كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون. فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: دانيال، قلت منذ كم وجدتموه مات؟ قال منذ ثلاثمائة سنة١. قلت: ما كان قد تغير منه شيء؟ قال. لا إلا الشعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع.
فانظر ما في هذه القصة من صنع أصحاب الرسول ﷺ وتعمية قبر هذا الرجل لئلا يفتتن به الناس، كذا في (تبعيد الشيطان بتقريب إغاثة اللهفان) .
قوله: ومن أحسن ما يقال ما جاء عن العتبي، وهو مروى أيضاً عن سفيان بن عيينة، وكل منهما من مشايخ الإمام الشافعي، قال العتبي: كنت جالساً عند قبر رسول الله ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول –وفي رواية: يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . وقد جئتك مستغفراً من ذنبي.
أقول: ليست هذه الحكاية مما تقوم به الحجة، قال في الصارم المنكي: وهذه الحاكية التي ذكرها بعضهم يرويها عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان، بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي، فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله ﷺ أناخ راحلته فعقلها، ثم دخل المسجد حتى آتى القبر، ثم ذكر نحو ما تقدم وضع لها بعض الكذابين إسنادا إلى علي بن أبي طالب ﵁ كما سيأتي ذكره.
وفي الجملة ليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما تقوم به حجة، وإسنادها مظلم مختلف، ولفظها مختلف أيضاً، ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب
стр. 247
المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم. وبالله التوفيق.
قوله: وليس محل الاستدلال الرؤيا فإنها لا تثبت بها الأحكام لاحتمال حصول الاشتباه على الرائي كما تقدم ذلك، وإنما محل الاستدلال كون العلماء استحسنوا الإتيان بما تقدم ذكره، وذكروا في مناسكهم استحباب الإتيان به للزائر.
أقول: استحسان جميع علماء الأمة ممنوع، وأما استحسان بعض العلماء فلا تثبت به الأحكام، كما أنها لا تثبت بالرؤيا، على أنه لو ثبت استحسان جميع علماء الأمة فكونه مجمعاً عليه بالإجماع الاصطلاحي محل كلام، وبعد تسليم إمكان الإجماع الاصطلاحي فكونه حجة شرعية غير مسلم، والأحاديث الدالة على حجيته قد تقدم الكلام عليها، على أن كونها دالة على حجية الإجماع أيضاً منظور فيه.
قوله: وقال العلامة ابن حجر في الجوهر المنظم: وروى بعض الحفاظ عن أبي سعيد السمعاني أنه روى عن علي بن أبي طالب ﵁ وكرم الله وجهه أنهم بعد دفنه ﷺ بثلاثة أيام جاءهم أعرابي فرمى بنفسه على القبر الشريف على صاحبه أفضل الصلاة والسلام.
أقول: هذا الخبر ضعيف جداً حتى قيل أنه موضوع، قال في الصارم المنكي: فإن قيل قد روى أبو الحسن على بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن علي بن محمد بن على حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي قال حدثني أبي عن أبيه عن سلمة ابن كهيل عن أبي صادق عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي ﷺ وحثى على رأسه من ترابه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك، ووعيت من الله فما وعينا عنك، وكان فيما أنزل الله ﵎ عليك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ وقد ظلمت نفسي وجئتك لتستغفر لي، فنودي من القبر أنه قد غفر لك.
والجواب أن هذا الخبر منكر موضوع، وأثر مختلق مصنوع لا يصلح الاعتماد عليه،
стр. 248
ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض، والهيثم جد أحمد بن محمد ابن الهيثم أظنه ابن عدي الطائي١ فإن يكنه فهو متروك كذاب، وإلا فهو مجهول، وقد ولد الهيثم بن عدي بالكوفة ونشأ بها وأدرك زمان سلمة بن كهيل فيما قيل، ثم انتقل إلى بغداد فسكنها، قال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم ابن عدي كوفي ليس بثقة كان يكذب، وقال العجلي أبو داود: كذاب، وقال أبو حاتم الرازي والنسائي والدولابي والأزدي: متروك الحديث، وقال السعدي: ساقط قد كشف قناعه. وقال أبو زرعة: ليس بشيء. وقال البخاري: سكتوا عنه، أي تركوه. وقال ابن عدي: ما أقل ما له من المسند، وإنما هو صاحب أخبار وأسمار ونسب وأشعار.
وقال ابن حبان: كان من علماء الناس بالسير وأيام الناس وأخبار العرب، إلا أنه روى عن الثقات أشياء كأنها موضوعات، يسبق إلى القلب أنه كان يدلسها. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال الحاكم أبو عبد الله: الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات أحاديث منكرة. وقال العباس بن محمد: سمعت بعض أصحابنا يقول قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب. اه
قال الذهبي في ترجمة الهيثم بن عدي الطائي: أبو عبد الرحمن المنبجي ثم الكوفي قال البخاري: ليس بثقة، كان يكذب، قال يعقوب بن محمد حدثنا أبو عبد الرحمن من أهل منبج وأمه من سبى منبج، سكتوا عنه. وروى عباس عن يحيى: ليس بثقة كان يكذب. وقال داود: كذاب. وقال النسائي وغيره: متروك الحديث.
قلت: كان اخبارياً علامة، روى عن هشام بن عروة وعبد الله بن عياش
стр. 249
المشرف١ ومجالد. وقال ابن عدي: ما أقل ما له في المسند، إنما هو صاحب أخبار. وقال ابن المديني: هو أوثق من الواقدي، ولا أرضاه في شيء. قال عباس الأودي: حدثنا بعض أصحابنا قالت جارية الهيثم بن عدي: مولاي يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب. انتهى ملخصاً.
وفي الميزان: الهيثم الطائي الآخر هو أيضاً كذاب، ولفظه هكذا: الهيثم بن عبد الغفار الطائي بصري مقل تالف. قال أحمد: عرضت على ابن مهدي أحاديث الهيثم بن عبد الغفار عن همام بن يحيى وغيره فقال: هذا يضع الحديث. وسألت الأقرع وكان صاحب حديث عن الهيثم فذكر نحوه. قال أحمد: وسمعت هشيماً يقول: ادعوا الله لأخينا عباد بن العوام سمعته يقول: كان يقدم علينا من البصرة رجل يقال له الهيثم بن عبد الغفار فحدثنا عن همام عن قتادة وأبيه وعن رجل يقال له ابن حبيب وعن جماعة، وكنا معجبين به، فحدثنا بشيء أنكرته أو إرتبت به ثم لقيته بعد فقال لي: ذلك الحديث دعه، فقدمت على عبد الرحمن مهدي فعرضت عليه بعض حديثه فقال: هذا رجل كذاب، أو قال: غير ثقة. وقال أحمد: ولقيت الأقرع بمكة فذكرت له بعض هذا فقال: هذا حديث البرى عن قتادة، يعني أحاديث همام، قال: فحرقت حديثه وتركناه بعد. اهـ.
قوله: ويؤيد ذلك أيضاً ما صح عنه ﷺ من قوله: "حياتي خير لكم، تحدثون وأحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، ما رأيت من خير حمدت الله تعالى، وما رأيت من شر استغفرت لكم".
أقول: قال في الصارم المنكي: قلت هذا خبر مرسل، رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب (فضل الصلاة على النبي ﷺ عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن غالب القطان عن بكر بن عبد الله، وهذا إسناد صحيح إلى بكر المزني، وبكر من ثقات التابعين وأئمتهم. وقال القاضي إسماعيل: حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن كثير بن الفضل عن بكر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "حياتي
стр. 250
خير لكم ووفاتي خير لكم: تحدثون وأحدث لكم، فإذا أنا مت عرضت علي أعمالكم، فإن رأيت خيراً حمدت الله، وإن رأيت شراً استغفر لكم". اهـ والمرسل من أقسام الحديث الضعيف، فالحكم عليه بالصحة غير صحيح.
قوله: وفي (الجوهر المنظم) أيضاً أن أعرابياً وقف على القبر الشريف وقال: اللهم إن هذا حبيبك، وأنا عبدك، والشيطان عدوك، فإن غفرت لي سر حبيبك وفاز عبدك وغضب عدوك، وإن لم تغفر لي غضب حبيبك ورضي عدوك وهلك عبدك، وأنت يا ربي أكرم من أن تغضب حبيبك وترضي عدوك وتهلك عبدك، اللهم إن العرب إذا مات فيهم سيد اعتقوا على قبره، وإن هذا سيد العالمين فاعتقني على قبره يا أرحم الراحمين، فقال له بعض الحاضرين: يا أخا العرب، إن الله قد غفر لك بحسن هذا السؤال.
أقول: هذا مما لا يصح الاحتجاج به على المطلوب من وجوه:
(الأول) : أن هذه القصة مذكورة بلا سند لها، فلا بد على من يحتج بها من بيان سند، وتوثيق رجاله.
و (الثاني) : أن فعل الأعرابي ليس من الحجة في شيء.
و (الثالث) : أن هذه القصة ليس فيها دعاء غير الله ولا السؤال بحق المخلوق، والتوسل الذي يمنعه المانعون، هو الذي يتضمن دعاء غير الله أو السؤال بحق مخلوق أو ما ضاهاه من المنهيات والبدع والمنكرات.
و (الرابع) : أن بعض الحاضرين القائل يا أخا العرب أن الله قد غفر لك، لا يدري من هو حتى يعتمد على قوله. وبالجملة ذكر أمثال هذه الحكايات في محل الاستدلال أدل دليل على جهل صاحبه.
قوله: وذكر علماء المناسك أيضاً أن استقبال قبره الشريف ﷺ وقت الزيارة والدعاء أفضل من استقبال القبلة.
أقول: استقبال قبره الشريف في الزيارة وقت التسليم مما اختلف فيه الأئمة، وأما استقبال القبر وقت الدعاء فمنهي عنه بالاتفاق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في منسك له صنفه في أواخر عمره:
стр. 251
ويسلم عليه مستقبلَ الحجرة مستدبر القبلة عند أكثر العلماء كمالك والشافعي وأحمد، وأما أبو حنيفة فإنه قال: يستقبل القبلة، فمن أصحابه من قال: يستدبر الحجرة ومنهم من قال: يجعلها عن يساره، واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرة ولا يقبلها ولا يطوف بها ولا يصلي إليها ولا يدعو هناك مستقبلاً للحجرة، فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالك أعظم كراهية لذلك، والحكاية عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل القبلة وقت الدعاء كذب على مالك. بل ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه، فإن هذا بدعة، ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده. اهـ.
وقال في الصارم المنكى: وكذلك الشرك بأهل القبور لم يطمع الشيطان أن يوقعهم –أي الصحابة– فيه، فلم يكن على عهدهم في الإسلام قبر نبي يسافر إليه، ولا يقصد الدعاء عنده أو تطلب بركته أو شفاعته أو غير ذلك، بل أفضل الخلق محمد خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه وقبره عندهم محجوب لا يقصده أحد منهم بشيء من ذلك. وكذلك كان التابعون لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وإنما تكلم العلماء والسلف في الدعاء للرسول ﷺ عند قبره، منهم من نهى عن الوقوف للدعاء له دون السلام عليه، ومنهم من رخص في هذا وهذا، ومنهم من نهى عن هذا وهذا. وأما دعاؤه هو وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين لا من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، بل الأدعية التي ذكروها خالية من ذلك، أما مالك فقد قال القاضي عياض: وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ويسلم، ولكن يسلم ويمضي.
وهذا الذي نقله القاضي عياض ذكره القاضي إسماعيل بن إسحاق في المبسوط قال: وقال مالك: لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ﵄، ثم يمضي، وقال مالك ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت –أو يا أبتاه– ثم ينصرف، ولا يقف يدعو، فرأى ذلك من البدع.
стр. 252
قال القاضي عياض وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده، فقوله في هذه الرواية إذا سلم ودعا قد يريد بالدعاء السلام فإنه قال يدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده، ويؤيد ذلك أنه قال في رواية ابن وهب: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وقد يراد أنه يدعو له بلفظ الصلاة كما ذكر في الموطأ من رواية عبد الله بن دينار أنه كان يصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ﵄، وفي رواية يحيى بن يحيى وقد غلطه ابن عبد البر وغيره وقالوا إنما لفظ الرواية على ما ذكره ابن القاسم والقعنبي وغيرهما: يصلي على النبي ﷺ ويسلم على أبي بكر وعمر ﵄، وقال أبو الوليد الباجي: وعندي أنه يدعو للنبي ﷺ بلفظ الصلاة، ولأبي بكر وعمر لما في حديث ابن عمر من الخلاف.
قال القاضي عياض وقال في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فإن أراد بالدعاء الصلاة والسلام فهو موافق لتلك الرواية، وإن كان أراد دعاء زائداً فهي رواية أخرى، وبكل حال فإنما أراد الدعاء اليسير.
وأما ابن حبيب فقال: ثم يقف بالقبر متواضعاً موقراً فيصلي عليه ويثني عليه ويثني بما حضر ويسلم على أبي بكر وعمر ﵄، فلم يذكر إلا الثناء عليه مع الصلاة.
وأما الإمام أحمد فذكر الثناء عليه بلفظ الشهادة له بذلك مع الدعاء له بغير الصلاة ومع دعاء الداعي لنفسه أيضاً، ولم يذكر أن يطلب منه شيئاً ولا يقرأ عند القبر قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . كما لم يذكر مالك ذلك ولا المتقدمون من أصحابنا ولا جمهورهم، بل قال في منسك المروزي: ثم ائت الروضة وهي بين القبر والمنبر فصل فيها وادع بما شئت، ثم ائت قبر النبي ﷺ فقل: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا محمد بن عبد الله، أشهد أن لا إله إلا أنت وأشهد أنك رسول الله ﷺ وأشهد أنك
стр. 253
قد بلغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك، وجاهدت في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جازى نبياً عن أمته، ورفع درجتك العليا، وتقبل شفاعتك الكبرى، وأعطاك سؤلك في الآخرة والأولى، كما تقبل من إبراهيم. اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه شرباً روياً لا نظمأ بعده أبداً. اه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) : ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه.
واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل قبره، وتنازعوا عند السلام عليه فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وأظنه منصوصاً عنه، وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة، ويسلم عليه، هكذا في كتب أصحابه، وقال مالك فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في (المبسوط) والقاضي عياض وغيرهم: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي.
وقال أيضاً١ في (المبسوط) : لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج أن يقف على قبر النبي ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة٢، فقال: لم يبلغني
стр. 254
هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده، وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة ما يوافق هذا ويؤيده من أنهم كانوا إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية كالصلاة والسلام، ويكرهون قصده للدعاء والوقوف عنده للدعاء، ومن يرخص منهم في شيء من ذلك فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه ثم أراد الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة إما مستدبر القبر وإما منحرفاً عنه، وهو أن يستقبل القبلة ويدعو ولا يدعو مستقبل القبر.
وهكذا المنقول عن سائر الأئمة، ليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء أن يستقبل قبر النبي ﷺ ويدعو عنده، وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه، وهي الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله ﷺ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قوما فقال: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية، وذكر باقي الحكاية ثم قال: فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة أو مغيرة، وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه، إذ قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقات من أصحابه، فإنه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقاً، وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر ويسلم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبل القبلة ويوليه ظهره، وقيل لا يوليه ظهره، فاتفقوا في استقبال القبلة وتنازعوا في توليه القبر ظهره وقت الدعاء.
стр. 255
ويشبه والله أعلم أن يكون مالك ﵀ سئل عن استقبال القبر عند السلام عليه وهو يسمي ذلك دعاء، فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند السلام عليه يستقبل القبلة أيضاً، ومالك يرى استقبال القبر في هذه الحال كما تقدم، وكما قال في رواية ابن وهب عنه: إذا سلم على النبي ﷺ يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ويدعو ولا يمس القبر بيده، وقد تقدم قوله: إنه يصلي عليه ويدعو له، ومعلوم أن الصلاة عليه والدعاء له يوجب شفاعته للعبد يوم القيامة كما قال في الحديث الصحيح: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة". فقول مالك في هذه الحكاية إن كان ثباتاً عنه معناه أنك إذا استقبلته وصليت عليه وسلمت عليه وسألت الله له الوسيلة يشفع فيك يوم القيامة، فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون إلى الله بشفاعته، واستشفاع العبد به في الدنيا هو فعل ما يشفع به له يوم القيامة كسؤال الله تعالى الوسيلة ونحو ذلك.
وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدعو ويسلم –يعني دعاء النبي ﷺ وصاحبيه- فهذا هو الدعاء المشروع هناك كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين وهو الدعاء لهم فإنهم أحق الناس أن يصلى عليه ويسلم عليه ويدعى له بأبي هو وأمي ﷺ . وبهذا تتفق أقوال مالك، ويفرق بين الدعاء الذي أحبه والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة. اه
فإن قلت: قد روى عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية" رواه مسلم والنسائي وابن ماجه، وعن عائشة ﵂ قالت: فقدته –تعني النبي ﷺ فإذا هو بالبقيع، فقال "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم".
стр. 256
وعن ابن عباس قال: مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، ويغفر الله لنا ولكم، أنتم أسلفنا ونحن بالأثر، ففي تلك الأحاديث الدعاء لنفسه بالعافية، وعدم حرمان الأجر، وعدم الفتن، وبالمغفرة.
قلت: المقصود من الدعاء الذي ينهى عنه عند القبر هو الدعاء الذي يقصد زيارة القبر لأجله ويظن أن الدعاء عند القبر مستجاب وأنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد زيارته لأجل طلب حوائجه، وأما الدعاء لنفسه عند القبر بالعافية وعدم الحرمان الأجر، وعدم الفتنة، تبعاً للدعاء لأصحاب القبور، والترحم عليهم والاستغفار لهم فلا ينهى عنه أحد من المسلمين، ألا ترى أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من أشدهم منعاً للدعاء عند القبور، وهما يجوزان هذا الدعاء التبعي، بل يجعلان الزيارة المشتملة عليه زيارة سنية وزيارة أهل الإيمان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض مناسكه: (باب زيارة قبر النبي ﷺ إذا أشرف على مدينة النبي ﷺ قبل الحج أو بعده فليقل ما تقدم، فإذا دخل استحب له أن يغتسل، نص عليه الإمام أحمد، فإذا دخل المسجد بدأ برجله اليمنى وقال: بسم الله، والصلاة على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيصلي بها ويدعو بما شاء ثم يأتي قبر النبي ﷺ فيستقبل جدار القبر، ولا يمسه ولا يقبله، ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه ليكون قائماً وجاه النبي ﷺ ويقف متباعدا كما يقف لو ظهر في حياته بخشوع وسكون منكس الرأس غاض الطرف مستحضراً بقلبه جلالة موقفه، ثم يقول: السلام عليكم يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم يا نبي الله، وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبين وقائد الغر المحجلين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، أشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته، اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محموداً الذي وعدته، ليغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على
стр. 257
محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه شراباً روياً لا نظمأ بعده أبداً. اهـ١.
وقال في (الجواب الباهر، لمن سأل من ولاة الأمر عما أفتي به في زيارة المقابر٢: بل قد ذكرت في غير موضع استحباب زيارة القبور كما كان النبي ﷺ يزور أهل البقيع وشهداء أحد، ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، ونسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، وإذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعة فزيارة قبور الأنبياء والصالحين أولى. اهـ.
وقال في منسك صنفه في أواخر عمره: وزيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية، فالشريعة المقصود بها السلام على الميت كما يقصد بالصلاة على جنازته، فزيارته بعد موته من جنس الصلاة عليه، فالسنة فيها أن يسلم على الميت ويدعى له سواء كان نبياً أو غير نبي، كما كان النبي ﷺ يأمر الصحابة إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم" وهكذا يقول إذا زار أهل البقيع ومن به من الصحابة وغيرهم، أو زار شهداء أحد وغيرهم، إلى أن قال:
وأما الزيارة البدعية، فهو الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت، أو يقصد الدعاء عند قبره، أو يقصد الدعاء به، فهذا ليس من سنة النبي ﷺ ، ولا
стр. 258
استحبه أحد من سلف الأمة، بل هو من البدع المنهي عنها باتفاق سلف الأمة وأئمتها. اهـ.
وقال ابن القيم في (زاد المعاد) : كان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته وشرعها لهم، وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية". اهـ.
وفي (تبعيد الشيطان بتقريب إغاثة اللهفان) : فاسمع الآن زيارة أهل الإيمان التي شرعها الله ووازن بينها وبين زيارة أهل الشرك التي شرعها لهم الشيطان، واختر لنفسك، قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا كان ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم ديار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد". رواه مسلم.
وعنها أيضاً أن جبريل أتاه فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي البقيع فتستغفر لهم. قالت: قلت كيف يا رسول الله ﷺ ؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأجرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون". وفي حديث بريدة عن أبيه: كان رسول الله يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: "السلام على أهل الديار". وفي لفظ "السلام عليكم أهل الديار". الحديث اهـ. قلت: حديث بريدة قد تقدم بتمامه، وفيه "نسأل الله لنا ولكم العافية" وكيف يمنع أحد من الدعاء لنفسه تبعاً للدعاء لأصحاب القبور، وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة، قال في الصارم: فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقاً بل يؤمر به كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمناً وتبعاً، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء إلى القبر للدعاء عنده. اهـ.
وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الداعي إذا قصد الدعاء لغيره يبدأ بنفسه، عن أبيّ بن كعب أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه. رواه
стр. 259
الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، ومن ثم ورد في التشهد "السلام علينا". قال الحافظ في الفتح: استدل به على استحباب البدأة بالنفس في الدعاء. اهـ.
فالمقصود بالذات الدعاء للميت، وأما الدعاء لنفسه فإنما هو لأجل الداعي إذا قصد الدعاء يبدأ بنفسه فهو مقصود بالعرض.
قوله: وأما ما نقل عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أن استقبال القبلة أفضل فهذا النقل غير صحيح، فقد روى الإمام أبو حنيفة نفسه في مسنده عن ابن عمر ﵄ أنه قال: من السنة استقبال القبر المكرم وجعل الظهر للقبلة.
أقول: في هذا الباب عن الإمام أبي حنيفة ﵀ روايتان: قال ابن حجر المكي في (الجوهر المنظم) : ما ذكرنا من أن الأفضل استدبار القبلة واستقبال الوجه الشريف هو مذهبنا ومذهب جمهور العلماء، وقال آخرون الأفضل استقبال الكعبة ونقل عن أبي حنيفة، لكن نقل عنه موافقة الأول. اهـ.
وأما ادعاء عدم صحة الرواية الأولى مستدلاً بما روى الإمام أبو حنيفة ﵀ نفسه في مسنده، ففيه أن رواية المسند مما لا يعبأ به ولا يعتمد عليه، فإن في رواتها من هو مجهول ومجروح، ومن يتهم بالكذب، ألا ترى أن من أشهر مسانيد أبي حنيفة مسند أبي محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي الذي رواه حسن بن زياد اللؤلؤي، فعبد الله هذا جامعه متهم بوضع الحديث.
قال الذهبي في الميزان: عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي البخاري الفقيه عرف بالأستاذ أكثر عنه أبو عبد الله بن منده وله تصانيف، قال ابن الجوزي: قال أبو سعيد الروسي يتهم بوضع الحديث، وقال أحمد السليماني: كان يضع هذا الإسناد على هذا المتن وهذا المتن على هذا الإسناد، وهذا ضرب من الوضع، وقال حمزة السهمي: سألت أبا رزعة أحمد بن الحسن الرازي عنه فقال: ضعيف، وقال الحاكم: هو صاحب عجائب عن الثقات، وقال الخطيب: لا يحتج به، وقال الخليلي: يعرف بالأستاذ، له معرفة بهذا الشأن، وهو لين ضعفوه، حدثنا عنه الملاحمي وأحمد بن
стр. 260
محمد البصير بعجائب، قلت: يروي عن عبيد الله بن واصل بن الصائغ وعبد الصمد بن الفضل البخلي، وسماعاته في سنة ثمانين ومائتين قبلها وبعدها، مات سنة أربعين وثلاثمائة عن إحدى وثمانين سنة، وقد جمع مسنداً لأبي حنيفة. اهـ.
والحسن بن زياد اللؤلؤي راويه كذاب، قال الذهبي في الميزان: الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي عن ابن جريج وغيره وتفقه على أبي حنيفة، روى أحمد بن أبي مريم وعباس الدوري عن يحيى بن معين: كذاب. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: يكذب على ابن جريج، وكذا كذبه أبو داود فقال: كذاب غير ثقة. وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بثقة ولا مأمون، وقال الدارقطني: ضعيف متروك، وقال محمد بن حميد الرازي: ما رأيت أسوأ صلاة منه.
البويطي: سمعت الشافعي يقول: قال لي الفضل بن الربيع: أنا اشتهي مناظرتك واللؤلؤي، فقلت: ليس هناك. فقال: أنا اشتهي ذلك، قال فأحضرنا وأتانا بطعام فأمسكنا، فقال رجل معي له: ما تقول في رجل قذف محصنة في الصلاة؟ قال: بطلت صلاته قال: وطهارته؟ قال: بحالها. فقلت له: قذف المحصنات أشد من الضحك في الصلاة ١؟ قال فأخذ اللؤلؤي نعليه وقام، فقلت للفضل: قد قلت لك إنه ليس هناك، وقال محمد بن رافع النيسابوري: كان الحسن بن زياد يرفع رأسه قبل الإمام ويسجد قبله. مات سنة ٢٠٣ وكان رأساً في الفقه. اهـ.
سيما رواية هذا الأثر٢ فقد أخرجه طلحة بن محمد في مسنده عن صالح ابن
стр. 261
أحمد كذا في (وفاء الوفاء) وطلحة مخرجه ضعيف، قال الذهبي في الميزان: قال ابن أبي الفوارس: كان يدعو إلى الاعتزال، وضعفه الأزهري اهـ. وصالح بن أحمد كذاب دجال، قال الذهبي: صالح بن أحمد بن أبي مقاتل عن يعقوب الدورقي ويوسف بن موسى القطان وغيرهما ويعرف بالقيروطي البزار، قال الدراقطني: متروك كذاب دجال، أدركناه ولم نكتب منه، يحدث بما لم يسمع، وقال ابن عدي: كان يسرق الحديث، واسم جده يونس، وقال البرقاني: ذاهب الحديث، قال عبد الله الأستاذ فيما جمع من مسند أبي حنيفة: كتب إلى صالح حدثنا الخصر بن أبان الهاشمي حدثنا مصعب بن المقدام حدثنا زفر حدثنا أبو حنيفة عن عطاء عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "بئس البيت الحمام لا يستر وماء لا يطهر" فهذا من اختلاق صالح. اهـ.
على أنه لو سلم صحة إسناد هذا الأثر إلى الإمام فلا يلزم منه أن يكون ما يثبت منه هو مذهب الإمام، فغير واحد من الأئمة يروون الأحاديث ويكون مذهبهم بخلافها لوجوه ذكرت في علم الأصول، وهذا بين لا يتأتى جحوده من أحد من أهل العلم، على أن الإمام أبا حنيفة لا يحتج بالآثار في غير واحد من المسائل فلتكن هذه المسألة أيضاً منها.
وبالجملة فرواية الإمام هذا الأثر في مسنده لا يصلح دليلاً، على أن نقل استقبال القبلة عند الزيارة عن الإمام ﵀ غير صحيح كما زعم صاحب الرسالة، ولننقل هناك بعض عبارات الحنفية ليعلم أن استقبال القبلة عند السلام هو المشهور بينهم، قال الطحاوي في حاشية الدر المختار: ثم ينهض فيتوجه إلى قبره ﵊ فيقف عند رأسه مستقبل القبلة يدنو منه قدر ثلاثة أذرع أو أربعة ولا يدنو أكثر من ذلك اهـ. وفي الهندية نقلاً عن (الاختيار في شرح المختار) : ثم ينهض فيتوجه إلى قبره ﷺ فيقف عند رأسه مستقبل القبلة ثم يدنو منه ثلاثة أذرع أو أربعة ولا يدنو منه أكثر من ذلك اهـ.
وقال السيد محمود أفندي شهاب الدين مفتي الحنفية ببغداد المفسر الشهير بالألوسي
стр. 262
في تفسيره: واختلف الأئمة في استقباله ﵇، ففي مذهب أبي حنيفة ﵀ أنه لا يستقبل بل يستدبر ويستقبل القبلة، وقال بعضهم: يستقبل وقت السلام، ويستقبل القبلة ويستدبره وقت الدعاء، والصحيح المعول عليه أنه يستقبل وقت السلام وعند الدعاء يستقبل القبلة اهـ. وعن أبي الليث ﵀ يقف مستقبل القبلة، وكذلك نقل عن الكرماني وغيره، وما قال السيد محمود من أن الصحيح المعول عليه أنه يستقبل وقت السلام وعند الدعاء يستقبل القبلة مردود بما قال ابن جماعة في منسكه من أن الذي صححه الحنفية أنه يستقبل القبلة عند السلام عليه والدعاء له اهـ.
قوله: وسبق ابن الهمام في النص على ذلك العلامة ابن جماعة، فإنه نقل استحباب استقبال القبر عن الإمام أبي حنيفة ﵀، ورد على الكرماني في أنه يستقبل القبلة فقال: إنه ليس شيء.
أقول: راجعت منسك ابن جماعة فلم أجد فيه أثراً من هذا النقل والرد، وإنما فيه في ذلك الباب ما نقلته آنفاً، فلعل هذا من أكاذيب صاحب الرسالة والنسخة التي راجعتها صحيحة قديمة كتب في آخرها ما نصه: وكمل نسخ هذه النسخة في العاشر من شهر رمضان المعظم قدره سنة ست وأربعين وسبعمائة أحسن الله نقصها في خير وعافية وكاتبها محمد بن عيسى البزاوي. اهـ.
قوله: ويستدل لاستقبال القبر أيضاً بأنا متفقون على أنه ﷺ حي في قبره يعلم بزائره، وهو ﷺ لما كان في الدنيا لم يسع زائره إلا استقباله واستدبار القبلة فكذا يكون الأمر حين زيارته في قبره الشريف ﷺ .
أقول للإمام على الرواية الأولى أن يقول: إن حياته في القبر برزخية، ومساواة الحياة البرزخية للحياة الدنيوية في جميع الأحكام غير مسلمة، ومن يدعي فعليه الإثبات.
قوله: وإذا اتفقنا في المدرس من العلماء بالمسجد الحرام المستقبل للقبلة أن الطلبة يستقبلونه ويستدبرون الكعبة فما بالك به ﷺ فهذا أولى بذلك قطعاً.
أقول: للإمام أن يقول: هذا قياس مع الفارق، فإن حياته ﷺ برزخية وحياة
стр. 263
ذلك المدرس حياة دنيوية، وأين هذه من تلك؟
قوله: وقد تقدم قول الإمام مالك للخليفة المنصور: ولم تصرف وجهك عنه؟
أقول: قد تقدم الكلام عليه وتأويله فتذكر.
قوله: قال العلامة الزرقاني في شرح المواهب: كتب المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند القبر مستقبلاً له مستدبراً للقبلة.
أقول: قد عرفت فيما تقدم أن الإمام مالكاً قال في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة فقوله في هذه الرواية: إذا سلم ودعا قد يريد بالدعاء الدعاء للنبي ﷺ كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين، وهو الدعاء لهم قصداً وبالذات ولنفسه تبعاً وبالعرض، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين كما تقدم، فإن كان مراد المالكية هذا الدعاء فهو حق لا نزاع لأحد فيه، وإن كان مرادهم الدعاء الذي تقصد زيارة القبر لأجله، ويظن أن الدعاء عند القبر مستجاب، وأنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد زيارته لطلب حوائجه، فهذا مخالف لما روي عن إمامهم بسند صحيح أنه قال: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي، ذكره إسماعيل بن إسحاق في المبسوط والقاضي عياض وغيرهم، وقول مالك للخليفة المنصور عند المناظرة لا يصلح معارضاً لهذا المروي، فإن سنده واه جداً كما تقدم.
قوله: ثم نقل عن مذهب الإمام أبي حنيفة والشافعي والجمهور مثل ذلك.
أقول: يعارض هذا النقل ما نقله شيخ الإسلام ابن تيميه عن الأئمة الأربعة من أنهم اتفقوا على أنه إذا دعا لا يستقبل قبره ﷺ كما تقدم، وقال الشيخ ابن القيم في الإغاثة: ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه، كان أحدهم إذا سلم على النبي ﷺ ثم أراد الدعاء استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا، قال سلمة بن وردان: رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي ﷺ ثم يسند ظهره إلى جدار القبر ثم يدعو، ونص على ذلك الأئمة الأربعة أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء حتى لا يدعو عند
стр. 264
القبر، فإن الدعاء عبادة اهـ. وهذان الشيخان إمامان في النقل كما صرح به علماء النقل.
وقال ابن حجر المكي مستند صاحب الرسالة في (الجوهر المنظم) : ما ذكرناه من الاستقبال هنا في حالة الدعاء هو مذهبنا ومذهب جمهور العلماء، ومشى عليه بعض المالكية مع كون مالك ﵀ خالف في ذلك فرأى أن الأولى أن يكون في حال الدعاء أيضاً مستقبلاً للوجه الشريف، وقد سأله الخليفة المنصور الخ.
قلت قد عرفت فيما تقدم أن هذه الحكاية عن مالك ضعيفة جداً، وقد عارضها ما روي عن الإمام مالك بسند صحيح أنه قال: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي، فقد ثبت أن الإمام مالكاً موافق للجمهور في القول باستقبال القبلة في حالة الدعاء.
قوله: وأما ما ذكره الألوسي في تفسيره من أن بعضهم نقل عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه منع التوسل فهو نقل غير صحيح، إذ لم ينقله عن الإمام أحد من أهل مذهبه.
أقول: قال أبو الحسن القدوري في شرح كتاب الكرخي: قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف يقول قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: "أسألك بمعاقد العز من عرشك".؟ وأن يقول بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام.
قال أبو الحسن: أما المسألة بغير الله فمنكرة لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق له على خلقه، وأما قوله "بمعقد العز من عرشك" فكرهه أبو حنيفة، ورخص فيه أبو يوسف، كذا في (تبعيد الشيطان) . وقال ابن بلدجي في شرح المختار: ويكره أن يدعو الله إلا به، ولا يقول: أسألك بملائكتك أو بأنبيائك أو نحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على خالقه كذا في تبعيد الشيطان.
وقال نعمان خير الدين الحنفي (في جلاء العينين) : ونقل القدوري وغيره من الحنفية عن أبي يوسف أنه قال: قال أبو حنيفة ﵀ لا ينبغي لأحد أن يدعو الله
стр. 265
تعالى إلا به، وذكر العلائي في شرح التنوير عن التتار خانية عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وفي جميع متونهم أن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء وبحق البيت والمشعر الحرام مكروه كراهة تحريم، وهي كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد. اهـ ملخصاً.
وأيضاً قال فيه: فقد قال الشيخ أبو الحسين القدوري في الكتاب المسمى (بشرح الكرخي) المعروف به والمشهور عنه في (باب الكراهية) :
(فصل) قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف يقول قال أبو حنيفة ﵀: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله تعالى إلا به، وأكره أن يقول "بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك". وأبو يوسف لم يكره الأول وقال أكره بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام؛ قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق. وقال البلدجي في (شرح المختار) : ويكره أن يدعو الله تعالى إلا به، فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق. اهـ.
وقال في (الدر المختار) وفي التتارخانية معزياً للمنتقى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه، المأمور به، ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . قال: وكذا لا يصلي أحد على أحد إلا على النبي ﷺ وكره قوله: بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك، أو بحق البيت، لأنه لا حق للخلق على الخالق تعالى. اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين في (رد المحتار على الدر المختار) : قوله "وكره قوله بحق رسلك الخ" هذا لم يخالف فيه أبو يوسف، بخلاف مسألة المتن السابقة كما أفاده الاتقاني. اهـ وقال تحت قوله: "لأنه لا حق للخلق على الخالق": ومجرد إيهام اللفظ ما لا يجوز كاف في المنع كما قدمناه، فلا يعارض خبر الآحاد، فلذا والله أعلم أطلق أئمتنا المنع. اهـ.
فهؤلاء كلهم أهل مذهب أبي حنيفة ﵀ ينقلون عن الإمام منع التوسل، والمنكر لذلك النقل جاهل بمذهب أبي حنيفة ﵀.
стр. 266
قوله: وفي المواهب اللدنية للإمام القسطلاني: وقف أعرابي على قبره الشريف ﷺ وقال: اللهم إنك أمرت بعتق العبيد، وهذا حبيبك وأنا عبدك فأعتقني من النار على قبر حبيبك، فهتف به هاتف: يا هذا تسأل العتق لك وحدك، هلا سألت العتق لجميع المؤمنين؟ اذهب فقد أعتقتك.
أقول: فيه كلام من وجوه:
(الأول) : أن هذه الحكاية ذكرها القسطلاني بغير سند فلا يعتمد عليها.
و (الثاني) : أن هتف الهاتف ليس من الحجة الشرعية في شيء لاحتمال أن يكون ذلك الصوت من الشيطان.
و (الثالث) : أن فعل الأعرابي وقوله ليس دليلاً شرعياً حتى يحتج به على مسألة من مسائل الشرع.
قوله: ثم قال في المواهب عن الحسن البصري قال: وقف حاتم الأصم على قبره ﷺ فقال: يا رب إنا زرنا قبر نبيك فلا تردنا خائبين، فنودي: يا هذا ما أذنا لك في زيارة قبر حبيبنا إلى وقد قبلناك، فارجع أنت من معك من الزوار مغفور لكم.
أقول: فيه أيضاً كلام من وجوه:
(الأول) : أن هذه الحكاية لم يذكر لها سند فلا يعبأ بها.
و (الثاني) : أن قول حاتم الأصم ليس بحجة شرعية.
و (الثالث) : أنه ليس في قول حاتم إلا ذكر الزيارة والدعاء بتوسل الزيارة التي هي من الأعمال الصالحة، وهما مما لا يجحده أحد من المسلمين.
و (الرابع) : أن النداء المذكور في هذه الحكاية مما لا اعتماد عليه، لجواز أن يكون هذا النداء من الشيطان، فلابد لنفي هذا الاحتمال من برهان.
قوله: وقال ابن أبي فديك: سمعت بعض من أدركت من العلماء والصلحاء يقول: بلغنا أن من وقف عند قبر النبي ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
стр. 267
عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ وقال: صلي الله عليك يا محمد حتى يقولها سبعين مرة، ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان، ولم تسقط له حاجة.
أقول فيه خلل من وجوه:
(الأول) : أن هذه الرواية ليس لها سند فلا يعتمد عليها.
و (الثاني) : أن من روى عنه ابن أبي فديك مبهم مجهول.
و (الثالث) : أن هذا من بلاغات ذلك الرجل المبهم المجهول، وبلاغات الأئمة الثقات العدول ليس بحجة، فما ظنك بهذا.
و (الرابع) : أن قوله "بلغنا" لا يدرى أنه ممن بلغه، أمن تبع تابعي، أو من تابعي أو صحابي أو رسول الله ﷺ .
و (الخامس) : أن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك وإن كان صدوقاً مشهوراً وهو من المروي عنه في الكتب الستة، لكن قال ابن سعد وحده: ليس بحجة، كذا في الميزان.
قوله: وفي شرح المواهب للزرقاني أن الداعي إذا قال: اللهم إني استشفع إليك نبيك، يا نبي الرحمة اشفع لي عند ربك، استجيب له.
أقول: الزرقاني تحت حكاية مناظرة أبي جعفر مالكاً عند قول مالك: "وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة": إشارة إلى حديث الشفاعة العظمى وإلى ما ورد أن الداعي إذا قال: اللهم أني استشفع إليك بنبيك، يا نبي الرحمة اشفع لي عند ربك استجيب له، فهذا المذكور لم يذكر الزرقاني له سنداً، فعلى من يحتج به ذكر سنده وتوثيق رجاله، ولعله أراد به حديث عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريراً أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله، الحديث، فإن كان هذا فالكلام فيه ما تقدم تحت حديث عثمان بن حنيف ﵁، فتذكر.
قوله: فقد اتضح لك من هذه النصوص المروية عن النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وخلفها أن التوسل به ﷺ وزيارته وطلب الشفاعة منه ثابتة عنهم قطعاً بلا شك
стр. 268
ولا مرية، وأنها من أعظم القربات، وأن التوسل به واقع قبل خلقه، وبعد خلقه، في حياته وبعد وفاته، وسيكون التوسل به أيضاً بعد البعث في عرصات القيامة.
أقول: ما ذكر صاحب الرسالة بعضه غير ثابت، وبعضه غير دال على المطلوب، وبعضه مما لا يجحد مدلوله ومقتضاه خصمه، وهذا كله ظاهر مما تقدم، فتذكر.
قوله: قال في المواهب: ورحم الله ابن جابر حيث قال:
به قد أجاب الله آدم إذ دعا ... ونجي من بطن السفينة نوح
وما ضرت النار الخليل لنوره
... ومن أجله نال الفداء ذبيح
أقول: لا يدرى ابن جابر من هو، فعلى من يستدل به تعيينه وبيان سند هذين البيتين إليه حتى ينظر فيه.
قوله: وروى البيهقي عن أنس ﵁ أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ يستسقي به وأنشد أبياتاً أولها:
أتيناك والعذراء يدمى لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
إلى أن قال:
وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأنى فرار الخلق إلا إلى الرسل
فلم ينكر عليه ﷺ هذا البيت، بل قال أنس: لما أنشد الأعرابي الأبيات قام ﷺ يجرد رداءه حتى رقي المنبر فخطب ودعا لهم فلم يزل يدعو حتى أمطرت السماء.
أقول: فيه كلام من وجهين:
(الأول) : أن في سنده مسلماً الملائي وهو واه جداً، قال الذهبي في الميزان: مسلم ابن كيسان أبو عبد الله الضبي الكوفي الملائي الأعور عن أنس وعن إبراهيم النخعي وعنه الثوري وأبو وكيع الجراح بن بلبح١ قال الفلاس: متروك الحديث، وقال أحمد: لا يكتب حديثه. وقال يحيى ليس بثقة، وقال البخاري: يتكلمون فيه، وقال
стр. 269
يحيى أيضاً: زعموا أنه اختلط، وقال النسائي وغيره: متروك.
أبو هشام الرفاعي حدثنا أن فضيل حدثنا مسلم الملائي عن أنس: أهدت أم أيمن إلى النبي ﷺ طيراً مشوياً فقال: "اللهم ائتني به بأحب خلقك إليك" فذكره. اهـ مخلصاً.
وقال الحافظ في التقريب: مسلم بن كيسان الضبي الملائي البراد الأعور أبو عبد الله الكوفي ضعيف من الخامسة اهـ. وفي الخلاصة قال عمرو بن علي: منكر الحديث، وفي التهذيب: ضعفه البخاري والنسائي وابن معين وأبو حاتم. اهـ.
قلت: قد ثبت من عبارة الذهبي أن مسلماً الملائي هذا يروى حديث الطير، وهو موضوع عند غير واحد من المحدثين، قال العلامة عبد العزيز الدهلوي في (التحفة) ما معربه: إن هذا الحديث قال غير واحد من المحدثين: إنه موضوع، وممن صرح بوضعه الحافظ شمس الدين الجزري.
وقال إمام أهل الحديث شمس الدين أبو عبد الله بن محمد بن أحمد الدمشقي الذهبي في تلخيصه: لقد كنت زمناً طويلاً أظن أن حديث الطير لم يحسن بالحاكم أن يودعه في مستدركه، فلما علقت هذا الكتاب رأيت القول به من الموضوعات التي فيه، وهكذا في (الصواقع الموبقة) للعلامة نصر الله الكابلي.
وقال ابن الجوزي في (العلل المتناهية) : قال ابن طاهر: حديث الطائر موضوع إنما يجيء عن سقاط أهل الكوفة عن المشاهير والمجاهيل عن أنس وغيره، قال: ولا يخلو أمر الحاكم من أمرين: إما الجهل بالصحيح فلا يعتمد على قوله، وإما العلم به ويقول بخلافه، فيكون معانداً كذاباً وله وساوس، وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في (اليواقيت والجواهر) : وهذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وأفرد له الحافظ الذهبي جزءاً وقال: إن طرقه كلها باطلة. اهـ.
قال العلامة الشوكاني في (الفوائد المجموعة) قال في المختصر: له طرق كلها ضعيفة. وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وأما الحاكم فأخرجه في المستدرك وصححه، واعترض عليه كثير من أهل العلم، ومن أراد استيفاء البحث فلينظر ترجمة الحاكم في النبلاء. اهـ.
стр. 270
و (الثاني) : أن ما ثبت منها هو التوسل بدعاء الأحياء، وهذا مما لا ينكره أحد.
قوله: وفي صحيح البخاري أنه لما جاء الأعرابي وشكا للنبي ﷺ القحط فدعا الله فانجابت السماء بالمطر قال ﷺ : "لو كان أبو طالب حياً لقرت عيناه، من ينشدنا قوله"؟ فقال علي ﵁: يا رسول الله كأنت أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فتهلل وجه النبي ﷺ ولم ينكر إنشاد البيت ولا قوله: "يستسقى الغمام بوجهه" ولو كان ذلك حراماً أو شركاً لأنكره ولم يطلب إنشاده.
أقول ليس في صحيح البخاري هذه الرواية، إنما ورد فيه من حديث أنس أن قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت المواشي وتقطعت السبل فدعا، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، ثم جاء فقال: تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي فادع الله يمسكها، فقال: "اللهم على الآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر"، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب، وقد روى البخاري حديث أنس هذا من طرق وليس في واحدة منا قال ﷺ : "لو كان أبو طالب حياً لقرت عيناه، من ينشدنا قوله"؟ فقال علي ﵁: يا رسول الله كأنك أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فتهلل وجه النبي ﷺ اهـ.
وكذلك قد روي فيه من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ومن حديث سالم عن أبيه ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقى، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبي طالب، نعم قد ورد ما عزاه إلى البخاري فيما أخرجه البيهقي في
стр. 271
الدلائل من رواية مسلم الملائي عن أنس قال: جاء رجل أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي بغط، ثم أنشده شعراً يقول فيه:
وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلا إلى الرسل؟
فقام يجر رداءه حتى صعد المنبر فقال: "اللهم اسقنا" الحديث. وفيه: ثم قال ﷺ : "لو كان أبو طالب حياً لقرت عيناه، من ينشدنا قوله" فقام علي فقال: يا رسول الله كأنك أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
الأبيات
قال الحافظ في الفتح، وكذا قال القسطلاني في المواهب، وقد عرفت فيما تقدم أن في سنده مسلماً الملائي وهو متروك يروي الموضوع، فالصواب حينئذ ذكر قوله قال ﷺ : "لو كان أبو طالب" الخ في رواية البيهقي لا في رواية البخاري.
فانظر إلى تحريف صاحب الرسالة ما أشنعه وما أقبحه، أعاذنا الله من أمثال هذا الصنيع.
على أن في عبارة ما عزاه إلى البخاري من الركاكة ما يدل دلالة واضحة على أنه ليس من كلام أفصح العرب:
(الأول) : أن كلمة "لما" لا يدخل في جوابها في أمثال هذه المواضيع لفظة الفاء.
و (الثاني) : أن لفظ شكا متعد بإلى لا باللام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ وفي رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك عند البخاري أن رجلاً شكا إلى النبي ﷺ هلك المال وجهد العيال. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اشتكت النار إلى ربها" متفق عليه. وعن خباب قال: أتينا رسول الله ﷺ فشكونا إليه حر الرمضاء فلم يشكنا" رواه مسلم، وعن عائشة ﵂ عند البخاري في كتاب التيمم: فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله آية التيمم. وقد جاء تعدية شكا بإلى في غير واحد من الأحاديث الصحيحة، وقال في القاموس: شكا أمره إلى الله.
стр. 272
و (الثالث) : أن قوله: "فانجابت السماء بالمطر" لا معنى له، فإن انجابت بمعنى انكشفت، في الصحاح: انجابت السحابة انكشفت، وفي المصباح: انجابت السحاب انكشف، وانكشاف السماء بالمطر لا محصل له.
و (الرابع) : أن الانجياب يدل على انقطاع المطر كما في حديث، "فانجابت عن المدينة انجياب الثوب" وانقطاع السحاب بعد دعاء السقى يدل على عدم إجابة دعاء النبي ﷺ وهذا باطل بالبداهة، بدليل أن الروايات كلها دالة على أن دعاء الرسول في هذه الواقعة قد أجيب بلا مرية.
و (الخامس) أن انقطاع السحاب قبل ظهروه محال.
و (السادس) أن صلة الانجياب بعن كما في حديث أنس لا بالباء.
وبالجملة فصدر ما عزاه إلى البخاري أعني قوله لما جاء الأعرابي وشكا للنبي ﷺ إلى قوله بالمطر ليس في البخاري ولا في البيهقي ولا في غيره من الكتب الحديثية فيما أعلم، فإذاً إنما هو من اختلاق مؤلف الرسالة.
قوله: ولم ينكر إنشاد البيت ولا قوله يستسقى الغمام بوجهه.
أقول فيه كلام من وجهين:
(الأول) أن اللفظ الذي يستدل به على جواز التوسل ليس في صحيح البخاري، إنما هو من رواية البيهقي، وهي ضعيفة جداً كما تقدم.
و (الثاني) أن الثابت به إنما هو التوسل بالأحياء ولا ينكره أحد، وإنما يمنع من يمنع التوسل بالأموات، فإن قلت: لفظ "يستسقى الغمام بوجهه" يدل على أن التوسل بالذوات الفاضلة جائز، قلت: المكروه من التوسل هو أن يقال أسألك بحق فلان أو بحرمة فلان، وأما إحضار الصالحين في مقام الاستسقاء أو طلب الدعاء منهم فهو ليس من المكروه في شيء، بل هو ثابت بالسنة الصحيحة، وليس في حديث البيهقي إلا التوسل بدعائه ﷺ ، وكذا التوسل الذي يشير إليه أبو طالب إنما كان بإحضار النبي ﷺ في مقام الاستسقاء أو بدعائه، ففيه احتمالان:
стр. 273
(الأول) أنه أشار إلى ما وقع في زمن عبد المطلب، روى الخطابي حديثاً فيه أن قريشاً تتابعت عليهم سنو جدب في حياة عبد المطلب، فارتقى هو ومن حضره من قريش أبا قبيس، فقام عبد المطلب واعتضد النبي ﷺ فرفعه على عاتقه –وهو يومئذ غلام قد أيقع أو قرب– فدعا فسقوا في الحال، فقد شاهد أبو طالب ما دله على ما قال.
و (الثاني) أنه أشار إلى ما وقع في زمنه، فقد أخرج ابن عساكر عن حليمة١، قدمت مكة وقريش في قحط، فقائل منهم يقول: اعمدوا اللات والعزى، وقائل منهم: اعمدوا مناة الثالثة الأخرى، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون وفيكم باقية إبراهيم وسلالة إسماعيل، قالوا: كأنك عنيت أبا طالب، قال: إيها. فقاموا بأجمعهم فقمت فدققنا عليه الباب فخرج إلينا، فثاروا إليه فقالوا: يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال وأنت فيهم، أما تستسقي؟ فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابة قثماء، وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ الغلام بإصبعه وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ههنا ومن ههنا، وأغدق السحاب واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
وإذا كان حضور الصحابة والتابعين وتبع التابعين والضعفاء سبباً للنصر والفتح فما ظنك بحضور سيد ولد آدم ﷺ .
روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو
стр. 274
فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم، متفق عليه.
وعن مصعب بن سعد قال: رأى سعد أن له فضلاً على من دونه فقال رسول الله ﷺ : "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" رواه البخاري. وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "ابغوني في ضعفائكم، فإنما ترزقزن أو تنصرون بضعفائكم". رواه أبو داود، وعن أمية بن خالد بن عبد الله بن أسيد عن النبي ﷺ أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين، رواه في شرح السنة، وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خرج نبي من الأنبياء بالناس، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء، فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة". رواه الدارقطني.
فالمراد بوجهه في قول أبي طالب "يستسقى الغمام بوجهه". ببركة حضور ذاته أو بدعائه، لا أن يقال أسألك بحق النبي ﷺ أو بحرمته، وما أشبه هذا القول بقول أسقف النصارى المذكور في البيضاوي وغيره من التفاسير تحت آية المباهلة حيث ذكروا فقال أسقفهم: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو تسأل الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا.
قوله: وكان سبب إنشاد أبي طالب هذا البيت من جملة قصيدة مدح بها النبي ﷺ أن قريشاً في الجاهلية أصابهم قحط فاستسقى لهم أبو طالب وتوسل بالنبي ﷺ .
أقول: هذا غلط واضح وخطأ فاضح، فإن سبب إنشاده أن قريشاً تمالأت على النبي ﷺ ونفروا عنه من يريد الإسلام.
قال الحافظ في الفتح: وهذا البيت من أبيات في قصيدة لأبي طالب ذكرها ابن إسحاق في السيرة بطولها وهي أكثر من ثمانين بيتاً، قالها لما تمالأت قريش على النبي ﷺ ونفروا عنه من يريد الإسلام، أولها:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد جاهرونا بالعداوة والأذى
... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
أعبد مناف أنتم خير قومكم
... فلا تشركوا في أمركم كل واغل
стр. 275
فقد خفت إن لم يصلح الله أمركم ... تكونوا كما كانت أحاديث وائل
وأيضاً قال في الفتح: وذكر ابن التين أن في شعر أبي طالب هذا دلالة على أنه كان يعرف نبوة النبي ﷺ قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرا أو غيره من شأنه، وفيه نظر، لما تقدم عن إنشاد أبي طالب لهذا الشعر كان بعد المبعث. اهـ.
وقال الزرقاني في (شرح المواهب) تحت قوله: "وفي ذلك يقول أبو طالب يذكر قريشاً حين تمالؤا عليه ﷺ : بركته عليهم من صغره لا في هذا الوقت، فلا يخالف قول ابن إسحاق أنه قال القصيدة لما تمالأت قريش على النبي ﷺ ونفروا عنه من يريد الإسلام. وتجويز أنه قال البيت عقيب الاستسقاء، والقصيدة كلها حين تمالؤا فيه نظر، إذ مجرد قوله "وفي ذلك يقول، لا يستلزم أنه قال عقيب الاستسقاء. اهـ.
قوله: وصح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇ يا عيسى آمن بمحمد، ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن.
أقول: فيه كلام من وجهين:
(الأول) : أن هذا الأثر هكذا مذكور في (الجوهر المنظم) بلا سند، فعلى من يحتج به ذكر سنده وتوثيق رجاله، وقال الزرقاني في (شرح المواهب) : رواه البيهقي وغيره كشيخه الحاكم وصححه١ عن ابن عباس: أوحى الله تعالى إلى عيسى أن آمن بمحمد وأمر أمتك، الحديث. قلت: عرفت فيما تقدم ما في تصحيح الحاكم من التساهل فلا اعتداد به، قال الذهبي ما حاصله: إنه لا يحل لأحد أن يغتر بتصحيح الحاكم حتى يرى تعقباتي. ومن ثم تقرر عند العلماء أنه لا يعتمد على مستدرك الحاكم إلا
стр. 276
بعد رؤية التخليص للذهبي١.
و (الثاني) : أنه ليس فيه دليل على التوسل الذي يمنعه المانعون.
قوله: وذكر القسطلاني في شرحه على البخاري عن كعب الأحبار أن بني إسرائيل كانوا إذا قحطوا استسقوا بأهل بيت نبيهم.
أقول: هذه الحكاية ذكرها القسطلاني في شرحه بلا سند، فلا يحتج بها، على أن المراد بالاستسقاء بأهل البيت هو الاستسقاء بدعائهم أو ببركة حضورهم في موضع الاستسقاء، وهذا لا يمنعه أحد، إنما المكروه أن يقال: اللهم إنا نسألك بحق أهل البيت، وهذا غير ثابت منها.
قوله: وإذا جاز التوسل بالأعمال الصالحة كما في صحيح البخاري في حديث الثلاثة الذين أووا إلى غار فأطبق عليهم ذلك الغار فتوسل كل واحد منهم إلى الله تعالى بأرجى عمل له فانفجرت الصخرة التي سدت الغار عنهم، فالتوسل به ﷺ أحق وأولى، لما فيه من النبوة والفضائل سواء كان ذلك في حياته أو بعد وفاته، فالمؤمن إذا توسل به إنما يريد بنبوته التي جمعت الكمالات.
أقول: الثابت بحديث صحيح البخاري إنما هو توسل المرء بعمل نفسه لا التوسل بعمل الغير أو بكمال الآخر، وأما ادعاء أن هذا ثابت بفحوى الخطاب ودلالة النص، فهذا محتاج إلى تقريره وإثباته حتى ينظر فيه ويتكلم عليه ودونه لا يسمع.
قوله: وهؤلاء المانعون للتوسل يقولون: يجوز التوسل بالأعمال الصالحة مع كونها أعراضاً فالذوات الفاضلة أولى.
أقول: لا ملازمة بين جواز التوسل بالأعراض وبين جواز التوسل بالذوات
стр. 277
الفاضلة، ومن يدعي فعليه البيان١.
قوله: فإن عمر ﵁ توسل بالعباس ﵁.
أقول: التوسل بالعباس ﵁ كان توسلاً بدعائه أو ببركة حضوره، وهذا جائز لا شك فيه٢. إنما المكروه أن يقال: اللهم أسألك بحق العباس ﵁، وهذا ليس بثابت.
قوله: وأيضاً لو سلمنا ذلك نقول لهم: إذا جاز التوسل بالأعمال الصالحة فما المانع من جوازها بالنبي ﷺ باعتبار ما قام به من النبوة والرسالة والكمالات التي فاقت كل كمال، وعظمت على كل عمل صالح في الحال والمآل.
أقول: المانع من جواز التوسل بالنبي ﷺ هو كونه بدعة، وقد قال ﷺ : "وإياكم ومحدثات الأمور"، وقد قال ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". ولا يخفى ما في ضمير جوازها، والصواب جوازه، بالتذكير، فإن المرجع هو التوسل وهو مذكر لا وجه لتأنيثه.
قوله: ومن أدلة جواز التوسل قصة سواد بن قارب ﵁ التي رواها الطبراني في الكبير، وفيها أن سواد بن قارب أنشد رسول الله ﷺ قصيدته التي فيها التوسل ولم ينكر عليه، ومنها قوله:
وأشهد أن الله لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة
... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
стр. 278
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل ... وإن كان فيما فيه شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
فلم ينكر عليه رسول الله ﷺ قوله أدنى المرسلين وسيلة، ولا قوله وكن لي شفيعاً.
أقول: فيه كلام من وجوه:
(الأول) : أن هذه القصة لا بد من بيان سندها حتى ينظر فيه، ودونه لا يعول عليها، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن محمد بن كعب القرظي قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ قاعداً في المسجد إذ مر به رجل في مؤخر المسجد، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أتعرف هذا الجائي؟ قال: لا، فمن هو؟ قال: هذا سواد بن قارب وهو من أهل اليمن، له فيهم شرف وموضع، وقد أتاه رئيه بظهور رسول الله ﷺ فقال عمر: علي به، فدعي به فقال: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم. قال: أنت الذي أتاك رئيك١ بظهور رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال فأنت على ما كنت عليه من كهانتك، فغضب غضباً شديداً وقال: يا أمير المؤمنين ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت! فقال عمر: يا سبحان الله ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك، أخبرني بإتيان رئيك بظهور رسول الله ﷺ . قال: نعم يا أمير المؤمنين، بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان، إذ أتاني رئيى فضربني برجله وقال: قم يا سواد ابن قارب، فافهم واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول الله من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله عزو جل وإلى عبادته، فذكر القصة بطولها، وفيها إنشاد سواد بن قارب قصيدته تجاه النبي ﷺ التي فيها الأبيات المذكورة وفيها قال: ففرح رسول الله ﷺ وأصحابه بإسلامي فرحاً شديداً حتى رؤى ذلك في وجوههم، قال فوثب عمر بن الخطاب ﵁ إليه وإلتزمه وقال: قد كنت أحب أن أسمع هذا منك، رواه الطبراني، وفي رواية عنده عن سواد بن قارب الأزدي قال: كنت نائماً على جبل من جبل السراة، فأتاني آت فضربني برجله، وقال فيه: أتيت مكة فإذا رسول الله ﷺ قد
стр. 279
ظهر، فأخبرته الخبر، وكلا الإسنادين ضعيف، اهـ. ما في المجمع.
قلت: قد ثبت منه أن كلاً الإسنادين ضعيف، وفي المتن اضطراب، فتنبه.
و (الثاني) أن قوله: "وإنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله" ليس نصاً على أن الرسول ﷺ نفسه وسيلة، بل يحتمل أن يكون المراد أن قربته ﷺ إلى الله تعالى أكثر من قربة سائر المرسلين إليه، كما أن المراد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ . هي القربة بلا خلاف، وكذلك المراد بها في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ . أو يكون المراد بها الدرجة والمنزلة، فإذاً حاصله أن درجته ﷺ ومنزلته أقرب إلى الله تعالى من درجة سائر المرسلين، ولو سلم أن المراد أن نفسه ﷺ وسيلة لنا فلا دليل فيه للتوسل المنهي عنه، فإن كونه ﷺ وسيلة بمعنى أنه ﷺ واسطة تبلغنا أمر الله حق لا ينكره أحد، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما أمر به ونهى عنه، ولا يعرفون ما يستحقه من أسمائه الحسنى وصفاته العلى إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، وكذلك كونه ﷺ وسيلة في حياته بأن الصحابة ﵃ متى صدر من أحدهم معصية وذنب جاء إليه ﷺ فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا، فاستغفر لي، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . وكذلك إذا وقع القحط في زمانه ﷺ يأتي أحدهم فيقول: يا رسول الله هلكت المواشي وتقطعت السبل، فادع ... وهكذا يطلبون الدعاء مه ﷺ في سائر حاجاتهم كشفاء المريض ورد البصر. وكذلك كونه ﷺ وسيلة يوم القيامة حيث يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا بذلك فيقولن: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فنوحاً فإبراهيم فموسى فعيسى فيقول: ائتوا محمداً عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فيأتون محمداً ﷺ كما في حديث الشفاعة الطويل "فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه١ ". الحديث، ولكن
стр. 280
الكلام في التوسل بأن يقال: اللهم إني أسألك بحق محمد ﷺ وهو لا يثبت من قوله "وإنك أدنى المرسلين وسيلة".
و (الثالث) أن طلب الشفاعة منه يوم القيامة لا يجحده مسلم، نعم لا يكون إلا بإذن الله تعالى كما جاء مصرحاً في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فليس في قول "وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة" دليل على مطلوب الخصم.
قوله: وكذا من أدلة التوسل مرثية صفية ﵂ عمة رسول الله ﷺ ، فإنها رثته بعد وفاته ﷺ بأبيات فيها قولها:
ألا يا رسول الله أنت رجاؤنا ... وكنت بنا براً ولم تك جافيا
ففيها النداء بعد وفاته مع قولها، "وأنت رجاؤنا" وسمع تلك المرثية الصحابة ﵃ فلم ينكر عليها أحد قولها "يا رسول الله أنت رجاؤنا".
أقول: قال في مجمع الزوئد: وعن عروة قال قالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله ﷺ :
لهف نفسي وبت كالمسلوب ... أرقب الليل لعلة المحروب
وذكر المرثية بطولها ثم قال: وقالت أيضاً:
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا براً ولم تك جافيا
وذكر هذه المرثية أيضاً بطولها ثم قال: رواه الطبراني وإسناده حسن١ هذا
стр. 281
لفظ مجمع الزوائد، قلت: هذه المرثية وإن كان إسنادها حسناً ولكن ليس فيها دليل على التوسل المنهي عنه، فإن لفظ الرجاء بمعنى التوقع والأمل، قال في مجمع البحار: وتكرر فيه الرجاء بمعنى التوقع والأمل، وقال في النهاية: وقد تكرر فيه ذكر الرجاء بمعنى التوقع والأمل، يقال رجوته أرجوه رجواً ورجاءً وجاوة، وقال في القاموس: الرجاء ضد اليأس كالرجو والرجاءة والرجاوة والترجي والارتجاء والترجية، وقال في الصحاح: والرجاء من الأمل ممدود يقال رجوت فلاناً رجواً ورجاء ورجاوة اهـ. وقال في المصباح المنير: رجوته أرجوه رجواً على فعول: أملته أو أردته، قال تعالى: ﴿لا يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ . أي لا يريدونه، والاسم الرجاء بالمد. اهـ.
ولا يخفاك١ أن الرجاء بمعنى التوقع والأمل مصدر أو اسم مصدر لا يصح حمله على رسول الله ﷺ بالموطأة، فإذاً هو إما مبني للفاعل أو للمفعول، لا سبيل إلى الاحتمال الأول وهذا ظاهر، فتعين الثاني، كما في قوله تعالى في سورة هود: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا﴾ . قال البيضاوي تحت هذه الآية: لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، أن تكون لنا سيداً ومستشاراً في الأمور، وفي فتح البيان: أي كنا نرجو أن تكون فينا سيداً مطاعاً ننتفع برأيك، ونسعد بسعادتك، لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، لأنه كان من قبيلتهم، وكان يعين ضعيفهم، ويغني فقيرهم. اهـ.
ولكن لا بد من أن يعلم هناك أن من الرجاء ما هو مختص بالله تعالى بمعنى أن المرجو فيه لا يصلح إلا لله تعالى كرجاء كشف الضر والسوء وتحويله وإجابة المضطر إذا دعاه، وإنزال الماء من السماء وشفاء المريض وبسط الرزق وإعطاء الأولاد ومغفرة الذنوب، وغيرهما مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وهذا الرجاء هو الذي أثنى الله تعالى على فاعليه في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ . وهو الذي أمرنا الله أن ندعوه متلبساً به٢ حيث قال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ . فعبر عن الرجاء بالطمع.
стр. 282
وهو الذي نهى يعقوب ﵇ بنيه عن ارتكاب ضده وقد حكاه الله تعالى في كتاب العزيز في قوله: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ وهو الذي أثنى الله تعالى على زكريا ﵇ وزوجه فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ وهو الذي ذكر إبراهيم ﵇ في ثناء الله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ وهو الذي ذكره الله تعالى في وصف المؤمنين فقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وهو الذي نهى الله تعالى عن ضده فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ والنهي عن ضد الشيء يقتضي الأمر بذلك الشيء كما تقرر في مقره، وهو الذي أمر الله تعالى نبيه ﷺ به فقال: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وهو الذي أمر رسول الله أمته بتعظيمه في الدعاء فقال: "إذا دعاء أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه" رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة" رواه الترمذي، قال العلماء: أي كونوا موقنين بأنه تعالى يجيب الدعاء، لأن فيه صدق الرجاء، والكريم لا يخيب راجيه، وهو المراد في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي". متفق عليه من حديث أبي هريرة، قال العلماء: الأصح أنه أراد الرجاء وتأميل العفو، فإن ظن العفو فله ذلك، وإن ظن العقوبة فكذلك، وفي حديث قدسي آخر: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي". رواه الترمذي من حديث أنس، وهو المراد في الدعاء المأثور: "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين". رواه أبو داود من حديث أبي بكرة، وفي الدعاء الذي يقرأ إذا أوى إلى فراشه: "اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبت ورهبة إليك" الحديث. متفق عليه من حديث البراء بن عازب.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر، فذكر
стр. 283
مثل المرفوع وزاد: لبيك مرغوباً ومرهوباً ذا النعماء والفضل الحسن، كذا في الفتح.
وهو الذي ينبغي للمكلف أن يكون بينه وبين الخوف حتى لا يكون مفرطاً في الرجاء بحيث يصير من المرجئة القائلين لا يضر مع الإيمان شيء، ولا في الخوف بحيث لا يكون من الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد صاحب الكبيرة -إذا مات من غير توبة- في النار، بل يكون وسطاً بينهما.
أخرج الترمذي عن أنس أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال له: "كيف تجدك"؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : "لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه ما يرجو وأمنه مما يخاف" ورجاله كلهم ثقات غير جعفر بن سليمان الضبعي وسيار بن حاتم، والأول قال فيه ابن معين: ثقة وقال أحمد: لا بأس به، وقال ابن سعد: ثقة فيه ضعف، وقال الذهبي في الميزان: وهو صدوق في نفسه، وقال في الكاشف: ثقة، وقال الحافظ في التقريب: صدوق زاهد.
وأما الثاني: فقال الذهبي في الميزان: صالح الحديث، وثقه وابن حبان: قيل للقورايري أتتهمه؟ قال: لا. وقال الحاكم: كان سيار عابد عصره، وقد أكثر عنه أحمد بن حنبل، وقال في الكاشف: صدوق، وقال الحافظ في التقريب: صدوق، له أوهام. اهـ. فالحديث صالح لأن يحتج به.
واحتج البخاري على الرجاء مع الخوف بحديث أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ يقول: "أن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحد، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار". وهو المراد في قول ﷺ الذي قاله قبل موته بثلاثة أيام: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله". رواه مسلم من حديث جابر. وهو المراد في حديث أنس المروي بسند ضعيف قال: لم يرد النبي ﷺ سفراً قط إلا قال
стр. 284
حين ينهض من جلوسه: "اللهم بك انتشرت١، وإليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم أنت ثقتي وأنت رجائي، اللهم اكفني ما أهمني وما لا أهتم به وما أنت أعلم به مني، وزودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير حيث ما توجهت". رواه أبو يعلي، وفيه عمرو بن مساور وهو ضعيف، كذا في مجمع الزوائد، قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف، كذا في الميزان.
هذا كله هو الرجاء المختص بالله تعالى، ومنه ما هو جائز في حق رسولنا ﷺ في حياته بمعنى أن المرجو منه فيه يصلح للنبي ﷺ ، وهو ما يقدر عليه الأنبياء ﵈ سيما نبينا ﷺ من صلة الرحم، وحمل الكل، وكسب المعدوم، وقرى الضيف، والإعانة على نوائب الحق، والرحمة بالمؤمنين، والجود والشجاعة والبركة، وقضاء حوائج الأرملة والمساكين واليتامى، وعدم انتقامه لنفسه في شيء قط، وعدم اللوم على شيء قط أتى فيه على يدي أحد، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة دعوة المملوك، والخلق العظيم، وتعليم الأمة الكتاب والحكمة وتزكيتهم، ودعوتهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وتبليغ رسالات الرب تعالى، ونصح الأمة، والاستغفار لهم عند صدور الذنوب عنهم، والدعاء لهم في حاجاتهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإعلاء كلمة الله، والجهاد مع أعداء الله، وتعظيم شعائر الله، وإعزاز المؤمنين، وإذلال الكافرين، وغير ذلك.
وأما كونه ﷺ رجاء بمعنى المرجو بعد الموت فما ثبت منه بالكتاب والسنة المطهرة فهو على الرأس والعين كالشفاعة يوم القيامة، وأما ما لم يثبت بواحد منهما فهو مردود.
إذا تقرر هذا فاعلم أن معنى ما في المرثية: إنا كنا نرجو برك ورحمتك وشفقتك، يدل عليه قولها: "وكنت بنا براً ولم تكن جافياً، وقولها: "وكان بنا براً رحيما نبينا".
стр. 285
والبر والرحمة والشفقة مما يقدر عليه النبي ﷺ في حياته فيجوز رجاء البر والرحمة والشفقة منه ﷺ ، فيكون ﷺ على هذا مرجوا منه، والبر والرحمة والشفقة مرجوا فيكون الرجاء في الشعر بمعنى المرجو الذي أريد منه المرجو منه وإرادة المرجو منه من المرجو ثابتة كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً﴾ ويمكن أن يقال: إن المراد بالرجاء في البيت المرجو، ويقدر التمييز، أي كنت مرجونا براً ورحمة وأمناً من الهرج الآتي بعدك، وبقاء فينا كما في طاب زيد علماً ودارا وغلاماً وفرساً، فالمرجو منه في الأولين هو النبي ﷺ وفي الأخيرين هو الله تعالى، ويدل على الأخيرين قولها:
لعمرك ما أبكي النبي لموته ... ولكن لهرج كان بعدك آتيا
وقولها:
فلو أن رب العرش أبقاك بيننا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضياً
ويؤيد الأخير قول عمر ﵁ حين توفي رسول الله ﷺ : والله ما مات رسول الله ﷺ . قالت عائشة: وقال عمر والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، رواه البخاري، من حديث عائشة ﵂، وفي رواية: أن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين، رواه أحمد من طريق يزيد بن بابنوس عن عائشة ﵂.
وفي حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة أن أبا بكر مر بعمر وهو يقول: ما مات رسول الله ﷺ ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين، وكانوا أظهروا الاستبشار ورفعوا رؤوسهم، كذا في فتح الباري، وفي رواية: والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم، ذكره الطبري في الرياض، وفي رواية: ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا، ذكره الوائلي أبو نصر عبد الله في كتاب (الإبانة) ، كذا في المواهب.
قلت: والرواية الأخيرة موجودة في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله