← Акыда

Акыда · id 12027

صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان

محمد بشير السهسواني

Полный текст (549 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مفارقة الجماعة زعماً منه أنه يفيده في ذلك المقام مع أنه بعد تعيين المراد منه ليس فيها أثر من ذلك، ولم ينقل ما ذكر١ في قلة أهل السنة والجماعة الدال على نقيض مدعاه، حيث قال في الباب الأول من ذلك الكتاب: عن يوسف بن أسباط قال: قال سفيان أخبرنا يوسف: إذا بلغك عن رجل بالمشرق أنه صاحب سنة فابعث إليه بالسلام، وإذا بلغك عن رجل آخر بالمغرب أنه صاحب سنة فابعث إليه بالسلام، فقد قل أهل السنة والجماعة. وأيضاً قال: وعن سفيان الثوري قال: استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء، وعن أبي بكر بن عياش: السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان، وقال في الباب الثاني: وعن عبد الله بن محيريز يذهب الدين سنة سنة، كما يذهب الحبل قوة قوة٢، وإذ قد ثبت قلة أهل السنة والجماعة فكيف يصح القول بلزوم اتباع جمهور كل زمان وقرن؟ و (الثاني) أن صاحب الرسالة لم ينقل من كتاب ابن الجوزي ما يدل على تعيين الجماعة والسواد الأعظم، فإن فيه حديث ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي". قال الترمذي: هذا حديث غريب مفسر اهـ. فهذا الحديث فيه دلالة على أن المراد بالجماعة جماعة الصحابة، كما قال الترمذي ونقله ابن الجوزي. وأيضاً فيه عن ابن العالية قال: عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا، قال عاصم: فحدثت به الحسن فقال: قد نصحك والله وصدقك، وعن الأوزاعي قال: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا،

стр. 317

وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم اهـ، وإذ قد تعين المراد، فالقول باتباع جمهور كل عصر بين الفساد. و (الثالث) أنه ترك من كلام ابن الجوزي في الباب الثاني ما فيه التصريح بالمراد حيث قال: فإن قال قائل: قد مدحت السنة وذممت البدعة، فما السنة وما البدعة؟ وكل مبتدع في زمننا يزعم أنه من أهل السنة؟ فالجواب أن السنة في اللغة الطريق ولا ريب في أن أهل النقل والأثر المتتبعين آثار رسول الله ﷺ وآثار أصحابه هم أهل السنة لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث، وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله ﷺ وأصحابه. اهـ. وأيضاً فيه: فقد بان بما ذكرنا أن أهل السنة هم المتبعون، وأن أهل البدعة هم المظهرون شيئاً لم يكن قبل ولا مستند له. وأيضاً فيه: وعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" أخرجاه في الصحيحين١. وعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله". قال المصنف: انفرد بإخراجه مسلم، وقد روى هذا المعنى عن النبي ﷺ معاوية وجابر بن عبد الله وقرة، وعن الترمذي: قال محمد بن إسماعيل قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث. اهـ. و (الرابع) أن ابن الجوزي ذكر في الكتاب المذكور أحاديث كثيرة في ذم البدع والمبتدعين: (منها) حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". (ومنها) حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "من رغب عن سنتي فليس مني". (ومنها) حديث العرباض بن سارية قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا يعظنا

стр. 318

موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". (ومنها) حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول: يارب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". وصاحب الرسالة قد ترك تيك الأحاديث كلها لأنها تبطل دعواه الباطلة من التوسل المكروه المحدث بعد رسول الله ﷺ وأصحابه من قول القائل: اللهم إني أسألك بحق محمد ﷺ ، فإنه محدث، والأحاديث المذكورة ترد على كل ما أحدث في الدين. وليعلم هناك أن قرن الصحابة كأن البدعة لم تكن فيه، والسنة كانت خالصة فيه، يدل عليه حديث أبي موسى ﵁ مرفوعاً: "وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون". رواه مسلم، وحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له في أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". رواه مسلم. وحديث العرباض بن سارية مرفوعاً: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وحديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنا عليه وأصحابي". وحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل طيباً وعمل في سنة وأمن الناس بوائقه دخل الجنة". فقال رجل: يا رسول الله إن هذا اليوم لكثير في الناس، قال: "وسيكون في قرون بعدي". رواه الترمذي.

стр. 319

ولذا أثبت رسول الله ﷺ لهم الخيرية المطلقة في قوله: "خير أمتي قرني". ومن ثم قال ابن مسعود ﵁: من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. رواه رزين، كذا في المشكاة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن عبد الله بن مسعود قال: لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، فإن آمن آمن وإن كفر كفر، وإن كنتم لابد مقتدين فاقتدوا بالميت، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. اهـ. وأيضاً قال ابن مسعود: إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فاختار محمداً فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحاباً فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح. قال شمس الدين السخاوي في المقاصد الحسنة: أخرجه أحمد من حديث ابن مسعود من قوله، وكذا أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في حلية الأولياء في ترجمة ابن مسعود، بل عند البيهقي في الاعتقاد من وجه آخر عن ابن مسعود اهـ كلامه. قال ابن نجيم في (الأشباه والنظائر) قال العلائي: لم أجده مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً ولا بسند ضعيف، بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفاً عليه، أخرجه أحمد في مسنده، وقال الحموي في حواشيه قال السخاوي في (المقاصد الحسنة) : حديث: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن". رواه أحمد في كتاب السنة، ووهم من عزاه للمسند من حديث أبي وائل عن ابن مسعود، وهو موقوف حسن. اهـ ملخصاً، فكأن العلائي تبع من وهم في نسبته إلى المسند. اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون، وروى الدارمي عن عمر بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد،

стр. 320

فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته، ولم أرَ والحمد لله إلا خيراً، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول هللوا مائة فيهللون مائة، ويقول سبحوا مائة فيسحبون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك أو انتظار أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتحي باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق١ يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج. اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن عمرو بن سلمة قال: كنا قعوداً على باب ابن مسعود بين المغرب والعشاء فأتى أبو موسى فقال: اخرج إلينا أبا عبد الرحمن، فخرج ابن مسعود فقال: أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة؟ قال: لا والله إلا أني رأيت أمراً

стр. 321

ذعرني وإنه لخير، ولقد ذعرني وإنه لخير، قوم جلوس في المسجد ورجل يقول سبحوا كذا وكذا، احمدوا كذا وكذا، قال فانطلق عبد الله وانطلقنا معه حتى أتاهم فقال: ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء، وأزواجه شوابّ، وثيابه وأبنيته لم تغير، احصوا سيئاتكم، فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم، رواه الطبراني في الكبير، وفيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي، وضعفه البخاري وأحمد بن حنبل ويحيى. وعن أبي البختري قال: بلغ عبد الله بن مسعود أن قوماً يقعدون بين المغرب والعشاء يقولون قولوا كذا قولوا كذا، قال عبد الله: إن فعلوا فآذنوني، فلما جلسوا أتوه فانطلق معهم، فجلس وعليه برنس فأخذوا في تسبيحهم، فحسر عبد الله عن رأسه البرنس وقال: أنا عبد الله بن مسعود -فسكت القوم- فقال: لقد جئتم بدعة ظلماً، وإلا فضللنا أصحاب محمد ﷺ . فقال عمرو بن عتبة بن فرقد: استغفر الله يا ابن مسعود وأتوب إليه، فأمرهم أن يتفرقوا، قال: ورأى ابن مسعود حلقتين في مسجد الكوفة فقام بينهما فقال: أيتكما كانت قبل صاحبتها؟ قالت إحداهما: نحن، فقال للأخرى: قوموا إليها، فجعلهم واحدة، رواه الطبراني في الكبير وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط، وفي بعض طرق الطبراني الصحيحة المختصرة: فجاء عبد الله بن مسعود متقنعاً فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود، إنكم لأهدى من محمد ﷺ وأصحابه، أو أنكم لتعلقون بذنب ضلالة، وفي رواية لعطاء بن السائب فقال ابن مسعود: لئن اتبعتم القوم لقد سبقوكم سبقاً بعيداً بيناً، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالا بعيداً. اهـ. وعن حذيفة ﵁ قال: يا معشر القراء استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً، وإن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً. رواه البخاري. وأيضاً عن حذيفة قال: كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً، فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من قبلكم. رواه أبو داود. إذا دريت ما ذكرنا من الأحاديث والآثار فقد علمت أن قرن الصحابة كانت السنة

стр. 322

خالصة فيه، وكأن البدعة لم تكن فيه، وإنما لم أقل إن البدعة لم تكن فيه لما ورد في الصحيح: "أنا فرطكم على الحوض، فليرفعن إلى رجال منكم، حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: إي رب أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك". فهذا الحديث يدل أوضح دلالة على أن من الصحابة من يحدث بعد النبي ﷺ . ثم بعد انقراض قرن الصحابة أتى أمته ما يوعدون من الحوادث والبدع، وكلما أحدثت بدعة رفع مثلها من السنة، ولكن في قرن التابعين وأتباع التابعين لم تظهر البدع ظهوراً فاشياً، وأما بعد قرن أتباع التابعين فقد تغيرت الأحوال تغيراً فاحشاً، وغلبت البدع، وصارت السنة غريبة، واتخذ الناس البدعة سنة والسنة بدعة، ولا تزال السنة في المستقبل غريبة إلا ما استثنى من زمان المهدي ﵁ وعيسى ﵇، إلى أن تقوم الساعة على شرار الناس. يدل على ذلك الأحاديث والآثار التي نذكرها الآن بحوله وقوته، منها: حديث عمران بن حصين ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة: "ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون، ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن" رواه البخاري ومسلم. ومنها حديث الأسلمي قال: قال النبي ﷺ : "يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بألة". رواه البخاري. قال الحافظ في الفتح: ووجدت لهذا الحديث شاهداً من رواية الفزارية امرأة عمر بلفظ "تذهبون الخير فالخير، حتى لا يبقى منكم إلا حثالة كحثالة التمر، ينزو بعضهم على بعض نزو المعز". أخرجه أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر وقال بُعيْدَه: ووقع في آخر حديث الفزارية المذكور آنفاً: "على أولئك تقوم الساعة". وقال في الفتح أيضاً قال ابن بطال: وفيه أنه يجوز انقراض أهل الخير في آخر الزمان حتى لا يبقى إلا أهل الشر، واستدل به على جواز خلو الأرض من عالم حتى لا يبقى إلا أهل الجهل صرفاً". اهـ.

стр. 323

ومنها حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل وتشرب الخمر ويظهر الزنا". رواه البخاري. ومنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا". رواه البخاري، قال الحافظ في الفتح: واستدل به الجمهور على القول بخلو الزمان عن مجتهد، ولله الأمر يفعل ما يشاء. اهـ. ومنها حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يتقارب الزمان وينقص العلم ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج". قالوا: يا رسول الله أيما هو؟ قال: "القتل القتل" رواه البخاري. ومنها حديث أنس بن مالك قال: سمعت من نبيكم ﷺ : "لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم". رواه البخاري. قال الحافظ في الفتح: وبهذا اللفظ أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود نحو هذا الحديث موقوفاً عليه، قال: "ليس عام إلا والذي بعده شر منه". وله عنه بسند صحيح قال: "أمس خير من اليوم، واليوم خير من الغد، وكذلك حتى تقوم الساعة". اهـ. قال الحافظ في الفتح: وقد استشكل هذا الإطلاق، مع أن بعض الأزمنة تكون في الشر دون التي قبلها، ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز وهو بعد زمان الحجاج بيسير، وقد اشتهر الخير الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز، بل لو قيل إن الشر اضمحل في زمانه لما كان بعيداً، فضلاً عن أن يكون شراً من الزمن الذي قبله، وقد حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب، فسئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج فقال: لابد للناس من تنفيس، وأجاب بعضهم أن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر، فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الذي بعده لقوله ﷺ : "خير القرون قرني". وهو في الصحيحين،

стр. 324

وقوله "أصحابي أمَنَة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" أخرجه مسلم. ثم وجدت عن عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد وهو أولى بالاتباع، فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه ولا مالاً يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علماً من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون. اهـ. وقال في الفتح أيضاً: واستشكلوا أيضاً زمان عيسى بن مريم بعد زمان الدجال، وأجاب الكرماني بأن المراد الزمان الذي يكون بعد عيسى، أو المراد جنس الزمان الذي فيه الأمراء، وإلا فمعلوم من الدين بالضرورة أن زمان النبي المعصوم لا شر فيه. قلت: ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة ما قبل وجود العلامات العظام كالدجال وما بعده، ويكون المراد بالأزمنة المتفاضلة في الشر من زمن الحجاج فما بعده إلى زمن الدجال، وأما زمن عيسى ﵇ فله حكم مستأنف. والله أعلم. اهـ. وقال في الفتح أيضاً: واستدل ابن حبان في صحيحه بأن حديث أنس ليس على عمومه بالأحاديث الواردة في المهدي وأنه يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً، ثم وجدت عن ابن مسعود ما يصلح أن يفسر به الحديث، وهو ما أخرجه الدارمي بسند حسن عن عبد الله قال: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله، أما أني لست أعنى عاماً. اه قلت وتمام الحديث: أخصب من عام، ولا أميراً خيراً من أمير، ولكن علماءكم وخياركم وفقهاءكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفاً، ويجيء قوم يقيسون الأمر برأيهم. ومنها حديث حذيفة قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين: رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة. وحدثنا عن رفعها قال: "ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من

стр. 325

قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت. ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل المجل، كجمر دحرجته على رجلك فتنفط فتراه منتبراً وليس فيه شيء، ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه حبة من خردل من إيمان". متفق عليه. ومنها حديث حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني قال: قلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه دخن". قلت: وما دخنه؟ قال "قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر". قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال "نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها". قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا". قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟. قال "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" متفق عليه. ومنها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا". رواه مسلم. ومنها حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا في حجر ضب لاتبعتموهم" قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال "فمن"؟ متفق عليه. ومنها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء". رواه مسلم. وقد ورد تفسير الغرباء في حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد ابن ملحة عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "إن الذين ليأرز إلى الحجاز كما

стр. 326

تأرز الحية إلى حجرها، وليعقلن الدين في الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي". رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن. قلت: وفي تحسينه نظر، فإنه من رواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، وكثير هذا اتهمه الشافعي وأبو داود بالكذب، وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة، وأما الترمذي فروى من حديثه "الصلح جائز بين المسلمين" وصححه، فلذا لم يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي، كذا في الميزان. وقد وقع تفسير الغرباء في حديث روى عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك، وهو حديث طويل رواه الطبراني في الكبير، وقد تقدم في بيان السواد الأعظم، وفيه كثير بن مروان وهو أيضاً متهم بالكذب. وورد في تفسير الغرباء أيضاً في حديث عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء" قال: قيل ومن الغرباء؟ قال "النزاع من القبائل" رواه ابن ماجه والدارمي، وجميع رواته ثقات سوى سفيان بن وكيع وهو وإن تكلموا فيه لكنه صدوق، قال ابن خزيمة: لو خر من السماء فتخطفه الطير أحب إليه من أن يكذب على رسول الله ﷺ ، وقد حسن له الترمذي كذا في الميزان، فهذا الحديث أحسن شيء في الباب، قال في النهاية: وفيه "طوبى للغرباء" قيل: من هم يا رسول الله؟ قال "النزاع من القبائل" هي جمع نازع ونزيع، وهو الغريب الذي نزع من أهله وعشيرته أي بعد وغاب. انتهى. ومنها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد" كذا في المشكاة من غير ذكر المخرج، وفي مجمع الزوائد: وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " "المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن صالح العدوي، ولم أر من ترجمه وبقية رجاله ثقات.

стр. 327

ومنها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك، ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا" رواه الترمذي. ومنها حديث أبي ثعلبة في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . وفيه "فإن وراءكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله١، قالوا: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال "أجر خمسين منكم". رواه الترمذي وابن ماجه. ومنها حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ "يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر" رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب إسناداً. ومنها حديث عبد الرحمن بن العلاء الحضرمي قال: حدثني من سمع النبي ﷺ يقول "إنه سيكون في آخر هذه الأمة قوم لهم مثل أجر أولهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقاتلون أهل الفتن" رواه البيهقي في دلائل النبوة. ومنها ما روي عن عبد الله بن الديلمي قال: بلغني أن أول ذهاب الدين ترك السنّة، يذهب الدين سنة فسنة كما يذهب الحبل قوة قوة". رواه الدرامي. ومنها ما روي عن شقيق قال: قال عبد الله: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا غيرت السنة، قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة. رواه الدارمي. ومنها ما روي عن عبد الله قال: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي كان قبله، أما إني لست أعني أن عاماً أخصب من عام، ولا أميراً خيراً من أمير، ولكن علماءكم وخياركم وفقهاءكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفاً، ويجيء قوم يقيسون الأمر برأيهم. رواه الدارمي، وقد نقل هذا فيما قبل من الفتح.

стр. 328

ومنها ما روي عن الحسن قال: سنتكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما: بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقى، الذين لم يذهبوا مع أهل الأتراف في أترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا. رواه الدرامي. ومنها ما روي عن ابن مسعود: قال لي رسول الله ﷺ "تعلموا العلم وعلموه الناس، تعلموا الفرائض وعلموه الناس، تعلموا القرآن وعلموه الناس، فإني امرؤ مقبوض والعلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف اثنان في فريضة لا يجدان أحداً يفصل بينهما". رواه الدارمي. ومنها ما روي عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي ﷺ شيئاً فقال "ذاك عند أوان ذهاب العلم". قلت: يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤها أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال "ثكلتك أمك زياد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما "؟ رواه أحمد وابن ماجه. وروى الترمذي عنه نحوه وكذا الدارمي عن أبي أمامة. كذا في المشكاة. قلت: وقد روى الدارمي هذا الحديث أيضاً عن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال "هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء". فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال "ثكلتك أمك يا زياد" الحديث. ورواه أحمد والطبراني في الكبير عن أبي أمامة وإسناد الطبراني أصح. وفي الباب عن ابن عمر رواه البزار وفيه سعيد بن سنان، وعن عوف بن مالك رواه البزار، وفيه عبد الله بن صالح، وعن وحشي بن حرب رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن، وعن صفوان بن عسال رواه الطبراني في الكبير، وفيه مسلمة بن علي الخشني وهو ضعيف، كذا في مجمع الزوائد.

стр. 329

ومنها حديث حزام بن حكيم بن حزام عن أبيه عن النبي ﷺ قال "إنكم قد أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، كثير معطوه قليل سؤاله، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي زمان قليل فقهاؤه وكثير خطباؤه، وكثير سؤاله قليل معطوه، العلم فيه خير من العمل" رواه الطبراني في الكبير، وفيه عثمان بن عبد الرحمن الطرائقي وهو ثقة إلا أنه قيل فيه يروي عن الضعفاء، وهذا من روايته عن صدقة بن خالد وهو من رجال الصحيح. وعن أبي ذر أن النبي ﷺ قال "إنكم في زمان علماؤه كثير وخطباؤه قليل، من ترك فيه عشر ما يعلم هوى، وسيأتي على الناس زمان يقل علماؤه ويكثر خطباؤه، من تمسك فيه بعشر ما يعلم نجا" رواه أحمد، وفيه رجل لم يسم. وعن حزام بن حكيم عن عمه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه، كثير معطوه قليل سؤاله، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه كثير سؤاله قليل معطوه العلم فيه خير من العمل" رواه الطبراني في الكبير، وفيه صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف منكر الحديث، كذا في مجمع الزوائد. ومنها حديث حذيفة بن اليمان عن رسول الله ﷺ قال "سيأتي عليكم زمان لا يكون فيه شيء أعز من ثلاث: درهم حلال، أو أخ يستأنس به، أو سنة يعمل بها" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه روح بن صلاح ضعفه ابن عدي وقال الحاكم ثقة مأمون وذكره ابن حبان في الثقات، وبقية رجاله موثقون، كذا في مجمع الزوائد. ومنها حديث ابن عباس ﵄ قال: ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن. رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون، كذا في مجمع الزوائد. ومنها حديث علي قال: قال رسول الله ﷺ "يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود" رواه البيهقي في شعب الإيمان، كذا في المشكاة.

стр. 330

ومنها حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا صدقة، وليسري على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة -لا إله إلا الله- فنحن نقولها، فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه –ثلاثاً- كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار (ثلاثاً) . رواه ابن ماجه ورواته كلهم ثقات. ومنها حديث ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها١ فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن" قال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال "حب الدنيا وكراهية الموت" رواه أبو داود والبيهقي في دلائل النبوة، كذا في المشكاة. ومنها حديث ابن مسعود: سمعت النبي ﷺ يقول "من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء" رواه البخاري. ومنها حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله " رواه مسلم. ومنها حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق" رواه مسلم. ومنها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة، وذو الخلصة طاغية دوس الذي كانوا يعبدون في الجاهلية. متفق عليه.

стр. 331

ومنها حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى يعبد اللات والعزى" فقلت: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . أن ذلك تام، قال "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبة فتوفي كل من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" رواه مسلم. ومنها حديث النواس بن سمعان في قصة الدجال وعيسى أو يأجوج ومأجوج وفيه "إذ بعث الله ريحاً طيبة فتقبض روح كل مؤمن ومسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة". فإن قلت: ما وجه الجمع بين تيك الأحاديث وبين حديث: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة"، قلت: وجه الجمع حمل الغاية في حديث: "لا تزال طائفة"، على وقت هبوب الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن ومسلم، فلا يبقى إلا الشرار، فتهجم الساعة عليهم بغتة، كذا في فتح الباري. وجملة القول في الباب أن السنة كانت غالبة في قرن الصحابة خاصة، ولذا وصفه النبي ﷺ بالخيرية المطلقة، وأما بعده فقد زالت غلبة السنة، ولكن قرن التابعين وقرن تبع التابعين لم تغلب فيهما البدعة أيضاً، ولذا وصفا في الحديث بالخيرية الإضافية، وأما بعد انقراض القرن الثالث فقد صارت السنة غريبة وأهلها غرباء ولا تزال غربتها في زيادة إلى أن تقوم الساعة، اللهم إلا في زمان المهدي ﵁ وعيسى ﵇، فلا يجوز التمسك بجمهور إلا بجمهور الصحابة. وقد علم بما نقل من الأحاديث والآثار أن غربة الإسلام ليس معناها أنه يقل أهل الإسلام، دل عليه ما في حدي ثوبان المتقدم من قوله ﷺ : "بل أنتم يومئذ كثير" (بل) معناها أن الصالحين من أهل الإسلام يذهبون الأول فالأول وتبقى حفالة كحفالة الشعير وغثاء كغثاء السيل، وأن سنن الإسلام وشعبها وشرائعها من الصلاة والصيام والنسك والصدقة وغيرها تذهب وقتا فوقتاً حتى لا يبقى إلا قول لا إله إلا الله،

стр. 332

فإذا بعث الله ريحاً طيبة توفى كل من كان في قبلة مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فعليهم تقوم الساعة. ولفظ السنة فيما هنالك يشمل الفرض والسنة والمندوب، كما ورد في حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "السنة سنتان: سنة في فريضة، وسنة في غير فريضة، فالسنة التي في الفريضة أصلها في كتاب الله، أخذها هدى وتركها ضلالة، والسنة التي ليس أصلها في كتاب الله الأخذ بها فضيلة، وتركها ليس بخطيئة" رواه الطبراني في الأوسط وقال: لم يروه عن أبي سلمة إلا عيسى بن واقد، تفرد به عبد الله ابن الرومي ولم أر من ترجمه، كذا في مجمع الزوائد. وإطلاق السنة على ما يشمل الفرض وغيره شائع كما في قوله ﷺ : "فمن رغب عن سنتي فليس مني" أي أعرض عن طريقتي فرضاً أو سنة، عملاً أو عقيدة، فليس قريباً مني، أو أعرض عنها غير معتقد لها، كذا في مجمع البحار. وقال الحافظ في الفتح: المراد بالسنة الطريقة لا التي تقابل الفرض، وفي حديث حذيفة الطويل: ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة، قال الحافظ في الفتح: والمراد بالسنن ما يتلقونه عن النبي ﷺ واجباً كان أو مندوباً. قوله: منها حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه خطب في الجابية فقال: "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد". أقول: فيه بحث من وجوه: (الأول) : أن لفظ حديث ابن عمر في (تلبيس إبليس) هكذا: وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" اهـ. فليس فيه أنه خطب في الجابية، وليس فيه من أراد بحبوحة الجنة، بل لفظة "من سره أن يسكن بحبوحة الجنة".

стр. 333

و (الثاني) : أن رواية ابن عمر قد ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد ونصه هكذا وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "احفظوني في أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد، وحتى يحلف الرجل قبل أن يستحلف، ويبذل نفسه بحلف الزور، فمن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن يد الله على الجماعة، وإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان، ومن ساءته سيئته، وسرته حسنته فهو مؤمن" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي وهو متروك. اهـ. قال الذهبي في الميزان: إبراهيم بن عبد الله بن خالد عن عبد الله بن قيس وإبراهيم المصيصي عن وكيع أحد المتروكين، قال ابن حبان: إبراهيم بن عبد الله بن خالد يسرق الحديث ويروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، قلت: هذا رجل كذاب، قال الحاكم: أحاديثه موضوعه. اهـ. ملخصاً. و (الثالث) : أن الحديث من مسانيد عمر لا ابن عمر، دل على ذلك رواية الترمذي لفظه هكذا: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة عن محمد بن سوقة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: "يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا فقال: "أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن" هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد رواه ابن المبارك عن محمد بن سوقة، وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عمر عن النبي ﷺ اهـ. وهذه الرواية قد ذكرها ابن الجوزي أيضاً في (تلبيس إبليس) ، بل هو أول حديث ذكره في الباب الأول، وما أغفل صاحب الرسالة حيث لم ينقل ما صححه الترمذي ونقل ما فيه متروك كذاب، وهذا أبهر برهان على أنه لا يميز بين الصحيح والسقيم.

стр. 334

و (الرابع) : أن رواية الترمذي في سندها النضر بن إسماعيل أبو المغيرة وهو ضعيف، قال الذهبي في الميزان: قال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي وأبو زرعة: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: فحش خطؤه حتى استحق الترك، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال العجلي: ثقة اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: ليس بالقوي اهـ. إلا أن يقال إن المبارك قد تابعه كما ذكره الترمذي فارتقى الحديث إلى درجة الصحة والحسن. وروى هذا الحديث عن عامر بن ربيعة بلفظ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات وليس له طاعة مات ميتة جاهلية، وإن خلعها من بعد عقدها في عنقه لقي الله ﵎ ليست له حجة، ألا لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان إلا محرم، فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد، من ساءته سيئاته وسرته حسناته فهو مؤمن" رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني، وفي رواية عنده "بعد عقده إياها في عنقه" وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف، كذا في مجمع الزوائد. و (الخامس) : أن حديث ابن عمر المذكور ليس دالاً على دعواه وهي لزوم اتباع الجمهور، إذ لفظ "الجماعة" يحتمل معاني: أحدها الجماعة في الصلاة كما في حديث أبي الدرداء سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من ثلاثة في قرية ولا بلد ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية" قال السائب: يعني بالجماعة الجماعة في الصلاة، رواه النسائي وأبو داود، والبواقي تظهر بملاحظة العبارات التي ننقلها. قال الحافظ في الفتح في (كتاب الفتن) : قال الطبراني: اختلف في هذا الأمر وفي الجماعة، فقال قوم: هو للوجوب والجماعة السود الأعظم، ثم ساق عن محمد بن سرين عن أبي مسعود أنه وصى من سأله –لما قتل عثمان-: عليك بالجماعة، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، وقال قوم: المراد بالجماعة الصحابة دون من بعدهم، وقال قوم: المراد بهم أهل العلم، لأن الله جعلهم حجة على الخلق، والناس تبع لهم في أمر الدين.

стр. 335

قال الطبري: والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة. اهـ. وقال في (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة) : والمراد بالجماعة أهل الحل والعقد من كل عصر، وقال الكرماني: مقتضى الأمر بلزوم الجماعة أنه يلزم المكلف متابعة ما أجمع عليه المجتهدون، وهم المراد بقوله: وهم أهل العلم، والآية التي ترجم بها احتج بها أهل الأصول لكون الإجماع حجة. اهـ. وقال القسطلاني في (كتاب الفتن) : والجماعة التي أمر الشارع بلزومها جماعة أئمة العلماء، لأن الله تعالى جعلهم حجة على خلقه، وإليهم تفزع العامة في أمر دينها، وهم المعنيون بقوله "إن الله تعالى لن يجمع أمتي على ضلالة"، وقال آخرون: "هم جماعة الصحابة الذين قاموا بالدين وقوموا عماده، وثبتوا أوتاده، وقال آخرون: هم جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين على أمر واجب على أهل الملة اتباعه، فإذا كان فيهم مخالف منهم فليسوا مجتمعين. اهـ. وعلى كل تقدير لا يثبت منه دعوى الخصم وهو لزوم اتباع الجمهور، إنما الثابت منه على المعنى الأول لزوم اتباع الجماعة في الصلاة، وعلى الثاني لزوم ابتاع ما أجمع عليه أهل الإسلام، وعلى الثالث لزوم ابتاع جماعة الصحابة، وعلى الرابع لزوم اتباع أهل العلم أي المجتهدين، وعلى الخامس لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره وهم أهل الحل والعقد من كل عصر، ويؤيد المعنى الخامس حديث عامر بن ربيعة المتقدم، وكفى به مؤيداً، وإن كان الحديث المذكور ضعيفاً فإن التأييد يحصل بالضعيف أيضاً. قوله: وحديث عرفجة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يد الله على الجماعة، والشيطان مع من يخالف الجماعة ". أقول: أخرج هذا الحديث النسائي ولفظه هكذا: عن عرفجة بن شريح الأشجعي قال: رأيت النبي ﷺ على المنبر يخبط الناس فقال: "إنه سيكون بعد هنات وهنات، فمن رأيتموه فارق الجماعة، أو يريد تفريق أمة محمد كائناً من كان فقتلوه، فإن يد الله

стр. 336

على الجماعة، فإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض، قلت: ورواته كلهم ثقات، وفي مجمع الزوائد وعن عرفجة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يد الله على الجماعة، والشيطان مع من يخالف يركض". رواه الطبراني ورجاله ثقات. اهـ. ولكن المراد بالجماعة –في هذا الحديث- هم الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره لا غير، دل عليه ما رواه مسلم عن عرفجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه". قوله: وحديث أسامة بن شريك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يد الله على الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم". أقول: راجعت كتاب (تلبيس إبليس) : فوجدت فيه الشاذ بدل (الشاة) . وفي مجمع الزوائد: وعن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله ﷺ : "يد الله على الجماعة، وإذا شذ الشاذ منكم اختطفه الشيطان كما يختطف الذئب الشاة من الغنم". رواه الطبراني، وفيه عبد الأعلى بن أبي المساوري وهو ضعيف. اهـ. قال الذهبي في الميزان: عبد الأعلى بن أبي المساور الكوفي الجرار الفاخوري عن الشعبي لحقه جبارة بن المفلس ضعفوه، قال يحيى وأبو داود: ليس بشيء، وقال ابن نمير والنسائي: متروك، وقال الدارقطني: ضعيف. اهـ. فهذا الحديث غير صالح لأن يحتج به، على أن دلالته على المطلوب غير مسلمة، فإن لفظ الجماعة يحتمل الجماعة في الصلاة كما في حديث أبي الدرداء، وجماعة الصحابة وجماعة أهل الحل والعقد الذين هم في طاعة من اجتمعوا على تأميره. وروى النسائي عن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل خرج يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه" فهذا الحديث يعين أن المراد بالجماعة في الحديث المذكور هم الذين اجتمعوا على تأمير الأمير، فأين الاستدلال على لزوم اتباع الجمهور؟ قوله: وحديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الشيطان

стр. 337

ذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة الشاذة القاصية والنائية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة العامة والمسجد". أقول: لم يذكر المصنف هناك حديث عبد الله قال: خط رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيماً، ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال: "هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه" ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ . وهو موجود في (تلبيس إبليس) مع أنه هو حديث جيد رواه أحمد والنسائي والدارمي والحاكم وصححه، وابن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردوية وأبو جعفر الرازي وورقاء وعمرو بن أبي قبيس ويزيد بن هارون ومسدد وابن جرير، كذا في تفسير ابن كثير وفتح البيان وغيرهما. قلت: ورجال بعضهم رجال الصحيحين كالدارمي وأحمد والنسائي، فلعل الباعث على حذفه أن هذا الحديث كان يقطع دابر المبتدعين، ويقوي أمر المتبعين. وحديث معاذ بن جبل الذي ذكره صاحب الرسالة رواه أحمد والطبراني: قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والنائية، وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد" رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات، إلا أن العلاء ابن زياد قيل أنه لم يسمع من معاذ بن جبل. اهـ. قلت: قال في الخلاصة: العلاء بن زياد بن مطر البصري أرسل عن معاذ اهـ. قال الذهبي في الكاشف: العلاء بن زياد وأبو نصر العدوي، له مراسيل اهـ. فيكون الحديث ضعيفاً فلا يصلح لأن يحتج به، على أن لفظ "الجماعة" يحتمل جماعة الصلاة، وجماعة أهل الحل والعقد، وجماعة الصحابة، فلا دلالة لهذا الحديث على لزوم اتباع كل جمهور، فلا يتم التقريب. قوله: وحديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة فإن الله تعالى لن يجمع أمتي إلا على هدى".

стр. 338

أقول: رواه أحمد، وفي سنده البختري بن عبيد وهو ضعيف متروك، وقد تقدم الكلام عليه، فتذكر.

стр. 339

الأحاديث في لزوم الجماعة والأقوال فيها ... أحاديث أخرى في لزوم الجماعة للمصنف قلت: قد بقي في الباب أحاديث أخر، فلا بأس هنا أن نذكرها ونتكلم عليها بالإنصاف. منها: حديث أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ قال: "سألت ربي أربعاً فأعطاني ثلاثة ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها". رواه أحمد، كذا في تفسير ابن كثير، وفي سنده رجل لم يسم، كذا في مجمع الزوائد. ومنها: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "سألت ربي لأمتي أربع خصال، فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة: سألته أن لا تكفر أمتي واحدة فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها" رواه ابن مردوية، وروى ابن أبي حاتم نحوه، كذا في تفسير ابن كثير، وهذا حديث مفسر لما جاء في الأحاديث الأخر من لفظ الضلالة، فغاية ما يثبت من أحاديث الإجماع أن ما أجمع عليه الأمة لا يكون كفراً. ومنها: حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فبلغها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" زاد فيه علي بن محمد "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح للأئمة المسلمين ولزوم جماعتهم" رواه ابن ماجة وفي سنده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، ورواه الدارمي ولفظه: أخبرنا عصمة بن الفضل حدثنا حرمي بن عمارة عن شعبة عن عمرو بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه قال: خرج زيد بن ثابت

стр. 340

من عند مروان بن الحكم بنصف النهار، قال فقلت: ما خرج هذه الساعة من عند مروان إلا وقد سأله عن شيء فأتيته فسألته، قال: نعم، سألني عن حديث سمعته من رسول الله ﷺ قال: "نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه فأداه إلى من هو أفقه منه، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ولا يعتقد قلب مسلم على ثلاث خصال إلا دخل الجنة" قال قلت ما هي؟ قال: "إخلاص العمل والنصيحة لولاة الأمر، ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، ومن كانت الآخرة نيته جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا نيته فرق الله عليه شمله وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" قال: وسألته عن صلاة الوسطى: قال: هي الظهر. قلت: ورواته كلهم ثقات. ومنها: حديث جبير بن مطعم رواه الدارمي بسندين ولفظه هكذا: أخبرنا سليمان بن داود الزهراني أخبرنا إسماعيل بن أبي جعفر حدثنا عمرو بن أبي عمرو عن عبد الرحمن ابن الحويرث عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أنه شهد خطبة رسول الله ﷺ في يوم عرفة في حجة الوداع: "أيها الناس إني والله لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد يوم هذا بمكاني هذا، فرحم الله من سمع مقالتي اليوم فوعاها، فرب حامل فقه ولا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، واعلموا أن أموالكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة هذا اليوم في هذا الشهر في هذا البلد، واعلموا أن القلوب لا تغل على ثلاث: إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، وعلى لزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". أخبرنا أحمد بن خالد حدثنا محمد هو ابن إسحاق عن الزهري عن محمد بن جبير ابن مطعم عن أبيه قال: قام رسول الله ﷺ بالخيف من مني فقال: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل لله، وطاعة ذوي الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تكون من ورائهم. اهـ. ورجال السند الأول كلهم رجال الصحيحين، غير عبد الرحمن بن الحويرث فإني لم أجده في التقريب والخلاصة والميزان والكاشف، ورجال السند الثاني أيضاً كلهم ثقات، إلا أن محمد

стр. 341

ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه: قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وله طريق عن صالح بن كيسان عن الزهري ورجالها موثقون. ومنها: حديث أبي الدرداء رواه الدارمي ولفظه هكذا: أخبرنا يحيى بن موسى حدثنا عمرو بن محمد القرشي أخبرنا إسرائيل عن عبد الرحمن بن زبيد اليامي عن أبي العجلان عن أبي الدرداء قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لكل مسلم، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعائهم محيط من روائهم، انتهى. قلت: رجال سنده كلهم ثقات غير عبد الرحمن بن زبيد بن الحارث اليامي الكوفي قال البخاري: منكر الحديث، وقيل: النكارة هي من يحيى بن عقبة الراوي عنه نقل عن البخاري أيضاً كذا في الميزان. قلت: الراوي عنه فيما نحن فيه هو إسرائيل فلا بأس بحديثه والله أعلم. وقال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير ومداره على عبد الرحمن بن زبيد وهو منكر الحديث قاله البخاري اهـ. قلت: وقد عرفت جواب هذا الجرح، فافهم. ومنها: حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، فرب حامل فقه ليس بفقيه. ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم فإن دعاءهم يحيط من ورائهم، رواه البزار ورجاله موثقون، إلا أن يكون شيخ سليمان بن سيف سعيد بن بزيع فإني لم أر أحداً ذكره، وإن كان سعيد بن الربيع فهو من رجال الصحيح فإنه روى عنهما والله أعلم، كذا في مجمع الزوائد. ومنها: حديث معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "نضر الله عبدا سمع كلامي ثم لم يزد فيه، فرب حامل فقه إلى أوعى منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأولي الأمر، والاعتصام بجماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من روائهم" رواه الطبراني في الكبير والأوسط، إلا أنه قال في الأوسط: "رب

стр. 342

حامل كلمة بدل "فقه" وفيه عمرو بن واقد رمي بالكذب وهو منكر الحديث، كذا في مجمع الزوائد. قال الذهبي في الميزان: عمرو بن واقد الدمشقي عن يونس بن ميسرة وغيره، وعنه يحيى الوحاظي وهشام بن عمار، قال أبو مسهر: ليس بشيء، قال البخاري منكر الحديث، وقال ابن عدي: يكتب حديثه مع ضعفه، وقال الدارقطني: متروك، وروى الفسوي عن دحيم قال: لم يكن شيوخنا يحدثون عنه، وقال: وكان لم يشك أنه كان يكذب، وكذبه مروان بن محمد قال: وهو هالك. اهـ. ملخصاً. ومنها: حديث النعمان بن بشير أنه قال في خطبة خطبها رسول الله ﷺ في مسجد الخيف فقال: "نضر الله وجه عبد سمع مقالتي فحملها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" رواه الطبراني في الكبير، وفيه عيسى الخياط وهو متروك، كذا في مجمع الزوائد. قال الذهبي في الميزان: عيسى بن أبي عيسى ميسرة المدني الحناط وهو الخياط والخباط عمل المعايش الثلاث، وروى عن أنس والشعبي، وعنه وكيع وعبيد الله بن موسى وابن أبي فديك وجماعة، ضعفه أحمد وغيره، قال الفلاس والنسائي متروك، وقال ابن سعد كان يقول: أنا حناط وخياط وخباط كلا قد عالجت، وقال أحمد: لا يساوي شيئاً. اهـ. ملخصاً. ومنها حديث النعمان بن بشير عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "رحم الله عبداً سمع مقالتي فحفظها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة المسلمين، ولزوم جماعة المسلمين" رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن كبير الكوفي ضعفه البخاري وغيره، ومشاه ابن معين، كذا في مجمع الزوائد. قال الذهبي في الميزان: قال أحمد: خرقنا حديثه، قال البخاري: كوفي منكر الحديث، وقال ابن المديني: كتبنا عنه عجائب وخططت على حديثه، ومشاه ابن معين،

стр. 343

لروى عباس عن يحيى قال: شيعي ولم يكن به بأس، قال ابن عدي: الضعف على حديثه بين اهـ. ملخصاً. ومنها: حديث أبي قرصافة جندرة بن خيشنة١ قال: قال رسول الله ﷺ : "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها وحفظها، فرب حامل علم إلى من هو أعلم منه، ثلاث لا يغل عليهن القلب: إخلاص العمل، ومناصحة الولاة، ولزوم الجماعة". قال: وبلغني أن ابناً لأبي قرصافة أسرته الروم فكان أبو قرصافة يناديه من سور عسقلان في وقت كل صلاة: يا فلان الصلاة، فيسمعه فيجيبه وبينهما عرض البحر. رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وإسناده لم أر من ذكر أحداً منهم. ومنها: حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة المسلمين، ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من وائهم" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن موسى البريري٢ قال الدارقطني: ليس بالقوي، كذا في مجمع الزوائد. ومنها: حديث أنس بن مالك قال: خطبنا رسول الله ﷺ بمسجد الخيف من منى فقال: "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ثم ذهب بها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن: إخلاص العمل لله، والنصح لمن ولاه الله عليكم الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من روائهم، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم وهو ضعيف، كذا في مجمع الزوائد.

стр. 344

الأخبار والآثار في الحكم والقضاء بالشورى ١ ومنها حديث ابن عباس قال: قلت يا رسول الله، أرأيت إن عرض لنا أمر لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه سنة منك؟ قال، تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين، ولا تقضونه برأي خاصة" فذكر الحديث بتمامه، رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الله ابن كيسان قال البخاري: منكر الحديث، كذا في مجمع الزوائد، قال الذهبي في الميزان: قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي. اهـ. ومنها حديث علي قال: قلت يا رسول الله، إن نزل بنا أمر ليس فيه أمر ولا نهي فما تأمرني؟ قال تشاوروا الفقهاء والعابدين، ولا تمضوا فيه رأي خاصة" رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله موثقون من أهل الصحيح، كذا في مجمع الزوائد. ومنها حديث أبي سلمة الحمصي أن النبي ﷺ سئل عن الأمر يحدث ليس في كتاب ولا سنة فقال: "ينظر فيه العابدون من المؤمنين" رواه الدرامي، وهذا حديث رجال سندهم كلهم رجال الصحيحين، إلا أن فيه انقطاعاً. وفي الباب آثار: منها أثر عبد الله بن مسعود: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيئ، رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون، كذا في مجمع الزوائد، وقد تقدم ذكره. ومنها ما روي عن المسيب بن رافع قال: كانوا إذا نزلت بهم قضية التي ليس فيها من رسول الله ﷺ أثر اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا. رواه الدارمي ورجال سنده كلهم رجال الصحيحين، إلا أن هشيماً كثير التدليس، وقد تابعه يزيد، قال الدارمي أخبرنا عبد الله أخبرنا يزيد عن العوام بهذا. ومنها ما روي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال:

стр. 345

أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاء فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ﷺ جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به، رواه الدارمي ورجال سنده كلهم موثقون. ومنها أثر عبد الله بن مسعود قال: أتى علنيا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك، وإن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في كتاب الله ، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله ﷺ ، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله ولم يقض به رسول الله ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون، ولا يقل إني أخاف وإني أرى، فإن الحرام بين والحلال بين، وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلى ما يريبك، رواه الدارمي، وفي سنده حريث بن ظهير قال الذهبي في الميزان: لا يعرف، وفيه سفيان وهو مدلس وقد عنعنه، وقد تابع حريثاً عبد الرحمن بن يزيد، وتابع سفيان شعبة وأبو عوانة وجرير. قال الدارمي في مسنده: أخبرنا يحيى بن حماد حدثنا شعبة عن سليمان عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير قال: أحسبه أن عبد الله قال: قد أتى علينا زمان وما نسأل وما نحن هناك، وإن الله قدر أن بلغت ما ترون، فإذا سئلتم عن شيء فانظروا في كتاب الله، فإن لم تجدوه في كتاب الله ففي سنة رسول الله ﷺ إن لم تجدوه في سنة رسول الله ﷺ فما أجمع عليه المسلمون، فإن لم يكن فيما اجتمع عليه المسلمون فاجتهد رأيك ولا تقل إني أخاف وأخشى، فإن الحلال بين والحرم بين، وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلا ما لا يريبك، حدثنا يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن سليمان عن عمارة ابن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله نحوه، أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا جرير عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بنحوه. اهـ. وقال النسائي في المجتبى: أخبرنا محمد بن العلاء قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة هو ابن عمير وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: أكثروا على عبد الله ذات يوم

стр. 346

فقال عبد الله: إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثم إن الله قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ ، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عيه وسلم ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه، ولا يقول إني أخاف وإني أخاف، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور متشبهات، فدع ما يريبك إلى ما يريبك، قال أبو عبد الرحمن١: هذا الحديث حديث جيد اهـ. ورواه النسائي من حديث حريث بن ظهير أيضاً. ومنها ما روى عن شريح عن عمر بن الخطاب كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلتفتك عنه٢ الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله ﷺ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله ﷺ فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله ﷺ ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت، إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك، رواه الدارمي ورواته كلهم موثقون. ورواه النسائي ولفظه هكذا: أخبرنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا سفيان عن الشيباني عن الشعبي عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله، فكتب إليه: أن أقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ولم

стр. 347

يقض به الصالحون فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك، والسلام عليكم. اهـ. ولكن ليس في شيء من تيك الأحاديث الدالة على مقصود الخصم من لزوم اتباع كل جمهور، لاحتمال أن يكون المراد ما أجمع عليه الأمة لا يكون كفراً، كما في حدث أبي هريرة الذي رواه ابن مردوية، أو يكون المراد لزوم جماعة أهل الحل والعقد أو يكون المراد ما أجمع عليه الفقهاء الصالحون وهم فقهاء أهل السنة والجماعة. قوله: ومما يعتقده هؤلاء المنكرون للزيارة والتوسل منع طلب الشفاعة من النبي ﷺ . أقول: لابد هناك أولاً من تحقيق لفظ الشفاعة، فاعلم أنه قال ابن الأثير في النهاية: قد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم، يقال: شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع، والمشفع الذي يقبل الشفاعة١ والمشفع الذي يقبل شفاعته. اهـ. وفي مجمع البحار: والشفاعة تكررت في الحديث، وتتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم، شفع فهو شافع وشفيع والمشفع من يقبلها والمشفع من يقبل شفاعته. اهـ. وقال البيضاوي: والشفاعة من الشفع كأن المشفوع له كان فرداً فجعله الشفيع شفعاً بضم نفسه إليه. اهـ. وقال في فتح البيان: والشفاعة مأخوذة من الشفع وهو الاثنان، تقول استشفعته أي سألته أن يشفع لي، أي يضم جاهه إلى جاهك عند المشفوع إليه ليصل النفع إلى المشفوع. اهـ. وقال الحافظ في فتح الباري: الاستشفاع طلب الشفاعة، وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرومه. اهـ.

стр. 348

إذا دريت هذا فاعلم أن شفاعة النبي ﷺ للمؤمنين ثابتة في الدنيا والآخرة، أما الشفاعة في الدنيا فقد قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره تحت هذه الآية: يرشد تعالى العصاة والمذنبين –إذا وقع منهم الخطأ والعصيان- أن يأتوا إلى الرسول ﷺ فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم. انتهى. قال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي: وهذه كانت عادة الصحابة معه ﷺ أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة جاء إليه فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي. اهـ. ويدل عليه ما روي عن كعب بن مالك في حديث طويل فيه: فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى. اهـ. وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وقال تعالى في سورة محمد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقال تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ –إلى قوله تعالى- فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى في سورة التوبة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قال الحافظ ابن كثير: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادع لهم واستغفر لهم كما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي ﷺ إذا أتى بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى ". اهـ. وفي فتح البيان قال ابن عباس ﵄: استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا

стр. 349

أصابوها، إن صلاتك رحمة لهم اهـ. وكذا نقل السيوطي في الإكليل. وقال تعالى فيها أيضاً: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ . قال السيوطي في الإكليل: فيه تحريم الصلاة على الكافر والوقوف على قبره، وأن دفنه جائز، ومفهومه وجوب الصلاة على المسلم ودفنه ومشروعية الوقوف على قبره والدعاء له والاستغفار. وقال تعالى فيها: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ . فإن مفهومه مشروعية الاستغفار للمؤمنين. ومن هذا القبيل دعاء النبي ﷺ لأبي سلمة حين مات بقوله: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه" رواه مسلم. ومنه صلاته ﷺ على الجنازة كما دعا على جنازة بقوله: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، واكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله في الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار" رواه مسلم. ولذا قال ﷺ : "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم" متفق عليه. وقال ﷺ : "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه". رواه مسلم. وأيضاً قال ﷺ : "ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه" رواه مسلم. ومن هذا القبيل قوله ﷺ إذا صلى على الجنازة: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام،

стр. 350

ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. ومنه قوله ﷺ في صلاة الجنازة: "اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم". رواه أبو داود وابن ماجه. ومنه ما روي عن النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة: "اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها إلى الإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر له". رواه أبو داود. ومنه ما روي أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم ثم سلوا له التثبيت فإنه الآن يسئل" رواه أبو داود. ومنه الأدعية المروية عنه ﷺ في زيارة القبور فإنها كلها من باب الشفاعة. ومنه دعاؤه ﷺ لبعض أصحابه كما دعا لأنس ﵁ فقال: "اللهم أكثر ماله وولده وأطل حياته واغفر له" أخرجه البخاري في الأدب المفرد قاله الحافظ في الفتح. ومنه دعاؤه ﷺ لعبيد أبي عامر بقوله: "اللهم اغفر لعبيد أبي عامر" ورأيت بياض إبطيه فقال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس". رواه البخاري. ومنه دعاؤه ﷺ للعباس وولده بقوله: "اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنباً" رواه الترمذي. ومنه ما روي عن جابر قال: استغفر لي رسول الله ﷺ خمساً وعشرين مرة، رواه الترمذي. ومنه قال لغفار: "غفر الله لها" رواه البخاري. ومنه قوله ﷺ : "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار" رواه البخاري.

стр. 351

ويدل على هذا القسم من الشفاعة قوله ﷺ لأبي جرى جابر بن سليم: "أنا رسول الله الذي إن أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك". وهذا القول في حديث طويل رواه أبو داود. ومنه دعاؤه ﷺ لبسر حين أخذ بلجام دابته وقال: ادع الله لنا، فقال: "اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم" رواه مسلم. ومنه استسقاؤه ﷺ لهم كما روى عن أنس بن مالك أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله، فدعا الله فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله تهدمت البيوت وانقطعت السبل وهلكت المواشي، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم على ظهور الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر" فانجبات عن المدينة انجياب الثوب. رواه البخاري. وعن ابن مسعود قال: إن قريشاً أبطأوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي ﷺ فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك هلكوا فادع الله تعالى، فقرأ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ الآية رواه البخاري في أبواب الاستسقاء. قال الحافظ في الفتح: ولم يقع في هذا السياق التصريح بأنه دعا لهم، وسيأتي هذا الحديث في تفسير سورة (ص) بلفظ "فكشف عنهم ثم عادوا" وفي سورة الدخان من وجه آخر بلفظ "فاستسقى لهم فسقوا" ونحوه في رواية أسباط المعلقة. اهـ. وهذا الضرب من الشفاعة حاصل للأنبياء الآخرين أيضاً، يدل عليه الآيات التي نتلوها عليك. قال الله تعالى في سورة يوسف: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ. قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . وقال تعالى في سورة إبراهيم:

стр. 352

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ وللملائكة١ أيضاً قال الله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ. رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ، وقوله تعالى في سورة الشورى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ، بل عامة المؤمنين مأذونون في هذه الشفاعة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . وعن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة" رواه الطبراني وإسناده جيد، كذا في مجمع الزوائد، وفي الباب عن أبي هريرة وأم سلمة وأبي الدرداء، ولكن في رواياتهم ضعف. وهي تكفي للتأييد. وهذا النوع من الشفاعة يجوز طلبه منه ﷺ بلا مرية، بأن يأتي أحد منهم النبي ﷺ في حياته ويستشفع به، لا أن يدعوه غائباً عنه، دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾ ، وقول الصحابة ﵃ وغيرهم لرسول الله ﷺ ادع الله لنا، وقوله ﷺ لعمر: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة وكان به بياض، فمره فليستغفر لكم" رواه مسلم.

стр. 353

فإذا جاز طلب هذا الضرب من الشفاعة من غير النبي ﷺ من أهل الخير والصلاح فالنبي ﷺ أولى به.

стр. 354

القسم الثاني من أقسام الشفاعة ... القسم الثاني شفاعته ﷺ في عالم البرزخ وفي الباب حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" قال: وقال رسول الله ﷺ : "حياتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم" رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، كذا في مجمع الزوائد. وقال القسطلاني في شرحه على صحيح البخاري: وفي حديث ابن مسعود عند البزار بإسناد جيد رفعه: "حياتي خير لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم" اهـ. ولا يخفى عليك أن كون رجال الحديث رجال الصحيح أو كون سنده جيداً لا يقتضي صحة الحديث وجودته لجواز أن يكون فيه انقطاع أو شذوذ أو علة أخرى. قال التقي السبكي في (شفاء الأسقام) : وقال بكر بن عبد الله المزني قال رسول الله ﷺ : "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم تعرض علي أعمالكم، فإن رأيت خيراً حمدت الله، وإن رأيت غير ذلك استغفرت الله لكم"، قال ابن عبد الهادي في (الصارم) : هذا خبر مرسل رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب (فضل الصلاة على النبي ﷺ وقد نقلنا عبارته فيما تقدم، ولو سلم ثبوت ذلك الحديث فليس فيه دلالة على جواز طلب الشفاعة منه ﷺ . وبالجملة فطلب هذه الشفاعة عند القبر أو بعيداً منه بدعة، لا يدل عليها دليل شرعي من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة. وأما ما روي أن الناس أصابهم قحط في خلافة عمر ﵁ فجاء بلال بن الحارث ﵁ الحديث، وكذا ما روي أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في زمن خلافته في حاجة فكان لا يلتفت إليه ولا ينظر إليه في حاجته،

стр. 355

فشكا ذلك لعثمان بن حنيف راوي الحديث، وكذا ما روي عن العتبي أنه قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليكم يا رسول الله، سمعت الله يقول. الحديث، فقد عرفت جوابه فيما تقدم فتذكر.
следующие страницы →