← Акыда

Акыда · id 12027

صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان

محمد بشير السهسواني

Полный текст (549 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ويدل على هذا القسم من الشفاعة قوله ﷺ لأبي جرى جابر بن سليم: "أنا رسول الله الذي إن أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك". وهذا القول في حديث طويل رواه أبو داود. ومنه دعاؤه ﷺ لبسر حين أخذ بلجام دابته وقال: ادع الله لنا، فقال: "اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم" رواه مسلم. ومنه استسقاؤه ﷺ لهم كما روى عن أنس بن مالك أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله، فدعا الله فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله تهدمت البيوت وانقطعت السبل وهلكت المواشي، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم على ظهور الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر" فانجبات عن المدينة انجياب الثوب. رواه البخاري. وعن ابن مسعود قال: إن قريشاً أبطأوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي ﷺ فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك هلكوا فادع الله تعالى، فقرأ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ الآية رواه البخاري في أبواب الاستسقاء. قال الحافظ في الفتح: ولم يقع في هذا السياق التصريح بأنه دعا لهم، وسيأتي هذا الحديث في تفسير سورة (ص) بلفظ "فكشف عنهم ثم عادوا" وفي سورة الدخان من وجه آخر بلفظ "فاستسقى لهم فسقوا" ونحوه في رواية أسباط المعلقة. اهـ. وهذا الضرب من الشفاعة حاصل للأنبياء الآخرين أيضاً، يدل عليه الآيات التي نتلوها عليك. قال الله تعالى في سورة يوسف: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ. قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . وقال تعالى في سورة إبراهيم:

стр. 352

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ وللملائكة١ أيضاً قال الله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ. رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ، وقوله تعالى في سورة الشورى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ، بل عامة المؤمنين مأذونون في هذه الشفاعة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . وعن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة" رواه الطبراني وإسناده جيد، كذا في مجمع الزوائد، وفي الباب عن أبي هريرة وأم سلمة وأبي الدرداء، ولكن في رواياتهم ضعف. وهي تكفي للتأييد. وهذا النوع من الشفاعة يجوز طلبه منه ﷺ بلا مرية، بأن يأتي أحد منهم النبي ﷺ في حياته ويستشفع به، لا أن يدعوه غائباً عنه، دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾ ، وقول الصحابة ﵃ وغيرهم لرسول الله ﷺ ادع الله لنا، وقوله ﷺ لعمر: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة وكان به بياض، فمره فليستغفر لكم" رواه مسلم.

стр. 353

فإذا جاز طلب هذا الضرب من الشفاعة من غير النبي ﷺ من أهل الخير والصلاح فالنبي ﷺ أولى به.

стр. 354

القسم الثاني من أقسام الشفاعة ... القسم الثاني شفاعته ﷺ في عالم البرزخ وفي الباب حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" قال: وقال رسول الله ﷺ : "حياتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم" رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، كذا في مجمع الزوائد. وقال القسطلاني في شرحه على صحيح البخاري: وفي حديث ابن مسعود عند البزار بإسناد جيد رفعه: "حياتي خير لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم" اهـ. ولا يخفى عليك أن كون رجال الحديث رجال الصحيح أو كون سنده جيداً لا يقتضي صحة الحديث وجودته لجواز أن يكون فيه انقطاع أو شذوذ أو علة أخرى. قال التقي السبكي في (شفاء الأسقام) : وقال بكر بن عبد الله المزني قال رسول الله ﷺ : "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم تعرض علي أعمالكم، فإن رأيت خيراً حمدت الله، وإن رأيت غير ذلك استغفرت الله لكم"، قال ابن عبد الهادي في (الصارم) : هذا خبر مرسل رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب (فضل الصلاة على النبي ﷺ وقد نقلنا عبارته فيما تقدم، ولو سلم ثبوت ذلك الحديث فليس فيه دلالة على جواز طلب الشفاعة منه ﷺ . وبالجملة فطلب هذه الشفاعة عند القبر أو بعيداً منه بدعة، لا يدل عليها دليل شرعي من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة. وأما ما روي أن الناس أصابهم قحط في خلافة عمر ﵁ فجاء بلال بن الحارث ﵁ الحديث، وكذا ما روي أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في زمن خلافته في حاجة فكان لا يلتفت إليه ولا ينظر إليه في حاجته،

стр. 355

فشكا ذلك لعثمان بن حنيف راوي الحديث، وكذا ما روي عن العتبي أنه قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليكم يا رسول الله، سمعت الله يقول. الحديث، فقد عرفت جوابه فيما تقدم فتذكر.

стр. 356

القسم الثالث من أقسام الشفاعة ... لقسم الثالث شفاعته ﷺ يوم القيامة وهي ثابتة بالكتاب والسنة، وطلبها من النبي ﷺ في حياته ﷺ ثابت بما روي عن أنس قال سألت النبي ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة فقال: "أنا فاعل" قلت: يا رسول الله فأين أطلبك؟ قال: "اطلبني أول ما تطلبني على الصراط" قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: "فاطلبني عند الميزان" قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: "فاطلبني على الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن" رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قلت: ورجاله رجال الصحيح، وكلهم ثقات، غير حرب بن ميمون أبي الخطاب فقد اختلف فيه، قال الذهبي في الميزان: بصري صدوق يخطئ١، قال أبو زرعة: لين. وقال يحيى بن معين: صالح، وقد وثقه علي بن المديني وغيره، وأما البخاري فذكره في الضعفاء، وما ذكر الذي بعده صاحب الأغمية٢، وقد خلط البخاري وابن عدي صاحب الأغمية بأبي الخطاب وجعلهما واحداً، والصواب أنهما اثنان، قال عبد الغني ابن سعيد: هذا مما وهم فيه البخاري، نبهني عليه الدارقطني. اهـ. ملخصاً، قال المؤلف وهو من رواة مسلم. وعن معاذ بن جبل وأبي موسى قالا: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلاً كان الذي يليه المهاجرون، قال فنزلنا فنام رسول الله ﷺ ونحن، قال فتعاررت بالليل أنا ومعاذ فنظرنا فلم نره، قال فخرجنا نطلبه فسمعنا هريراً كهرير الأرحاء إذا أقبل، فلما أقبل

стр. 357

نظر فقال: "ما شأنكم؟ " فقالوا: تنبهنا فلم نرك حيث كنت، خشينا أن يكون أصابك شيء فجئنا نطلبك، قال: "أتاني آت في منامي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة أو شفاعة، فاخترت لهم الشفاعة" فقلنا: إنا نسألك بحق الإسلام وبحق الصحبة لما أدخلتنا في شفاعتك، فدعا لهم، قال فاجتمع عليه الناس وقالوا مثل مقالتنا وكثر الناس فقال: "إني جاعل شفاعتي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً" رواه أحمد والطبراني بنحوه، وفي رواية عند أحمد: فقالا ادع الله يا رسول الله أن يجعلنا في شفاعتك، فقال: "أنتم ومن مات لا يشرك بالله شيئاً في شفاعتي" ورجالهما رجال الصحيح، غير عاصم بن أبي النجود وقد وثق وفيه ضعف، ورواه البزار باختصار، ولكن أبا المليح وأبا بردة لم يدركا معاذ بن جبل، كذا في مجمع الزوائد. وفي الباب عن أبي موسى رواه أحمد والطبراني وأحد أسانيد الطبراني رجاله ثقات. وعن مصعب الأسلمي قال: انطلق غلام منا فأتى النبي ﷺ فقال: أني سائلك سؤالاً، قال: "ما هو؟ " قال أسألك أن تجعلني ممن تشفع له يوم القيامة، قال: "من أمرك بهذا، ومن علمك هذا، ومن دلك على هذا؟ " قال ما أمرني به أحد إلا نفسي. قال: "فإنك ممن أشفع له يوم القيامة". رواه الطبراني ورجاله رحال الصحيح"، وعن عوف بن مالك الأشجعي رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها ثقات، وعن أبي بن كعب صاحب الحرير رواه الطبراني في الأوسط، وفيه علي بن قرة بن حبيب ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وهذا كله في مجمع الزوائد. وكذا طلب هذه الشفاعة من النبي ﷺ يوم القيامة أيضاً ثابت بأحاديث صحيحة مروية في الصحاح وغيرها: منها حديث أنس أن النبي ﷺ قال: "يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا بذلك فيقولون: لو استشفعنا ربنا فيريحنا من مكاننا. فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا" وهذا حديث طويل فيه: فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني

стр. 358

ما شاء الله أن يدعني، فيقول: ارفع محمد، وقل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه" الحديث متفق عليه. وأما طلبها من النبي ﷺ بعد الوفاة قبل يوم القيامة عند القبر أو بعيداً من القبر فبدعة، وأي ملجئ لنا إلى إحداث هذه البدعة؟ وقد ورد في الأحاديث الصحيحة من الأذكار والأعمال ما يكون سببا لاستحقاق الشفاعة ووجوبها ونزولها، كما في حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع النداء" اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" أخرجه البخاري وأهل السنن. وقد ورد في حديث أبي الدرداء في الباب طلب الشفاعة من الله تعالى لا من الرسول ﷺ ولفظه هكذا قال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع النداء قال: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، صل على عبدك ورسولك، واجعلنا في شفاعته يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ : "من قال هذا عند النداء جعله الله في شفاعتي يوم القيام " رواه الطبراني في الأوسط، وفيه صدقة بن عبد الله السمين ضعفه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم، ووثقه دحيم وأبو حاتم وأحمد بن صالح المصري، كذا في مجمع الزوائد. وكذا ورد في حديث ابن عباس أيضاً طلب الشفاعة من الله تعالى ولفظه هكذا: وعن ابن عباس أن نبي الله ﷺ قال: "من سمع النداء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وبلغه درجة الوسيلة عندك، واجعلنا في شفاعته يوم القيامة، وجبت له الشفاعة". رواه الطبراني في الكبير، وفيه إسحاق بن عبد الله بن كيسان لينه الحاكم وضعفه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات، كذا في مجمع الزوائد، وهاتان السنتان وأن كانتا ضعيفتين فالتمسك بهما خير من إحداث بدعة. وجملة القول أن طلب الشفاعة منه ﷺ في حياته ﷺ ثابت بلا شك، وكذلك

стр. 359

طلب الشفاعة منه ﷺ يوم القيامة، وهذا لا ينكره أحد، وأما ما يمنعه المانعون فهو طلب الشفاعة منه ﷺ بعد الوفاة قبل يوم القيامة، وهو غير ثابت، فعزو منع مطلق طلب الشفاعة إلى المانعين كما فعله صاحب الرسالة لا يخلو عن تلبيس وتدليس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) : فحينئذ فيقال أما التوسل والتوجه إلى الله وسؤاله بالأعمال الصالحة التي أمر بها كدعاء الثلاثة الذين أووا إلى الغار بأعمالهم الصالحة وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم، فهذا مما لا نزاع فيه، بل هو من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ . وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ . فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو طلب ما يتوسل به، أي يتوسل ويتقرب به إليه ، كان على وجه العبادة والطاعة وامتثال الأمر، أو كان على وجه السؤال له والاستعاذة به رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار. اهـ. وقال فيه: والمقصود هنا أن دعاء الله تعالى قد يكون دعاء عبادة لله يثاب العبد عليه في الآخرة مع ما يحصل له في الدنيا، وقد يكون دعاء مسألة يقضي به حاجته، ثم قد يثاب عليه إذا كان مما يحبه الله، وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة، وقد يكون سبباً لضرر دينه فيعاقب على ما ضيعه من حقوق الله وتعداه من حدوده، فالوسيلة التي أمر الله بابتغائها تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته، فالتوسل إليه بالأعمال الصالحة التي أمر بها وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم ليس هو من باب الإقسام عليه بمخلوقاته. ومن هذا الباب استشفاع الناس بالنبي ﷺ يوم القيامة فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله، كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم في الاستسقاء وغيره، وقول عمر ﵁: إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، معناه نتوسل إليك بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته، ليس المراد به أنا نقسم عليك به أو ما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبة كما يقول بعض الناس: أسألك بجاه فلان عندك، ويقولون:

стр. 360

إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه، ويروون حديثاً موضوعاً: إذا سألتم الله فاسئلوه بجاهي فإن جاهي عند الله عريض. فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه كما ذكر عمر ﵁ لفعلوا ذلك بعد موته ولم يعدلوا عنه إلى العباس مع علمهم بأن السؤال به والإقسام به أعظم من العباس، فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه هو مما يفعل بالأحياء دون الأموات وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي يطلب منه ذلك والميت لا يطلب منه شيء لا دعاؤه ولا غيره، وكذلك حديث الأعمى فإنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ليرد الله عليه بصره فعلمه النبي ﷺ دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه، وأمره أن يسأل الله قبول شفاعته، وأن قوله: أسألك التوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة أي بدعائه وشفاعته كما قال عمر: كنا نتوسل إليك بنبينا، فلفظ التوجه والتوسل في الحديثين بمعنى واحد، ثم قال: يا محمد يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه في، فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه. اهـ. وقال فيه: وأما قول الناس: أسألك بالله وبالرحم وقراءة من قرأ: ﴿تَسَأَلونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره يتوصل إليه بما يوجب صلة من القرابة التي بينهما ليس هو من باب الإقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب كالمتوسل بدعاء الأنبياء وبطاعتهم والصلاة عليهم. اهـ. وقال فيه: فالتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين: إما طاعتهم واتباعهم، وإما دعاؤهم وشفاعتهم، فمجرد دعائهم من غير طاعة منه لهم ولا شفاعة منهم له فلا ينفعه وإن عظم جاه أحدهم عند الله تعالى، وقد بسطت هذه المسائل في غير هذا الموضع، والمقصود هنا إذا كان السلف والأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما قد ذكر فكيف بسؤال المخلوق الميت، سواء سئل أن يسأل قضاء الحاجة ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس إما عند قبر الميت وإما مع غيبته. اهـ. وقال فيه: وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق طرفان ووسط: فالمشركون

стр. 361

ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب كالنصارى ومبتدعة هذه الأمة أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن، والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعة نبينا محمد ﷺ في أهل الكبائر من أمته، بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه، كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه، وأنكروا الشافعة بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ . وغير ذلك، وأما سلف الأمة وأئمتها ومن اتبعهم من أهل السنة والجماعة فاثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي ﷺ من شفاعته لأهل الكبائر من أمته وغير ذلك من أنواع شفاعته وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة، وقالوا إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، وأقروا بما جاءت به السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته والصدقة عنه بل والصوم عنه في أصح قولي العلماء كما ثبتت به السنة الصحيحة الصريحة١ وما كان في معنى الصوم. وقالوا إن الشفيع يطلب من الله ويسأله، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ – ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ - ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ . وقد ثبت في الصحيح أن سيد الشفعاء ﷺ إذا طلبت منه الشفاعة بعد أن تطلب الشفاعة من آدم وأولي العزم –نوح وإبراهيم وموسى وعيسى- فيردونها إلى محمد ﷺ العبد الذي غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال: "فأذهب إلى ربي، فإذا

стр. 362

خررت ساجداً فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقول: أي محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: رب أمتي أمتي فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة" وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ . قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون العزير، والمسيح، والملائكة، فأنزل الله هذه الآية، وقد أخبر فيها أن هؤلاء المسؤلين يتقربون إلى الله، ويرجون رحمته ويخافون عذابه. وقد ثبت في الصحيح أن أبا هريرة قال: يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: "يا أبا هريرة، لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله" فكلما كان الرجل أتم إخلاصاً لله، كان أحق بالشفاعة، وأما من علق قلبه بأحد من المخلوقين يرجوه ويخافه فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة، فشفاعة المخلوق عند المخلوق بإعانة الشافع للمشفوع له بغير إذن المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه وإما لخوفه منه فيحتاج أن يقبل شفاعته، والله تعالى غني عن العالمين، وهو وحده يدبر العالمين كلهم فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع في الشفاعة، وهو يقبل شفاعته، كما يلهم الداعي الدعاء ثم يجيب دعاءه، فالأمر كله له، فإذا كان العبد يرجو شفعاء من المخلوقين فقد لا يختار ذلك الشفيع، أن يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة ولا يقبل شفاعته. اهـ. قال ابن عبد الهادي في (الصارم) : وكذلك الشرك بأهل القبور لم يطمع الشيطان أن يوقعهم فيه، فلم يكن على عهدهم في الإسلام قبر نبي يسافر إليه ولا يقصد الدعاء عنده أو تطلب بركته أو شفاعته أو غير ذلك، بل أفضل الخلق محمد خاتم الرسل

стр. 363

صلوات الله وسلامه عليه وقبره عندهم محجوب لا يقصده أحد منهم بشيء من ذلك، وكذلك كان التابعون بإحسان ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وإنما تكلم العلماء والسلف في الدعاء للرسول ﷺ عند قبره: منهم من نهى عن الوقوف للدعاء له دون السلام عليه، ومنهم من رخص في هذا وهذا، ومنهم من نهى عن هذا وهذا، وأما دعاؤه وهو طلب استغفاره وشفاعته بعد موته فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين لا من الأئمة الأربعة ولا غيرهم. اهـ. وقال فيه أيضاً: ولم يذكر أحد منهم –أي المالكية– أنه استحب أن يسأل بعد الموت لا استغفاراً ولا غيره، وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا. اهـ. وقال فيه أيضاً: وقد أجدب الناس على عهد عمر بن الخطاب ﵁ فاستقى بالعباس، ففي صحيح البخاري عن أنس ﵁ أن عمر استسقى بالعباس ﵁ وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون، فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته، وهم إنما كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم فيدعو لهم ويدعون معه كالإمام والمأمومين من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق، ولما مات ﷺ توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به، ولهذا قال الفقهاء: يستحب الاستسقاء بأهل الخير والدين، والأفضل أن يكونوا من أهل بيت النبي ﷺ . وقد استسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجُرشي، وقال: اللهم نستسق بيزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يديك، فرع يديه ودعا الناس حتى أمطروا اهـ. ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده ولا به اهـ. وقال فيه أيضاً: واعلم أن قول الشارمساحي: إن قصد الانتفاع بالميت بدعة، صحيح، وهو سر الفرق بين الزيارة المشروعة وغيرها، فإن الزيارة التي شرعها الله ورسوله مقصودها نفع الميت والإحسان إليه، وأن يفعل عند قبره من جنس ما يفعل على نعشه من الدعاء والاستغفار والترحم عليه، فإن عمله قد انقطع وصار محتاجاً إلى

стр. 364

ما يصل إليه من نفع الأحياء له، ولهذا يقال عند زيارته ما علمه النبي ﷺ لأمته أن يقولوا إذا زاروا القبور ولو كان أهلها سادات أولياء الله وخيار عباده "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية" اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، فهذا من جنس الدعاء له عند الصلاة عليه، وهذا غير الدعاء به والدعاء عنده، فالمراتب ثلاثة. فالذي شرعه ورسوله للأمة الدعاء للميت عند الصلاة عليه، وعند زيارة قبره دون الدعاء به والدعاء عنده، وهذه سنته بحمد الله، إليها التحاكم والتخاصم، ولا التفات إلى تحكيم غيرها البتة كائناً ما كان. وأما انتفاع الزائر فليس بالميت بل بعمله، وهو زيارته ودعاؤه له والترحم عليه والإحسان إليه كما ينتفع المحسن بإحسانه، يوضحه أن الميت قد انقطع عمله الذي ينفع به نفسه، ولم يبق عليه منه إلا ما تسبب في حياته في شيء يبقى نفعه كالصدقة وتعليم العلم ودعاء الولد الصالح، فكيف يبقى عمله للحي وهو عمل لم يعمله له؟ وهل هذا إلا باطل شرعاً؟ ومن جعل زيارة الميت من جنس زيارة الفقير الغني لينال من بره وإحسانه فقد أتى بما هو من أعظم الباطل المتضمن لقلب الحقيقة والشريعة، ولو كان ذلك مقصوداً لزيارة لشرع من دعاء الميت والتضرع إليه، وسؤاله ما يناسب هذا المطلوب، ولكن هذا يناقض ما دعا إليه الرسول ﷺ من التوحيد وتجريده مناقضة ظاهرة، ولا ينبغي الاقتصار على ذلك بأنه بدعة، بل فتح لباب الشرك وتوسل إليه بأقرب وسيلة، وهل أصل عبادة الأصنام إلا ذلك، كما قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ . قال: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قومهم، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، فلما طال عليم الأمد عبدوهم، فهؤلاء لما قصدوا الانتفاع بالموتى قادهم ذلك إلى عبادة الأصنام. اهـ. وقال أيضاً فيه: وكذلك لم يكن أحد من الصحابة يأتيه فيسأله عند القبر عن

стр. 365

بعض ما تنازعوا فيه وأشكل عليهم من العلم، لا خلفاؤه الأربعة ولا غيرهم، مع أنهم أخص الناس به، حتى ابنته فاطمة ﵂، لم يطمع الشيطان فيهم فيقول لهم اطلبوا منه أن يدعو لكم بالمطر لما أجدبوا، ولا قال اطلبوا منه أن يستنصر لكم ولا أن يستغفر كما كانوا في حياته يطلبون منه أن يستسقي لهم، وأن يستغفر لهم، فلم يطمع الشيطان منهم بعد موته أن يطلبوا منه، ولا طمع بذلك في القرون الثلاثة، وإنما ظهرت هذه الضلالات ممن قل علمه بالتوحيد والسنة، فأضله الشيطان كما أضل النصارى في أمور لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه. اهـ. وقال فيه أيضاً: وهو لم يأمرهم ﷺ إذا كان لأحد حاجة أن يذهب إلى قبر نبي أو صالح فيصلي عنده ويدعوه أو يدعو بلا صلاة أو يسأله حوائجه أو يسأله أن يسأل ربه، فقد علم الصحابة أن رسول الله ﷺ لم يأمرهم بشيء من ذلك، ولا أمرهم أن يخصوا قبره أو حجرته لا بصلاة ولا دعاء لا له ولا لأنفسهم، بل قد نهاهم أن يتخذوا بيته عيداً. فلم يقل كما يقول بعض الشيوخ الجهال لأصحابه: إذا كان لكم حاجة فتعالوا إلى قبري، بل نهاهم عما هو أبلغ من ذلك أن يتخذوا قبره أو قبر غيره مسجداً يصلون فيه لله، ليسد ذريعة الشرك. اهـ. وأيضاً قال فيه: وهذه كانت عادة الصحابة معه ﷺ أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة جاء إليه فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، وكان هذا فرقاً بينهم وبين المنافقين، فلما استأثر الله بنبيه ﷺ ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن ينقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهتان. اهـ. وأيضاً قال فيه قال: ولم ينقل عن أحد منهم قط –وهم القدوة- بنوع من أنواع الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له ولا شكا إليه ولا سأله. اهـ. وقال الحافظ ابن القيم في (الإغاثة) : ومنها أن الذي شرعه رسول الله ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة والإحسان إلى المزور بالدعاء والترحم عليه

стр. 366

والاستغفار له وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسناً إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت وسؤال حوائجهم منه، فأساءوا إلى نفوسهم وإلى الميت. اهـ. وأيضاً قال فيه: فبدل أهل البدع والشرك قول غير الذي قيل لهم، فبدلوا١ الدعاء له بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به، وجعلوا الزيارة التي لتذكر الآخرة والإحسان إلى الميت بسؤال الميت والإقسام به على الله، وكيف يكون دعاء الموتى والدعاء عند قبورهم والاستشفاع بهم مشروعاً وعملاً صالحاً وتصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص الرسول ﷺ ثم يفوز به الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. اهـ. وأيضاً قال فيه: ولو كان للدعاء عند القبور والتبرك بها فضيلة لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علماً ودعوا عنده، فقد كانوا السابقين إلى كل خير، وكذلك التابعون كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، فما استغاثوا بقبر أحد منهم ولا دعوه، ولا دعوا به ولا دعوا عنده، ولا استشفعوا به، ولو كان ذلك منهم لنقل، أفيكون ذلك فضلاً حرمه خير القرون وجهلوه، وظفر به الخلوف وعلموه؟ أم كانوا عالمين به ولكنهم زهدوا فيه وقد كانوا أحرص الناس على الخير، لو لم يكن منافياً للشرع مع احتياج كل أحد إلى الدعاء سيما عند نزول الحوادث العظيمة به. اهـ. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرد على أهل مكة: فإذا كنا على جنازة ندعو له لا ندعوه، ونشفع له لا نستشفع به، فبعد الدفن أولى وأحرى، فبدل أهل الشرك قولاً غير الذي قيل لهم: بدلوا الدعاء له بدعائه، والشفاعة له بالتشفع به. انتهى. وقال أيضاً فيه: وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد

стр. 367

كثير وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند القبر ولا دعاه ولا استسقى به ولا استنصر به، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ولا الصلاة عندها. اهـ. وفي المختصر من الرسائل المؤلفة للشيخ محمد بن عبد الوهاب: ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم أنهم على هدى من ربهم مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئاً من أنواع العبادة لا حال الحياة ولا حال الممات، ونطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته بل ومن كل مسلم، فقد جاء في الحديث: "دعاء المسلم مستجاب لأخيه" الحديث١ وأمر النبي ﷺ عمر وعلياً سؤال الاستغفار لهما من أويس ففعلا، ونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة كما ورد أيضاً، ونسألها من الله المالك لها والآذن فيها لمن شاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها، كما ورد بأن يقول أحدنا متضرعاً إلى الله تعالى: اللهم شفع نبينا محمد ﷺ فينا يوم القيامة، واللهم شفع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك ونحو ذلك مما يطلب من الله لأمتهم، فلا يقال يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة وغيرها، وأدركني وأغثني وانصرني على عدوي أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله، فإذا طلب ذلك ممن ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من الكتاب ولا من السنة ولا حث من السلف الصالح على ذلك، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف أن ما ذكر شرك أكبر قاتل عليه رسول الله ﷺ . اهـ. قوله: ويقولون أن الله تعالى قد قال في كتابه العزيز: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ فالطالب للشفاعة لا يعلم حصول الإذن للنبي ﷺ في أنه يشفع له فكيف يطلب منه الشفاعة، ولا يعلم أنه ممن ارتضى، فكيف يطلب الشفاعة؟

стр. 368

أقول: دليل مانعي طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد الوفاة هو ما ذكر، ولم أر أحداً من المانعين أنهم ذكروا ما نقله صاحب الرسالة في هذا القول، وإنما هو من اختلاقات المؤلف. قوله: واحتجاجهم هذا مردود وباطل بالأحاديث الصحيحة الصريحة في حصول الإذن للنبي ﷺ بالشفاعة للمؤمنين. أقول: إن أراد أن الأحاديث الصحيحة الصريحة في أن يحصل الإذن للنبي ﷺ يوم القيامة بالشفاعة للمؤمنين فهذا لا ينكره أحد من أهل السنة والجماعة، وإن أراد أن الأحاديث الصحيحة صريحة في أن الإذن بالشفاعة يوم القيامة للمؤمنين حصل الآن فهذا غير مسلم، كيف وليس هناك حديث واحد يدل على هذه الدعوى فضلاً عن الأحاديث الصحيحة. قوله: وقد صحت الأحاديث بأنه ﷺ يشفع لم قال بعد الأذان، إلى قوله: وجاءت أحاديث صريحة في شفاعته لعصاة أمته. أقول: الثابت مما ذكر إنما هو نفس الشفاعة، وليس فيه تعرض لحصول الإذن الآن أو لعدمه. قوله: فثبت بهذا كله أن الشفاعة ثابتة ومأذون للنبي ﷺ فيها لكل من مات مؤمناً. أقول: ثبوت الشفاعة وحصول الإذن يوم القيامة مسلم ولكن لا ينكره أحد من أهل السنة الجماعة، وأما حصول الإذن الآن بالشفاعة التي تكون يوم القيامة فثبوته غير مسلم. قوله: فالطالب للشفاعة كأنه يتوسل إلى الله تعالى بالنبي ﷺ أن يحفظ عليه الإيمان إلى أن يتوفاه الله عليه فيدخل في شفاعة النبي ﷺ ويكون من أهلها. أقول: صورة طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد موته التي وقع النزاع في جوازه هي أن يقول أحدهم عن القبر أو بعيداً منه: يا رسول الله اشفع لي، أو يقول يا رسول الله أسألك الشفاعة، ولا يخفاك أن هذه العبارة لا تدل بواحدة من الدلالات الثلاث

стр. 369

المطابقة والتضمن والالتزام على التوسل المذكور، ولو كان مقصود هذا القائل التوسل المحض إلى الله كما زعم صاحب الرسالة لكان حقاً عليه أن يقول: اللهم صلي على محمد واجعلنا في شفاعته يوم القيامة، أو نحوه، وبالجملة فالتأويل الذي ذكره صاحب الرسالة باطل لا يغني عن شيء. قوله: ومما يعتقده هؤلاء المنكرون للزيارة والتوسل منع النداء للميت والجماد، ويقولون إن ذلك كفر وإشراك وعبادة لغير الله تعالى. أقول: المانعون لنداء الميت والجماد وكذا الغائب إنما يمنعونه بشرطين: (الأول) : أن يكون النداء حقيقياً لا مجازياً. و (الثاني) : أن يقصد ويطلب به من المنادى ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع وكشف الضر. مثلاً يقال: يا سيدي فلان اشف مريضي وارزقني ولداً، ولا مرية أن هذا النداء هو الدعاء، والدعاء هو العبادة، فكيف يشك مسلم في كونه كفراً وإشراكاً وعبادة لغير الله؟ وأما إذا قصد بهذا النداء أن يدعو الميت والجماد والغائب في حضرة الرب تعالى للمنادين (بالكسر) فنداء الميت بعيداً عن القبر وكذا نداء الغائب يقتضي اعتقاد علم الغيب بذلك الميت والغائب، واعتقاد علم الغيب لغير الله تعالى شرك وكفر مع أنه من محدثات الأمور، وأما نداء الجماد والأموات بهذا القصد فإن لم يكن كفراً وشركاً فلا أقل من أن يكون بدعة وحمقاً، وأما إذا لم يقصد بالنداء لا جلب النفع وكشف الضر ولا الدعاء من المنادين (بالفتح) للمنادين (بالكسر) في حضرة الرب فيكون النداء الحقيقي جنوناً وسفهاً، وأما النداء المجازي فلا يمنعه أحد. قوله: وحاصل الرد عليهم أن النداء قد يسمي دعاء كما في قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ لكنه لا يسمى عبادة، فليس لك دعاء عبادة، ولو كان كل نداء وكل دعاء عبادة لشمل ذلك نداء الأحياء والأموات فيكون كل نداء ممنوعاً مطلقاً سواء كان للأحياء والأموات أم للحيوانات والجمادات وليس الأمر كذلك.

стр. 370

أقول: قد عرفت أن مراد المانعين للنداء ليس مطلق النداء بل النداء الحقيقي الذي يقصد به من المنادى ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع وكشف الضر، ولا مرية في أنه عبادة، وكونه عبادة وممنوعاً لا يقتضي كون كل نداء ممنوعاً، حتى يلزم منه عدم جواز نداء الأحياء فيما يقدرون عليه. قوله: وإنما النداء الذي يكون عبادة هو نداء من يعتقد ألوهيته واستحقاقه للعبادة فيرغبون إليه ويخضعون بين يديه. أقول: لا ريب في أن من ينادي أحداً نداء حقيقياً ويقصد به من المنادى ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع وكشف الضر فهو يعتقد استحقاقه العبادة١ وإلا لم يصدر منه هذا النداء الذي هو الدعاء وهو من أفراد العبادة، على أن مطلق ارتكاب فعل أو قول أو عمل مما يعد من العبادة هو العبادة ولا يتوقف كونه عبادة على اعتقاد ألوهيته، ومن يدعى ذلك فعليه البيان. قوله: فالذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد ألوهية غير الله أو اعتقاد التأثير لغير الله تعالى.

стр. 371

أقول فيه كلام من وجهين: (الأول) : أن اعتقاد ألوهية غير الله واستحقاقه للعبادة متحقق فيما نحن فيه. و (الثاني) : أن هذا الحصر غير مسلم، كيف ومجرد ارتكاب فعل أو قول أو اعتقاد لغير الله مما يعد من العبادة من الدعاء والذبح والنذر والخوف والرجاء والخشية والإنابة والتوكل أيضاً موقع في الإشراك سواء وجد معه اعتقاد ألوهية غير الله أم لا١. قوله: وقد ورد في أحاديث كثيرة نداء الأموات والجمادات. أقول: كون هذا النداء نداء حقيقياً يطلب به من المنادى (بالفتح) ما لا يقدر عليه إلا الله غير مسلم، ومن يدعي فعليه البرهان. قوله: فقولهم كل نداء دعاء وكل دعاء عبادة غير صحيح على إطلاقه وعمومه. أقول: نسبة هذه الكلية والإطلاق والعموم إلى المانعين إفك قديم وبهتان عظيم. قوله: ولو كان الأمر كذلك لامتنع نداء الحي والميت، فإنهما مستويان في أن كلاً منهما لا تأثير له في شيء. أقول: فيه خلل من وجهين: (الأول) : أن لزوم امتناع نداء الحي والميت كان على تقدير الكلية والإطلاق والعموم، وقد عرفت أنه افتراء بحت. و (الثاني) : أن تجشم المؤلف لإثبات الملازمة بين المقدم والتالي بقوله: "فإنهما مستويان" مستغنى عنه ولا مدخل لهذا القول في إثبات الملازمة، وأن الملازمة على تقدير تسليم الكلية مما لا خفاء له. قوله: فإن قالوا إن نداء الحي والطلب منه لشيء من الأشياء إنما هو لكونه قادراً

стр. 372

على فعل ذلك الشيء الذي طلب منه، وأما الميت والجماد فإنه عاجز ولا قدرة له على فعل شيء من الأشياء، فنقول لهم: اعتقادكم أن الحي قادر على بعض الأشياء يستلزم اعتقادكم أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وهو اعتقاد فاسد –إلى قوله– فيستوي الحي والميت والجماد في أن كلاً منهم لا خلق له ولا تأثير١ والمؤثر هو الله تعالى وحده. أقول: (أولاً) معارضة أن اعتقادكم أن الحي لا يقدر على شيء يستلزم اعتقادكم أن العبد مجبور محض لا اختيار له، وهو اعتقاد فاسد ومذهب باطل. (وثانياً) خلا أنا لا نسلم أن اعتقاد أن الحي قادر على بعض الأشياء يستلزم اعتقاد أن العبد يخلق أفعال نفسه، كيف والفرق بين القدرة والخلق جلي واضح لا يخفى على من له أدنى بصيرة؟ وقد مر تحقيق هذه المقالة فيما سلف بما لا مزيد عليه، فتذكر. قوله: والأحاديث التي رد فيها النداء للأموات والجمادات من غير اعتقاد الألوهية والتأثير كثيرة: منها حديث الأعمى الذي تقدمت روايته عن عثمان بن حنيف ﵁ فإن فيه: يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك. وتقدم أن الصحابة ﵃ استعملوا ذلك الدعاء بعد وفاته ﷺ . أقول: الجواب على حديث الأعمى على وجوه: (الأول) أن الحديث ضعيف، لأن في سنده عيسى بن أبي عيسى ماهان أبا جعفر الرازي التميمي وقد ضعفه أحمد والنسائي وأبو حاتم والفلاس وابن حبان وأبو زرعة كما ظهر فيما تقدم من عبارة الذهبي.

стр. 373

و (الثاني) أن هذا نداء مجازي يطلب به استحضار المنادَى في القلب فيخاطب المشهود بالقلب كما يقول المصلي "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" قاله الشيخ ابن تيميه ﵀ في (اقتضاء الصراط المستقيم) . و (الثالث) أن الأعمى إنما طلب من النبي ﷺ أن يدعو له في حياته وحضرته، والدعاء في الحياة مما يقدر عليه النبي ﷺ ، ولما كان طلب الدعاء من كل مسلم في الحياة مشروعاً فما ظنك بسيد المرسلين والشافعين؟ وأما ما روى الطبراني من أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في زمن خلافته في حاجته فكان لا يلتفت إليه ولا ينظر إليه في حاجته، فشكا ذلك لعثمان بن حنيف، الحديث، فهذا وإن كان دالاً على أن هذا الدعاء استعمل بعد وفاته ﷺ ولكن في سنده روح بن صلاح وقد ضعفه ابن عدي كما تقدم. قوله: وحديث بلال بن الحارث المتقدم أيضاً فإن فيه أنه جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله استسق لأمتك، ففيه النداء بعد وفاته ﷺ والخطاب بالطلب أن يستسقي لأمته. أقول: قد تقدم أن الحديث رواه سيف بن عمرو الضبي في الفتوح، وهو ضعيف جداً حتى أن ابن حبان قال: اتهم بالزندقة. قوله: ومن ذلك الأحاديث الواردة في زيارة القبور، فإن في كثير منها النداء والخطاب كقوله: السلام عليكم يا أهل القبور، السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ففيها نداء وخطاب، وهي أحاديث كثيرة لا حاجة إلى الإطالة بذكرها. أقول: أحاديث زيارة القبور وإن كان فيها النداء ولكن ليس فيه طلب شيء من الأموات، والكلام في النداء الذي يطلب فيه ما لا يقدر عليه إلا الله. قوله: وتقدم أن السلف والخلف من أهل المذاهب الأربعة استحبوا للزائر أن يقول تجاه القبر الشريف: يا رسول الله إني جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي.

стр. 374

أقول: العمدة في الباب ما جاء عن العتبي وهو مما لا تقوم به الحجة كما تقدم، واستحباب أهل المذاهب الأربعة سلفهم وخلفهم ذلك بعد التسليم ليس من الحجة في شيء١. قوله: وقد جاءت صورة النداء أيضا في التشهد الذي يقرؤه الإنسان في كل صلاة حيث يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. أقول: كون النداء حقيقياً هناك ممنوع، وليس فيه طلب شيء فلم يكن مما نحن فيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) : وقوله يا محمد يا نبي الله، هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب فيخاطب المشهود بالقلب كما يقول المصلي السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، والإنسان يفعل مثل هذا كثيراً، يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب. اهـ. قال الحافظ في الفتح: فإن قيل ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قول "عليك أيها النبي" مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق كأن يقول: "السلام على النبي" فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي ثم إلى تحية النفس ثم إلى الصالحين؟ أجاب الطيبي بما محصله نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علمه الصحابة، ويحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة، وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". اهـ.

стр. 375

وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ فيقال بلفظ الخطاب، وما بعده فيقال بلفظ الغيبة، وهو مما يخدش في وجه الاحتمال المذكور، ففي الاستئذان من صحيح البخاري من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد قال: وهو بين ظهرانينا فلما قبض قلنا السلام يعني على النبي، كذا وقع في البخاري، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبهاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: فلما قبض قلنا السلام على النبي بحذف لفظ يعني، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم. قال السبكي في شرح المنهاج بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانه وحده: إن صح هذا عن الصحابة دل على أن الخطاب في السلام بعد النبي ﷺ غير واجب فيقال: "السلام على النبي". قلت: قد صح بلا ريب، وقد وجدت له متابعاً قوياً، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن بجريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي ﷺ حي: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي، وهذا إسناد صحيح. اهـ. وقال محمد الزرقاني في شرح الموطأ: لكن المقرر في الفروع إنما يقال: "السلام عليك أيها النبي". ولو بعد وفاته اتباعاً لأمره وتعليمه فتمت النكتة. اهـ. قلت: ليس المراد بضمير قلنا جميع الصحابة، فهذا عمر ﵁ كان يعلم الناس على المنبر التشهد وفيه السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، رواه مالك في الموطأ والطحاوي في شرح معاني الآثار ومحمد بن الحسن في موطئه، وهذه عائشة ﵂ كانت تقول في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، رواه مالك في الموطأ بسندين ومحمد بن الحسن في موطئة والطحاوي في معاني الآثار، وهذا عبد الله بن الزبير يعلم الناس التشهد على المنبر وفيه السلام عليك أيها النبي، رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار، وهذا أبو بكر ﵁ يعلم التشهد على المنبر

стр. 376

كما تعلمون الصبيان الكتاب، وفيه السلام عليك أيها النبي، رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار. وقد اختلفت الرواية عن ابن عمر ﵄، ففي موطأ مالك السلام على النبي، وفي موطأ محمد بن الحسن السلام عليك أيها النبي بكاف الخطاب ولفظ أيها، وهكذا في شرح معاني الآثار للطحاوي. وكذلك اختلفت الرواية عن عبد الله بن مسعود، ففي الاستئذان من صحيح البخاري قال: فلما قبض قلنا السلام يعني على النبي، وقال محمد بن الحسن في موطئه بعد ما روى تشهد ابن مسعود عن النبي ﷺ : وفيه السلام عليك أيها النبي، وكان عبد الله ابن مسعود ﵁ يكره أن يزاد فيه حرف أو ينقص فيه حرف. انتهى. وروى الطحاوي عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله يأخذ علينا الواو في التشهد، وروى عن المسيب بن رافع قال: سمع عبد الله رجلاً يقول في التشهد بسم الله التحيات لله فقال له عبد الله أتأكل؟ وروى عن إبراهيم أن الربيع بن خثيم لقى علقمة فقال: إنه بدا لي أن أزيد في التشهد ومغفرته، فقال له علقمة: تنتهي إلى ما علمناه. وروى عن إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد فقلت إن أبا الأحوص قد زاد في خطبة الصلاة: والمباركات، قال: فأته فقل له إن الأسود ينهاك ويقول لك إن علقمة ابن قيس تعلمهن من عبد الله كما يتعلم السورة من القرآن، عدهم عبد الله في يده ثم ذكر تشهد عبد الله، اهـ ما في الطحاوي بحذف الأسانيد. وروى سعيد بن منصور من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي ﷺ علمهم التشهد فذكره فقال ابن عباس: إنما كنا نقول السلام عليك أيها النبي إذ كان حياً، فقال ابن مسعود هكذا علمنا وكذا نعلم، كذا في الفتح، ثم قال الحافظ: لكن رواية أبي معمر أصح، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والإسناد إليه مع ذلك ضعيف. اهـ. قلت: وإن كانت رواية أبي عبيدة ضعيفة لكن تكفي للتأييد، وقال في مجمع الزوائد: وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان يتشهد، قال فكنا نحفظ عن

стр. 377

رسول الله ﷺ كما نحفظ حروف القرآن: الواوات والألفات إذا جلس على وركه اليسرى، رواه الطبراني في الكبير هكذا، وله عند البزار عن الأسود قال: كان عبد الله يعلمنا التشهد في الصلاة فيأخذ علينا الألف والواو، وفي إسناد الطبراني زهير بن مروان الرقاشي ولم أجد من ذكره، وإسناد البزار رجاله رجال الصحيح. اهـ. وكذلك اختلفت الرواية عن ابن عباس، فقد روى الطحاوي أن عطاء قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول مثل ما سمعت ابن الزبير يقول، وقد تقدم رواية ما قال ابن الزبير على المنبر وقت تعليم التشهد وفيها: السلام عليك أيها النبي، وروى سعيد ابن منصور ما تقدم آنفاً نقله من الفتح من أن ابن عباس قال: إنما كنا نقول السلام عليك أيها النبي إذ كان حياً. فقد علم مما ذكرنا أن الصحابة ﵃ لم يكونوا متفقين بعد وفاة رسول الله ﷺ على ترك الخطاب، والأحادايث المرفوعة كلها فيها لفظ الخطاب، وقد ورد به الأمر وما يدل على تأكد أمره، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "فإذا صلى أحدكم فليقل التحيات ". ورواه أيضاً مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي والطحاوي ومحمد بن الحسن في موطئه، وفي رواية البخاري وغيره: "لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام ولكن قولوا التحيات لله" وفي رواية: "علمني رسول الله ﷺ وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن"، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ورواه أيضاً أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ ، وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات". ورواه أيضاً أبو داود وابن ماجه، وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلي قال: لقيني كعب بن عجرة فقال ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي ﷺ خرج علينا فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ الحديث، ورواه أيضاً مسلم وأبو داود.

стр. 378

وعن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ الحديث، وفي آخره "والسلام كما علمتم" رواه مسلم والدارمي، وروى الطحاوي عن عبد الله أنه قال: أخذت التشهد من فيّ رسول الله ﷺ ولقننيها كلمة كلمة. اهـ. وروى النسائي عن عبد الله قال: كنا لا ندري ما نقوله في كل ركعتين غير أن نسبح ونكبر ونحمد ربنا، وإن محمداً ﷺ علم فواتح الخير وخواتمه فقال: "إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات" الحديث، وفي رواية له قال: كنا لا ندري ما نقول إذا صلينا فعلمنا نبي الله ﷺ جوامع الكلم فقال لنا: "قولوا التحيات لله" الحديث، وفي آخره: قال عبيد الله قال زيد عن حماد عن إبراهيم عن علقمة قال: لقد رأيت ابن مسعود يعلمنا هؤلاء الكلمات كما يعلمنا القرآن. اهـ. ورواه الطحاوي وأبو داود ولفظه: وكان رسول الله ﷺ قد علم –وفي رواية له وكان يعلمنا– كلمات ولم يكن يعلمناهن كما يعلمنا التشهد، وفي صحيح مسلم عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فلما كان عند القعدة قال رجل من القوم: أقرّت (أي قرنت) الصلاة بالبر والزكاة، قال: فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم انصرف فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرمَّ القوم، ثم قال أيكم القال كلمة كذا وكذا؟ فأرم القوم، فقال لعلك يا حطان قلتها، قال ما قلتها، ولقد رهبت أن تبكعني بها١، فقال رجل من القوم: أنا قلتها ولم أرد بها إلا الخير، فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله ﷺ خطبنا فيبن لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا. الحديث، وفي آخره: "وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات". وقد تقدم نقله. فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كلمات التشهد توقيفية لا يتصرف فيها بالزيادة

стр. 379

والنقصان، وترك بعض الصحابة الخطاب بعد وفاته ﷺ لا يصلح معارضاً لتلك الأحاديث المرفوعة الصحيحة، فالقول ما قال الزرقاني: فعلى هذا لا بد ههنا من بيان توجيه الخطاب، فنقول فيه احتمالات: (الأول) ما قال في المرقاة قال ابن الملك: روى أنه ﷺ لما عرج به أثنى على الله تعالى بهذه الكلمات فقال الله تعالى "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". فقال ﷺ "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال جبرائيل: أشهد أن لا إله إلا الله الخ. اهـ. وبه يظهر وجه الخطاب وأنه على حكاية معراجه ﷺ في آخر الصلاة التي هي معراج المؤمنين. اهـ. ويشير إلى هذا المروي القسطلاني حيث قال في شرح التشهد: السلام أي السلامة من المكاره، أو السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء، أو الذي سلمه الله عليك ليلة المعراج. اهـ. وقال في (مسك الختام، شرح بلوغ المرام) بالفارسية ما معربه: ووجه الخطاب إبقاء هذا الكلام على ما كان في الأصل، فإن ليلة المعراج قد خاطب الله تعالى رسوله بالسلام فأبقاه النبي ﷺ وقت تعليم الأمة على ذلك الأصل ليكون ذلك مذكراً لتلك الحال اهـ. وتمام بيان القصة مع شرح ألفاظ التشهد في (الإمداد) كذا في رد المحتار، وهذا المروي لم أقف على سنده فإن كان ثابتاً فنعم التوجيه هذا، ونظيره ما ورد في حديث أم سلمة في (الإمداد) قال رسول الله ﷺ "إنما هي أربعة أشهر وعشراً". رواه البخاري، قال الحافظ في الفتح: كذا في الأصل بالنصب على حكاية لفظ القرآن. اهـ. قلت: كذلك الخطاب في التشهد على حكاية سلام الله ليلة المعراج، ومن هذا القبيل ما وقع في حديث سبيعة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها من قولها: فولدت قبل أن يمضي بها أربعة أشهر وعشراً من وفاة زوجها، بنصب عشراً١، ومن قول

стр. 380

أبي السنابل لعلك تريدين النكاح قبل أن يمر عليك أربعة أشهر وعشراً بالنصب، رواه النسائي وهذه الحكاية لا يقتضي أن يكون معناها مراداً لقائله على أنه هو قائله، وأن يكون مقصوده مجرد حكاية كلام الآخر فلا يرد عليه ما في المجتبى وغيره من الكتب الفقيهة، ويقصد بألفاظ التشهد معانيها مرادة له على وجه الإنشاء كأنه يحيي الله تعالى ويسلم على نبيه وعلى نفسه وأوليائه، لا الإخبار عن ذلك، ذكره في المجتبى اهـ. ولعلك قد تفطنت من ههنا أن المراد بالإنشاء والإخبار في هذا القول ليس ما هو مصطلح علماء البيان، بل المراد بالإنشاء قول القائل على أنه هو قائله أعم من أن يكون ذلك القول إنشاء أو إخباراً في الاصطلاح، والمراد بالإخبار مجرد نقل قول الغير وحكايته، على أن كلام الفقهاء هذا مما لا دليل عليه، فلو قصد الإخبار عن السلام وحكايته ولم يقصد الإنشاء فأي محذور فيه؟ فإن الإخبار عن السلام سلام كما أن الإخبار عن الحمد حمد، بل هذا أتم وأكمل، فإن فيه إشارة إلى أن المصلي كأنه يعترف بأنه لا يقدر على سلام النبي ﷺ كما ينبغي ويليق بشأن الرسول ﷺ وحقه فيقتصر على حكاية سلام الله تعالى على حبيبه١، وقد علم أن الاعتراف بالعجز على آلاء الله تعالى من أكمل أفراد الشكر، فكذلك الاعتراف بالعجز عن سلام النبي ﷺ ن أكل أفراد السلام فيحصل الامتثال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ

стр. 381

وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ . على تقدير الحكاية والإخبار أيضاً، وكيف لا يحصل الامتثال بالأمر بهذه الحكاية وقد علمها الله نبيه ﷺ وعلم نبيه أمته؟ و (الثاني) أن هذا الخطاب علمه النبي ﷺ الحاضرين من الصحابة أولاً ثم أبقى على حاله، وأمثال هذا كثير في الشرع، منها الرمل فإنه كان أولاً للصحابة الذين قال المشركون فيهم "إنه يقدم عليكم وفد وهنهم حمى يثرب" ومن ثم قال عمر ﵁ ما لنا وللرمل إنما كنا رأينا المشركين وقد أهلكم الله ثم أبقى على غيرهم، ولذا قال عمر ﵁ بعده: شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه، ومنها رمي الجمار إذ أصله رمي الخليل ﵇ الشيطان عند الجمار لما عرض له عندها بالإغواء للمخالفة في ذبح الولد. قال الإمام أحمد: حدثنا شريح ويونس قالا حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل عن ابن عباس ﵄، أنه قال: لما أمر إبراهيم ﵊ بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي فسابقه فسبقه إبراهيم ﵇ ثم ذهب به جبرائيل إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، ثم تله للجبين وعلى إسماعيل ﵇ قميص أبيض، فقال له: يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره فأخلعه حتى تكفنني فيه، فعالجه ليخلصه، فنودي من خلفه: ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ . فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين، كذا في تفسير ابن كثير وفي معالم التنزيل. وروى أبو الطفيل عن ابن عباس ﵄ عن إبراهيم لما أمر بذبح ابنه عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله : ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ . اهـ. ومنها قصر الصلاة في السفر فإنه شرع للخوف، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ

стр. 382

فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . وروى مسلم في صحيحه عن يعلى قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". اهـ. وقال الحافظ في الفتح: قيل هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها بسبب ثم زال السبب وبقي الحكم كالرمل، وفي جواب عمر إشارة إليه، وروى السراج من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي حنظلة وهو الحذاء لا يعرف اسمه قال: سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال: فقلت إن الله قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ . ونحن آمنون؟ فقال: سنة النبي ﷺ ، وهذا يرجح ما قيل اهـ ملخصاً، ولعل هذا الاحتمال أراد الطيبي حيث قال: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علمه الصحابة الحاضرين. و (الثالث) ما ذكره الطيبي من أنه يحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان: إن المصلين الخ. وقد سبق نقل عبارته فيما تقدم من الفتح، وحاصله أن الخطاب والنداء مجازي، ولعل شيخ الإسلام ابن تيميه أراد هذا المعنى أو نحوه حيث قال: هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب فيخاطب المشهود بالقلب اهـ. وقد نقل عبارته فيما تقدم. و (الرابع) أنه ﷺ نصبُ العين للمؤمنين، وقرة العين للعابدين، دائماً في جميع الأحوال والأوقات سيما حالة العبادة، فإن النورانية والانكشاف في هذه الحال أكثر وأقوى، كذا في مسك الختام. ويؤيد هذا المعنى ما ورد في الحديث الصحيح في عذاب القبر من أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ ، رواه البخاري من حديث أنس بن مالك.

стр. 383

قال القسطلاني: وعبر بذلك امتحاناً لئلا يتلقن تعظيمه من عبارة القائل، والإشارة في قوله "هذا" لحاضر فقيل: يكشف للميت حتى يرى النبي ﷺ ، وهي بشرى عظيمة للمؤمن إن صح ذلك، ولا نعلم حديثاً صحيحاً مروياً في ذلك، والقائل به إنما استند لمجرد أن الإشارة لا تكون إلا لحاضر، لكن يحتمل أن تكون الإشارة لما في الذهن فيكون مجازاً اهـ. وهذا الاحتمال أيضاً يؤول إلى أن هذا الخطاب والنداء مجازي. و (الخامس) ما قاله بعض العرفاء أن هذا الخطاب وجهه سريان الحقيقة المحمدية عليها الصلاة والسلام في ذرائر الموجودات، وأفراد الممكنات، فهو ﷺ موجود في ذوات المصلين، فلابد للمصلي أن يتنبه إلى هذا المعنى، ولا يغفل عن هذا الشهود، ليتنور بأنوار القرب وأسرار المعرفة، ذكره صاحب مسك الختام. قلت: هذا مما لا دليل عليه من الكتاب والسنة، بل عسى أن يكون باطلاً فلا يصغي إليه١. وتحقيق المقام يقتضي تمهيداً، وهو أن تشهده ﷺ كان مثل ما علم الأمة فيقول ﷺ في التشهد "السلام عليك أيها النبي" ما أمر الأمة. قال الطحاوي في (شرح معاني الآثار) : حدثنا محمد بن حميد أبو قرة قال حدثنا سعيد بن أبي مرج قال أخبرنا ابن لهيعة قال حدثني الحارث بن يزيد أن أبا أسلم المؤذن حدثه أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول: إن تشهد رسول الله ﷺ الذي كان يتشهد به "بسم الله وبالله خير الأسماء، التحيات الطيبات الصلوات لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم اغفر لي واهدني". اهـ.

стр. 384

وفي مجمع الزوائد عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان يتشهد في الصلاة، قال فكنا نحفظ عن رسول الله ﷺ كما نحفظ حروف القرآن الواوات والألفات إذا جلس على وركه اليسرى. رواه الطبراني في الكبير هكذا. وأيضاً في مجمع الزوائد عن أبي الورد أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول: إن تشهد رسول الله ﷺ كان يتشهد "ببسم الله وبالله خير الأسماء، التحيات الطيبات الصلوات لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، السلام عليك أيها النبي الكريم ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم اغفر لي واهدني". رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط وزاد فيه: وحده لا شريك له، وقال في آخره: هذا في الركعتين الأوليين، ومداره على ابن لهيعة وفيه كلام. اهـ وأيضاً في مجمع الزوائد: وعن عبد الله بن مسعود قال: علمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها قال فكان يقول إذا جلس في وسط الصلاة، وفي آخرها على وركه اليسرى: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". قال ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده ما شاء الله أن يدعو ثم يسلم. قلت: هو في الصحيح باختصار عن هذا، رواه أحمد ورجاله موثقون، ورواه بسند آخر وقال بعد قوله "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" قال: "فإذا قضيت هذا –أو فعلت هذا– فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد". رواه الطبراني في الأوسط، وبين أن ذلك من قول ابن مسعود من قوله: فإذا فرغت عن هذا فقد قضيت صلاتك، كذلك لفظه عند الطبراني، ورجال أحمد موثقون اهـ. وبعض هذه الروايات وإن كانت ضعيفة لكن تكفي للتأييد. وفي (المواهب) وشرحها للسيد محمد الزرقاني نقلاً عن النووي بعد ذلك ألفاظ التشهد ما نصه: وفي هذا فائدة حسنة وهي أن تشهده ﵇ بلفظ تشهدنا. اهـ.

стр. 385

ويقوي هذا أن النبي ﷺ مأمور بجميع ما أمر به أمته، إلا ما ورد فيه دليل دال على أنه ﷺ خارج عنه، والأمة مأمورة بالسلام لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ . والسلام كان مجملاً فوقع قوله ﷺ "فإذا صلى أحدكم فليقل التحيات لله" اهـ. وقوله "ولكن قولوا التحيات لله" اهـ. رواهما البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود بياناً له، وليس هناك دليل يدل على أنه ﷺ خارج عن هذا الحكم، فعلم منه أن تشهد النبي ﷺ كان مثل تشهدنا، وأيضاً هذا التشهد عام للحاضرين من الصحابة والغائبين والموجودين في زمن النبي ﷺ ولمن جاءوا بعده، إذ الخطاب في قوله "إذا صلى أحدكم" وقوله "ولكن قولوا" يشمل الحاضرين والغائبين والموجودين والمعدومين إلى يوم القيامة، مثل سائر الخطابات الوادرة في الوضوء والصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها، وليس هنك حديث يدل على أن للغائبين والمعدومين تشهداً آخر غير هذا التشهد. إذا عرفت هذا فقد علمت بطلان الاحتمالات الأربعة الأخيرة، والملازمة ظاهرة فلا نطول الكلام ببيانها، فوجه الخطاب حينئذ إما الاحتمال الأول إن ثبت ما روي فيه وإلا فهو مما لم نؤت علمه، فينبغي لنا أن لا نبحث فيه ونكل أمره إلى الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ . وإذاً يكون هذا الخطاب معدولاً عن العقل والقياس، فيكون مقصوراً على مورده، فلا يقتضي هذا الخطاب جواز خطابه ﷺ وندائه في غير تشهد الصلاة. قوله: وصح عن بلال بن الحارث ﵁ أنه ذبح شاة عام القحط المسمى الرمادة فوجدها هزيلة، فصار يقول: وامحمداه، وامحمداه. أقول: فيه كلام من وجهين: (الأول) أن دعوى صحة هذا الأثر مفتقرة إلى إقامة الحجة عليها، ودونها لا يلتفت إليها.

стр. 386

و (الثاني) أن هذا ليس نداء بل ندبة، كما تقرر في مقره من أن "وا" إنما تدخل على المندوب لا على المنادى، فإن قلت: المندوب عند البعض داخل في المنادى، فالجواب أن من يدخله في المنادى فالجواب أن من يدخله في المنادى فإنما يدخله في المنادى الحكمي لا الحقيقي، فلم يكن مما نحن فيه في شيء. قوله: وصح أيضاً أن أصحاب النبي ﷺ لما قاتلوا مسليمة الكذاب كان شعارهم: وامحمداه وامحمداه. أقول: الكلام عليه بوجهين: (الأول) أن القول بصحة هذا الأثر كلام بلا دليل فلا يقبل. و (الثاني) أن هذا مندوب أو منادى حكمي فلم يكن مما نحن فيه في شيء. قوله: وفي (الشفاء) للقاضي عياض أن عبد الله بن عمر ﵁ خدلت رجله مرة فقيل له اذكر أحب الناس إليك، فقال: وامحمداه فانطلقت رجله. أقول فيه كلام من وجوه: (الأول) أن نص الشفاء هكذا: وروي أن عبد الله بن عمر خدرت رجله فقيل له: اذكر أحب الناس إليك يزل عنك، فصاح: يا محمداه، فانتشرت. اهـ. فالمؤلف قد أخطأ في نقل هذه العبارة القصيرة في مواضع، فكتب خدلت وإنما هي خدرت، وزاد لفظ مرة قبل فقيل، وحذف لفظ يزل عنك، وبدل لفظ فقال مكان فصاح، ولفظ وا موضع يا، ولفظ فانطلقت رجله محل فانتشرت، ولعل الخطأ الأول من الناسخ، ولفظ الحديث في الأذكار هكذا: عن الهيثم بن حبش قال: كنا عند عبد الله بن عمر فخدرت رجله، فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك، فقال: يا محمد ﷺ فكأنما نشط من عقال اهـ. قال في النهاية: ومنه حديث ابن عمر أنها خدرت رجله فقيل له ما لرجلك؟ فقال اجتمع عصبها، قيل اذكر أحب الناس إليك فقال يا محمد فبسطها اهـ. أخرجه ابن السني في (عمل اليوم والليلة) وكذا في (الحصن الحصين) و (منهال الصفا في تخريج أحاديث الشفا) .

стр. 387

و (الثاني) المطالبة بإثبات صحة هذا الأثر أو حسنه ودونه لا يصغى إليه. و (الثالث) أن هذا ليس نداء حقيقياً، إنما هو ندبة أو نداء مجازي. قوله: وجاء الخطاب والنداء للجمادات في أحاديث كثيرة، منها أنه ﷺ كان إذا نزل أرضاً قال "يا أرض، ربي وربك الله" فهذا نداء وخطاب لجماد، ولا كفر ولا إشراك فيه، إذ ليس فيه اعتقاد ألوهية واستحقاق عبادة ولا اعتقاد تأثير لغير الله تعالى. أقول: هذا الخطاب والنداء مجازي، وقد تقدم شيء من بيانه، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك الحديث. قوله: وقد ذكر الفقهاء في آداب السفر أن المسافر إذا انفلتت دابته بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله احبسوا، وإذا أضل شيئاً أو أراد عوناً فليقل: يا عباد الله أعينوني أو أغيثوني فإن لله عباداً لا نراهم، واستدل الفقهاء على ذلك بما رواه ابن السني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا، فإن لله عباداً يجيبونه" ففيه نداء وطلب نفع. أقول: هذا الحديث ضعيف، قال في مجمع الزوائد: وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا، فإن لله حاضراً في الأرض ليحسبه". رواه أبو يعلى والطبراني، وفيه معروف بن حسان وهو ضعيف اهـ. قال الذهبي في الميزان: معروف بن حسان أبو معاذ السمرقندي عن عمر بن ذر، قال ابن عدي: منكر الحديث، قد روى عن عمر بن ذر نسخة طويلة كلها غير محفوظة، وقال قاسم بن حنبل السرخسي حدثنا إسحاق بن إسماعيل السمرقندي حدثنا معروف بن حسان عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من ربى شجرة كان له كأجر قائم الليل صائم النهار، كأجر غاز في سبيل الله دهره". اهـ. وعلى تقدير ثبوته ففيه نداء للأحياء وطلب منهم ما يقدرون عليه، وهذا مما

стр. 388

لا نزاع في جوازه، والعجب من المؤلف أنه ذكر هذا الحديث في باب الخطاب والنداء للجمادات، وعباد الله الذين وقع ذكرهم في الحديث ليسوا بجمادات. قوله: وفي حديث آخر رواه الطبراني أنه ﷺ قال: "إذا ضل أحدكم شيئاً أو أراد عوناً وهو بأرض ليس فيها أنيس فليقل: يا عباد الله أعينوني" وفي رواية "أغيثوني، فإن لله عباداً لا ترونهم" قال العلامة ابن حجر في حاشيته على (إيضاح المناسك) : وهو مجرب كما قاله الراوي للحديث المذكور. أقول: قال في (مجمع الزوائد) وعن عتبة بن غزوان عن نبي الله ﷺ قال: "إذا ضل أحدكم شيئاً –أو أراد أحدكم عونا- وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أعينوني، يا عباد الله أعينوني، يا عباد الله أعينوني، فإن لله عباداً لا نراهم" وقد جرب ذلك، رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم، إلا أن زيد بن علي لم يدرك عتبة. اهـ. فالحديث ضعيف بسبب الانقطاع، فادعاء المؤلف فيما تقدم صحته ليس بشيء، وعلى تقدير ثبوته فليس فيه إلا نداء الأحياء، والطلب منهم مما يقدر هؤلاء الأحياء عليه، وذلك مما لا يجحده أحد، وذكر هذا الحديث أيضاً في نداء الجمادات دال على أن ذاكره ليس له حظ من العقل. قلت: وفي الباب عن ابن عباس ﵄ قال في مجمع الزوائد: وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله ملائكة في الأرض -سوى الحفظة- يكتبون ما سقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم شيء بأرض فلاة فليناد: أعينوني عباد الله" رواه البزار ورجاله ثقات. اهـ. قلت: كون الرجال ثقات لا يقتضي صحة الحديث أو حسنه، لاحتمال أن يكون فيه انقطاع أو شذوذ، وعلى تقدير ثبوت الحديث فالثابت منه جواز نداء الأحياء أو طلب ما يقدرون عليه منهم، وذلك لا ينكره أحد. قوله: وروى أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان

стр. 389

رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال: "يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك ومن شر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن شر ساكن البلد، ووالد وما ولد". أقول: هكذا قال النووي في الأذكار، رواه أبو داود وغيره، وعزاه صاحب المشكاة إلى أبي داود فقط ورمز له في الحصن الحصين (د، س، مس) وهو دال على أنه أخرجه أبو داود في سننه والنسائي والحاكم في المستدرك. وقال في نزل الأبرار: قلت: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والحاكم في المستدرك من حديث ابن مسعود وقال صحيح الإسناد. اهـ. قلت: وإني راجعت سنن أبي داود والمجتبى والترمذي فما وجدته إلا في سنن أبي داود ونصه هكذا: حدثنا عمرو بن عثمان أخبرنا بقية حدثني صفوان حدثني شريح بن عبيد عن الزبير بن الوليد عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال: "يا أرض ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكني البلد ومن والد وما ولد". اهـ. وفي هذا السند الزبير بن الوليد وهو مجهول، لأنه تفرد عنه شريح بن عبيد، كذا في الميزان، قال في الخلاصة: وثقه ابن حبان، وقال الحافظ في التقريب: مقبول. قلت: قد عرفت فيما تقدم أن توثيق ابن حبان لا اعتداد به، وأن التعديل بلفظ مقبول من أدنى مراتب التعديل، وحكمه أنه يكتب حديثه للاعتبار لا للاحتجاج به. قوله: وروى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ والدارمي عن طلحة ابن عبيد الله ﵁ أنه ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "ربي وربك الله" ففيه خطاب للجماد. أقول: رمز لهذا الحديث في الحصن الحصين (ت. حب. مي) وهو يدل على أنه أخرجه الترمذي وابن حبان في صحيحه والدارمي، وعزاه صاحب المشكاة إلى الترمذي من حديث طلحة، وقد راجعت الترمذي والدارمي، فنص الترمذي هكذا:

стр. 390

حدثنا محمد بن بشار أخبرنا أبو عامر العقدي أخبرنا سليمان بن سفيان المديني قال حدثني بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه عن جده طلحة بن عبيد الله أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله"، هذا حديث حسن غريب، هذا آخر كلام الترمذي. ولفظ الدارمي هكذا: أخبرنا سعيد بن سليمان عن عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم حدثني أبي عن أبيه وعمه عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: "الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما يحب ربنا ويرضى، ربنا وربك الله" أخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي وإسحاق بن إبراهيم العقدي حدثنا سليمان بن سفيان المديني عن بلال بن يحيى بن طلحة عن أبيه عن طلحة قال: كان النبي ﷺ إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله" هذا آخر كلام الدارمي. فعلم من هنا أن الترمذي إنما أخرجه من حديث طلحة بن عبيد الله لا من حديث ابن عمر، والدارمي أخرجه من حديث ابن عمر أولاً ثم من حديث طلحة، فعزو رواية حديث ابن عمر إلى الترمذي وعدم عزو رواية حديث طلحة إليه والقصر على عزو رواية حديث طلحة إلى الدارمي كما فعله المؤلف خطأ بين دال على غاية قصور باعه في علم الحديث، وحديث طلحة حسنه الترمذي وفي تحسينه نظر، فإن في سنده سليمان بن سفيان المديني قال الذهبي: سلميان بن سفيان أبو سفيان المدني عن عبد الله ابن دينار، وبلال بن يحيى قال ابن عين: ليس بشيء وقال مرة: ليس بثقة، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم والدارقطني: ضعيف، العقدي حدثنا سليمان بن سفيان حدثنا بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن بأبيه عن جده أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا بالأمن والأمان والإسلام ربي وربك الله". اهـ. وأيضاً: في سنده بلال بن يحيى، قال الحافظ في التقريب بلال بن يحيى بن طلحة ابن عبيد الله التميمي المدني لين. وحديث ابن عمر أيضاً ضعيف، لأن سنده عثمان بن إبراهيم الحاطبي، قال الذهبي في الميزان: عثمان ابن إبراهيم الحاطبي مدني رأى ابن عمر، له ما ينكر.
следующие страницы →