة ولادته، وقراءة المولد، والقيام عند ذكر ولادته ﷺ ، وتقبيل الإبهام عند قول المؤذن "أشهد أن محمداً رسول الله". والتمثل بين يدي قبره قياماً، وطلب الحاجات منه ﷺ ، والنذر له وما ضاهاها، وأما التعظيمات الثابتة فهم عنها بمراحل١، فيا أهل البدع أنشدكم الله والإسلام والإنصاف أن تقولوا أي الفريقين
стр. 236
أزيد تعظيماً للنبي ﷺ وأكثر اتباعاً له وأشد حباً له ﷺ بأبي هو وأمي، وقد نقلنا عبارة الصارم المنكى في ذلك الباب، فتذكر.
قوله: والحاصل كما تقدم أن هنا أمرين: (أحدهما) وجوب تعظيم النبي ﷺ ورفع رتبته عن سائر المخلوقات، (والثاني) إفراد الربوبية واعتقاد أن الرب ﵎ منفرد بذاته وأفعاله عن جميع خلقه.
أقول: في هذا الحصر نظر ظاهر كما تقدم من أنه لابد هناك من أمر ثالث، وهو عدم إحداث ما ليس من أمر الدين مما لم يأذن به الله ورسوله، بل من أمر رابع وهو إفراد الله تعالى وحده بجميع أنواع العبادة سواء كانت اعتقادية أو لفظية أو بدنية، بل من أمر خامس وهو الاجتناب١ عما نهى الله ورسوله، ويمكن إدخال الرابع في الخامس، فمن أحدث في التعظيم ما ليس من أمر الدين فقد صار مبتدعاً ضالاً، ومن جعل فرداً من العبادة لغير الله كالدعاء والاستغاثة والنذر والنحر فقد أشرك كالمشركين السالفين، فإنهم لم يعتقدوا في مخلوق مشاركة البارئ في شيء من الذات والصفات والأفعال، بل عبدوهم لأنهم يقرّبونهم إلى الله زلفى، وأنهم شفعاء عند الله، ومن أتى ما نهى الله عنه ورسوله فقد صار فاسقاً عاصياً.
قوله: وأما من بالغ في تعظيمه بأنواع التعظيم ولم يصفه بشيء من صفات الربوبية فقد أصاب الحق، وحافظ على جانب الربوبية والرسالة جميعاً.
أقول: فيه خلل واضح، وفساد فاضح، فإن من أنواع التعظيم ما هو شرك كالسجود لقبره ﷺ والطواف به والنحر له والنذر له، ومنها ما هو بدعة، ومنها ما هو منهي عنه، وليس في شيء منها الوصف بشيء من صفات الربوبية، فكيف يقال لمرتكبها إنه أصاب الحق؟
قوله: وإذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله تعالى يجب حمله على المجاز العقلي، ولا سبيل إلى تكفير أحد من المؤمنين، إذ المجاز العقلي مستعمل في الكتابة والسنة.
стр. 237
أقول: هذا الكلام بعمومه فاسد، فإن المؤمنين يقولون أكلنا وشربنا وباشرنا أزواجنا وصلينا وصمنا وحججنا، ففي كل من هذه الأقوال إسناد شيء لغير الله تعالى، ولا يصح حمله على المجاز العقلي فضلاً عن الوجوب.
وتحقيق القول في ذلك الباب أنا لا ننكر المجاز العقلي، ولكن لابد هناك من التفصيل، وهو أنه إذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء مما يقدر عليه العبد لغير الله تعالى يجب حمله على الحقيقة، ولا يصح حمله على المجاز العقلي كما في الأمثلة المذكورة، وإذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء مما لا يقدر عليه إلا الله مثل فلان شفاني وفلان رزقني وفلان وهب لي ولداً يجب حمله على المجاز العقلي، ولكن لا مطلقاً بل متى لم يصدر من ذلك المتكلم شيء من الألفاظ والأعمال الكفرية مما هو كفر بواح، وشرك قراح، وأما إذا صدر منه شيء من تلك الألفاظ والأعمال فلا يحمل كلامه على المجاز العقلي، إذ المؤمن بهذا اللفظ والعمل قد انسلخ من الإيمان فلم يبق مؤمناً، فلا وجه لهذا الحمل، ولا ريب في أن عبدة الأنبياء والصالحين يصدر منهم من الألفاظ والأعمال ما هو كفر صريح كالسجدة والطواف والنذر والنحر ونحو ذلك.
على أنا نقول: إذا قال أحد من عبدة الأنبياء والصالحين: يا فلان اشف مريضي فما مراده؟ إن كان المراد الإسناد الحقيقي فلا ارتياب في كونه كفراً وشركاً، وإن كان المراد الإسناد المجازي بمعنى يا فلان كن سبباً لشفاء مريضي١ أي ادع الله تعالى أن يشفي مريضي، فإن كان ذلك المدعو حياً حاضراً فليس هذا من الشرك في شيء، ولكنه لما كان موهماً للإسناد الحقيقي الذي هو شرك صريح كان حقيقاً بالترك، فإن الله تعالى قد نهانا عن استعمال اللفظ الموهم كما تقدم، وإن كان ذلك المدعو حياً غير حاضر، أو ميتاً وينادى من مكان بعيد من القبر، فهذا أيضاً شرك، فإن فيه إثبات علم الغيب لغير الله تعالى وهو من الصفات المختصة به تعالى، وإن كان ذلك المدعو ميتاً وينادى عند قبره، فهذا ليس بشرك ولكنه بدعة، فعلى كل حال ينبغي للمؤن أن يجتنب دعاء غير الله، وذلك هو القول الذي لا إفراد فيه ولا تفريط.
стр. 238
قوله: وأما الفرق بين الحي والميت كما يفهم من كلام المانعين للتوسل فإن كلامهم يفيد أنهم يعتقدون أن الحي يقدر على بعض الأشياء دون الميت، فكأنهم يعتقدون أن العبد يخلق أفعال نفسه، فهو مذهب باطل، والدليل على أن هذا من اعتقادهم أنهم يقولون إذا نودي الحي وطلب منه ما يقدر عليه فلا ضرر في ذلك، وأما الميت فإنه لا يقدر على شيء أصلاً، وأما أهل السنة فإنهم يقولون الحي لا يقدر على شيء كما أن الميت كذلك لا يقدر، والقادر حقيقة هو الله تعالى، والعبد ليس له إلا الكسب الظاهري باعتبار الحي، والكسب الباطني باعتبار التبرك بذكر اسم النبي ﷺ وغيره من الأخيار وتشفعهم في ذلك.
أقول: هذا كلام متضمن لمفاسد كثيرة:
(الأول) أن قدرة الحي على بعض الأشياء دون الميت ثابت بالكتاب والسنة.
أما الكتاب، فمنه ما قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . ومنه ما قال فيها أيضاً: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . ومنها ما قال فيها أيضاً: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ . ومنها ما قال في سورة المائدة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ . ومنه ما قال في سورة الأنعام والأعراف والمؤمنون: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . ومنه ما قال في سورة الأنفال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ . ومنه ما قال في سورة هود: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ . ومنه ما قال في سورة النحل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . ومنه ما قال في سورة حم السجدة: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . ومنه ما قال في سورة المجادلة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ . ومنها ما قال في سورة التغابن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ﴾ . ومنه ما قال في سورة القلم: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ
стр. 239
وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ. خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ . ومنه ما قال في سورة المدثر: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ . ومنه ما قال في سورة الدهر: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ . ومنه ما قال ي سورة النبأ: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً﴾ . ومنه ما قال في سورة التكوير: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ. لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ . ومنه ما قال في سورة الفاطر: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ .
على أن الآيات التي تتضمن أن نفع العمل وضرره عائد إلى عامله لا إلى غيره١ كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وقوله تعالى فيها أيضاً: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ . وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ . وقوله تعالى أيضاً فيها: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ . وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ . وقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ . وقوله تعالى أيضاً فيها: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . وقوله تعالى في الأعراف: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وقوله تعالى في يونس: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ . وقوله تعالى في حم السجدة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ . وقوله تعالى في الشورى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ . وقوله تعالى في النجم: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ . وقوله تعالى في سورة الليل: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ
стр. 240
لَشَتَّى﴾ . كلها نصوص١ على أن العبد الحي له قدرة على بعض الأشياء، وكذلك آيات الأوامر والنواهي والآيات التي فيها ذكر الثواب والعقاب.
وأما الأحاديث، فمنها ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم.
ومنها ما روي عنه:"فمن استطاع منكم أن يطيل غرتة فليفعل" متفق عليه.
ومنها ما روي عن جابر بن سمرة أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال "إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ". رواه مسلم.
ومنها ما روي عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يحب التيامن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره وترجله وتنعله. متفق عليه.
ومنها ما روي عن حمنة بنت جحش في حديث الاستحاضة أن النبي ﷺ قال: "وإن قويت عليهما فأنت أعلم". وفيه "وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر" وفيه: "فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك". رواه الترمذي.
ومنها ما روي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقطع الصلاة شيء" وادرأوا ما استطعتم فإنما هو شيطان". رواه أبو داود.
ومنها ما روي عنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تثاءب أحدكم للصلاة فليكظم ما استطاع" رواه مسلم.
ومنها ما روي عن عمرو بن عبسة في قيام الليل قال: قال رسول الله ﷺ "فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن". رواه الترمذي.
стр. 241
ومنها ما روي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "خذوا من الأعمال ما تطيقون" متفق عليه.
ومنها ما روي عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ "صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" رواه البخاري.
ومنها ما روي عن ابن عباس ﵄ في حديث صلاة التسبيح أن النبي ﷺ قال: "تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل". رواه أبو داود وابن ماجه.
ومنها ما روي عن أبي موسى الأشعري في الصدقة فإن لم يستطع أو لم يفعل قال "فيعين ذات الحاجة الملهوف" متفق عليه.
ومنها ما روي عن أبي هريرة ﵁ في كفارة الصوم قال رسول الله ﷺ : "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متابعين؟ قال لا. متفق عليه.
ومنها ما روي عن أبي قتادة أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: كيف تصوم؟ وفيه قال "ويطيق ذلك أحد؟ " رواه مسلم.
ومنها ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله ﷺ "يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل"، وفيه: قلت إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم أفضل الصوم، صوم دواد، صيام يوم وإفطار يوم". متفق عليه.
ومنها ما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، وفيه ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده. متفق عليه.
ومنها ما روي عن جابر في الرقية قال: قال رسول الله ﷺ "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه". رواه مسلم.
ومنها ما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم؟ قالوا: ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية في كل يوم؟ قال: "أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهاكم التكاثر؟ "رواه البيهقي.
стр. 242
ومنها ما روي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن" رواه مسلم.
ومنها ما روي عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة" فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: "يسبح مائة تسبيحة فتكتب له ألف حسنة". رواه مسلم.
ومنها ما روي عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد الاستغفار أن تقول: اللم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك: وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت" رواه البخاري.
ومنها ما روي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين وفيه: فقال رسول الله ﷺ "سبحان الله لا تطيقه ولا تستطيعه".
ومنها ما روي عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا" فقال رجل أكل عام يا رسول الله -فسكت حتى قالها ثلاثاً- فقال: "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" وفيه "فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه". رواه مسلم.
ومنها ما روي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون". رواه مسلم.
ومنها ما روي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الشباب ما استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". متفق عليه.
ومنها ما روي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". رواه مسلم.
стр. 243
ومنها ما روي عن ابن عمر قال: كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة يقول لنا: "فيما استطعتم". متفق عليه.
ومنا ما روي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "من بايع إماماً فأعطاه صفته يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع" رواه مسلم.
ومنها ما روي عن أميمة بنت رقيقة تقول: "بايعت رسول الله ﷺ في نسوة، فقال لنا "فيما استطعتن وأطقتن" قلت: الله ورسوله أرحم بنا بأنفسنا". الحديث رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ومنها ما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" رواه الترمذي.
ولفظ الوسع والطاقة والقدرة والاستطاعة والقوة والملك بمعنى واحد، وإثبات مشيئة، وعدم استواء الأحياء والأموات، وانقطاع العمل بعد الموت، وسلب العجز، مما يستلزم إثبات القدرة للحي وهو المطلوب.
و (الثاني) : أن قدرة الحي على بعض الأشياء دون الميت لا تستلزم اعتقاد أن العبد يخلق أفعال نفسه، والدليل الذي ذكره صاحب الرسالة لا يثبت منه المطلوب، فإن مراد المانعين للتوسل بالقدرة الواقعة في قولهم الحي يقدر والميت لا يقدر قدرة الكسب لا قدر الخلق.
و (الثالث) : المعارضة، وتقريرها أن التسوية بين الحي والميت كما يفهم من كلام هؤلاء المجوزين للتوسل١ فإن كلامهم يفيد أنهم يعتقدون أن الحي لا يقدر على شيء كما أن الميت كذلك لا يقدر، فكأنهم يعتقدون أن العبد مجبور محض ليس له اختيار الكسب فهو مذهب باطل.
والدليل على أن هذا هو اعتقادهم أنهم يقولون إذا نودي الميت وطلب منه شيء فلا ضرر في ذلك، كما أن الحي إذا نودي منه شيء فلا ضير فيه، فإن كليهما سواء، سيان٢، في عدم القدرة.
стр. 244
و (الرابع) : أن إثبات الكسب ولو باطنيا للميت مخالف للنص الصريح وهو قوله ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله" فلا يعبأ به، على أن قدرة الحي على الكسب يعلم حدها بالمشاهدة، مثلاً نعلم أن الحي يقدر على حمل الحجر، وعلى أن يحول بينه وبين عدوه الكافر أو يدفع عنه سبعاً صائلاً أو لصاً أو يدعو له أو نحو ذلك، وأما قدرة الميت على الكسب فعلى تقدير تسليمها لا نعلم حدها بالمشاهدة، فما طريق العلم بها؟ وهل هي مساوية لقدرة الحي أو زائدة عليها أو ناقصة عنها؟ فلا بد من بيانه حتى يطلب منه على حسبه، ودونه لا معنى لهذه الدعوة العمياء.
قوله: ذكر العلامة السيد السمهودي في خلاصة الوفاء: أن من الأدلة الدالة على صحة التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته ما رواه الدارمي في صحيحه عن أبي الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة ﵂ فقالت انظروا إلى قبر رسول الله ﷺ فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمى عام الفتق.
أقول في هذا الكلام كلام من وجوه:
(الأول) : أن إطلاق الصحيح على مسند الدارمي -الذي اشتهر بالمسند، على خلاف اصطلاح المحدثين، وحقه أن يسمى بالسنن دون المسند- ليس بصحيح. قال المغلطاي إن جماعة أطلقوا على مسند الدارمي بكونه صحيحاً فتعقبه الحافظ ابن حجر بأني لم أر ذلك في كلام أحد ممن يعتمد عليه، كيف ولو أطلق ذلك من يعتد به لكان الواقع بخلافه.
و (الثاني) : أنه قال العراقي: المرسل والمعضل والمنقطع والمقطوع فيه كثير، وهذا الحديث من هذا القبيل كما سيظهر إن شاء الله تعالى.
(والثالث) : أن في سنده محمد بن الفضل السدوسي أبو النعمان البصري، قال الحافظ في التقريب: لقبه عارم ثقة ثبت تغير في آخر عمره. اهـ، وقال في الخلاصة: اختلط عارم قال أبو حاتم ثقة من سمع منه قبل عشرين ومائتين فسماعه جيد. اهـ وقال الذهبي في الكاشف تغير قبل موته وترك الأخذ منه، وقال الذهبي في الميزان: قال أبو حاتم اختلط عارم في آخر عمره وزال عقله، فمن سمع منه قبل العشرين ومائتين فسماعه جيد، وقال البخاري: تغير عارم في آخر عمره.
стр. 245
وقال أبو داود: بلغني أن عارم أنكر سنة ثلاث عشرة ومائتين ثم راجعه عقله ثم استحكم به الاختلاط سنة ست عشرة ومائتين ولم يسمع منه أبو داود لتغيره. اهـ ملخصاً.
و (الرابع) : أن في سنده سعيد بن زيد قال الذهبي في الكاشف: ليس بالقوي قاله جماعة ووثقه ابن معين. اهـ وقال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام. اهـ، وقال في الخلاصة: قال ابن معين ثقة، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال النسائي: ليس بالقوي. اهـ وقال الذهبي في الميزان: سعيد بن زيد أبو الحسن أخو حماد بن زيد، مات قبل حماد بن زيد، قال علي عن يحيى بن سعيد: ضعيف، وقال السعدي: ليس بحجة يضعفون حديثه، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أحمد: ليس به بأس، كان يحيى بن سعيد لا يستريبه. اه
و (الخامس) : أن في سنده عمرو بن مالك النكري، قال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام. اه
و (السادس) : أن في سنده أبا الجوزاء أوس بن عبد الله، قال في التقريب: أوس بن عبد الله الربعي يرسل كثيراً، وقال الذهبي في الميزان: أوس بن عبد الله أبو الجوزاء الربعي البصري وثقوه، وقال البخاري: قال يحيى بن سعيد قتل في الجماجم، وفي إسناده نظر ويختلفون فيه. اهـ وقال أيضاً في الكنى: أبو الجوزاء الربعي أوس تابعي مشهور، قال البخاري: في إسناده نظر. اهـ فقد ثبت من هناك أن هذا الحديث ضعيف منقطع.
و (السابع) : أن الحديث موقوف فلا يصلح حجة عند المحققين.
و (الثامن) : بعد تسليم حجيته يعارضه أثر عمر بن الخطاب ﵁، ذكر محمد بن إسحاق في مغازيه عن خالد بن دينار عن أبي العالية قال: لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له فحملنا المصحف إلى عمر ﵁ فدعا كعباً فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قرأته مثل ما أقرأ القرآن، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد، قلت فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما
стр. 246
كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون. فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: دانيال، قلت منذ كم وجدتموه مات؟ قال منذ ثلاثمائة سنة١. قلت: ما كان قد تغير منه شيء؟ قال. لا إلا الشعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع.
فانظر ما في هذه القصة من صنع أصحاب الرسول ﷺ وتعمية قبر هذا الرجل لئلا يفتتن به الناس، كذا في (تبعيد الشيطان بتقريب إغاثة اللهفان) .
قوله: ومن أحسن ما يقال ما جاء عن العتبي، وهو مروى أيضاً عن سفيان بن عيينة، وكل منهما من مشايخ الإمام الشافعي، قال العتبي: كنت جالساً عند قبر رسول الله ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول –وفي رواية: يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . وقد جئتك مستغفراً من ذنبي.
أقول: ليست هذه الحكاية مما تقوم به الحجة، قال في الصارم المنكي: وهذه الحاكية التي ذكرها بعضهم يرويها عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان، بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي، فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله ﷺ أناخ راحلته فعقلها، ثم دخل المسجد حتى آتى القبر، ثم ذكر نحو ما تقدم وضع لها بعض الكذابين إسنادا إلى علي بن أبي طالب ﵁ كما سيأتي ذكره.
وفي الجملة ليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما تقوم به حجة، وإسنادها مظلم مختلف، ولفظها مختلف أيضاً، ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب
стр. 247
المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم. وبالله التوفيق.
قوله: وليس محل الاستدلال الرؤيا فإنها لا تثبت بها الأحكام لاحتمال حصول الاشتباه على الرائي كما تقدم ذلك، وإنما محل الاستدلال كون العلماء استحسنوا الإتيان بما تقدم ذكره، وذكروا في مناسكهم استحباب الإتيان به للزائر.
أقول: استحسان جميع علماء الأمة ممنوع، وأما استحسان بعض العلماء فلا تثبت به الأحكام، كما أنها لا تثبت بالرؤيا، على أنه لو ثبت استحسان جميع علماء الأمة فكونه مجمعاً عليه بالإجماع الاصطلاحي محل كلام، وبعد تسليم إمكان الإجماع الاصطلاحي فكونه حجة شرعية غير مسلم، والأحاديث الدالة على حجيته قد تقدم الكلام عليها، على أن كونها دالة على حجية الإجماع أيضاً منظور فيه.
قوله: وقال العلامة ابن حجر في الجوهر المنظم: وروى بعض الحفاظ عن أبي سعيد السمعاني أنه روى عن علي بن أبي طالب ﵁ وكرم الله وجهه أنهم بعد دفنه ﷺ بثلاثة أيام جاءهم أعرابي فرمى بنفسه على القبر الشريف على صاحبه أفضل الصلاة والسلام.
أقول: هذا الخبر ضعيف جداً حتى قيل أنه موضوع، قال في الصارم المنكي: فإن قيل قد روى أبو الحسن على بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن علي بن محمد بن على حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي قال حدثني أبي عن أبيه عن سلمة ابن كهيل عن أبي صادق عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي ﷺ وحثى على رأسه من ترابه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك، ووعيت من الله فما وعينا عنك، وكان فيما أنزل الله ﵎ عليك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ وقد ظلمت نفسي وجئتك لتستغفر لي، فنودي من القبر أنه قد غفر لك.
والجواب أن هذا الخبر منكر موضوع، وأثر مختلق مصنوع لا يصلح الاعتماد عليه،
стр. 248
ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض، والهيثم جد أحمد بن محمد ابن الهيثم أظنه ابن عدي الطائي١ فإن يكنه فهو متروك كذاب، وإلا فهو مجهول، وقد ولد الهيثم بن عدي بالكوفة ونشأ بها وأدرك زمان سلمة بن كهيل فيما قيل، ثم انتقل إلى بغداد فسكنها، قال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم ابن عدي كوفي ليس بثقة كان يكذب، وقال العجلي أبو داود: كذاب، وقال أبو حاتم الرازي والنسائي والدولابي والأزدي: متروك الحديث، وقال السعدي: ساقط قد كشف قناعه. وقال أبو زرعة: ليس بشيء. وقال البخاري: سكتوا عنه، أي تركوه. وقال ابن عدي: ما أقل ما له من المسند، وإنما هو صاحب أخبار وأسمار ونسب وأشعار.
وقال ابن حبان: كان من علماء الناس بالسير وأيام الناس وأخبار العرب، إلا أنه روى عن الثقات أشياء كأنها موضوعات، يسبق إلى القلب أنه كان يدلسها. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال الحاكم أبو عبد الله: الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات أحاديث منكرة. وقال العباس بن محمد: سمعت بعض أصحابنا يقول قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب. اه
قال الذهبي في ترجمة الهيثم بن عدي الطائي: أبو عبد الرحمن المنبجي ثم الكوفي قال البخاري: ليس بثقة، كان يكذب، قال يعقوب بن محمد حدثنا أبو عبد الرحمن من أهل منبج وأمه من سبى منبج، سكتوا عنه. وروى عباس عن يحيى: ليس بثقة كان يكذب. وقال داود: كذاب. وقال النسائي وغيره: متروك الحديث.
قلت: كان اخبارياً علامة، روى عن هشام بن عروة وعبد الله بن عياش
стр. 249
المشرف١ ومجالد. وقال ابن عدي: ما أقل ما له في المسند، إنما هو صاحب أخبار. وقال ابن المديني: هو أوثق من الواقدي، ولا أرضاه في شيء. قال عباس الأودي: حدثنا بعض أصحابنا قالت جارية الهيثم بن عدي: مولاي يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب. انتهى ملخصاً.
وفي الميزان: الهيثم الطائي الآخر هو أيضاً كذاب، ولفظه هكذا: الهيثم بن عبد الغفار الطائي بصري مقل تالف. قال أحمد: عرضت على ابن مهدي أحاديث الهيثم بن عبد الغفار عن همام بن يحيى وغيره فقال: هذا يضع الحديث. وسألت الأقرع وكان صاحب حديث عن الهيثم فذكر نحوه. قال أحمد: وسمعت هشيماً يقول: ادعوا الله لأخينا عباد بن العوام سمعته يقول: كان يقدم علينا من البصرة رجل يقال له الهيثم بن عبد الغفار فحدثنا عن همام عن قتادة وأبيه وعن رجل يقال له ابن حبيب وعن جماعة، وكنا معجبين به، فحدثنا بشيء أنكرته أو إرتبت به ثم لقيته بعد فقال لي: ذلك الحديث دعه، فقدمت على عبد الرحمن مهدي فعرضت عليه بعض حديثه فقال: هذا رجل كذاب، أو قال: غير ثقة. وقال أحمد: ولقيت الأقرع بمكة فذكرت له بعض هذا فقال: هذا حديث البرى عن قتادة، يعني أحاديث همام، قال: فحرقت حديثه وتركناه بعد. اهـ.
قوله: ويؤيد ذلك أيضاً ما صح عنه ﷺ من قوله: "حياتي خير لكم، تحدثون وأحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، ما رأيت من خير حمدت الله تعالى، وما رأيت من شر استغفرت لكم".
أقول: قال في الصارم المنكي: قلت هذا خبر مرسل، رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب (فضل الصلاة على النبي ﷺ عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن غالب القطان عن بكر بن عبد الله، وهذا إسناد صحيح إلى بكر المزني، وبكر من ثقات التابعين وأئمتهم. وقال القاضي إسماعيل: حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن كثير بن الفضل عن بكر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "حياتي
стр. 250
خير لكم ووفاتي خير لكم: تحدثون وأحدث لكم، فإذا أنا مت عرضت علي أعمالكم، فإن رأيت خيراً حمدت الله، وإن رأيت شراً استغفر لكم". اهـ والمرسل من أقسام الحديث الضعيف، فالحكم عليه بالصحة غير صحيح.
قوله: وفي (الجوهر المنظم) أيضاً أن أعرابياً وقف على القبر الشريف وقال: اللهم إن هذا حبيبك، وأنا عبدك، والشيطان عدوك، فإن غفرت لي سر حبيبك وفاز عبدك وغضب عدوك، وإن لم تغفر لي غضب حبيبك ورضي عدوك وهلك عبدك، وأنت يا ربي أكرم من أن تغضب حبيبك وترضي عدوك وتهلك عبدك، اللهم إن العرب إذا مات فيهم سيد اعتقوا على قبره، وإن هذا سيد العالمين فاعتقني على قبره يا أرحم الراحمين، فقال له بعض الحاضرين: يا أخا العرب، إن الله قد غفر لك بحسن هذا السؤال.
أقول: هذا مما لا يصح الاحتجاج به على المطلوب من وجوه:
(الأول) : أن هذه القصة مذكورة بلا سند لها، فلا بد على من يحتج بها من بيان سند، وتوثيق رجاله.
و (الثاني) : أن فعل الأعرابي ليس من الحجة في شيء.
و (الثالث) : أن هذه القصة ليس فيها دعاء غير الله ولا السؤال بحق المخلوق، والتوسل الذي يمنعه المانعون، هو الذي يتضمن دعاء غير الله أو السؤال بحق مخلوق أو ما ضاهاه من المنهيات والبدع والمنكرات.
و (الرابع) : أن بعض الحاضرين القائل يا أخا العرب أن الله قد غفر لك، لا يدري من هو حتى يعتمد على قوله. وبالجملة ذكر أمثال هذه الحكايات في محل الاستدلال أدل دليل على جهل صاحبه.
قوله: وذكر علماء المناسك أيضاً أن استقبال قبره الشريف ﷺ وقت الزيارة والدعاء أفضل من استقبال القبلة.
أقول: استقبال قبره الشريف في الزيارة وقت التسليم مما اختلف فيه الأئمة، وأما استقبال القبر وقت الدعاء فمنهي عنه بالاتفاق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في منسك له صنفه في أواخر عمره: