← Акыда

Акыда · id 12027

صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان

محمد بشير السهسواني

Полный текст (549 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لفظ مجمع الزوائد، قلت: هذه المرثية وإن كان إسنادها حسناً ولكن ليس فيها دليل على التوسل المنهي عنه، فإن لفظ الرجاء بمعنى التوقع والأمل، قال في مجمع البحار: وتكرر فيه الرجاء بمعنى التوقع والأمل، وقال في النهاية: وقد تكرر فيه ذكر الرجاء بمعنى التوقع والأمل، يقال رجوته أرجوه رجواً ورجاءً وجاوة، وقال في القاموس: الرجاء ضد اليأس كالرجو والرجاءة والرجاوة والترجي والارتجاء والترجية، وقال في الصحاح: والرجاء من الأمل ممدود يقال رجوت فلاناً رجواً ورجاء ورجاوة اهـ. وقال في المصباح المنير: رجوته أرجوه رجواً على فعول: أملته أو أردته، قال تعالى: ﴿لا يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ . أي لا يريدونه، والاسم الرجاء بالمد. اهـ. ولا يخفاك١ أن الرجاء بمعنى التوقع والأمل مصدر أو اسم مصدر لا يصح حمله على رسول الله ﷺ بالموطأة، فإذاً هو إما مبني للفاعل أو للمفعول، لا سبيل إلى الاحتمال الأول وهذا ظاهر، فتعين الثاني، كما في قوله تعالى في سورة هود: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا﴾ . قال البيضاوي تحت هذه الآية: لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، أن تكون لنا سيداً ومستشاراً في الأمور، وفي فتح البيان: أي كنا نرجو أن تكون فينا سيداً مطاعاً ننتفع برأيك، ونسعد بسعادتك، لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، لأنه كان من قبيلتهم، وكان يعين ضعيفهم، ويغني فقيرهم. اهـ. ولكن لا بد من أن يعلم هناك أن من الرجاء ما هو مختص بالله تعالى بمعنى أن المرجو فيه لا يصلح إلا لله تعالى كرجاء كشف الضر والسوء وتحويله وإجابة المضطر إذا دعاه، وإنزال الماء من السماء وشفاء المريض وبسط الرزق وإعطاء الأولاد ومغفرة الذنوب، وغيرهما مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وهذا الرجاء هو الذي أثنى الله تعالى على فاعليه في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ . وهو الذي أمرنا الله أن ندعوه متلبساً به٢ حيث قال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ . فعبر عن الرجاء بالطمع.

стр. 282

وهو الذي نهى يعقوب ﵇ بنيه عن ارتكاب ضده وقد حكاه الله تعالى في كتاب العزيز في قوله: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ وهو الذي أثنى الله تعالى على زكريا ﵇ وزوجه فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ وهو الذي ذكر إبراهيم ﵇ في ثناء الله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ وهو الذي ذكره الله تعالى في وصف المؤمنين فقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وهو الذي نهى الله تعالى عن ضده فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ والنهي عن ضد الشيء يقتضي الأمر بذلك الشيء كما تقرر في مقره، وهو الذي أمر الله تعالى نبيه ﷺ به فقال: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وهو الذي أمر رسول الله أمته بتعظيمه في الدعاء فقال: "إذا دعاء أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه" رواه مسلم من حديث أبي هريرة. وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة" رواه الترمذي، قال العلماء: أي كونوا موقنين بأنه تعالى يجيب الدعاء، لأن فيه صدق الرجاء، والكريم لا يخيب راجيه، وهو المراد في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي". متفق عليه من حديث أبي هريرة، قال العلماء: الأصح أنه أراد الرجاء وتأميل العفو، فإن ظن العفو فله ذلك، وإن ظن العقوبة فكذلك، وفي حديث قدسي آخر: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي". رواه الترمذي من حديث أنس، وهو المراد في الدعاء المأثور: "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين". رواه أبو داود من حديث أبي بكرة، وفي الدعاء الذي يقرأ إذا أوى إلى فراشه: "اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبت ورهبة إليك" الحديث. متفق عليه من حديث البراء بن عازب. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر، فذكر

стр. 283

مثل المرفوع وزاد: لبيك مرغوباً ومرهوباً ذا النعماء والفضل الحسن، كذا في الفتح. وهو الذي ينبغي للمكلف أن يكون بينه وبين الخوف حتى لا يكون مفرطاً في الرجاء بحيث يصير من المرجئة القائلين لا يضر مع الإيمان شيء، ولا في الخوف بحيث لا يكون من الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد صاحب الكبيرة -إذا مات من غير توبة- في النار، بل يكون وسطاً بينهما. أخرج الترمذي عن أنس أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال له: "كيف تجدك"؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : "لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه ما يرجو وأمنه مما يخاف" ورجاله كلهم ثقات غير جعفر بن سليمان الضبعي وسيار بن حاتم، والأول قال فيه ابن معين: ثقة وقال أحمد: لا بأس به، وقال ابن سعد: ثقة فيه ضعف، وقال الذهبي في الميزان: وهو صدوق في نفسه، وقال في الكاشف: ثقة، وقال الحافظ في التقريب: صدوق زاهد. وأما الثاني: فقال الذهبي في الميزان: صالح الحديث، وثقه وابن حبان: قيل للقورايري أتتهمه؟ قال: لا. وقال الحاكم: كان سيار عابد عصره، وقد أكثر عنه أحمد بن حنبل، وقال في الكاشف: صدوق، وقال الحافظ في التقريب: صدوق، له أوهام. اهـ. فالحديث صالح لأن يحتج به. واحتج البخاري على الرجاء مع الخوف بحديث أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ يقول: "أن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحد، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار". وهو المراد في قول ﷺ الذي قاله قبل موته بثلاثة أيام: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله". رواه مسلم من حديث جابر. وهو المراد في حديث أنس المروي بسند ضعيف قال: لم يرد النبي ﷺ سفراً قط إلا قال

стр. 284

حين ينهض من جلوسه: "اللهم بك انتشرت١، وإليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم أنت ثقتي وأنت رجائي، اللهم اكفني ما أهمني وما لا أهتم به وما أنت أعلم به مني، وزودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير حيث ما توجهت". رواه أبو يعلي، وفيه عمرو بن مساور وهو ضعيف، كذا في مجمع الزوائد، قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف، كذا في الميزان. هذا كله هو الرجاء المختص بالله تعالى، ومنه ما هو جائز في حق رسولنا ﷺ في حياته بمعنى أن المرجو منه فيه يصلح للنبي ﷺ ، وهو ما يقدر عليه الأنبياء ﵈ سيما نبينا ﷺ من صلة الرحم، وحمل الكل، وكسب المعدوم، وقرى الضيف، والإعانة على نوائب الحق، والرحمة بالمؤمنين، والجود والشجاعة والبركة، وقضاء حوائج الأرملة والمساكين واليتامى، وعدم انتقامه لنفسه في شيء قط، وعدم اللوم على شيء قط أتى فيه على يدي أحد، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة دعوة المملوك، والخلق العظيم، وتعليم الأمة الكتاب والحكمة وتزكيتهم، ودعوتهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وتبليغ رسالات الرب تعالى، ونصح الأمة، والاستغفار لهم عند صدور الذنوب عنهم، والدعاء لهم في حاجاتهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإعلاء كلمة الله، والجهاد مع أعداء الله، وتعظيم شعائر الله، وإعزاز المؤمنين، وإذلال الكافرين، وغير ذلك. وأما كونه ﷺ رجاء بمعنى المرجو بعد الموت فما ثبت منه بالكتاب والسنة المطهرة فهو على الرأس والعين كالشفاعة يوم القيامة، وأما ما لم يثبت بواحد منهما فهو مردود. إذا تقرر هذا فاعلم أن معنى ما في المرثية: إنا كنا نرجو برك ورحمتك وشفقتك، يدل عليه قولها: "وكنت بنا براً ولم تكن جافياً، وقولها: "وكان بنا براً رحيما نبينا".

стр. 285

والبر والرحمة والشفقة مما يقدر عليه النبي ﷺ في حياته فيجوز رجاء البر والرحمة والشفقة منه ﷺ ، فيكون ﷺ على هذا مرجوا منه، والبر والرحمة والشفقة مرجوا فيكون الرجاء في الشعر بمعنى المرجو الذي أريد منه المرجو منه وإرادة المرجو منه من المرجو ثابتة كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً﴾ ويمكن أن يقال: إن المراد بالرجاء في البيت المرجو، ويقدر التمييز، أي كنت مرجونا براً ورحمة وأمناً من الهرج الآتي بعدك، وبقاء فينا كما في طاب زيد علماً ودارا وغلاماً وفرساً، فالمرجو منه في الأولين هو النبي ﷺ وفي الأخيرين هو الله تعالى، ويدل على الأخيرين قولها: لعمرك ما أبكي النبي لموته ... ولكن لهرج كان بعدك آتيا وقولها: فلو أن رب العرش أبقاك بيننا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضياً ويؤيد الأخير قول عمر ﵁ حين توفي رسول الله ﷺ : والله ما مات رسول الله ﷺ . قالت عائشة: وقال عمر والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، رواه البخاري، من حديث عائشة ﵂، وفي رواية: أن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين، رواه أحمد من طريق يزيد بن بابنوس عن عائشة ﵂. وفي حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة أن أبا بكر مر بعمر وهو يقول: ما مات رسول الله ﷺ ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين، وكانوا أظهروا الاستبشار ورفعوا رؤوسهم، كذا في فتح الباري، وفي رواية: والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم، ذكره الطبري في الرياض، وفي رواية: ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا، ذكره الوائلي أبو نصر عبد الله في كتاب (الإبانة) ، كذا في المواهب. قلت: والرواية الأخيرة موجودة في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله

стр. 286

عنه نصه في كتاب الأحكام (باب الاستخلاف) هكذا قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا، يريد بذلك أن يكون آخرهم. فقد علم مما ذكرنا أن عمر أيضاً كان يرجو بقاء النبي ﷺ في أمته مثل صفية بنت عبد المطلب ﵂، بل وأكثر الصحابة كأنهم كانوا يرجون ما يرجو عمر ﵁. قال الحافظ في الفتح: وفي الحديث قوة جأش أبي بكر وكثرة علمه، وقد وافقه على ذلك العباس كما ذكرنا، والمغيرة كما رواه ابن سعيد، وابن أم مكتوم كما في المغازي لأبي الأسود عن عروة قال: أنه كان يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ والناس لا يلتفتون إليه، وكان أكثر الصحابة على خلاف ذلك اهـ. وفي حديث ابن عباس عند البخاري: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتولها. اهـ. وجملة القول أن المراد في مرثية صفية ﵂ ليس أن رسول الله ﷺ رجاء في كل أمر في الحياة، بل في الأمر الذي يقدر عليه، وبعد الوفاة في الأمر الذي ثبت بالكتاب العزيز والسنة المطهرة كونه رجاء فيه، ففي هذه المرثية لا دلالة على التوسل الذي يمنعه المانعون أصلاً ومن ادعى إثبات التوسل المذكور منها فعليه البيان.

стр. 287

تحريف دحلان لكلمة صفية ... وليعلم أن الوارد في المرثية "كنت رجاءنا" كذا في مجمع الزوائد، ولقد حرفه صاحب الرسالة حيث كتب "أنت" بدل "كنت" ليدل هذا اللفظ على أن كونه ﷺ رجاء غير مقيد بالحياة، بل هو رجاء مطلقاً في الحياة وبعد الممات فصار مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ .

стр. 288

وأما استدلال صاحب الرسالة بتلك المرثية على جواز النداء بعد وفاته فجوابه من وجوه: (الأول) : أن "يا" هنا للندبة لا للنداء كما في قول فاطمة ﵂: يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبرائيل ننعاه، رواه البخاري من حديث ثابت بن أنس، وكما في قول الصديق ﵁: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، رواه البخاري من حديث عائشة ﵂. وفي رواية يزيد بن بابنوس عن عائشة عند أحمد أنه أتاه من قبل رأسه فحدر فاه فقبل جبهته ثم قال: وانبياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: واصفياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته وقال: واخليلاه. كذا في المواهب. ومنه قول علي ﵁ حين توفي عمر ﵁ وقد وضع على سريره: يرحمك الله، إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، لأني كثيراً ما كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فأني كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما. رواه البخاري من حديث ابن عباس، وبعين ما ذكرناه كونها واقعة في الرثاء. و (الثاني) : أنه لو سلم أنه نداء، فالنداء قد يراد به غير المنادى، قال الحافظ في الفتح تحت حديث: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون": وفيه وقوع الخطاب للغير وإرادة غيره بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة النبي ﷺ ولده، مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب بوجهين: أحدهما صغره، والثاني نزعه، وإنما أراد بالخطاب غيره من الحاضرين إشارة إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق. اهـ. ومن هذا القبيل ما روي عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال: "يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك". رواه أبو داود.

стр. 289

ومنه ما روي عن قتادة بلغه أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، هلال خير ورشد. آمنت بالذي خلقك" ثلاث مرات. رواه أبو داود. ومنه ما روي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به" رواه الترمذي والبزار والطبراني في الصغير والأوسط بنحوه وإسناده حسن. كذا في مجمع الزوائد. ومنه ما روي عن طلحة بن عبيد الله أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله". رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. وعن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله". رواه الطبراني، وفيه عثمان بن إبراهيم الحاطبي وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وعن أنس بن مالك عن النبي ﷺ : أنه إذا كان إذا رأى الهلال قال: "هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقك فعدلك" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أحمد بن عبسى اللخمي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. كذا في مجمع الزوائد. ومنه ما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: "ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك". رواه الترمذي. ومنه قول عمر ﵁: إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك، متفق عليه من حديث عابس بن ربيعة. و (الثالث) : أنه لو سلم أن المراد به المنادى فالنداء مجازي كنداء السماء والجبال

стр. 290

والأرض والأطلال والمنازل والمطايا والقبور، والمانعون إنما يمنعون النداء الحقيقي. و (الرابع) : أنه لو سلم ثبوت النداء منها فلا يثبت منه مطلوب الخصم، فإن النزاع إنما هو في نداء يتضمن الدعاء والطلب، بأن يقول: يا رسول الله اكشف عني السوء واشف مريضي، أو يقول: يا رسول الله ادع الله أن يشفي مريضي ويكشف عني السوء، فالمانعون يقولون: الأول شرك، والثاني بدعة، والمجوزون يجوزونهما، وليس في المرثية دعاء شيء ولا طلبه. قوله: قال العلامة ابن حجر في كتاب المسمى (بالخيرات الحسان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان) : في الفصل الخامس والعشرين: إن الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة –إلى قوله- فليتوسل إلى الله تعالى بالإمام الغزالي. أقول: فيه كلام من وجهين: (الأول) : أنه لابد من رفع هذه الأمور إلى أصحابها بسند يعتمد عليه، ودونه لا يسمع، قال في (تبعيد الشيطان) : والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر. اهـ. و (الثاني) : أن أقوال هؤلاء المذكورين وأفعالهم وتقريراتهم ليست من الحجة في شيء. قوله: وذكر العلامة ابن حجر في كتابه المسمى (بالصواعق المحرقة لإخوان الضلال والزندقة) : إن الإمام الشافعي ﵀ توسل بأهل البيت النبوي حيث قال: آل النبي ذريعتي ... وهم إليه وسيلتي أرجو بهم أعطى غداً ... بيدي اليمين صحيفتي أقول: فيه كلام من وجوه: (الأولان منها) : هما اللذان ذكرا في القول الذي قبله.

стр. 291

و (الثالث) : أن المضاف هنا مقدر، تقدير الكلام إن حب آل النبي وتعظيمهم واتباعهم وشفاعتهم والصلاة عليهم ذريعتي ووسيلتي، وكذلك في قوله أرجو بهم أي أرجو بحبهم وتعظيمهم واتباعهم وشفاعتهم، كما في قول عمر ﵁: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون، فإن المراد إنا كان نتوسل إليك بدعاء نبينا. قوله: وذكر العلامة السيد طاهر بن محمد بن هاشم باعلوي في كتابه المسمى (مجمع الأحباب في ترجمة الإمام أبي عيسى الترمذي صاحب السنن) أنه رأى في المنام –إلى قوله- فكان الإمام الترمذي يقول ذلك دائماً بعد صلاة سنة الصبح، ويأمر أصحابه به ويحثهم على فعله وعلى المواظبة عليه. أقول: فيه كلام من وجوه: (الأولان) هما اللذان ذكرا فيما تقدم. و (الثالث) : أن الرؤيا ليست من الأدلة الشرعية في شيء. قوله: بل هذا الأمر –أعني التوسل- لم ينكره أحد من السلف والخلف، حتى جاء هؤلاء المنكرون. أقول: هذا كذب جلي، فهذا الإمام الأعظم يقول: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وقال: أكره أن يقول بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام وهو قول صاحبيه، وعن الحنابلة في أصح القولين أنه مكروه. قوله: وفي (الأذكار) : للإمام النووي أن النبي ﷺ أمر أن يقول العبد بعد ركعتي الفجر ثلاثاً "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد ﷺ أجرني من النار". أقول: فيه خلل من وجوه: (الأول) : أن هذا القسم من التوسل لا ننكره، فإنه داخل في القسم الخامس من التوسل المشروع كما تقدم ذكره، وهذا ثابت من حديث عائشة قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهم رب جبرائل وميكائيل وإسرافيل" الحديث، رواه مسلم في صلاة الليل، والنسائي في كتاب قيام الليل.

стр. 292

والترمذي في أبواب الدعوات، وأبو داود في باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، وابن ماجه في باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل، وهذا حديث صحيح فلا وجه للعدول عنه إلا الذي ذكر فإن فيه كلام سيذكر. و (الثاني) : أن في ذكر هذه الراوية تحريفاً بيناً يظهر بنقل لفظ الأذكار فأقول: نص الأذكار هكذا: روينا في كتاب ابن السني عن أبي المليح واسمه عامر بن أسامة عن أبيه ﵁ أنه صلى ركعتي الفجر، وأن رسول الله ﷺ صلى قريباً منه ركعتين خفيفتين، ثم سمعته يقول وهو جالس: "اللهم رب جبرائيل واسرافيل وميكائيل ومحمد النبي ﷺ أعوذ بك من النار" ثلاث مرات. اهـ. بلفظه فليس فيه أن النبي ﷺ أمر أن يقول العبد بعد ركعتي الفجر ثلاثاً، إنما فيه رواية فعله ﷺ وليس فيه أجرني من النار، إنما هو أعوذ بك من النار، وفيه تقديم إسرافيل على ميكائيل. و (الثالث) : أن صاحب الحصن الحصين وصاحب مجمع الزوائد وغيرهم ذكروا هذا الحديث ولم يذكر واحد منهم أمر النبي ﷺ ولا لفظ: أجرني من النار، فها أنا أنقل عباراتهم ليظهر أن هذا من اختلاق مؤلف الرسالة: قال محمد بن محمد الجزري الشافعي في الحصن الحصين: ويقول وهو جالس: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ومحمد النبي ﷺ أعوذ بك من النار" ثلاث مرات. مس ي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن أسامة بن عمير أنه صلى مع رسول الله ﷺ ركعتي الفجر فصلى ركعتين خفيفتين، فسمعته يقول: "رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ومحمد أعوذ بك من النار –ثلاث مرات- رواه الطبراني في الكبير، وفيه عباد بن سعيد قال الذهبي: عباد بن سعيد عن مبشر لا شيء، قلت: قد ذكره ابن حبان في الثقات. اهـ. وقال في (نزل الأبرار) عن أسامة بن عمير أنه صلى مع النبي ﷺ ركعتي الفجر وأن رسول الله صلى قريباً منه ركعتين خفيفتين ثم سمعته يقول وهو جالس: "اللهم

стр. 293

رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ومحمد، أعوذ بك من النار" أخرجه ابن السني والحاكم في المستدرك بدون قوله: وهو جالس. وصححه. وأخرجه الطبراني في الكبير أيضاً. اهـ. و (الرابع) : أن هذا الحديث وإن صححه الحاكم يعلم من كلام الحافظ ابن حجر أنه حسن، قال الحافظ بعد تخريجه: حديث حسن أخرجه الدراقطني في الأفراد وقال: تفرد به مبشر وهو بضم الميم وفتح الموحدة وكسر المعجمة، ذكره ابن حبان في الثقات، واسم أبي المليح عامر وهو من رجال الصحيح، وأما عباد بن سعيد -أي الراوي عن مبشر- فلم أر فيه جرحاً ولا تعديلاً، إلا أن ابن حبان ذكر في الثقات عباد ابن سعيد ولم يذكر ما يتميز به، أخرج هذا الحديث الحكام في (المستدرك) من طريق آخر. قال الحافظ: ووجدت للحديث شاهداً من حديث عائشة بسند ضعيف في سنده من هو متروك ومن فيه مقال: قال: وأبو المليح إن كان هو ابن أسامة المذكور أولا فقد اختلف عليه في إسناده، وإن كان غيره فهو مجهول. اهـ. كذا نقله ابن علان في شرح الأذكار، لكنه لا يخلو عن كلام، وله وجوه: (الأول) : أن أبا المليح إن كان هو ابن أسامة فقد اختلف عليه في إسناده كما قال الحافظ، فيكون الحديث مضطرباً، وإن كان غيره فهو مجهول، وعلى كلا التقديرين يكون الحديث ضعيفاً. و (الثاني) : أن في سنده مبشراً فإن كان هو ابن عبيد الحمصي فهو واه جداً، قال الذهبي في الميزان قال أحمد: كان يضع الحديث، وقال البخاري: روي عنه بقية، منكر الحديث اهـ. وقال الحافظ في التقريب: مبشر بن عبيد الحمصي أبو حفص كوفي الأصل متروك، رماه أحمد بالوضع اهـ. وفي التهذيب قال أحمد: يضع الحديث، وقال الدارقطني متروك اهـ. كذا نقله بعض الثقات وقال في الكاشف: مبشر بن عبيد الحمص عن قتادة وزيد بن أسلم والزهري وعنه أبو المغيرة وأبو اليمان تركوه اهـ. وإن كان غيره فلا بد من تعيينه وتوثيقه.

стр. 294

و (الثالث) : أن فيه عباد بن سعيد، قال الذهبي في الميزان: عباد بن سعيد بصري مقل روى عن مبشر، لا شي. اهـ. قلت: ذكره ابن حبان في الثقات قاله الحافظ ابن حجر والهيثمي، ولكن هذا التوثيق لا يعارض قول الذهبي: لا شيء، فإن ابن حبان معروف بالاحتجاج بمن لا يعرف كما تقدم. قال ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) : وقد علم أن ابن حبان ذكر في هذا الكتاب الذي جمعه في الثقات عدداً وخلقاً عظيماً من المجهولين الذين لا يعرف هو ولا غيره أحوالهم، وقد صرح ابن حبان بذلك في غير موضع من هذا الكتاب فقال في الطبقة الثالثة: سهل يروى عن شداد بن الهادى، روى عنه أبو يعقوب، ولست أعرفه ولا أدري من أبوه، هكذا ذكر هذا الرجل في كتاب الثقات، ونص على أنه لا يعرفه. وقال أيضاً: حنظلة شيخ يروى المراسيل لا أدري من هو؟ روى ابن المبارك عن إبراهيم بن حنظلة عن أبيه، هكذا ذكره لم نرو١. وقال أيضاً. الحسن أبو عبد الله شيخ يروى المراسيل، روى عنه أيوب النجار لا أدري من هو ولا ابن من هو؟ وقال أيضاً: جميل شيخ يروى عن أبي المليح بن أسامة يروي عنه عبد الله ابن عون لا أدري من هو ولا ابن من هو؟ وقد ذكر ابن حبان في هذا الكتاب خلقاً كثيراً من هذا النمط، وطريقه فيه أن يذكر من لم يعرفه بجرح وإن كان مجهولاً لم يعرف حاله. وينبغي أن يتنبه لهذا ويعرف أن توثيق ابن حبان للرجل بمجرد ذكره في هذا الكتاب من أدنى درجات التوثيق. اهـ. وليعلم أن الحديث روي من طريق أخر عن عائشة أشار إليها الحافظ، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي الركعتين قبل الفجر ثم يقول: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل ورب إسرافيل ورب محمد، أعوذ بك من النار". ثم يخرج إلى الصلاة، رواه أبو يعلي، وفيه عبيد الله بن أبي حميد وهو متروك كذا في مجمع الزوائد، قال

стр. 295

الذهبي في الميزان: عبيد الله بن أبي حميد أبو الخطاب عن أبي المليح الهذلي ضعفه محمد ابن المثني، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال دحيم: ضعيف، وقال البخاري: يروى عن أبي المليح عجائب. انتهى. وأيضاً عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي الركعتين قبل صلاة الفجر ثم يقول: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل ورب إسرافيل ورب محمد، أعوذ بك من النار". ثم يخرج إلى الصلاة" قلت رواه النسائي بنحوه من غير تقيد بركعتي الفجر، ورواه أبو يعلي عن شيخه سفيان بن وكيع وهو ضعيف، كذا في مجمع الزوائد. قال الذهبي في الميزان: سفيان بن وكيع بن الجراح أو بمحمد الرؤاسي قال البخاري: يتكلمون فيه لأشياء لقنوه إياه، وقال أبو زرعة: يتهم بالكذب، وقال ابن أبي حاتم: أشار أبي عليه أن يغير وراقه فإنه أفسد حديثه، وقال له: لا تحدث إلا من أصولك، فقال سأفعل، ثم تمادى وحدث بأحاديث أدخلت عليه، وقد ساق له أبو أحمد خمسة أحاديث منكرة السند لا المتن ثم قال: وله حديث كثير، وإنما بلاؤه أنه كان يتلقن، يقال: كان له وراق يلقنه من حديث موقوف فيرفعه، أو مرسل يوصله، أو يبدل رجلاً برجل. وقال ابن حبان: كان شيخاً فاضلاً صدوقاً، إلا أنه ابتلي بوراق سوء كان يدخل عليه، فكلم في ذلك فلم يرجع، وكان ابن خزيمة يروى عنه، سمعته يقول حدثنا بعض من أمسكنا عن ذكره، وهو من الضرب الذي ذكرته مراراً أن لو خر من السماء فتخطفه الطير أحب إليه من أن يكذب على رسول الله ﷺ ، ولكن أفسدوه، وما كان ابن خزيمة يحدث عنه إلا بالحرف بعد الحرف. قلت: روى عن أبيه وجرير وعبد السلام ابن حرب، وعنه أبو عروبة وابن صاعد وخلق، وقد حسن له الترمذي. اهـ. ملخصاً. قلت: رواه النسائي بنحوه من غير تقيد بركعتي الفجر كما قال الهيثمي، ولفظ

стр. 296

النسائي في كتاب الاستعاذة هكذا: أخبرنا أحمد بن حفص قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم عن سفيان بن سعيد عن أبي حسان عن جسرة عن عائشة ﵂ أنا قالت: قال رسول الله ﷺ : "اللهم رب جبرائيل وميكائيل ورب إسرافيل، أعوذ بك من حر النار وعذاب القبر".اه. فليس فيه التقيد بركعتي الفجر ولا لفظ محمد، وفيه زيادة لفظ حر وعذاب القبر، وهذه الرواية رجال سندها كلهم ثقات غير جسرة بنت دجاجة، قال البيهقي: فيها نظر، وقال ابن حبان فيما نقله أبو العباس البناني: عندها عجائب، وقال البخاري في تاريخه: عندها عجائب، وأما أحمد فقال في صاحبها فليت العامري: لا أرى به بأساً، وقال أحمد العجلي: جسرة تابعية ثقة، فقوله عندها عجائب ليس بصريح في الجرح، كذا في الميزان، وقال الحافظ في التقريب: مقبولة من الثالثة، وقال في الخلاصة: وثقها العجلي، وقال الذهبي في الكاشف: ثقة، فالراجح أنها ثقة، لكن فيها سفيان الثوري وهو مدلس وقد عنعن هذا الحديث فلا يقبل. وجملة الكلام أن هذا الحديث لا يخلو طريق من طرقه من مقال، فالأولى الاستدلال في ذلك الباب بحديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته فقال: "اللهم رب جبرائيل" الحديث فإنه في صحيح مسلم وصحيح ابن حبان وسنن النسائي الصغرى التي يقال لها (المجتبى) وهي التي قال النسائي في حقها: صحيح كلها، وأطلق اسم الصحة عليها أبو علي النيسابوري وأبو أحمد بن عدي وأبو الحسن الدارقطني وأبو عبد الله الحاكم وابن منده وعبد الغني بن سعيد وأبو يعلي الخليلي وأبو علي بن السكن وأبو بكر الخطيب وغيرهم. وقال سعد بن علي الريحاني: إن لأبي عبد الرحمن شرطاً في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وسكت عليه أبو داود، ورجال سنده كلهم ثقات من رجال الصحيحين، غير عكرمة بن عمار فإنه من رجال مسلم

стр. 297

فقط، وهو ممن اختلف فيه، قال الحافظ في التقريب: عكرمة بن عمار العجلي اليمامي أصله من البصرة، صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب. انتهى. وقال الذهبي في الميزان: عكرمة بن عمار الحنفي اليمامي عن هرماس وطاوس وطائفة، وعنه شعبة ويحيى القطان وعبد الرازق وخلق، وهو ثقة إلا في يحيى بن أبي كثير فمضطرب، وكان مجاب الدعوة. اهـ. وقال في الخلاصة: عكرمة بن عمار الحنفي العجلي أبو عمار اليمامي أحد الأئمة، عن الهرماس بن زياد ثم عن عطاء وطاوس وعن شعبة والسفيانين ويحيى القطان وابن المبارك وابن مهدي وخلق، وثقة ابن معين والعجلي، وتكلم البخاري وأحمد والنسائي في روايته عن يحيى بن أبي كثير، وأحمد في إياس بن سلمة. اهـ. وقال الذهبي في الميزان: عكرمة بن عمار أبو عمار العجلي اليمامي عن الهرماس بن زياد، وله رواية عن طاوس وسالم وعطاء ويحيى بن أبي كثير، وعنه يحيى القطان وابن مهدي وأبو الوليد وخلق، روى أبو حاتم عن ابن معين: كان أمياً حافظاً، وقال أبو حاتم: صدوق ربما يهم، وقال يعقوب بن أبي شيبة: حدثنا غير واحد سمعوا يحيى بن معين يقول: ثقة، وقال عاصم بن علي: كان مستجاب الدعوة، وقال يحيى القطان: أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير ضعيفة، وقال أحمد بن حنبل: ضعيف الحديث، وكان حديثه عن إياس بن سلمة صالحاً، قال الحاكم: أكثر مسلم الاستشهاد به، قال البخاري: لم يكن له كتاب فاضطرب حديثه عن يحيى، وقال أحمد: أحاديثه عن يحيى ضعاف ليست بصحاح، وقال محمد بن عثمان سمعت علياً يقول: عكرمة بن عمار كان عند أصحابنا ثقة ثبتاً اهـ، وقال الترمذي في جامعه: وعكرمة ربنا يهم في حديث يحيى. اهـ. فقد علم من العبارات المذكورة أن الناس في عكرمة بن عمار مفترقون على فرقتين: منهم من يوثقه على الإطلاق كمسلم وابن حبان والترمذي وأبي داود وابن معين والعجلي وأبي حاتم وعلي بن عبد الله بن المديني، ومنهم من يوثقه في غير روايته

стр. 298

عن يحيى بن أبي كثير كالحافظ ابن حجر والذهبي والبخاري ويحيى القطان وأحمد، وإيراد النسائي في المجتبى حديثه يدل على أنه عنده ثقة على الإطلاق، وعبارة الخلاصة تدل على خلافه، فليفهم. وفي الباب عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، واذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتنا" قلت: عند الترمذي بعضه، رواه أحمد وإسناده حسن، كذا في مجمع الزوائد. قوله: قال العلامة ابن علان في شرح الأذكار: خص هؤلاء بالذكر للتوسل بهم في قبول الدعاء، وإلا فهو رب جميع المخلوقات. أقول: هذه العبارة ليس لها أثر في شرح الأذكار، فهي من اختلاق صاحب الرسالة، فلننقل هنا لفظ ابن علان في شرح الأذكار بعينه: قال ابن علان في شرح الأذكار: إنما خصهم بالذكر –وإن كان تعالى رب كل شيء- بما تكرر في القرآن والسنة من نظائره من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة وكبير الشأن دون ما يستحقر ويستصغر، فيقال له سبحانه: رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم، ورب الملائكة ورب المشرقين ورب المغربين، ونحوه مما هو وصف له بدلائل العظمة، وعظمة القدرة والملك، ولم يستعمل فيما يستحقر ويستصغر، فلا يقال: رب الحشرات وخالق القردة والخنازير وشبهها على سبيل الإفراد، وإنما يقال خالق المخلوقات، وحينئذ تدخل هذه في العموم. "وقال القرطبي: خص هؤلاء الملائكة بالذكر تشريفاً لهم إذ بهم ينتظم هذا الوجود إذ أقامهم الله تعالى في ذلك، قال في الحرز: والظاهر أن مراتب فضلهم على ترتيب ذكرهم. اهـ. وقال ابن الجزري في مفتاح الحصن: خصهم بالذكر وكذا رب العرش العظيم ونحوه من دلائل العظمة لعظمة شأنه فإنه رب كل شيء. اهـ. "وقد يقال أن حياة القلب بالهداية، وهؤلاء الثلاثة موكلون بالحياة: فجبريل بالوحي وهو سبب حياة القلب، وميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان،

стр. 299

وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الروح إلى الأجساد، فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول الحاجات ووصول المهمات. هذا آخر ما في شرح الأذكار، فليس فيها ذكر التوسل بهم، إنما في الجملة الأخيرة ذكر التوسل بربوبية هذه الأرواح العظيمة، والربوبية صفة من صفات الله تعالى، والتوسل بصفة من صفات الله تعالى جائز بلا خلاف. على أن التخصيص بالذكر لا يدل على التوسل، ألا ترى إلى الآيات الكريمة التي فيها التخصيص بالذكر وأين هي من التوسل، منها ما قال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة المؤمنون: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ . ومنها ما قال في سورة النمل: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة الزخرف: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة الكهف: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ . ومنها ما قال في سورة مريم: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة ص: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة الزمر: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة الرحمن: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ ، ومنها ما قال تعالى في سورة المعارج: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة المزمل: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة الذاريات: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ .

стр. 300

ومنها ما قال تعالى في سورة النبأ: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة قريش: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة الفلق: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ . ومنها ما قال تعالى في سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ . وكذلك قد تكرر هذا التخصيص في السنة المطهرة: منها ما روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم" رواه البخاري ومسلم. ومنها ما روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت قيام السموات والأرض، ولك الحمد وأنت رب السموات والأرض ومن فيهن". الحديث رواه مسلم. ومنها ما روي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: "اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان" الحديث رواه مسلم والترمذي وقال حديث صحيح، ومنها ما روي عن أبي هريرة قال: قال أبو بكر قلت: يا رسول الله مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال: "قل اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض، رب كل شيء ومليكه" الحديث رواه الترمذي وأبو دواد والدارمي وقال الترمذي هذ حديث حسن صحيح، ومنها ما روي عن بريدة قال: شكا خالد بن الوليد إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما أنام الليل من الأرق، فقال نبي الله ﷺ : "إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت" الحديث رواه الترمذي وقال هذا حديث ليس إسناده بالقوي، ومنها ما روي عن أبي لبابة بن عبد المنذر أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد دخول قرية لم يدخلها حتى يقول: "اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين السبع وما أقلت، ورب الرياح وما أذرت، ورب

стр. 301

الشياطين وما أضلت، أني أسألك خيرها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر من فيها" رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وعن أبي مغيث بن عمرو أن رسول الله ﷺ لما أشرف على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم: "قفوا" ثم قال "اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله" وكان يقولها لكل قرية يريد يدخلها، رواه الطبراني وفيه راو لم يسم وبقية رجاله ثقات، كذا في مجمع الزوائد. وعن قتادة قال: كان ابن مسعود إذا أراد أن يدخل قرية قال: اللهم رب السموات وما أظلت، ورب الشياطين وما أضلت، ورب الرياح وما أذرت، أسألك خيرها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، إلا أن قتادة لم يدرك ابن مسعود، كذا في مجمع الزوائد. فبعض ما ذكرنا من الآيات والأحاديث ليس فيه الدعاء حتى يتوسل في إجابته، والبعض الآخر وإن كان فيه دعاء لكن ما أضيف إليه الرب لا يصلح لأن يتوسل به عند أحد من عقلاء المسلمين –كالفلق والشياطين والرياح- فالتخصيص بالذكر فيما هنالك ليس للتوسل، بل بوصفه تعالى بدلائل العظمة، وعظيم القدرة والملك. قال النووي: قال العلماء خصهم بالذكر وإن كان تعالى رب كل المخلوقات كما تقرر في القرآن والسنة من نظائره من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة وكبير الشأن، دون ما يستحقر ويستصغر، فيقال له : رب السموات ورب العرش الكريم ورب الملائكة والروح، رب المشرقين ورب المغربين، رب الناس ملك الناس إله الناس، رب العالمين رب كل شيء رب النبيين، خالق السموات والأرض، فاطر السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً –فكل ذلك وشبهه وصف له سبحانه بدلائل العظمة وعظيم القدرة والملك، ولم يستعمل ذلك فيما يحتقر ويستصغر فلا يقال رب الحشرات وخالق القردة والخنازير وشبه ذلك على الإفراد وإنما يقال

стр. 302

خالق المخلوقات، وخالق كل شيء، وحينئذ تدخل هذه في العموم. اهـ. وقد ذكر هذا الوجه ابن علان أيضاً في شرح الأذكار، فما بال صاحب الرسالة يعزو إلى ابن علان ما لم يذكره ولا ينقل ما ذكره في توجيه التخصيص؟ وهل هذه إلا خيانة في الدين؟ وليعلم أن قول النووي: لم يستعمل ذلك فيما يحتقر ويستصغر، ليس على عمومه، فإنه قد ورد في الحديث: "رب الشياطين وما أضلت" فافهم١. قوله: وفي شرح حزب البحر للإمام زروق قال بعد ذكر كثير من الأخيار: اللهم إنا نتوسل إليك بهم فإنهم أحبوك. أقول: قول أحد من الناس غير النبي ﷺ ليس بحجة. قوله: ولبعض العارفين دعاء مشتمل على قوله: اللهم رب الكعبة وما بناها، وفاطمه وأبيها، وبعلها وبنيها، نور بصري. أقول: فيه ما ذكر من أن قول غير النبي ﷺ ليس دليلاً شرعياً، من أن أمثال هذا الدعاء لا يمنعها أحد، وأن كان كون هذا التركيب دالا على التوسل محل بحث كما قد بيناه آنفاً من أن الإضافة إلى كل عظيم المرتبة وكبير الشأن إنما هي لإظهار عظمة شأنه تعالى لا للتوسل بما أضيف إليه الرب. قوله: فكما أن الله تعالى جعل الطعام والشراب سببين للشبع والري لا تأثير لهما، والمؤثر هو الله تعالى وحده، وجعل الطاعة سبباً للسعادة ونيل الدرجات، وجعل أيضاً التوسل بالأخيار الذين عظمهم الله تعالى وأمر بتعظيمهم سبباً لقضاء الحاجات. أقول: فيه كلام من وجهين: (الأول) : أن هذا قياس مع الفارق، فإن كون الطعام الشراب سببين للشبع

стр. 303

والري معلوم بالعقل والنقل، وكذلك كون الطاعة سبباً للسعادة ونيل الدرجات، وأما كون التوسل بالأخيار سبباً لقضاء الحاجات فلا يدل عليه دليل عقلي أو نقلي. و (الثاني) : أن الكلام في مشروعية التوسل لا في كونه سبباً لقضاء الحاجات، ولا ملازمة بين الأمرين، فرب سبب في الدنيا وبال ونكال في الآخرة. قوله: فعليك باتباع الجمهور والسواد الأعظم. أقول: فيه نظر من وجوه١:

стр. 304

(الأول) : أن الأكثر قد يخطئ، قال الحافظ في الفتح تحت حديث ابن عباس إن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس فقال اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد من كان منكم يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ وقال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها، الحديث: وكان أكثر الصحابة على خلاف ذلك، فيؤخذ منه أن الأقل عدداً في الاجتهاد قد يصيب ويخطئ الأكثر فلا يتعين الترجيح بالكثرة، ولا سيما إن ظهر أن بعضهم قلد بعضاً اهـ. فلا وجه للقول بوجوب اتباع الجمهور عموماً. و (الثاني) : أن الخير والرشد في الناس قليل والشر والضلالة كثير، يدل عليه الآيات التي نتولها عليك: منها قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ وقوله تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . ففي هاتين الآيتين قد نقل الله تعالى قول الشيطان، وهذا قاله إبليس على الظن فأصاب كما قال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . ومنها قوله في سورة الأنعام: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . وقوله تعالى في سورة (ص) : ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ . وقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ . وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ

стр. 305

كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ . ففيه إشارة إلى قلة الخير وكثرة الشر، وقوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ . وقوله في سورة يوسف: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ . وقوله تعالى أيضاً فيها: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ . وقوله تعالى أيضاً فيها: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ . وقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ . وقوله تعالى أيضاً فيها: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ . وقوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . وقوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ . وقوله تعالى في سورة الشعراء بعد ذكر بناء إبراهيم ﵇: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقد تكرر هذا القول في هذه السورة في قصة نوح ﵇ وقصة هود وقصة صالح وقصة لوط وقصة شعيب عليهم الصلاة والسلام، فقد دل قوله تعالى هذا على أن الراشد في الأمم الماضية أيضاً كان قليلاً والضلالة كثيراً، وقوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ . وقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ . إذا وعيت تيك الآيات فقد علمت أن الرشد في بني آدم عموماً وفي المؤمنين خصوصاً قليل، أما قلة رشد بين آدم عموماً فظاهر من الآيات المذكورة، وأما قلة رشد المؤمنين خصوصاً فيدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ . فكيف يصح القول باتباع الجمهور عموماً؟ و (الثالث) : أن كثيراً من الأئمة قد خالفوا الجمهور في مسائل كثيرة: كابن

стр. 306

أبي ليلى والأصم، فإنهما جوزا الطهارة بسائر أنواع المياه حتى المعتصرة من الأشجار ونحوها، وخالفا الجمهور في أنه لا تصح الطهارة إلا بالماء المطلق، وكأبي حنيفة فإنه خالف الجمهور في أن النجاسة لا تزال إلا بالماء وقال: تزال بكل مائع غير الأدهان، وكالشافعي فإنه خالف الجمهور وقال بكراهة استعمال الماء المشمس في الطهارة، وكأحمد فإنه قال بكراهية الماء المسخن بالنجاسة، وخالف الجمهور، وكمالك فإنه قال: الماء المستعمل مطهر وخالف في ذلك الجمهور، وغير ذلك من الأمثلة التي لا تكاد تحصر، فيلزم أن تكون تلك الأئمة تاركين لهذا الواجب. وقوله: وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ . أقول: قد استدل القائلون بحجية الإجماع بهذه الآية، فإن تم الثابت منه وجوب اتباع ما أجمع عليه الأمة لا وجوب اتباع الجمهور، فلا يتم التقريب، مع أن في تمامه كلاماً صعباً. قوله: وقال رسول الله ﷺ : "عليكم بالسواد الأعظم فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية". أقول: هذا الحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه، نعم في سنن ابن ماجه من حديث أنس بن مالك سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم" وفي سنده معان بن رفاعة وهو لين الحديث كثير الإرسال، وأيضاً في سنده أبو خلف الأعمى وهو متروك كذبه يحيى بن معين كما تقدم. فهذا الحديث ضعيف جداً ليس مما يحتج به على شيء من الأحكام الشرعية، وعلى تقدير ثبوت الحديث فالسواد الأعظم فيه قولان: (أحدهما) : جملة الناس ومعظمهم الذين يجتمعون على طاعة السلطان وسلوك

стр. 307

النهج المستقيم، كذا في النهاية ومجمع البحار، وعبر عنه بالجماعة في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإن من فارق الجماعة شبراً فمات مات ميتة الجاهلية". رواه البخاري ومسلم، وفي حديث حذيفة بن اليمان وهو حديث طويل أن النبي ﷺ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها". رواه البخاري ومسلم، وفي الباب أحاديث كثيرة ثابتة في الصحاح غيرها، فاتباع السواد الأعظم هو اتباع الإمام والجماعة الذين يجتمعون على طاعة السلطان. ويؤيده ما روى عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ على هذه الأعواد وعلى هذا المنبر: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ، والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب". فقال أبو أمامة الباهلي: عليكم بالسواد الأعظم، فقال رجل: ما السواد الأعظم؟ فقرأ أبو أمامة هذه الآية التي في سور النور: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ . رواه عبد الله بن أحمد والبزار والطبراني ورجاله ثقات، كذا في مجمع الزوائد" وعن سعيد بن جمهان قال: لقيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمت عليه فقال: من أنت؟ قلت: أنا سعيد بن جمهان. قال: ما فعل والدك؟ قلت قتلته الأزارقة، وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال بل الخوارج كلها١، قال قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم ويفعل بكم ذاك، فتناول يدي فغمزها غمزة شديدة بيده ثم قال: يا بن جمهان عليك بالسواد الأعظم (مرتين) إن كان السلطان يسمع منك فإنه في بيته فانصره بما تعلم، فإن قبل منك وإلا فدعه فإنك لست أعلم منه. قلت: روى ابن ماجة منه طرفاً رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات، كذا في مجمع الزوائد، وهو واجب على المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، وليس السواد الأعظم بهذا المعنى مما تثبت به مسألة شرعية.

стр. 308

و (ثانيهما) : السواد الأعظم هم جماعة الصحابة، يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل" وفيه قالوا من هي يا رسو ل الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب مفسر، وفي رواية عوف بن مالك قيل: يا رسول الله من هم؟ قال "الجماعة"، وفي رواية أنس بن مالك: "كلها في النار، إلا واحدة وهي الجماعة"، رواهما ابن ماجه، والأحاديث بعضها يفسر بعضاً. فعلم أن السواد الأعظم هو الجماعة، وهي جماعة الصحابة، ولعله بهذا المعنى قال إسحاق بن راهوية حين سئل عن معنى حديث: "عليكم بالسواد الأعظم": هو محمد بن أسلم وأتباعه، فأطلق على محمد بن أسلم وأتباعه لفظ السواد الأعظم تشبيهاً لهم بالصحابة في شدة ملازمة السنة والتمسك بها، ومن ثم قال الإمام الشافعي: إذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلاً من أصحاب النبي ﷺ ، كذا في (تلبيس إبليس) ، ولذا كان سفيان الثوري يقول: المراد بالسواد الأعظم هم من كان من أهل السنة والجماعة ولو واحداً، كذا في الميزان للشعراني. قال ملا سعد الرومي في (مجالس الأبرار) : فلا بد لك أن تكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليه الجمهور فلا يغرنك اتفاقهم على ما أحدث بعد الصحابة، بل ينبغي أن تكون حريصاً على التفتيش عن أحوالهم وأعمالهم، فإن أعلم الناس وأقربهم إلى الله تعالى أشبههم بهم، وأعرفهم بطريقهم، إذ منهم أخذ الدين، وهم أصول في نقل الشريعة عن صاحب الشرع، وقد جاء في الحديث: "إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم" والمراد به لزوم الحق واتباعه وإن كان المتمسك به قليلاً، والمخالف كثيراً، لأن الحق ما كان عليه الجماعة الأولى وهم الصحابة ولا عبرة بكثرة الباطل بعدهم. وقد قال فضيل بن عياض ما معناه: الزم طلق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين، وقال بعض السلف: إذا وافقت الشريعة ولاحظت الحقيقة، فلا تبال وإن خالف رأيك جميع الخليقة. وقال ابن

стр. 309

مسعود: أنتم في زمان خيركم المسارع في الأمور، وسيأتي زمان بعدكم خيرهم فيه المتثبت المتوقف لكثرة الشبهات. قال الإمام الغزالي: ولقد صدق، لأن من لم يتثبت في هذا الزمان ووافق الجماهير فيما هم فيه وخاض فيما خاضوا فيه، يهلك كما هلكوا، فإن أصل الدين وعمدته وقوامه ليس بكثرة العبادة والتلاوة والمجاهدة بالجوع وغيره، وإنما هو بإحرازه من الآفات، والعاهات التي تأتي عليه من البدع والمحدثات، فإنها لكثرتها وشيوعها صارت كأنها من شعار الدين أو من المفروضة علينا. اهـ وقال الحافظ ابن القيم: فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق ولا من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، فتفرد العبد في طريق طلبه دليل على صدق طلبه، ولقد سئل إسحاق بن راهويه عن مسألة فأجاب عنها، فقيل له: إن أخاك أحمد بن حنبل يقول فيها بمثل قولك، فقال: ما ظننت أن أحداً يوافقني عليها، ولم يستوحش بعد ظهور الصواب له من عدم الموافق، فإن الحق إذا لاح وتبين لم يحتج إلى شاهد يشهد به، والقلب يبصر الحق كما تبصر العين الشمس، فكيف يحتاج إلى شاهد يشهد بطلوعها ويوافقه عليه؟ وما أحسن ما قال أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل في كتاب (الحوادث والبدع) : حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلاً والمخالف له كثيراً، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم. قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذاً باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة. قال: قلت: يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثونا. قال: وما ذاك؟ قلت: تأمري بالجماعة

стр. 310

وتحضني عليها، ثم تقول: صلِ الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي النافلة. قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الناس الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. قال نعيم بن حماد: يعني إذا فسدت الجماعة فعليك ما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ، وعن الحسن قال: السنة – والذي لا إله إلا هو –بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقى، الذين لم يذهبوا مع أهل الأتراف في أرتافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله تعالى فكونوا. وكان محمد بن أسلم الطوسي –الإمام المتفق على إمامته– من أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال: ما بلغتني سنة عن رسول الله ﷺ إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكباً فما مكنت من ذلك. وسئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث: "إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم": من السواد الأعظم؟ قال: محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم. اهـ وقال ابن حجر المكي مستند الخصم في الفتاوى: فإن قلت هذا القول الثالث ينسب إلى الأكثر، وقد قالوا إن الخطأ إلى القليل أقرب منه إلى الكثير، قلت: وإنه يتعين الإفتاء بما عليه الأكثر، محل ذلك ما لم يتضح أن الأكثر استروحوا كما هنا، فإنهم تمسكوا بالظواهر مع عدم الالتفات للدلائل الواضحة التي تدل على القول الأول والثاني، فوجب المصير إلى ما عليه الأقل، لأنهم أئمة محققون اتضحت أدلتهم وظهرت محجتهم، على أنه ورد عن ابن مسعود ﵁ رفعه: "ليس الجماعة بكثرة الناس، من كان معه الحق فهو الجماعة وإن واحداً". اهـ ويؤيد هذا المعنى ما روي عن أبي الدرداء وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك قالوا: خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً ونحن نتمارى في شيء من أمر الدين،

стр. 311

فغضب غضباً شديداً لم يغضب مثله، ثم انتهرنا فقال: "مهلاً يا أمة محمد، إنما هلك من كان قبلكم بهذا المراء، لقلة خيره، ذروا المراء، فإن المؤمن لا يماري. ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته. ذروا المراء فكفى إثماً ألا تزال ممارياً، ذروا المراء، فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء، فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة في رياضها ووسطها وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق. ذروا المراء، فإن أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان المراء. فإن بني اسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على ثنتين وسبعين فرقة، كلهم على الضلالة إلا السواد الأعظم، قالوا يا رسول الله ما السواد الأعظم؟ قال:"من كان على ما أنا عليه وأصحابي، من لم يمار في دين الله، ولم يكفر أحداً من أهل التوحيد بذنب غفر له". ثم قال: "إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً". قالوا: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، ولا يمارون في دين الله ولا يكفرون أحداً من أهل التوحيد بذنب". رواه الطبراني في الكبير. وفيه كثير بن مروان وهو ضعيف جداً، كذا في مجمع الزوائد في باب المراء، وفيه في (باب لا يكفر أحد من أهل القبلة) أخرجه الطبراني في الكبير، وفيه كثير بن مروان، كذبه يحيى والدارقطني اهـ. وفي الميزان: ضعفوه يروى عن إبراهيم بن أبي عبلة وغيره، قال يحيى والدارقطني: ضعيف، وقال يحيى مرة: كذاب، وقال الفسوي: ليس حديثه بشيء. اهـ. فإن قيل: هذا الحديث ضعيف جداً فلا يصح أن يحتج به، قلت: ليس بأضعف من حديث: "عليكم بالسواد الأعظم"، فإذا جوز صاحب الرسالة الاحتجاج بهذا على لزوم اتباع الجمهور فليجوز الاحتجاج بذاك أيضاً على تعيين المراد بالسواد الأعظم، وليعلم هناك أن محل وجوب اتباع السواد الأعظم الذي أريد منه جماعة الصحابة هو ما اختلف فيه الصحابة فذهب عامتهم وأكثرهم إلى أمر والبعض الآخر إلى خلافه، بدليل لفظ الاختلاف والسواد الأعظم الواردين في الحديث، فإن السواد من الناس عامتهم كما في القاموس وغيره، وأما ما أجمع عليه الصحابة فوجوب اتباعه يعلم بفحوى الخطاب، وأما ما اختلفوا فيه، ولا يعلم كثرتهم في جانب فالحديث لا يدل على وجوب اتباعهم فيه، وهذا كله فيما إذا لم تعارضه آية أو حديث مرفوع صحيح أو حسن ولم

стр. 312

يثبت نسخهما، وأما إذا عارضته آية أو حديث فلا يلتفت إلا ما أجمع عليه الصحابة أو ذهب إليه أكثرهم إن قدر وقوع ذلك. وجملة الكلام أن المقصود اتباع الحق ولزومه كما قال ملا سعد الرومي في (المجالس) لا اتباع الكثير أو القليل، وإنما أمرنا باتباع الكثير من الصحابة فيما اختلفوا فيه لأن ذهاب أكثرهم إلى أمر جعل أمارة وعلامة على كونه حقاً، إذ هم خير الأمة وأمنة لها، قال ﷺ : "فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون". أي من البدع والحوادث وذهاب الخير ومجيء الشر، وهم كانوا لا يبتدعون من عند أنفسهم شيئاً، ويأخذون في كل أمر بسنته ﷺ ، ويتقدون بأمره، والعمل بمقتضى الأمارة إنما هو إذا لم يوجد نص صريح، وأما وقت وجدان النص الصريح الصحيح المعارض لمقتضى الأمارة فلا يعمل بمقتضى الأمارة، بل العمل بالنص حينئذ متعين متحتم، فإنه حق صريح، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولعلك تفطنت من هنا أن الإحداث في أمر الدين، كما أنه لا يجوز لنا كذلك هو غير جائز للصحابة ﵃ أيضاً، لعموم قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". ولا تحسبن أن محدثات الصحابة إن قدر وقوعها داخلة في السنة خارجة عن حد البدعة، كيف وقد ورد في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "أنا فرطكم عن الحوض، وليرفعن رجال منكم، ثم ليختلجن دوني فأقول: يارب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". وفي رواية أبي سعيد الخدري عند البخاري "فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي". فلا غرو إن صدر أحياناً من بعض أفراد الصحابة شيء من الحدث أو غيره من المعاصي، فإنا معاشر أهل السنة والجماعة لا نقول بعصمة أحد غير الأنبياء ﵈ كائناً من كان، ولكنا نعلم قطعاً أن معظم الصحابة وعامتهم وأكثرهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويأخذون بسنته ﷺ ويتقدون بأمره، وينكرون شديد الإنكار على من أحدث في الدين، أو فعل فعلاً لم يفعله سيد المرسلين ﷺ . قال الحافظ في الفتح: وحاصل ما حمل عليه حال المذكورين أنهم كانوا ممن ارتد

стр. 313

عن الإسلام فلا إشكال في تبري النبي ﷺ منهم وإبعادهم، وإن كانوا ممن لم يرتد لكن أحدث معصية كبيرة من أعمال البدن أو بدعة من اعتقاد القلب، فقد أجاب بعضهم بأنه يحتمل أن يكون أعرض عنهم ولم يشفع لهم اتباعاً لأمر الله فيهم حتى يعاقبهم على جنايتهم، ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته لأهل الكبائر من أمته فيخرجون عند إخراج الموحدين من النار. والله أعلم. اهـ. قوله: وقال ﷺ : "من خالف الإسلام قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه". أقول: هذا الحديث بهذا اللفظ رواه الترمذي في أبواب الأمثال من حديث الحارث الأشعري في أثناء حديث طويل وقال: هذا حديث صحيح غريب، قال محمد بن إسماعيل: والحارث الأشعري له صحبة، وله غير هذا الحديث. قال الحافظ في الفتح: "من فارق الجماعة شبراً فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه". أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وصححاه من حديث الحارث بن الحارث الأشعري في أثناء حديث طويل، وأخرجه البزار والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس، وفي سنده خليد بن دعلج وفيه مقال، وقال: "من رأسه" بدل "عنقه" انتهى. وفي مجمع الزوائد: وعن أبي سلام ممطور عن رجل من أصحاب النبي ﷺ –قال أراه أبا مالك الأشعري– قال: قال رسول الله ﷺ : "وأنا آمركم بخمس: بالسمع والطاعة والجماعة والهجرة والجهاد في سبيل الله، فمن خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه". الحديث، وقال أحمد: ورجاله ثقات رجال الصحيح، خلا علي بن إسحاق السلمي وهو ثقة، ورواه الطبراني باختصار إلا أنه قال: فمن فارق الجماعة قيد قوس لم يقبل منه صلاة ولا صيام، وأولئك هم وقود النار اهـ. قلت: في تصحيح الترمذي وابن خزيمة وابن حبان حديث الحارث نظر، فإن في سنده يحيى بن أبي كثير وهو مدلس وقد عنعنه، ورواه عن زيد بن سلام، وروايته عنه منقطعة لأنها عن كتاب له، وقال يحيى القطان: مرسلات يحيى بن كثير شبه الريح، كذا في الميزان. ورواه أيضاً أبو داود في باب قتل الخوارج من حديث أبي ذر

стр. 314

وفي سنده خالد بن وهبان، قال الذهبي في الميزان: خالد بن وهبان عن أبي ذر مجهول. اهـ. وفي الباب أحاديث أخر جلها ضعيفة، منها ما روي عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ خطبنا فقال: "إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه، فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام". رواه أحمد، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. ومنها ما روى عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "ومن خرج عن الجماعة قيد شبر متعمداً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" رواه الطبراني، وفيه عمرو بن واقد وهو متروك. ومنها ما روي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "ومن خرج من الطاعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" رواه الطبراني، وفيه عمرو بن رويبة وهو متروك. ومنها ما روي عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ يشبر شبراً: "من فارق جماعة المسلمين شبراً خرج من عنقه ربقة الإسلام". رواه الطبراني، وفيه حسين بن قيس وهو ضعيف. ومنها ما روي عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله ﷺ : "من فارق الجماعة فهو في النار على وجهه". رواه الطبراني، وفيه جماعة لم أعرفهم. ومنها ما روي عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من فارق الجماعة واستذل الإمارة لقى الله لا وجه له عنده". رواه أحمد ورجاله ثقات. ومنها ما روي عن صلة قال: قال رسول الله ﷺ : "من فارق الجماعة شبراً فقد فارق الإسلام". رواه البزار، وفيه محمد بن عبيد الله العزرمي وهو ضعيف. ومنها ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من فارق الجماعة قياس –أو قيد– شبر خلع ربقة الإسلام من عنقه" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه خليد بن دعلج وهو ضعيف.

стр. 315

ذكر تلك الأحاديث كلها الهيثمي في مجمع الزوائد: نعم في الوعيد على من فارق الجماعة أحاديث صحيحة لعل صاحب الرسالة لم يظفر بها، وإلا فلا وجه لترك ما هو في أعلى درجة الصحة وذكر ما دونه، وهذا أدل دليل على قصور نظره في صنعة الحديث: منها حديث ابن عباس ﵄: "من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية". وفي رواية: "من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية". وفي رواية: "ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية". رواه البخاري ومسلم والدارمي. ومنها حديث أبي هريرة: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية". وفي لفظ: "من خرج من الطاعة ثم مات مات ميتة جاهلية". رواه مسلم والنسائي. ومنها حديث ابن عمر: "من خلع يداً من طاعة لقى الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية". ولكن ليس فيها ولا في غيرها مما فيه وعيد على مفارق الجماعة دلالة على مطلوب الخصم من لزوم اتباع الجمهور، كيف والمراد بالجماعة في تلك الأحاديث هو معظم الناس الذين يجتمعون على طاعة السلطان. يدلك على هذا ما ورد في بعض الروايات من لفظ السلطان ومثله، وليعم أنه لا يبعد أن يكون الحامل على ترك ما هو في أعلى درجة الصحة وذكر ما هو دونه هو زعم أن إرادة الجمهور من لفظ الجماعة في القسم الأول غير متعسرة، بخلاف القسم الثاني، فإن كان هذا فهو أبعد من الديانة على ما لا يخفى. قوله: وقد ذكر العلامة ابن الجوزي في كتابه المسمى (تلبيس إبليس) أحاديث كثيرة في التحذير من مفارقة السواد الأعظم. أقول: يعلم من هذا ديانة المؤلف من وجوه: (الأول) أن صاحب هذه الرسالة نقل ما ذكر ابن الجوزي في التحذير من

стр. 316

مفارقة الجماعة زعماً منه أنه يفيده في ذلك المقام مع أنه بعد تعيين المراد منه ليس فيها أثر من ذلك، ولم ينقل ما ذكر١ في قلة أهل السنة والجماعة الدال على نقيض مدعاه، حيث قال في الباب الأول من ذلك الكتاب: عن يوسف بن أسباط قال: قال سفيان أخبرنا يوسف: إذا بلغك عن رجل بالمشرق أنه صاحب سنة فابعث إليه بالسلام، وإذا بلغك عن رجل آخر بالمغرب أنه صاحب سنة فابعث إليه بالسلام، فقد قل أهل السنة والجماعة. وأيضاً قال: وعن سفيان الثوري قال: استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء، وعن أبي بكر بن عياش: السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان، وقال في الباب الثاني: وعن عبد الله بن محيريز يذهب الدين سنة سنة، كما يذهب الحبل قوة قوة٢، وإذ قد ثبت قلة أهل السنة والجماعة فكيف يصح القول بلزوم اتباع جمهور كل زمان وقرن؟ و (الثاني) أن صاحب الرسالة لم ينقل من كتاب ابن الجوزي ما يدل على تعيين الجماعة والسواد الأعظم، فإن فيه حديث ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي". قال الترمذي: هذا حديث غريب مفسر اهـ. فهذا الحديث فيه دلالة على أن المراد بالجماعة جماعة الصحابة، كما قال الترمذي ونقله ابن الجوزي. وأيضاً فيه عن ابن العالية قال: عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا، قال عاصم: فحدثت به الحسن فقال: قد نصحك والله وصدقك، وعن الأوزاعي قال: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا،

стр. 317

وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم اهـ، وإذ قد تعين المراد، فالقول باتباع جمهور كل عصر بين الفساد. و (الثالث) أنه ترك من كلام ابن الجوزي في الباب الثاني ما فيه التصريح بالمراد حيث قال: فإن قال قائل: قد مدحت السنة وذممت البدعة، فما السنة وما البدعة؟ وكل مبتدع في زمننا يزعم أنه من أهل السنة؟ فالجواب أن السنة في اللغة الطريق ولا ريب في أن أهل النقل والأثر المتتبعين آثار رسول الله ﷺ وآثار أصحابه هم أهل السنة لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث، وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله ﷺ وأصحابه. اهـ. وأيضاً فيه: فقد بان بما ذكرنا أن أهل السنة هم المتبعون، وأن أهل البدعة هم المظهرون شيئاً لم يكن قبل ولا مستند له. وأيضاً فيه: وعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" أخرجاه في الصحيحين١. وعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله". قال المصنف: انفرد بإخراجه مسلم، وقد روى هذا المعنى عن النبي ﷺ معاوية وجابر بن عبد الله وقرة، وعن الترمذي: قال محمد بن إسماعيل قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث. اهـ. و (الرابع) أن ابن الجوزي ذكر في الكتاب المذكور أحاديث كثيرة في ذم البدع والمبتدعين: (منها) حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". (ومنها) حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "من رغب عن سنتي فليس مني". (ومنها) حديث العرباض بن سارية قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا يعظنا

стр. 318

موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". (ومنها) حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول: يارب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". وصاحب الرسالة قد ترك تيك الأحاديث كلها لأنها تبطل دعواه الباطلة من التوسل المكروه المحدث بعد رسول الله ﷺ وأصحابه من قول القائل: اللهم إني أسألك بحق محمد ﷺ ، فإنه محدث، والأحاديث المذكورة ترد على كل ما أحدث في الدين. وليعلم هناك أن قرن الصحابة كأن البدعة لم تكن فيه، والسنة كانت خالصة فيه، يدل عليه حديث أبي موسى ﵁ مرفوعاً: "وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون". رواه مسلم، وحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له في أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". رواه مسلم. وحديث العرباض بن سارية مرفوعاً: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وحديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنا عليه وأصحابي". وحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل طيباً وعمل في سنة وأمن الناس بوائقه دخل الجنة". فقال رجل: يا رسول الله إن هذا اليوم لكثير في الناس، قال: "وسيكون في قرون بعدي". رواه الترمذي.

стр. 319

ولذا أثبت رسول الله ﷺ لهم الخيرية المطلقة في قوله: "خير أمتي قرني". ومن ثم قال ابن مسعود ﵁: من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. رواه رزين، كذا في المشكاة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن عبد الله بن مسعود قال: لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، فإن آمن آمن وإن كفر كفر، وإن كنتم لابد مقتدين فاقتدوا بالميت، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. اهـ. وأيضاً قال ابن مسعود: إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فاختار محمداً فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحاباً فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح. قال شمس الدين السخاوي في المقاصد الحسنة: أخرجه أحمد من حديث ابن مسعود من قوله، وكذا أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في حلية الأولياء في ترجمة ابن مسعود، بل عند البيهقي في الاعتقاد من وجه آخر عن ابن مسعود اهـ كلامه. قال ابن نجيم في (الأشباه والنظائر) قال العلائي: لم أجده مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً ولا بسند ضعيف، بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفاً عليه، أخرجه أحمد في مسنده، وقال الحموي في حواشيه قال السخاوي في (المقاصد الحسنة) : حديث: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن". رواه أحمد في كتاب السنة، ووهم من عزاه للمسند من حديث أبي وائل عن ابن مسعود، وهو موقوف حسن. اهـ ملخصاً، فكأن العلائي تبع من وهم في نسبته إلى المسند. اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون، وروى الدارمي عن عمر بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد،

стр. 320

فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته، ولم أرَ والحمد لله إلا خيراً، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول هللوا مائة فيهللون مائة، ويقول سبحوا مائة فيسحبون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك أو انتظار أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتحي باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق١ يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج. اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن عمرو بن سلمة قال: كنا قعوداً على باب ابن مسعود بين المغرب والعشاء فأتى أبو موسى فقال: اخرج إلينا أبا عبد الرحمن، فخرج ابن مسعود فقال: أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة؟ قال: لا والله إلا أني رأيت أمراً
следующие страницы →