و (الثاني) أن هذا ليس نداء بل ندبة، كما تقرر في مقره من أن "وا" إنما تدخل على المندوب لا على المنادى، فإن قلت: المندوب عند البعض داخل في المنادى، فالجواب أن من يدخله في المنادى فالجواب أن من يدخله في المنادى فإنما يدخله في المنادى الحكمي لا الحقيقي، فلم يكن مما نحن فيه في شيء.
قوله: وصح أيضاً أن أصحاب النبي ﷺ لما قاتلوا مسليمة الكذاب كان شعارهم: وامحمداه وامحمداه.
أقول: الكلام عليه بوجهين:
(الأول) أن القول بصحة هذا الأثر كلام بلا دليل فلا يقبل.
و (الثاني) أن هذا مندوب أو منادى حكمي فلم يكن مما نحن فيه في شيء.
قوله: وفي (الشفاء) للقاضي عياض أن عبد الله بن عمر ﵁ خدلت رجله مرة فقيل له اذكر أحب الناس إليك، فقال: وامحمداه فانطلقت رجله.
أقول فيه كلام من وجوه:
(الأول) أن نص الشفاء هكذا: وروي أن عبد الله بن عمر خدرت رجله فقيل له: اذكر أحب الناس إليك يزل عنك، فصاح: يا محمداه، فانتشرت. اهـ.
فالمؤلف قد أخطأ في نقل هذه العبارة القصيرة في مواضع، فكتب خدلت وإنما هي خدرت، وزاد لفظ مرة قبل فقيل، وحذف لفظ يزل عنك، وبدل لفظ فقال مكان فصاح، ولفظ وا موضع يا، ولفظ فانطلقت رجله محل فانتشرت، ولعل الخطأ الأول من الناسخ، ولفظ الحديث في الأذكار هكذا: عن الهيثم بن حبش قال: كنا عند عبد الله بن عمر فخدرت رجله، فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك، فقال: يا محمد ﷺ فكأنما نشط من عقال اهـ. قال في النهاية: ومنه حديث ابن عمر أنها خدرت رجله فقيل له ما لرجلك؟ فقال اجتمع عصبها، قيل اذكر أحب الناس إليك فقال يا محمد فبسطها اهـ. أخرجه ابن السني في (عمل اليوم والليلة) وكذا في (الحصن الحصين) و (منهال الصفا في تخريج أحاديث الشفا) .
стр. 387
و (الثاني) المطالبة بإثبات صحة هذا الأثر أو حسنه ودونه لا يصغى إليه.
و (الثالث) أن هذا ليس نداء حقيقياً، إنما هو ندبة أو نداء مجازي.
قوله: وجاء الخطاب والنداء للجمادات في أحاديث كثيرة، منها أنه ﷺ كان إذا نزل أرضاً قال "يا أرض، ربي وربك الله" فهذا نداء وخطاب لجماد، ولا كفر ولا إشراك فيه، إذ ليس فيه اعتقاد ألوهية واستحقاق عبادة ولا اعتقاد تأثير لغير الله تعالى.
أقول: هذا الخطاب والنداء مجازي، وقد تقدم شيء من بيانه، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك الحديث.
قوله: وقد ذكر الفقهاء في آداب السفر أن المسافر إذا انفلتت دابته بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله احبسوا، وإذا أضل شيئاً أو أراد عوناً فليقل: يا عباد الله أعينوني أو أغيثوني فإن لله عباداً لا نراهم، واستدل الفقهاء على ذلك بما رواه ابن السني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا، فإن لله عباداً يجيبونه" ففيه نداء وطلب نفع.
أقول: هذا الحديث ضعيف، قال في مجمع الزوائد: وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا، فإن لله حاضراً في الأرض ليحسبه". رواه أبو يعلى والطبراني، وفيه معروف بن حسان وهو ضعيف اهـ. قال الذهبي في الميزان: معروف بن حسان أبو معاذ السمرقندي عن عمر بن ذر، قال ابن عدي: منكر الحديث، قد روى عن عمر بن ذر نسخة طويلة كلها غير محفوظة، وقال قاسم بن حنبل السرخسي حدثنا إسحاق بن إسماعيل السمرقندي حدثنا معروف بن حسان عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من ربى شجرة كان له كأجر قائم الليل صائم النهار، كأجر غاز في سبيل الله دهره". اهـ.
وعلى تقدير ثبوته ففيه نداء للأحياء وطلب منهم ما يقدرون عليه، وهذا مما
стр. 388
لا نزاع في جوازه، والعجب من المؤلف أنه ذكر هذا الحديث في باب الخطاب والنداء للجمادات، وعباد الله الذين وقع ذكرهم في الحديث ليسوا بجمادات.
قوله: وفي حديث آخر رواه الطبراني أنه ﷺ قال: "إذا ضل أحدكم شيئاً أو أراد عوناً وهو بأرض ليس فيها أنيس فليقل: يا عباد الله أعينوني" وفي رواية "أغيثوني، فإن لله عباداً لا ترونهم" قال العلامة ابن حجر في حاشيته على (إيضاح المناسك) : وهو مجرب كما قاله الراوي للحديث المذكور.
أقول: قال في (مجمع الزوائد) وعن عتبة بن غزوان عن نبي الله ﷺ قال: "إذا ضل أحدكم شيئاً –أو أراد أحدكم عونا- وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أعينوني، يا عباد الله أعينوني، يا عباد الله أعينوني، فإن لله عباداً لا نراهم" وقد جرب ذلك، رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم، إلا أن زيد بن علي لم يدرك عتبة. اهـ.
فالحديث ضعيف بسبب الانقطاع، فادعاء المؤلف فيما تقدم صحته ليس بشيء، وعلى تقدير ثبوته فليس فيه إلا نداء الأحياء، والطلب منهم مما يقدر هؤلاء الأحياء عليه، وذلك مما لا يجحده أحد، وذكر هذا الحديث أيضاً في نداء الجمادات دال على أن ذاكره ليس له حظ من العقل.
قلت: وفي الباب عن ابن عباس ﵄ قال في مجمع الزوائد: وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله ملائكة في الأرض -سوى الحفظة- يكتبون ما سقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم شيء بأرض فلاة فليناد: أعينوني عباد الله" رواه البزار ورجاله ثقات. اهـ.
قلت: كون الرجال ثقات لا يقتضي صحة الحديث أو حسنه، لاحتمال أن يكون فيه انقطاع أو شذوذ، وعلى تقدير ثبوت الحديث فالثابت منه جواز نداء الأحياء أو طلب ما يقدرون عليه منهم، وذلك لا ينكره أحد.
قوله: وروى أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان
стр. 389
رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال: "يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك ومن شر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن شر ساكن البلد، ووالد وما ولد".
أقول: هكذا قال النووي في الأذكار، رواه أبو داود وغيره، وعزاه صاحب المشكاة إلى أبي داود فقط ورمز له في الحصن الحصين (د، س، مس) وهو دال على أنه أخرجه أبو داود في سننه والنسائي والحاكم في المستدرك. وقال في نزل الأبرار: قلت: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والحاكم في المستدرك من حديث ابن مسعود وقال صحيح الإسناد. اهـ.
قلت: وإني راجعت سنن أبي داود والمجتبى والترمذي فما وجدته إلا في سنن أبي داود ونصه هكذا: حدثنا عمرو بن عثمان أخبرنا بقية حدثني صفوان حدثني شريح بن عبيد عن الزبير بن الوليد عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال: "يا أرض ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكني البلد ومن والد وما ولد". اهـ.
وفي هذا السند الزبير بن الوليد وهو مجهول، لأنه تفرد عنه شريح بن عبيد، كذا في الميزان، قال في الخلاصة: وثقه ابن حبان، وقال الحافظ في التقريب: مقبول. قلت: قد عرفت فيما تقدم أن توثيق ابن حبان لا اعتداد به، وأن التعديل بلفظ مقبول من أدنى مراتب التعديل، وحكمه أنه يكتب حديثه للاعتبار لا للاحتجاج به.
قوله: وروى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ والدارمي عن طلحة ابن عبيد الله ﵁ أنه ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "ربي وربك الله" ففيه خطاب للجماد.
أقول: رمز لهذا الحديث في الحصن الحصين (ت. حب. مي) وهو يدل على أنه أخرجه الترمذي وابن حبان في صحيحه والدارمي، وعزاه صاحب المشكاة إلى الترمذي من حديث طلحة، وقد راجعت الترمذي والدارمي، فنص الترمذي هكذا:
стр. 390
حدثنا محمد بن بشار أخبرنا أبو عامر العقدي أخبرنا سليمان بن سفيان المديني قال حدثني بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه عن جده طلحة بن عبيد الله أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله"، هذا حديث حسن غريب، هذا آخر كلام الترمذي.
ولفظ الدارمي هكذا: أخبرنا سعيد بن سليمان عن عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم حدثني أبي عن أبيه وعمه عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: "الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما يحب ربنا ويرضى، ربنا وربك الله" أخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي وإسحاق بن إبراهيم العقدي حدثنا سليمان بن سفيان المديني عن بلال بن يحيى بن طلحة عن أبيه عن طلحة قال: كان النبي ﷺ إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله" هذا آخر كلام الدارمي.
فعلم من هنا أن الترمذي إنما أخرجه من حديث طلحة بن عبيد الله لا من حديث ابن عمر، والدارمي أخرجه من حديث ابن عمر أولاً ثم من حديث طلحة، فعزو رواية حديث ابن عمر إلى الترمذي وعدم عزو رواية حديث طلحة إليه والقصر على عزو رواية حديث طلحة إلى الدارمي كما فعله المؤلف خطأ بين دال على غاية قصور باعه في علم الحديث، وحديث طلحة حسنه الترمذي وفي تحسينه نظر، فإن في سنده سليمان بن سفيان المديني قال الذهبي: سلميان بن سفيان أبو سفيان المدني عن عبد الله ابن دينار، وبلال بن يحيى قال ابن عين: ليس بشيء وقال مرة: ليس بثقة، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم والدارقطني: ضعيف، العقدي حدثنا سليمان بن سفيان حدثنا بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن بأبيه عن جده أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا بالأمن والأمان والإسلام ربي وربك الله". اهـ.
وأيضاً: في سنده بلال بن يحيى، قال الحافظ في التقريب بلال بن يحيى بن طلحة ابن عبيد الله التميمي المدني لين.
وحديث ابن عمر أيضاً ضعيف، لأن سنده عثمان بن إبراهيم الحاطبي، قال الذهبي في الميزان: عثمان ابن إبراهيم الحاطبي مدني رأى ابن عمر، له ما ينكر.
стр. 391
وقال أبو حاتم: روى عن أبيه أحاديث منكرة اهـ. وأيضاً سنده عبد الرحمن ابن عثمان الحاطبي، قال الذهبي في الميزان: ضعفه أبو حاتم الرازي.
قلت: وحديث ابن عمر رواه الطبراني أيضاً، قال في مجمع الزوائد: وعن ابن عمر قال: كان رسو ل الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا بالأمن والأمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله" رواه الطبراني، وفيه عثمان بن إبراهيم الحاطبي وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات. اهـ.
وفي الباب حديث أنس بن مالك فيه أيضاً خطاب وهو ضعيف أيضاً، قال في مجمع الزوائد: وعن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه كان إذا رأى الهلال قال: "هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقك فعدلك"، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أحمد بن عيسى اللخمي، وبقية رجاله ثقات. اهـ.
وفي سنن أبي داود حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا أبان أخبرنا قتادة أنه بلغه أن نبي الله ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقتك" ثلاث مرات ثم يقول: "الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا" ... اهـ.
قلت: وهذا أيضاً ضعيف لأنه مرسل، وفي بعض نسخ أبي داود قال أبو داود: ليس عن النبي ﷺ في هذا الباب حديث مسند صحيح اهـ. وعلى تقدير ثبوت الحديث الذي ذكره المؤلف فالخطاب فيه مجازي والمقصود بالخطاب فيه غير المخاطب كما تقدم.
قوله: وصح أنه لما توفي ﷺ أقبل أبو بكر ﵁ حين بلغه الخبر فدخل على رسول الله ﷺ فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى وقال: بأبي وأمي طبت حياً وميتاً، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك. وفي رواية للإمام أحمد فقبل جبهته ثم قال: وانبياه. ثم قبلها ثانياً وقال واصفياه، ثم قبلها ثالثاً وقال: واخليلاه، ففي ذلك نداء وخطاب له ﷺ بعد وفاته.
стр. 392
أقول: لا يخفى عليك أن لفظ "بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً والله الذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً" رواه البخاري من حديث عائشة ﵂ في حديث طويل في مناقب الصديق ﵁، وفيه خطاب لكن هذا الخطاب مجازي من جنس ما يخاطبون المندوب ويعدون محاسنه الواقعية، كما روي عن ابن عباس، يقول: وضع عمر على سريره فتكففه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلا رجل أخذ منكبي فإذا علي بن أبي طالب، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحداً أحب إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كنت كثيراً أسمع النبي ﷺ يقول: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر".
وكما روي عن أنس ﵁ أنه لما مات ﷺ قالت فاطمة: يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. رواه البخاري، قال الحافظ في الفتح فيؤخذ منه أن تلك الألفاظ إذا كان الميت متصفاً بها لا يمنع ذكره لها بعد موته، بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهراً وهو في الباطن بخلافه أو لا يتحقق اتصافه بها فيدخل في المنع. اهـ.
ويؤيد هذا المعنى قوله ﵁: بأبي أنت وأمي، فإن حقيقة التفدية لا تتصور بعد الموت، فكما أن المراد بالتفدية معناها المجازي كذلك الخطاب، وأيضاً يؤيده قوله ﵁: وانبياه، واصفياه، واخليلاه، فإن لفظ "وا" لا تستعمل في النداء، إنما تستعمل في الندبة، ويحتمل أن يكون ذلك الخطاب والنداء مثل الخطاب والنداء الواقعين في الأحاديث الواردة في زيارة القبور، والتوجيه فيه مثل ما ذكر في الأحاديث المذكورة.
بقي قوله ﵁ اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك، وظاهره مشكل، فإن فيه نداء مع الطلب من الميت هو غير جائز عندنا، والجواب هو الكلام في ثبوت هذا اللفظ، فإني لا أعلم أحداً رواه بسند صحيح أو حسن خال عن العلة، إنما ذكره صاحب المواهب بغير سند، وعبارته هكذا: وقال ابن المنير: لما مات صلى الله عليه وسلم
стр. 393
طاشت العقول، فمنهم من خبل، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من أخرس فلم يطق الكلام، ومنهم من أضنى. وكان عمر ممن خبل، وكان عثمان ممن أخرس يذهب ويجيء ولا يستطيع كلاماً، وكان علي ممن أقعد فلم يستطع حراكاً، وأضنى عبد الله بن أنيس فمات كمداً، وكان أثبتهم أبو بكر جاء وعيناه تهملان، وزفراته تتردد، وغصصه تتصاعد وترتفع، فدخل على النبي ﷺ فأكب عليه، وكشف الثوب عن وجهه وقال: طبت حياً وميتاً، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء قبلك، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، ولو أن موتك كان اختيارياً لجدنا لموتك بالنفوس، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك، هكذا ذكره صاحب المواهب بلا سند، ولم يتعرض شارحه العلامة محمد بن عبد الباقي الزرقاني أيضاً لسنده بل هناك قرينة تدل على أنه ليس من كلام الصديق ﵁ وهي أن الله تعالى حرم على الأمة نداءه باسمه، قال تعالى: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً﴾ أي لا تجعلوا دعاءه وتسميته كنداء بعضكم بعضاً باسمه ورفع الصوت به والنداء وراء الحجرات، ولكن قولوا: يا رسول الله يا نبي الله، مع التوقير والتواضع وخفض الصوت، فكيف يقول أفضل الأمة بعد الرسول ﷺ "يا محمد"؟ ومن ثم وقع لفظ "يا نبي الله" في قول الصديق ﵁ في حديث عائشة الذي رواه البخاري في الجنائز ولفظه هكذا: "ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين إلا الموتة التي كتبت عليك فقد متها.
قال بعض المحققين١ في الرد على كتاب (جلاء الغمة) : وفي نفس هذا الأثر الذي أورده ما يرد عليه من وجوه: (منها) : قوله اللهم أبلغه عنا، فإذا سأل الله أن يبلغ نبيه عنهم فكيف يقول بعدها اذكرنا يا محمد عند ربك؟ وهل هذا إلا عكس ما قبله؟ ومن دون أبي بكر يتحاشى العاقل من نسبته إليه، فكيف بصديق الأمة؟
стр. 394
وقد ثبت في الصحيح وغيره أن الشهداء قالوا: ألا بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، ولم يأتي أحد من أصحاب النبي ﷺ إلى شهيد من الشهداء وطلب منه أن يبلغ عنه ربه، وهم أجل وأفقه من ذلك، فكيف بالصديق ﵁ فإذا جاءت السنة بأن الله هو الذي يبلغ عمن عنده من الشهداء فكيف يعكس القضية ويجعل النبي ﷺ هو الذي يبلغ ربه؟ هذا لو صح سنده، فكيف وهو عمن لا يحتج به؟ قال بن السكن: سيف بن عمر ضعيف، وقال أبو حاتم: قعقاع بن عمرو قال: شهدت وفاة رسول الله ﷺ . هذا فيما رواه سيف بن عمر بن عمرو بن تمام عن أبيه عنه، وسيف متروك فبطل الحديث. اهـ.
وعلى تقدير ثبوت اللفظ المذكور فلا يبعد كل البعد أن يكون هذا النداء والطلب كلاهما مجازيين كما يتصور الحبيب كثيراً حبيبه في نفسه فيخاطبه بأمور ويطلب منه أشياء، ولا يقصد هناك إلى مجرد التذاذ نفسه بتلك التصورات والألفاظ لا معانيها الحقيقية، أو يكون المقصود بالخطاب غير المخاطب كما تقدم فكأنه خاطب الله وطلب منه أن يجعل نبيه ذاكرنا عنده تعالى وشفيعنا لديه، وهذان الاحتمالان وإن كانا لا يخلوان عن بعد، لكنهما ليسا بأبعد من الاحتمالات التي وضعها المؤلف لتصحيح كلام المشركين.
قوله: ولما تحقق عمر ﵁ وفاته ﷺ بقول أبي بكر ﵁ قال هو يبكي: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد كان لك جذع تخطب الناس عليه، فلما كثروا واتخذت منبرا لتسمعهم حن الجذع لفراقك حتى جعلت يدك عليه فسكن، فأمتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم –إلى قوله- فانظر إلى هذه الألفاظ التي نطق بها عمر ﵁ فقد تعدد فيها النداء له ﷺ بعد وفاته، وقد رواها كثير من أئمة الحديث وذكرها القاضي عياض في الشفاء والقسطلاني في المواهب والغزالي في الإحياء وابن الحاج في المدخل.
أقول: في المواهب بعد ذكر هذا الخبر ما نصه: الخبر ذكره أبو العباس القصار في شرحه لبردة الأبوصيري ونقله عن الرشاطي في كتابه "اقتباس الأنوار والتماس
стр. 395
الأزهار" وذكره ابن الحاج في المدخل وساقه بتمامه، والقاضي عياض في الشفاء لكنه ذكر بعضه اهـ. فعلى من يحتج به ذكر سنده وتوثيق رجاله، وبيان أنه خال من جميع العلل القادحة في التصحيح والتحسين ودونه خرط القتاد، على أن هذا من الرثاء المشروع والتحزن والتوجع المباح كما في قول فاطمة والصديق ﵄، فليس هذا النداء في شيء، بل هو ندبة.
قوله: فيبطل بها وبغيرها من الأدلة قول المانعين للنداء مطلقاً.
أقول: المانعون للنداء لا يمنعون النداء مطلقاً، بل يمنعون النداء الحقيقي الذي فيه يطلب من المنادى ما لا يقدر عليه إلا الله.
قوله: وروى البخاري عن أنس ﵁ أن فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ قالت لما توفي رسول الله ﷺ : يا أبتاه –إلى قوله- ففي هذا الحديث أيضاً نداؤه ﷺ بعد وفاته.
أقول: هذا ليس من النداء في شيء، بل هو ندبة، يرشدك إلى هذا كون هذا الكلام صادر وقت الوفاة، ووقوع لفظ النعي فيه وزيادة الألف في آخره لمد الصوت المطلوب في الندبة، فالقول بكونه نداء أدل دليل على جهل قائله.
قوله: ورثته عمته صفية بمرات كثيرة –إلى قوله-: ففي هذا البيت أيضاً نداؤه ﷺ بعد وفاته.
أقول: القول بكونه نداء أوضح برهان على سوء فهم قائله، فإن وقوعه في الرثاء دليل واضح على كونه ندبة.
قوله: ومما جاء من النداء للميت التلقين له بعد الدفن، وقد ذكره كثير من الفقهاء، واستندوا في ذلك إلى حديث الطبراني عن أبي أمامة ﵁ واعتضد بشواهد كثيرة –إلى قوله- ففي التلقين الخطاب والنداء للميت، فكيف يمنعون النداء مطلقاً؟
أقول: في مجمع الزوائد عن سعيد بن عبد الله الأودي قال: شهدت أبا أمامة وهو
стр. 396
في النزع فقال: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمر رسول الله ﷺ فقال: "إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما نقعد عند من لقن حجته؟ فيكون الله حجيجه دونهما، قال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ قال: "فينسبه إلى حواء يا فلان ابن حواء" رواه الطبراني في الكبير، وفي إسناده جماعة لم أعرفهم.
وقال الحافظ ابن القيم في (زاد المعاد) : ولم يكن يجلس يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم، وأما الحديث الذي رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ : "إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون، ثم يقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما نقعد عند من لقن حجته؟ فيكون الله حجيجه دونهما"، فقال رجل: يا رسول الله ﷺ فإن لم يعرف أمه؟ قال: "فينسبه إلى حواء يا فلان ابن حواء" فهذا حديث لا يصح رفعه، ولكن قال الأثرم قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول يا فلان ابن فلان اذكر ما فارقت عليه: شهادة أن لا إله إلا الله، فقال: ما رأيت أحد فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذلك؛ وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم أنهم كانوا
стр. 397
يفعلونه، وكان ابن عياش يروي فيه، قلت: يريد حديث إسماعيل بن عياش هذا الذي رواه الطبراني عن أبي أمامة.
وقد ذكر سعيد بن منصور في سننه عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب وحكيم ابن عمير قال: إذا استوى على الميت قبره وانصرف الناس عنه فكانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان، قل لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله –ثلاث مرات- قل ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، ثم ينصرف. انتهى.
قال الحافظ في التلخيص وإسناده صالح وقد قواه الضياء في أحكامه، وفي إسناده سعيد الأزدي بيض له أبو حاتم، وقال الهيثمي بعد أن ساقه: في إسناده جماعة لم أعرفهم. اهـ. وفي إسناده أيضاً عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف.
قال الأثرم: قلت لأحمد هذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول يا فلان ابن فلانة؟ قال: ما رأيت أحداً يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه، وكان إسماعيل ابن عياش يرويه، يشير إلى حديث أبي أمامة. اهـ. هكذا نقله في النيل وفي فتح العلام شرح بلوغ المرام، وقال في المنار: إن حديث التلقين هذا حديث لا يشك أهل المعرفة بالحديث في وضعه.
وقال ابن القيم في كتاب الروح: إنه حديث ضعيف، ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة، ولا يغتر بكثرة من يفعله، انتهى ملتقطاً.
وفي نزل الأبرار: وقد أنكر هذا التلقين جماعة من أهل العلم وبدعوه، انظر ذلك في الهدى النبوي وغيره كثمار التنكيت لهذا العبد الضعيف. اهـ.
قلت: لا شك في ضعف هذا الحديث لأن في سنده مجاهيل كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد، ولأن في سنده عاصم بن عبيد الله كما قال الحافظ في التلخيص على ما نقله الشوكاني ﵀ وهو ضعيف.
قال الذهبي في الميزان: عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي
стр. 398
عن أبيه وعبد الله بن عامر بن ربيعة وجماعة، وعنه شعيب ومالك، ثم ضعفه مالك، وقال يحيى: ضعيف لا يحتج به، وقال ابن حبان: كثير الوهم فاحش الخطأ فترك، وقال أحمد قال ابن عيينة: كان الأشياخ يتقون حديث عاصم بن عبيد الله، وقال النسائي: ضعيف. اهـ.
وقد صرح بضعفه النووي في الأذكار وغيره في غيره، وإنما قواه من قوى لاتصال عمل أهل الشام به، فلننظر فيه فنقول: منه ما روى أبو المغيرة الحمصي عن أبي بكر بن أبي مريم أنهم كانوا يفعلونه، وهذا لا يثبت، فإن في سنده أبا بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الحمصي، قال الذهبي: ضعيف عندهم، قلت: وكان من العباد، عن راشد بن سعد وخالد بن معدان، وعنه بقية وأبو اليمان وطائفة، ضعفه أحمد وغيره لكثرة ما يغلط، وكان أحد أوعية العلم، وقال ابن حبان: رديء الحفظ لا يحتج به إذا انفرد.
وقال أبو داود: سرق لأبي بكر بن أبي مريم حلي فأنكر عقله، وسمعت أحمد يقول: ليس بشيء اهـ. ملخصاً. وفي الخلاصة وهامشها: قال الحافظ أبو عبد الله: ضعيف، وكذا قال ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة الخ تهذيب. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط. اهـ.
ومنه ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه عن راشد بن سعد وحمزة بن حبيب وحكيم بن عمير قال: إذا استوى على الميت قبره وانصرف الناس عنه فكانوا يستحبون الخ. وراشد هذا وإن كان ثقة لكنه كثير الإرسال، وحكيم بن عمير الحمصي صدوق يهم قاله الحافظ في التقريب، على أنه لا يعلم سنده إلى هؤلاء التابعين، فعلى من يحتج به بيان السند حتى ينظر فيه.
وبالجملة فثبوت عمل أهل الشام أولا ممنوع، وعلى تقدير ثبوته لا نسلم كونه مقتضياً لكون الحديث الضعيف قابلاً لأن يحتج به، ومن يدعي فعليه الإثبات، وأما مجرد عمل بعض أهل الشام فليس من الدليل الشرعي في شيء، وعلى تقدير ثبوت حديث التلقين فليس فيه طلب شيء من الميت مما لا يقدر عليه إلا الله، إنما فيه نداء
стр. 399
وإرشاد للميت، وهو قد ثبت مخالفاً للقياس فيكون مقصوراً على المورد فلا يقاس عليه غيره.
قوله: ومن النداء للميت ما جاء في الحديث المشهور حديث نادي النبي ﷺ كفار قريش المقتولين يوم بدر بعد إلقائهم في القليب، رواه البخاري وأصحاب السنن.
أقول: الجواب عنه من وجوه:
(الأول) : أن الله تعالى أحياهم حتى أسمعهم قول النبي ﷺ على طريق خرق العادة، والدليل عليه ما روى البخاري في المغازي عن ابن عمر قال: وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً" ثم قال "إنهم الآن يسمعون ما أقول" الحديث، فإن لفظة "الآن" دليل واضح عليه، والتخصيص بما أقول يمكن الاستئناس به على أن ذلك كان من قبيل خرق العادة، وقال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً رواه البخاري في صحيحه، ورواه أحمد بلفظ: قال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا قوله توبيخاً وتصغيراً، ورجاله رجال الصحيح، كذا في مجمع الزوائد.
قال السهيلي ما محصله: إن في نفس الخبر ما يدل على خرق العادة بذلك للنبي ﷺ لقول الصحابة له: أتخاطب أقواماً جيفوا؟ فأجابهم. كذا في الفتح، وإذا كان الذي وقع حينئذ من خوارق العادة للنبي ﷺ حينئذ لم يصح التمسك به على جواز نداء الميت.
و (الثاني) : أن هذا النداء لم يكن لطلب ما لا يقدر عليه إلا الله، بل إنما كان توبيخاً وتصغيراً، فعلى تقدير عدم كونه من خوارق العادة إنما يثبت به جواز نداء من علم موته على الكفر قطعاً على قبره وقول ما قال رسول الله ﷺ لقتلى بدر من المشركين توبيخاً وتصغيراً، وهذا لا نزاع فيه، إنما النزاع في ندائهم الأموات من الأنبياء والصالحين تعظيماً وإكراماً لهم متضرعين خاشعين طالبين لما لا يقدر عليه إلا الله، وهذا لا يدل عليه الحديث أصلاً.
و (الثالث) : أن هذا النداء معدول عن القياس مخالف له، فيكون مقصوراً على المورد فلا يقاس عليه غيره، وقد صدر مثل هذا التقريع والتوبيخ من الأنبياء
стр. 400
السابقين أيضاً كصالح ﵇، قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ .
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: هذا تقريع من صالح ﵇ لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم عن قبول الحق وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعاً وتوبيخاً وهم يسمعون ذلك. اهـ. وكشعيب ﵇، قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ .
قال الحافظ بن كثير: أي فتولى عنهم شعيب ﵇ بعدما أصابهم ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال، وقال مقرعاً لهم وموبخاً: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ . اهـ.
ولا يخفاك أن المؤلف عزا روايته إلى البخاري وأصحاب السنن، وهذا دال على أن مسلماً لم يخرجه، وهو غفلة فاحشة، فإن مسلماً أخرجه في (باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه) ولفظه هكذا:
عن أنس بن مالك قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة فترائينا الهلال، وكنت رجلاً حديد البصر فرأيته، وليس أحد يزعم أنه رآه غيري، قلت فجعلت أقول لعمر: أما تراه؟ فجعل لا يراه، قال يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي، ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول: "هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله، قال فقال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤا الحدود التي حد رسول الله ﷺ ، قال: فجعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم فقال: "يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً فإني قد وجدت ما وعدني الله حقا قال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها، قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئاً" وفي رواية أخرى له عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال: "يا أبا جهل بن هشام، يا أمية
стр. 401
ابن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا"، فسمع عمر قول النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يسمعون، أو أنى يجيبون وقد جيفوا؟ قال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منه، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا" ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر. اهـ.
وفي جنائز مسلم عن هشام عن أبيه قال: ذكر عند عائشة ﵂ أن ابن عمر يرفع إلى النبي ﷺ : "أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله" فقالت: وهل، إنما قال رسول الله ﷺ إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وأن أهله ليبكون عليه الآن، وذلك مثل قوله أن رسول الله ﷺ قام على القليب يوم بدر وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال إنهم ليسمعون ما أقول وقد وهل، إنما قال إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يقول حين تبوؤا مقاعدهم من النار. اهـ.
وأيضاً القول المذكور يدل على أن أصحاب السنن كلهم أخرجوا هذا الحديث، مع أني راجعت السنن الأربعة، وتتبعت مظانه ولم آل جهداً فيه فلم أجده إلا في سنن النسائي، قال القسطلاني تحت حديث ابن عمر: وأخرجه أيضاً في المغازي مطولاً، ومسلم في الجنائز، وكذا النسائي، ولم يذكر أحد فيما أعلم أن الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، فهذا أوضح دليل على قصور نظر المؤلف وقلة علمه وكثرة غلطه وخطئه.
قوله: وأما ما جاء من الآثار، عن الأئمة الأحبار، والعلماء الأخيار، والأولياء الكبار، مما يدل على جواز ذلك النداء والخطاب فشيء كثير تنقضي دون نقله الأعمار، ومضى على ذلك القرون والأعصار، ولا وقع منهم إنكار.
أقول: دلالة ما جاء من الآثار على جواز نداء الأموات والجمادات نداء حقيقياً بحيث يطلب فيه منهم ما لا يقدر عليه إلا الله ممنوعة، ومن يدعي فعليه البيان، وأما مطلق النداء فلا يمنعه أحد.
стр. 402
قوله: فكيف يجوز الإقدام على تكفير المسلمين، بشيء قام ثبوته بالبراهين؟
أقول: إنما نكفر بالنداء الحقيقي الذي يطلب فيه من الأموات والجمادات ما لا يقدر عليه إلا الله وهذا شيء لم يثبت بعد بالبراهين بل قام الدليل على كونه كفراً.
قوله: وفي الحديث الصحيح: من قال لأخيه المسلم يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه.
أقول: من نادى الأموات والجمادات نداء حقيقياً وطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله فقد انسلخ من الإسلام فلا يكون مكفره مصداقاً لهذا الحديث.
قوله: فلا يحكم على أحد من أهل القبلة بالكفر إلا بأمر واضح قاطع للإسلام.
أقول: لا شك أن عبادة غير الله أمر واضح قاطع للإسلام، والنداء المذكور عبادة غير الله بلا مرية، فكيف لا يحكم على من يرتكبه بالكفر؟
قوله: ورأيت رسالة للشيخ محمد بن سليمان الكردي المدني صاحب الحواشي على مختصر "بافضل" في الفقه على مذهب الإمام الشافعي ﵀، قال في تلك الرسالة يخاطب محمد بن عبد الوهاب حين قام بالدعوة، وكان محمد بن عبد الوهاب من تلامذة الشيخ محمد بن سلميان المذكور وقرأ عليه بالمدينة المنورة، قال في تلك الرسالة: يا ابن عبد الوهاب، سلام على من ابتع الهدى، فإني أنصحك لله تعالى أن تكف لسانك عن المؤمنين، فإن سمعت من شخص أنه يعتقد تأثير ذلك المستغاث به من دون الله فعرفه الصواب، وأذكر له الأدلة على أنه لا تأثير لغير الله تعالى، فإن أبي فكفره حينئذ بخصوصه ولا سبيل لك إلى تكفير السواد الأعظم من المسلمين، وأنت شاذ عن السواد الأعظم، فنسبة الكفر إلى من شذ عن السواد الأعظم أقرب لأنه اتبع غير سبيل المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ . وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
أقول: لم يكفر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحداً من المؤمنين ابتداء، إنما دعا عباد القبور إلى إخلاص العبادة لله، ونهاهم عن دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين، بحيث
стр. 403
يطلب فيه منهم ما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وبين أنه من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، وإذا دعا أحدهم لديه الأنبياء والصالحين الذين كانوا يعبدونهم مع رب العالمين نهاه عن ذلك وزجره وعرفه الصواب وحذره، فقالوا إن كان الذي نحن عليه من الدعوات والاعتقادات بأهل القبور كفراً وشركاً فنحن كفار ومشركون، فهم هم الذين شهدوا على أنفسهم بالكفر.
فها أنا أذكر من ترجمته ﵀ ما يتضح به عندك صحة ما ادعيناه، فأقول:
стр. 404
خلاصة ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀
ودعوته إلى التوحيد
قال الشيخ حسين بن غنام الاحسائي في (روضة الأفكار والإفهام، لمرتاد حال الإمام، وتعداد غزوات ذوي الإسلام) :
أما نسبه رحمه الله تعالى، وأفاض عليه سحائب غفرانه ووالى، فهو: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف، ولد رحمه الله تعالى سنة خمس عشرة بعد المائة والألف من الهجرة النبوية في بلد العيينة من البلدان النجدية، فأنبته الله نباتاً حسناً، وجلا به عن طرف الدهر وسنا، وبقي بعد سن الطفولة زمناً يتعلم في تلاوة القرآن، معتزلاً في غالب الأوقات لعب الصبيان، ولهو الجهال والغلمان، حتى حفظ القرآن عن ظهر قلبه قبل بلوغ العشر، وكان حاد الفهم سريا وقاد الذهن ذكياً، سريع الحفظ، فصيح اللفظ، ألمعي الفطنة.
اشتغل في العلم على أبيه وجد في الطلب، وأدرك بعض الأرب، وهو في بلد العيينة في تلك الحال، قبل رحلته لطلب العلم والارتحال، وتطوافه له في كثير من البلاد، حتى نال منه المراد، وفاز بالسعد والإسعاد، وحاز الرشد والإرشاد.
стр. 405
وكان والده قد توسم ذلك، ويحدث بذلك ويبديه: ويؤمل ذلك منه ويرجوه، كما حدث به سليمان أخوه، قال: كان عبد الوهاب أبوه يتعجب من فهمه وإدراكه، قبل بلوغه وإدراكه، ومناهزته الاحتلام وأفراكه، ويقول أيضاً: لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام، أو قريباً من هذا الكلام.
وقد كتب والده إلى بعض إخوانه رسالة نوه فيها بشأنه يثني فيه عليه وأن له فهماً جيداً أو لديه، ولو يلازم الدرس سنة على الولاية، لظهر في الحفظ والإتقان آية، وقد تحققت أنه بلغ الاحتلام، قبل إكمال اثنتي عشرة سنة على الإتمام، ورأيته أهلاً للصلاة بالجماعة والإئتمام، فقدمته لمعرفته بالأحكام، وزوجته بعد البلوغ في ذلك العام، ثم طلب مني الحج إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالإسعاف لذلك المرام، فحج وقضى ركن الإسلام، وأدى المناسك على التمام، ثم قصد مدينته ﵊، وأقام فهيا شهرين ثم رجع بعد ذلك، فائزاً بأجر الزيارة والمناسك، وأخذ في القراءة على والده في الفقه على مذهب الإمام أحمد، فسلك فيه الطريق الأحمد، ورزق مع الحفظ سرعة الكتابة، فكان يحير أصحابه، بحيث أنه يخط بالخط الفصيح في المجلس الواحد كراس١، من غير سآمة ولانصب ولا التباس.
ثم بعد ذلك رحل في العلم وسار، وجد في الطلب إلى ما يليه من الأمصار، وما يحاذيه من الأقطار، فزحم فيه العلماء الكبار، وأشرق طالعه واستنار، وصار لهلاله إقمار، فوطئ الحجاز والبصرة لذلك مرر، وإلى الإحساء لتكل الأوطار وأخذ العلم عن جماعة منهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المديني وأجازه من طريقين، وأول حديث سمعه منه الحديث المشهور المسلسل بالأولية، نقلت من خطه ما نصه. اهـ. الخ
وأيضاً قال فيه: وقد سمع ﵀ الحديث والفقه من جماعة بالبصرة كثيرة، وقرأ بها النحو وأتقن تحريره، وكتب الكثير من اللغة والحديث في تلك الإقامة،
стр. 406
ويحث على طريق الهدى والاستقامة، وكان أكثر لبثه لأخذ العلم بالبصرة ومقامه، وقد نشر للتوحيد فيها لدى بعض الناس أعلامه، وحقق لهم في ذلك الشأن إتقانه وإعلامه، وأوضح لهم سبيله وأحكامه، فقال إن الدعوة كلها لله، يكفر من صرف شيئاً منها إلى سواه، وإذا ذكر أحد بمجلسه بشارات الطواغيت والصالحين، الذين كانوا يعبدونهم مع رب العالمين، نهاه عن ذلك وزجره، وبين له الصواب وحذره، وقال له: محبة الأولياء والصالحين إنما هي اتباع هديهم وآثارهم، والاستنارة بضياء أنوارهم، لا صرف الحقوق الربانية، إلى الأجسام الوثنية، وقد وقع ذلك بمجلسه مرة فأبدى للقائل نهيه وزجره، وأظهر عليه أغلاطه ونكره، فتغير وجه القائل وحال، واستغرب ذلك المقال، وقال: إن كان ما يقوله حقاً هذا الإنسان، فالناس ليسوا على شيء من زمان.
قال ﵀: وكان ناس من مشركي البصرة يأتون إلي، بشبهات يلقونها علي، فأقول وهم قعود لدي: لا تصلح العبادة كلها إلا لله، فيبهت كل منهم فلا ينطق فاه.
ثم رجع بعد ذلك السفر، فإذا والده عبد الوهاب قد رفض سكنى العيينة وهجر، واختار سكنى حريملا فأقام بها واستقر، فأقام فيها مع أبيه، يعلن بالتوحيد ويبديه، وينادي بإبطال دعوة غير الله ويفشيه، وينصح من عدل عن الحق والرشاد، ويسلك في ذلك سبيل السداد، ويزجر الناس عن الشرك والباطل والفساد، حتى رفع الله شأنه فساد، وجد رحمة الله في تعليم الواجب وبذل المناصحة للخاص والعام، ونشر شرائع الإسلام، ومهد سنة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وأزال ما غطى القلوب من رين الشرك الذي هو أعظم الذنوب، وكشف الذنوب المظلمة للناس، وأماط أذى اللبس والالتباس، ويحذرهم إن داموا على ما هم فيه من وقوع النقمة والبأس، ورفض منهج الغلول والخيانة، وأدى من العلم الأمانة، وترك ما كان علماء السوء قبله له سالكون وفي قعره العميق راكسون، وفي أرجائه المغبرة ماكثون، وخشي الوقوع في تغليظ الوعيد، كما نطق به القرآن المجيد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ
стр. 407
اللاعِنُونَ﴾ . فأي وعيد فوق هذا الوعيد، وأي تهدي وراء هذا التهديد؟ كلا ما على لعنة من مزيد، فلله دره من جهبذ عالم وداع إلى التوحيد قائم، وناصح لله ملازم، ومجدد لتلك المشاهد السنية والمعالم، ومحي لآثار سلفية لم يبق منها سوى الأطلال والمراسم، ومميت لبدع رفضية، شابهت المجوسية، وأمور شركية، اعتقدها أكثر البرية، أمرواً حسنة دينية، فأقاموا بها أعياداً ومواسم، وعكفوا عليها والأغلب لها سائم، ولتشييدها والذب عنها رائم، فانتدب هذا الإمام الذي أضحى الحق بهديه مشرقاً باسم، والباطل بحججه مظلماً سادم، منادياً على رءوس العوالم، بإخلاص العبادة وتنكير الإشراك والمظالم، وإبطال دعوة غيره من نبي وولي وظالم وحاكم، فلم يخف في الله لومة لائم، حتى نال من ولاه المنح العظائم، والعطايا الكرام الجسائم. اهـ.
وأيضاً قال فيه:
стр. 408
مهمات
(الأولى) : أنه ﵀ لما تظاهر بذلك الأمر والشأن في تلك الأوقات والأزمان، والناس قد أشربت منهم القلوب، بمحبة المعاصي والذنوب، وتولعوا بما كانوا عليه من العصيان، وقبائح الأهواء الغالبة على كل إنسان، لم يسرع لها لسان، ولم يصم منه لب وجنان، على تكفير أولئك العربان، بل توقف تورعاً عن الإقدام في ذلك الميدان، حتى نهض عليه جميع العدوان، وماجوا وصاحوا بتكفيره وجماعته في جميع البلدان، ولم يتثبتوا فيما جاءوا من الإفك والبهتان، ولم يكترثوا بما حكوا عليه من الزور، وما اقترفوه من الفجور، بل كان لهم على شنيع ذلك المقال، إقدام وإسراع وإقبال، ولم يأمر بسفك دم ولا قتال، على أكثر أهل الأهواء والضلال، حتى بدءوه بالحكم عليه وأصحابه بالقتل والتكفير وكان ذلك سبب حسن العاقبة للإمام من العليم الخبير، ومساعدة القضاء له والتدبير، وشؤم ذلك على الأعداء الذين تمالؤا على ذلك الأمر المبير، الذي كانت عقباه عليهم الهلاك والتدمير: ﴿جَزَاءً
стр. 409
بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ، ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
نعم ثبت لدينا، ونقل نقلاً صحيحاً إلينا أنهم هم الذين شهدوا على أنفسهم وألقوها في مظالم قعر المهالك، ونظموا أرواحهم مع الكفار في تلك المسالك، وألحقوا من عند أنفسهم بأولئك، فقالوا إن كان كفراً الذي نفعل من الدعوات والاعتقادات بأهل القبور، في تلك الأزمنة الماضية والدهور، فنحن كفار ضلال، من غير ريب ولا إشكال، ولقد لهج بتلك الأحوال ذوو الأحلام منا والجهال، فهم الذين ألزموا أنفسهم بتلك المقالة، ووسموا أنفسهم بميسم الكفر والضلالة. اهـ.
стр. 410
اتهام خصوم الشيخ إياه اثنتي عشرة تهمة وجوابه عنها
قال الشيخ في الرسالة التي كتبها إلى عبد الله بن سحيم ما نصه:
إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها ما هو البهتان الظاهر وهي قوله أني مبطل كتب المذاهب، (وقوله) : أني أقول إن الناس من ستمائة ليسوا على شيء، (وقوله) : أني أدعي الاجتهاد، (وقوله) : إني خارج عن التقليد، (وقوله) : أني أقول أن اختلاف العلماء نقمة، (وقوله) : أني أكفر من توسل بالصالحين، (وقوله) : أني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق، (وقوله) : أني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول ﷺ لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، (وقوله) : أني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ وأنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم وأني أكفر من يحلف بغير الله، فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول:
﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ . ولكن قبله من بهت محمداً ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ، وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة وعيسى وعزيرا في النار، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ . الآية. اهـ.
стр. 411
تكذيب الشيخ اتهامه بتكفير كل من يخالفه:
وأيضاً قال في تلك الرسالة: وأضيف إليها مسألة سادسة وهي إفتائي بكفر شمسان وأولاده ومن شابهه وسميتهم طواغيت، وذلك أنهم يدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله عبادة أعظم من عبادة اللات والعزى بأضعاف، وليس في كلامي مجازفة، بل هو الحق لأن عبادة اللات والعزى يعبدونهما في الرخاء ويخلصون لله في الشدة، وعبادة هؤلاء أعظم من عبادتهم إياهم في شدائد البر والبحر. اهـ.
قال الشيخ حسين بن غنام في روضة الأفكار: وأما قوله ومن أعظمها أن من لم يوافقه في كل ما قال ويشهد أن ذلك١ يقطع بكفره، ومن وافقه وصدقه في كل ما قال، قال أنت موحد ولو كان فاسقاً محضاً أو مكاساً، وبهذا يظهر أنه يدعو إلى توحيد نفسه لا إلى توحيد الله، فمراده بذلك أن من وافق الشيخ على توحيد الله وتبرأ من عبادة الأوثان تاج وشمسان وإدريس وقريوه والمغربي وتبرأ من الشرك وأهله سماه موحداً، ومن لم يوافقه على توحيد الله وإخلاص العبادة له بجميع أنواعها واستمر على عبادة المخلوقين مع الله وسب دين الله الذي يدعو إليه هذا الشيخ يقطع بكفره، وهذا الخبيث وأشباهه لا يعرفون الشرك في العبادة ويظنون أن المشرك٢ إذا جعل الإنسان مخلوقاً مع الله في التدبير والملك والإحياء والإماتة والنفع والضر.
وأما كونه يجعل المخلوقين وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، وقصده بذلك التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم، فهذا عند هؤلاء المشركين من أعظم القربات، وأفضل الطاعات، ومن أنكر هذا كفروه وبدعوه وخرجوه ونسبوه إلى السفه والضلال. اهـ.
وأيضاً قال فيها: وأما قوله ومن وافقه في كل ما قال، قال أنت موحد ولو كان
стр. 412
فاسقاً أو مكاساً، فمراده بذلك أن من وافقه على إخلاص العبادة والدعوة لله وتاب وأناب إلى الله مما كان يفعله من الشرك بالله ودعوة الصالحين وغيرهم من الأحياء والأموات وعرف قول لا إله إلا الله وأنها نفي وإثبات، فشطرها الأول نفي الإلهية مطلقاً، والثاني إثباتها لله دون ما سواه من أهل السموات والأرض ومن الأحياء والأموات سماه موحداً، ولو كان فاسقاً أو مكاساً وهو صادق في ذلك، وذلك أن الإنسان إذا عرف التوحيد وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقا من قلبه والتزم مضمون هاتين الشهادتين، فهو عند الشيخ ﵀ مؤمن موحد ولو كان فاسقاً أو مكاساً، وكذلك عند سائر العلماء من أهل السنة والجماعة، وذلك أن الإنسان إذا دخل في الإسلام وحكم بإسلامه لا يخرجه من الإسلام ما يفعله من الكبائر كالسرقة والزنا وشرب المسكر، وأخذ الأموال ظلماً وعدواناً، وإنما يخرجه من الإسلام إلى الكفر هو الشرك بالله وإنكار ما جاء به الرسول ﷺ من الدين بعد معرفته بذلك وإقامة الحجة عليه. اهـ.
اتخاذ الوسائط بين الله وعبادة كفر بشرطه:
وقال الشيخ في الرسالة التي كتبها إلى سليمان بن سحيم: وأما الثانية وهي أن الذي يجعل الوسائط هو الكافر، وأما المجعول فلا يكفر، فهذا كلام تلبيس وجهالة، ومن قال أن عيسى وعزيرا وعلي بن أبي طالب وزيد بن الخطاب وغيرهم من الصالحين يلحقهم نقص بجعل المشركين إياهم وسائط؟ حاشا وكلا: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
وأنا كفرنا هؤلاء الطواغيت أهل الخرج وغيرهم بالأمور التي يفعلونها هم: (منها) : أنهم يجعلون آبائهم وأجدادهم وسائط، (ومنها) : أنهم يدعون الناس إلى الكفر، (ومنها) : أنهم يبغضون عند الناس دين محمد ﷺ ويزعمون أهل العارض كفروا لما قالوا لا يعبد إلا الله، وغير ذلك من أنواع الكفر، وهذا أمر أوضح من الشمس لا يحتاج إلى تقرير، ولكن أنت رجل جاهل مشرك مبغض لدين الله
стр. 413
وتلبس على الجهال، الذين يكرهون دين الإسلام ويحبون الشرك ودين آبائهم، وإلا فهؤلاء الجهال لو مرادهم اتباع الحق عرفوا أن كلامك من أفسد ما يكون.
مسألة عدم تكفير المسلم بالذنب:
وأما المسألة الثالثة: وهي من أكبر تلبيسك الذي تلبس به على العوام أن أهل العلم قالوا لا يجوز تكفير المسلم بالذنب، وهذا حق، وليس هذا مما نحن فيه، وذلك أن الخوارج يكفرون من زنى وسرق أو سفك الدم، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر.
وأما أهل السنة فمذهبهم أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك، ونحن ما كفرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك، لكنك رجل من أجهل الناس تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر، فإذا كانت تعتقد ذلك فما تقول في المنافقين الذين يصلون ويصومون ويجاهدون؟ قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ .
وما تقول في الخوارج الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، أينما لقيتموهم فاقتلوهم" أتظنهم ليسوا من أهل القبلة؟
ما تقول في الذين اعتقدوا في علي بن أبي طالب ﵁ مثل اعتقاد كثير من الناس في عبد القادر وغيره فأضرم لهم علي بن أبي طالب ﵃ ناراً فأحرقهم بها، وأجمعت الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس ﵄ أنكر تحرقيهم بالنار وقال: يقتلون بالسيف، أتظن أن هؤلاء ليسوا من أهل القبلة؟ أم أنت تفهم الشرع وأصحاب رسول الله ﷺ لا يفهمونه؟ أرأيت أصحاب رسول الله ﷺ لما قاتلوا من منع الزكاة، فلما أرادوا التوبة قال أبو بكر: لا نقبل توبتكم حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
وقال الشيخ في الرسالة التي كبتها إلى عبد الرحمن بن عبد الله: منها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأزعم أن انكحتهم غير صحيحة، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟ اهـ.
стр. 414
وأيضاً قال الشيخ في جواب مسألة: وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به عن دين الله ورسوله.
وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهم لأجل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. اهـ.
وقال الشيخ في الرسالة التي كتبها لأهل مكة بعد مناظرتهم: إذا عرف هذا فالذي نعتقده وندين الله به أن من دعا نبيناً أو لوياً أو غيرهما وسأل منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات أن هذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا أولياء وشفعاء، ويستجلبون بهم المنافع ويستدفعون بهم الضار بزعمهن، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ .
فمن جعل الأنبياء أو غيرهم كابن عباس أو المحجوب أو أبي طالب وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع بمعنى أن المخلوق يسألهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لكونهم أقرب إلى الملك، فمن جعلهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك حلال الدم والمال. اهـ.
قال الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ديباجة رسالة اختصرت من الرسائل المؤلفة للشيخ١.
أما بعد فأنا معاشر غزو الموحدين لما من الله علينا وله الحمد بدخول مكة المشرفة نصف النهار يوم السبت ثامن شهر المحرم الحرام سنة ١٢١٨ بعد أن طلب أشراف مكة
стр. 415
وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو سعود حماه الله الأمان، وقد كانوا تواطؤا مع أمراء الحجيج وأمير مكة على قتاله أو الإقامة في الحرم الشريف ليصدوه عن البيت، فلما زحفت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم فتفرقوا شذر مذر، كل واحد يعد الإياب غنيمة، وبذل الأمير حينئذ الأمان لمن بالحرم الشريف، ودخلنا شعارنا التلبية آمنين محلقين رؤوسنا ومقصرين، غير خائفين، من أحد المخلوقين، بل من مالك يوم الدين، ومن حين دخل الجند الحرم وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون، لم يعضدوا به شجرة، ولم ينفروا به صيداً، ولم يريقوا به دماً إلا دم الهدي أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع.
ولما تمت عمرتنا جمعنا الناس ضحوة الأحد وعرض الأمير عافاه الله تعالى على العلماء ما نطلب الناس ونقاتلهم عليه وهو إخلاص التوحيد لله تعالى وحده، وعرفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في أمرين:
(أحدهما) : إخلاص التوحيد ومعرفة أنواع العبادة وأن الدعاء من جملتها، وتحقيق معنى الشرك الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد ﷺ واستمر دعاؤه برهة من الزمان بعد النبوة إلى ذلك التوحيد وترك الإشراك قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة.
و (الثاني) : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لم يبق عندهم إلا اسمه، وانمحى أثره ورسمه، فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلاً، وبايعوا ذلك الأمير على الكتاب والسنة، وقبل منهم وعفا عنهم كافة، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة، ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق ولا سيما العلماء ويقرر لهم حال اجتماعهم وحال انفرادهم لدينا أدلة ما نحن عليه. ويطلب منهم المناصحة والمذاكرة، وبينا لهم الحق، وعرفناهم بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم بأنا قابلون ما وضحوا برهانه من كتاب أو سنة أو أثر عن السلف الصالح كالخلفاء الراشدين المأمورين باتباعهم بقوله ﷺ : "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" وعن الأئمة الأربعة المجتهدين ومن تلقى العلم عنهم إلى آخر القرن الثالث، لقوله ﷺ : "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم
стр. 416
ثم الذين يلونهم"، وعرفناهم أنا دائرون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح، ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا، فلم ينقموا علينا أمراً فألححنا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات إن بقي لديهم شبة، فذكر بعضهم شبهة أو شبهتين فرددناها بالدلائل القاطعة من الكتاب والسنة حتى أذعنوا ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب فيما قاتلنا الناس عليه أنه الحق الجلي الذي لا غبار عليه، وحلفوا لنا الأيمان المعقدة من دون استحلاف لهم على انشراح صدورهم وجزم ضمائرهم أنه لم يبق لديهم شك فيمن قال يا رسول الله أو يا ابن عباس أو يا عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين طالباً بذلك دفع شر أو جلب خير من كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى من شفاء المريض والنصر على العدو والحفظ من المكروه ونحو ذلك أنه مشرك الشرك الأكبر يهدر دمه ويبيح ماله وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هو الله تعالى، لكنه يقصد المخلوقين بالدعاء متشفعاً بهم ومتقرباً لهم لقضاء حاجته من الله بسرهم وبشفاعتهم له فيها أيام البرزخ، وأن ما وضع من البناء على قبور الصالحين صارت في هذه الأزمان أصناماً تقصد لطلب الحاجات ويتضرع عندها ويهتف بأهلها في الشدائد كما كانت تفعله الجاهلية الأولى.
وكان من جملتهم مفتي الحنفية الشيخ عبد الملك القليعي وحسين المغربي مفتي المالكية وعقيل بن يحيى العلوي، فبعد ذلك أزلنا جميع البناء على القبور وغيرها حتى لم يبق في البقعة الطاهرة طاغوت يعبد، فالحمد لله على ذلك، ثم رفعت المكوس والرسوم وكسرت آلات التنباك ونودي بتحريمه، وأحرقت أماكن الحشاشين والمشهورين بالفجور، ونودي بالمواظبة على الصلاة في الجماعات، وعدم التفرق في ذلك بأن يجتمعوا في كل صلاة على إمام واحد يكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة رضوان الله عليهم. واجتمعت الكلمة حينئذ وعبد الله وحده وحصلت الألفة، وسقطت الكلفة، وأمر عليهم واستتب الأمر من دون سفك دم ولا هتك عرض، ولا مشقة على أحد. والحمد لله رب العالمين.
ثم دفعت لهم الرسائل المؤلفة للشيخ محمد ﵀ في التوحيد المتضمنة للبراهين
стр. 417
وتقرير الأدلة على ذلك بالآيات المحكمة والأحاديث المتواترة مما يثلج الصدر.
واختصر من ذلك رسالة مختصرة للعوام تنتشر في مجالسهم وتدرس في محافلهم ويبين لهم العلماء معانيها ليعرفوا التوحيد فيتمسكوا بعروته الوثيقة، ويتضح لهم الشرك فينفروا عنه وهم على بصيرة آمنين. اهـ.
ثم نقل تلك الرسالة وفيها: فإذا عرفت هذه فاعرف أن المشركين الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ أخف شركاً من عباد١ مشركي زمننا، لأن أولئك كانوا يخلصون٢ لله في الشدائد وهؤلاء يدعون مشايخهم في الشدة والرخاء، والله المستعان.
وكان فيمن حضر مع علماء مكة وشاهد غالب ما صار حسين بن محمد بن الحسين الأبريقي الحضرمي ثم الحياني، ولم يزل يتردد علينا ويجتمع بسعود وخاصته من أهل المعرفة ويسأل عن مسألة الشفاعة التي جرد السيف بسببها دون حياء ولا خجل لعدم سابقة جرم له، فأخبرناه بأن مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم والأعلم والأحكم خلافاً لمن قال طريقة الخلف أعلم. اهـ.
وأيضاً فيها: وأما ما يكذب علينا ستراً للحق، وتلبيساً على الخلق، بأنا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا، من دون مراجعة شرح، ولا نعول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى أنزل عليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ مع كون الآية مدنية، وأنا لا نعتمد أقوال العلماء، ونتلف مؤلفات أهل المذاهب لأن فيها الحق والباطل، وأنا مجسمة، وأنا نكفر الناس على الإطلاق ومن بعد الستمائة إلا من هو على ما نحن
стр. 418
عليه، ومن فروع ذلك أنا لا نقبل بيعة أحد حتى نقرر عليه بأنه كان مشركاً، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله، وأنا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ ، ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقاً، وأن من دان بما نحن عليه سقط عنه جميع التبعات حتى الديون وأنا لا نرى حقاً لأهل البيت رضوان الله عليهم، وأنا نجبر على تزويج غير الكفء لهم، وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح على مرافعة لدينا ولا وجه لذلك، فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولاً كان جوابنا عليه في كل مسألة من ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ فمن روى عنا شيئاً من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى: ومن شاهد حالنا ورأى مجلسنا، وتحقق ما عندنا علم قطعاً أن جميع ذلك وضعه علينا جماهير أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان لإخلاص التوحيد لله بالعبادة، فإنا نعتقد أن من فعل أنواعاً من الكبائر كالقتل للمسلم بغير حق والزنا وشرب الخمر وتكرر ذلك منه لا يخرج بفعل ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا كان موحداً لله في جميع أنواع العبادة. اهـ.
وأيضاً فيها: إن قال قائل منفر عن قبول الحق والإذعان له: يلزم من تقريركم وقطعكم في أن من قال يا رسول الله أسألك الشفاعة أنه مشرك مهدر الدم أن يقال غالب الأمة لا سيما المتأخرين١ لتصريح علمائهم المعتبرين من أن ذلك مندوب، وشنوا الغارة على من خالف ذلك. قلت: لا يلزم ذلك لأن لازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرر، ومثل ذلك لا يلزم أن نكون مجسمة وإن قلنا بالجهة كما ورد الحديث بذلك، ونحن نقول فيمن مات: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا ووضحت له المحجة، ومات وعليه الحجة٢ وأصر مستكبرا معانداً، كغالب من نقاتلهم: يصرون على ذلك الإشراك ويمتنعون من فعل الواجبات.
стр. 419
ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات، وغير الغالب إنما نقاتلهم لمناصرته لمن هذا حاله ورضاه به وبتكثير سواد من ذكر والتغلب معه حينئذ حكمة في حد قتاله١، ونعتذر عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون لعدم عصمتهم من الخطأ والإجماع في ذلك قطعاً، ومن شن الغارة فقد غلط، ولا بدع أن يغلط فقد غلط من هو خير منه مثل عمر بن الخطاب، فلما نبأته٢ امرأة رجع في مسألة المهر وفي غير ذلك يعرف ذلك من سيرته، بل غلط الصحابة وهم جمع ونبينا محمد ﷺ بين أظهرهم سار فهم نوره فقالوا: اجعل نا ذات أنواط، فردهم.
فإن قلت: هذا فيمن ذهل ولما نبه انتبه، فما القول فيمن حرر الأدلة، واطلع على كلام الأئمة القدوة، فاستمر مصراً على ذلك إلى أن مات؟
قلت: ولا مانع أن يعتذر لمن ذكر ولا نقول أنه كافر، أولا لما تقدم أنه مخطئ، وإن استمر على خطئه، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته بلسانه وسيفه وسنانه، فلم تتم عليه حجة، ولا وضحت له المحجة، بل الغالب على من ألف زمن المؤلفين المذكورين التواطؤ على وهي٣ كلام أئمة السنة في ذلك رأسا، ومن اطلع عليه أعرض عنه قبل أن يتمكن في قلبه، ولم تزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك، وصولة الملوك ظاهرة٤ لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من شاء الله منهم.
هذا وقد روي عن معاوية وأصحابه منابذة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في وقته ومشاجرته في الحرب وهم في ذلك مخطئون إجماعاً، واستمروا على ذلك الخطأ حتى ماتوا ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعاً ولا تفسقه، بل
стр. 420
أثبتوا لهم أجر الاجتهاد وإن كانوا مخطئين كما ذلك مشهور عند أهل السنة، ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته وشهر صلاحه وورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبالغ في نصح الأمة، يبذل نفسه في تدريس العلوم النافعة والتأليف فيها وإن كان مخطئاً في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيثمي، فإنا نعلم كلامه في (الدر المنظم) ولا ننكر سعة علمه، ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرهما ونعتمد على نقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين.
هذا ما نحن عليه مخاطبين به من له عقل أو علم وهو متصف بالإنصاف، خال من الميل إلى التعصب والاعتساف، ينظر إلى ما يقال لا إلى من قال، وأما من شأنه لزوم مألوفه وعادته سواء كان حقاً أو غير حق، مقلداً لمن قال تعالى فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ . وعادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق فلا نخاطبه وأمثاله إلا بالسيف حتى يستقيم أوده ويصلح معوجه، فجنود التوحيد منصورة، ورايتهم بالسعد منشورة: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ وأن حزب الله هم الغالبون: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ – ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ اهـ.
قال بعض أهل التحقيق١ في الرد على بعض معاصريه: وقد رأيت لبعض المعاصرين كتاباً يعارض به ما قرره شيخنا من أصول الدين، ويجادل بمنع تضليل عباد الأولياء والصالحين، ويناضل عن غلاة الرافضة والمشركين، الذين أنزلوا العباد بمنزلة الله رب العالمي، وأكثر التشبيه بأنهم من الأمة، وأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأنهم يصلون ويصومون، ونسي في ذلك عهود الحمى وما قرره كافة الراسخين من العلما، وأجمع عليه الموافق والمخالف من الجمهور والدهما، ونص عليه الأكابر والخواص، من اشتراط العلم والعمل في الإتيان بكلمة الإخلاص، والحكم، بموجب
стр. 421
الردة على فاعل ذلك من سائر العبيد والأشخاص، وسمى كتابه (جلاء الغمة عن تكفير هذه الأمة) ومراده بالأمة هنا من عبد آل البيت، وغلا فيهم وعبد الصالحين ودعا واستغاث بهم، وجعلهم وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم، هذا مراده، ولكنه أوقع عليهم لفظ الأمة ترويجاً على الأغمار والجهال، ولبساً للحق بالباطل، وهو يعلم ذلك، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فلكل مفتر نصيب حسب جرمه، وعلى قدر ذنبه، وقد رأيت على هذا الرجل من الذلة والمهانة مدة حياته ما هو ظاهر بين يعرفه من عرفه.
стр. 422
فصل في حالة أهل نجد وجيرانهم قبل دعوة الشيخ
...
قال المعترض: قد ابتلى الله أهل نجد بل جزيرة العرب بمن خرج عليهم ولم يتخرج على العلماء الأمناء، كما صح عندنا وثبت عن مشايخنا الأمجاد النقاد، وسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة إلا من وافقه على قوله، لما وجد من يعينه على ذلك بجهله.
و (الجواب) أن يقال: إنه من المعلوم عند كل عاقل خبر الناس وعرف أحوالهم وسمع شيئاً من أخبارهم وتواريخهم أن أهل نجد وغيرهم ممن تبع دعوة الشيخ واستجاب لدعوته من سكان جزيرة العرب كانوا على غاية من الجهالة والضلالة، والفقر والعالة، لا يستريب في ذلك عاقل، ولا يجادل فيه عارف، كانوا من أمر دينهم في جاهلية، ويدعون الصالحين، ويعتقدون في الأشجار والأحجار والغيران١ يطوفون بقبور الأولياء ويرجون الخير والنصر من جهتها، وفيهم من كفر الاتحادية والحلولية وجهالة الصوفية ما يرون أنه من شعب الإيمان والطريقة المحمدية، وفيهم من إضاعة الصلوات ومنع الزكاة وشرب المسكرات ما هو معروف مشهور، فمحا الله بدعوته شعار الشرك ومشاهدة، وهدم به بيوت الكفر الشرك ومعابده، وكبت الطواغيت والملحدين، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان القرى بما جاء به
стр. 423
محمد ﷺ من التوحيد والهدى، وكفر من أنكر البعث واستراب فيه من أهل الجهالة والجفا، وأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وترك المنكرات والمسكرات ونهى عن الابتداع في الدين، وأمر بمتابعة السلف الماضين، في الأصول والفروع من مسائل الدين، حتى ظهر دين الله واستعلن، واستبان بدعوته منهاج الشريعة والسنن، وقام الأمر قائم بالمعروف والنهي عن المنكر، وحدت الحدود الشرعية، وعزرت التعازير الدينية، وانتصب علم الجهاد، وقاتل لإعلاء كلمة الله أهل الشرك والفساد، حتى سارت دعوته وثبت نصحه لله ولكتابه ولرسوله ولعامة المسلمين ولأئمتهم، وجمع الله به القلوب بعد شتاتها، وتألفت بعد عداوتها، وصاروا بنعمة الله إخواناً فأعطاهم الله بذلك من النصر والعز والظهور، ما لا يعرف مثله لسكان تلك الفيافي والصخور، وفتح عليهم الاحساء والقطيف، وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر، ومن اليمن إلى العراق والشام، دانت لهم عربها، وأعطوا الزكاة فأصبحت نجد تضرب إليها أكباد الإبل في طلب الدين والدنيا، وتفتخر بما نالها من العز والنصر والإقبال والسنا، كما قال عالم صنعاء وشيخها:
قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد
محمد الهادي لسنة أحمد
... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي
لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي
وقال عالم الأحساء وشيخها:
لقد رفع المولى به ربتة الهدى ... بوقت به يعلو الضلال ويرفع
وجرت به نجد ذيول افتخارها
... وحق لها بالألمعي ترفع
وهذا في أبيات لهما لا نطيل بذكرها، وقد شهد غيرهما مثل ذلك واعترفوا بعلمه وفضله وهدايته، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
стр. 424
وما أحسن ما قاله قتادة عن حال أول هذه الأمة أن المسلمين لما قالوا لا إله إلا الله أنكر ذلك المشركون وكبر عليهم، فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها، ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الراكب في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها..
وهذا المعترض١ عاش في ظل ذلك وتولى القضاء وصارت له الرياسة عند أهل محلته بانتسابه إلى هذا الدين، ودعواه محبة الشيخ، وأنه شرح بعض كتبه، ومع ذلك تجرد لمسبته ومعاداته، وجحد ما جاء به وقرره من الهدى ودين الحق قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ .
وقال بعضهم:
وما ضر نور الشمس إن كان ناظراً ... إليها عيون لم تزل دهرها عمياً
ولا ينكر ما قررناه إلا مكابر في الحسيات ومباهت في الضرويات، يرى أن عبادة الصالحين ودعاءهم والتوكل عليهم وجعلهم، وسائط بينهم وبين الله مما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، وأنه هو الإسلام، وأهله هم الأمة المحمدية، ومن أنكر عليهم وضللهم فهو خارج مارج، كما قال هذا الرجل وصاحبه ابن سند في منظومته التي انشدها لما استولت العساكر المصرية على بلاد الدرعية:
لقد فتحت للدين أعينه الرمد
ثم أخذ في سب المسلمين وتضليلهم والشماتة بهم، ومدح من عبد الصالحين ودعاهم مع الله وجعلهم أنداداً تعبد.
وقد أجابه الزكي الأديب الشيخ أحمد بن مشرف بمنظومة ذكر فيها حال العساكر المصرية وما اشتهر عنهم من اللواطة والشركيات والزنا وشرب المسكرات وإضاعة
стр. 425
الصلاة، ثم أنشد في أثناء رده:
فإن كان هذا عندك الرشد والهدى ... لقد فتحت للدين أعينه الرمد
وبالجملة فلا يقول مثل هذا في الشيخ ﵀ إلا رجل مكابر، لا يتحاشا من البهت والافتراء، وغلى الله ترجع الأمور وعنده تنكشف السرائر.