← Акыда

Акыда · id 12027

صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان

محمد بشير السهسواني

Полный текст (549 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الردة على فاعل ذلك من سائر العبيد والأشخاص، وسمى كتابه (جلاء الغمة عن تكفير هذه الأمة) ومراده بالأمة هنا من عبد آل البيت، وغلا فيهم وعبد الصالحين ودعا واستغاث بهم، وجعلهم وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم، هذا مراده، ولكنه أوقع عليهم لفظ الأمة ترويجاً على الأغمار والجهال، ولبساً للحق بالباطل، وهو يعلم ذلك، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فلكل مفتر نصيب حسب جرمه، وعلى قدر ذنبه، وقد رأيت على هذا الرجل من الذلة والمهانة مدة حياته ما هو ظاهر بين يعرفه من عرفه.

стр. 422

فصل في حالة أهل نجد وجيرانهم قبل دعوة الشيخ ... قال المعترض: قد ابتلى الله أهل نجد بل جزيرة العرب بمن خرج عليهم ولم يتخرج على العلماء الأمناء، كما صح عندنا وثبت عن مشايخنا الأمجاد النقاد، وسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة إلا من وافقه على قوله، لما وجد من يعينه على ذلك بجهله. و (الجواب) أن يقال: إنه من المعلوم عند كل عاقل خبر الناس وعرف أحوالهم وسمع شيئاً من أخبارهم وتواريخهم أن أهل نجد وغيرهم ممن تبع دعوة الشيخ واستجاب لدعوته من سكان جزيرة العرب كانوا على غاية من الجهالة والضلالة، والفقر والعالة، لا يستريب في ذلك عاقل، ولا يجادل فيه عارف، كانوا من أمر دينهم في جاهلية، ويدعون الصالحين، ويعتقدون في الأشجار والأحجار والغيران١ يطوفون بقبور الأولياء ويرجون الخير والنصر من جهتها، وفيهم من كفر الاتحادية والحلولية وجهالة الصوفية ما يرون أنه من شعب الإيمان والطريقة المحمدية، وفيهم من إضاعة الصلوات ومنع الزكاة وشرب المسكرات ما هو معروف مشهور، فمحا الله بدعوته شعار الشرك ومشاهدة، وهدم به بيوت الكفر الشرك ومعابده، وكبت الطواغيت والملحدين، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان القرى بما جاء به

стр. 423

محمد ﷺ من التوحيد والهدى، وكفر من أنكر البعث واستراب فيه من أهل الجهالة والجفا، وأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وترك المنكرات والمسكرات ونهى عن الابتداع في الدين، وأمر بمتابعة السلف الماضين، في الأصول والفروع من مسائل الدين، حتى ظهر دين الله واستعلن، واستبان بدعوته منهاج الشريعة والسنن، وقام الأمر قائم بالمعروف والنهي عن المنكر، وحدت الحدود الشرعية، وعزرت التعازير الدينية، وانتصب علم الجهاد، وقاتل لإعلاء كلمة الله أهل الشرك والفساد، حتى سارت دعوته وثبت نصحه لله ولكتابه ولرسوله ولعامة المسلمين ولأئمتهم، وجمع الله به القلوب بعد شتاتها، وتألفت بعد عداوتها، وصاروا بنعمة الله إخواناً فأعطاهم الله بذلك من النصر والعز والظهور، ما لا يعرف مثله لسكان تلك الفيافي والصخور، وفتح عليهم الاحساء والقطيف، وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر، ومن اليمن إلى العراق والشام، دانت لهم عربها، وأعطوا الزكاة فأصبحت نجد تضرب إليها أكباد الإبل في طلب الدين والدنيا، وتفتخر بما نالها من العز والنصر والإقبال والسنا، كما قال عالم صنعاء وشيخها: قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد محمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي وقال عالم الأحساء وشيخها: لقد رفع المولى به ربتة الهدى ... بوقت به يعلو الضلال ويرفع وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع وهذا في أبيات لهما لا نطيل بذكرها، وقد شهد غيرهما مثل ذلك واعترفوا بعلمه وفضله وهدايته، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .

стр. 424

وما أحسن ما قاله قتادة عن حال أول هذه الأمة أن المسلمين لما قالوا لا إله إلا الله أنكر ذلك المشركون وكبر عليهم، فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها، ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الراكب في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها.. وهذا المعترض١ عاش في ظل ذلك وتولى القضاء وصارت له الرياسة عند أهل محلته بانتسابه إلى هذا الدين، ودعواه محبة الشيخ، وأنه شرح بعض كتبه، ومع ذلك تجرد لمسبته ومعاداته، وجحد ما جاء به وقرره من الهدى ودين الحق قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ . وقال بعضهم: وما ضر نور الشمس إن كان ناظراً ... إليها عيون لم تزل دهرها عمياً ولا ينكر ما قررناه إلا مكابر في الحسيات ومباهت في الضرويات، يرى أن عبادة الصالحين ودعاءهم والتوكل عليهم وجعلهم، وسائط بينهم وبين الله مما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، وأنه هو الإسلام، وأهله هم الأمة المحمدية، ومن أنكر عليهم وضللهم فهو خارج مارج، كما قال هذا الرجل وصاحبه ابن سند في منظومته التي انشدها لما استولت العساكر المصرية على بلاد الدرعية: لقد فتحت للدين أعينه الرمد ثم أخذ في سب المسلمين وتضليلهم والشماتة بهم، ومدح من عبد الصالحين ودعاهم مع الله وجعلهم أنداداً تعبد. وقد أجابه الزكي الأديب الشيخ أحمد بن مشرف بمنظومة ذكر فيها حال العساكر المصرية وما اشتهر عنهم من اللواطة والشركيات والزنا وشرب المسكرات وإضاعة

стр. 425

الصلاة، ثم أنشد في أثناء رده: فإن كان هذا عندك الرشد والهدى ... لقد فتحت للدين أعينه الرمد وبالجملة فلا يقول مثل هذا في الشيخ ﵀ إلا رجل مكابر، لا يتحاشا من البهت والافتراء، وغلى الله ترجع الأمور وعنده تنكشف السرائر.

стр. 426

زعمه أن الشيخ لم يتخرج على العلماء الأمناء وأما قوله: "ولم يتخرج على العلماء الأمناء" فهذه الدعوى الضالة نشأت من سوء المعتقد وخبث الطوية، وهذا الرجل لا زمام ولا خطام لأكاذيبه وأباطيله، يرسلها حيث يشاء، ويكابر أهل العلم ولا يتحاشى، وقد عرف طلب الشيخ للعلم ورحلته في تحصيله كما ذكره صاحب التاريخ الشيخ حسين بن غنام الاحسائي. وقد اجتمع بأشياخ الحرمين في وقته ومحدثيهما وأجازه بعضهم، ورحل إلى البصرة وسمع وناظر وإلى الاحساء، وهي إذ ذاك آهلة بالعلماء، فسمع من أشياخها وباحث في أصول الدين ومقالات الناس في الإيمان وغيره، وسمع من والده ومن فقهاء نجد في وقته، واشتهر عندهم بالعلم والذكاء وعرف به على صغر سنه، وأيضاً فقد كان أهل العلم –سلفاً وخلفاً- يسمعون الأحاديث ويروونها ويحفظون السنن ويستنبطون منها الأحكام، وهذا عندهم هو الغاية التي يرحل إليها المحدثون، وينتهي إليها الطالبون، وليس من عادتهم القراءة في كتب الرأي والفروع كما هو المعروف عند الناس، رحل الشافعي إلى المدينة وسمع الموطأ وتصدى للفتيا، وأنكر على من لم يطمئن في صلاته لما دخل مسجد محمد بن الحسن بالكوفة، ولم يسمع من مالك ولا غيره كتاباً في الرأي والمذهب، وهكذا غيره من أهل العلم والفتوى. وأما قوله: "كما صح وثبت عن مشايخنا الأمجاد النقاد". فجوابه أن هذه الدعوى في مشايخه كل يدعيها، فالقدرية والرافضة والجهمية والمعتزلة وغلاة عباد القبور يرون أن مشايخهم أمجاد نقاد يؤخذ عنهم ويحفظ عنهم، ويسمون أهل السنة والجماعة وأهل الحديث حشوية مجسمة وناصبة ومجبرة، وعباد القبور يسمون الموحدين

стр. 427

متنقصة للأنبياء والصالحين، ويقرر ذلك أشياخ كل طائفة وأتباعهم يرون أنهم بذلك أمجاد نقاد، ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . إذا عرفت هذا فمشايخ هذا الرجل الذين أثنى عليهم من أكابر المعاندين، ورءوس المخالفين، وقد عرف ذلك عن ابن سند وابن سلوم وأمثالهم من أشياخه الذين كثر في هذا الباب سبابهم، وغلظ عن معرفة الله ومعرفة حقه حجابهم.

стр. 428

افتراؤه على تكفير الأمة إلا من وافقه وأما قوله: "فسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة إلى من وافقه على قوله". فهذه العبارة تدل على تهور في الكذب ووقاحة تامة، وفي الحديث: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت". وصريح هذه العبارة أن الشيخ كفر جميع الأمة١ من المبعث النبوي إلى قيام الساعة إلا من وافقه على قوله الذي اختص به، وهل يتصور هذا عاقل عرف حال الشيخ وما جاء به ودعا إليه، بل أهل البدع كالقدرية والجهمية والرافضة والخوارج لا يكفرون جميع من خالفهم، بل لهم أقوال وتفاصيل يعرفها أهل العلم، والشيخ ﵀ لا يعرف له قول انفرد به عن سائر الأمة ولا عن أهل السنة والجماعة منهم، وجميع أقواله في هذا الباب، -أعنى ما دعا إليه من توحيد الأسماء والصفات وتوحيد العمل والعبادات- مجمع عليه عند المسلمين، لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم:

стр. 429

وعدل عن مناهجهم، كالجهمية والمعتزلة وغلاة عباد القبور، بل قوله مما اجتمعت عليه الرسل واتفقت عليه الكتب كما يعلم ذلك بالضرورة من عرف ما جاءوا به وتصوره، ولا يكفر إلا على هذا الأصل بعد قيام الحجة المعتبرة، فهو في ذلك على صراط مستقيم متبع لا مبتدع، وهذا كتاب الله وسنة رسوله وكلام أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أهل العلم والفتوى معروف مشهور مقرر في محله في حكم من عدل بالله وأشرك به وتقسيمهم الشرك إلى أكبر وأصغر، والحكم على المشرك الشرك الأكبر بالكفر مشهور عند الأمة لا يكابر فيه إلا جاهل لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم وما جاءت به الرسل. وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف غير واحد من أهل العلم، وحكى الإجماع عليها وأنها من ضروريات الإسلام كما ذكره تقي الدين بن تيمية وابن القيم الجوزية وابن عقيل وصاحب الفتاوى البزازية وصنع الله الحلبي والمقريزي الشافعي ومحمد بن حسين النعمي الزبيدي ومحمد بن إسماعيل الصنعاني ومحمد بن علي الشوكاني وغيرهم من أهل العلم١.

стр. 430

افتراؤه عليه جعل بلاد المسلمين دار كفر وأما قوله وجعل بلاد المسلمين كفاراً أصليين، فهذا كذب وبهت ما صدر ولا قيل ولا أعرفه عن أحد من المسلمين، فضلاً عن أهل العلم والدين، بل كلهم مجمعون على أن بلاد المسلمين لها حكم الإسلام في كل مكان وزمان، وإنما تكلم الناس في بلاد المشركين الذين يعبدون الأنبياء والملائكة والصالحين، ويجعلونهم أنداداً لله رب العالمين، ويسندون إليهم التصرف والتدبير كغلاة القبوريين، فهؤلاء تكلم الناس في كفرهم وشركهم وضلالهم، والمعروف المتفق عليه عند أهل العلم أن من فعل ذلك ممن يأتي بالشهادتين يحكم عليه بعد بلوغ الحجة بالكفر والردة، ولم يجعلوه كافراً أصلياً، وما رأيت ذلك لأحد سوى محمد بن إسماعيل في رسالته تجريد التوحيد

стр. 431

المسمى بتطهير الاعتقاد، وعلل هذا القول بأنهم لم يعرفوا ما دلت عليه كلمة الإخلاص فلم يدخلوا بها في الإسلام مع عدم العلم بمدلولها وشيخنا لا يوافقه على ذلك، ولكن هذا المعترض لا يتحاشى من الكذب ولو كان من الميتة والموقوذة والمتردية، وما رأيت شيخ الإسلام أطلق على بلد من بلاد المنتسبين إلى الإسلام أنها بلد كفر، ولكنه قرر أن دعاء الصالحين وعبادتهم بالاستعانة بالاستغاثة والذبح والنذر والتوكل على أنهم وسائط بين العباد وبين الله في الحاجات والمهمات هو دين المشركين، وفعل الجاهلية الضالين، من الأميين والكتابيين، فظن هذا أن لازم قوله أنه يحكم على هذه البلاد أنها بلاد كفر وهذا ليس بلازم، ولو لزم فلازم المذهب ليس بمذهب، ونحن نطالب الناقل بتصحيح نقله. انتهى. وأيضا قال: وأما قول المعترض: "لما رأى في هذه الأمة من الأحداث التي لا تزال موجودة فيها تقل وتكثر، ولا تزال علماؤها تحدد لها دينها من الباب الواسع هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتحاشى عن الدخول عليها من الباب الضيق وهو تكفيرها الذي حذر عنه نبيها" إلى آخر عبارته. فالجواب: أن يقال: قضية هذا الكلام أن الشيخ إنما كفر وقاتل وأخذ الأموال بأحداث لا تزال موجودة في الأمة تقل وتكثر، وأنها لا يكفر بها أحدا، وأن تكفير الصحابة١ لمن كفروه من أهل الردة على اختلافهم وتكفير علي للغلاة، وتكفيرهم للسحرة، وقتلهم، وتكفير من بعدهم للقدرية ونحوهم، وتكفير من بعد أولئك للجهمية وقتلهم لجعد بن درهم وجهم بن صفوان ومن على رأيهم وقتلهم للزنادقة -وهكذا في كل قرن وعصر من أهل العلم والفقه والحديث طائفة قائمة تكفر

стр. 432

من كفره الله ورسوله وقام الدليل على كفره، لا يتحاشون عن ذلك بل يرونه من واجبات الدين وقواعد الإسلام، وفي الحديث: "من بدل دينه فاقتلوه"١ وبعض العلماء يرى أن هذا والجهاد عليه ركن لا يتم الإسلام بدونه، وقد سلك سبيلهم الأئمة الأربعة المقلدون وأتباعهم في كل عصر ومصر، وكفروا طوائف من أهل الأحداث كالقرامطة والباطنية، وكفروا العبيديين ملوك مصر وقاتلوهم وهم يبنون المساجد ويصلون ويؤذنون ويدعون نصرة أهل البيت، وصنف ابن الجوزي كتاباً سماه "النصر على مصر" ذكر فيه وجوب قتالهم وردتهم، وقد عقد الفقهاء في كل كتاب من كتب الفقه المصنفة على مذاهبهم باباً مستقلاً في حكم أهل الأحداث التي توجب الردة وسماه باب الردة أكثرهم، وعرفوا المرتد بأنه الذي يكفر بعد إسلامه، وذكروا أشياء دون ما نحن فيه من المكفرات حكموا بكفر فاعلها وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم. انتهى. وأيضاً قال فيه وأما قوله: "إن تكفيرها حذر منه نبيها محمد ﷺ غاية التحذير". فيقال: إن زعمت أن النبي ﷺ حذر عن تكفير من أتى ما يوجب الكفر ويقتضيه ممن بدل دينه، فهذا مكابرة وجحد للضروريات والحسيات، وقائله إلى أن يعالج أحوج منه إلى تلاوة الآيات والأحاديث وحكاية الإجماع وفعل الأمة طبقة طبقة وقرناً قرناً، وإن أراد النهي عن تكفير عموم الأمة وجميعها، فهذا لم يقله أحد ولم نسمع عنه من مارق ولا مبتدع، وهل يقول هذا من له عقل يدرك به ويعرف ما في الأمة من العلم والإيمان والدين؟ وأما بعض الأمة فلا مانع من تكفير من قام الدليل على كفره كبني حنيفة وسائر أهل الردة في زمن أبي بكر وغلاة القدرية والمارقين الذين مرقوا في زمن علي ﵁ وغلوا فيه، وهكذا الحال في كل وقت وزمان، ولولا ذلك لبطل الجهاد وترك الكلام في أهل الردة وأحاكمهم. اهـ. وأيضاً قال فيه: قال الشيخ ﵀ في رسالة إلى السويدي البغدادي: وما ذكرت

стр. 433

أني أكفر جميع الناس إلا من ابتعني وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، فيا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟ إلى أن قال: وأما التكفير، فأنا أكفر من عرف دين الرسل، ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليس كذلك. وقال ﵀ في رسالته للشريف: وأما الكذب والبهتان مثل قولهم إنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهم لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. فإذا كان هذا كلام الشيخ ﵀ فيمن عبد الصنم الذي على القبور إذا لم يتيسر له من يعلمه ويبلغه الحجة، فكيف يطلق على الحرمين أنها بلاد كفر؟ اهـ. وإذا ما عرفت ما ذكرنا لك من العبارات، فاعلم أن الكلام على ما نقل المؤلف عن الشيخ محمد بن سليمان الكردي المدني بوجوه: (الأول) : أنه يطالب بتصحيح النقل فالاعتماد مرتفع عن نقله. و (الثاني) : أن دعوى كون محمد بن عبد الوهاب من تلامذة الشيخ المذكور مفتقرة إلى التبيين. و (الثالث) : أنه لا يعلم من حال الشيخ المذكور ما يدل على أنه من أهل العلم والديانة حتى يعول على قوله. و (الرابع) : أنه بعد ثبوت صحة ما نقل وكون الشيخ محمد بن عبد الوهاب من تلامذة المذكور، وكون الشيخ المذكور من العلماء الراسخين المتدينين، يحتمل أن يكون نصحه المذكور مبينا على ما اشتهر على ألسنة أعداء الشيخ محمد بن عبد الوهاب

стр. 434

من تكفيره السواد الأعظم من المسلمين لا على التحقيق. و (الخامس) : لو سلمنا هذا النقل فأي حجة فيه على أن الحق مع أستاذه في ذلك؟ ومتابعة الأساتذة لا تحمد مطلقاً. و (السادس) : أنك قد عرفت فيما تقدم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكفر السواد الأعظم من المسلمين، ومن كفره فلم يكفره بارتكاب ذنب من الكبائر كما هو مذهب الخوارج، إنما كفره بدعوة غير الله بحيث يطلب فيها منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وهذا لا يستريب أحد من أهل العلم والديانة أنها عبادة لغير الله، وعبادة غير الله لا شك في كونها كفراً، مع أنه لم يكفره أيضاً حتى عرفه الصواب ونبهه. وأيضاً قد عرفت فيما مر أن الشيخ ليس بمنفرد في هذا التكفير، بل جميع أهل العلم من أهل السنة والجماعة يشاركونه فيه لا أعلم أحداً مخالفاً له، منهم تقي الدين بن تيمية، وابن قيم الجوزية، وابن عقيل، وصاحب الفتاوى البزازية، وصنع الله الحلبي، والمقريزي الشافعي، ومحمد بن حسين النعمي الزبيدي، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، ومحمد علي الشوكاني، وصاحب الإقناع، وابن حجر المكي، وصاحب النهر الفائق، والإمام البكري الشافعي، والحافظ عماد الدين بن كثير، وصاحب الصارم المنكي، والشيخ حمد ناصر، والعلامة الإمام الحسن بن خالد، والشيخ العلامة محمد بن الحفظي وغيرهم. (السابع) : قول الشيخ محمد بن سليمان المذكور، فإن سمعت من شخص أنه يعتقد تأثير ذلك المستغاث به من دون الله تعالى فعرفه الصواب. اهـ. فيه أن الكفر لا يتوقف على اعتقاد تأثير المستغاث به من دون الله تعالى، بل مجرد دعاء غير الله بحيث يشتمل على طلب ما لا يقدر عليه إلا الله كفر، كما تقدم غير مرة. (الثامن) : قول ذلك الشيخ: ولا سبيل لك إلى تكفير السواد الأعظم من المسلمين وأنت شاذ عن السواد الأعظم، فنسبة الكفر إلى من شذ عن السواد الأعظم أقرب. اهـ. فيه أنه لم يعرف معنى السواد الأعظم، فإنه ليس معناه جمهور من يدعي الإسلام، بل هو أهل الحق وإن قلوا، كما مر تحقيقه بما لا مزيد

стр. 435

عليه فتذكر. وقال العلامة الإمام الحسن بن خالد في كتاب (منفعة قوت القلوب، وفي إخلاص توحيد علام الغيوب) : وليس السواد الأعظم إلا أهل الحق وإن قلوا. اهـ. وقال الإمام ابن القيم ﵀ في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا﴾ . الآية: الغرباء في هذا العالم هم أهل الصفة المذكورة في هذه الآية، وهم الذين أشار إليهم النبي ﷺ في قوله: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء". قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: "الذين يصلحون إذا أفسد الناس" وفي حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن عنده: "طوبى للغرباء" قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: "ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم" فأهل الإسلام بين أكثر الناس غرباء، وأهل الإيمان بين أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين تميزوا بها عن الأهواء والبدع فيهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على الأذى فهيا أشد غربة، ولكن هؤلاء المخالفين لهم هم أهل الله حقا، فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين، قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فأولئك هم الغرباء إلى الله ورسوله، وغربتهم هي الرغبة الموحشة الوحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم، فالغربة على ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق وبين الغربة التي مدح رسوله ﷺ وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريباً وأنه سيعود غريباً وأن أهله يصيرون غرباء، وقال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا يناقش في عزها، للناس حال وله حال، ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي ﷺ التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا طريق

стр. 436

ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء ينتسبون إلى الله تعالى بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده، وهؤلاء القابضون على الجمر حقاً، فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل الشذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم، وقال النبي ﷺ : "إنهم النزاع من القبائل" اهـ. هكذا نقله بعض المحققين في الرد على جلاء الغمة. قوله: والحاصل أن المانعين للزيارة والتوسل قد تجاوزوا الحد فكفروا أكثر الأمة واستحلوا دماءهم وأموالهم وجعلوهم مثل المشركين الذين كانوا في زمن النبي ﷺ وقالوا: إن الناس مشركون في توسلهم بالنبي ﷺ وبغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين، وفي زيارتهم قبره ﷺ ، وندائهم له بقولهم: يا رسول الله نسألك الشفاعة. أقول: المانعون للزيارة والتوسل لم يتجاوزوا الحد قط، وإنما كفروا من كفروا لأجل عبادتهم لغير الله كدعائهم الأموات بحيث يطلب فيه منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وكالذبح لهم والنذر لهم والتوكل عليهم بعد تعريف الصواب والتنبيه عليه، ولم يقولوا إن الناس هم مشركون في مجرد توسلهم بالنبي ﷺ وبغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين، وفي مجرد زيارتهم قبره ﷺ ، هذا افتراء بحت وبهت محض، إنما أشركوا بالتوسل والزيارة اللذين يشتملان على عبادة غير الله من الدعاء والذبح والنظر. وأما التوسل كأن يتوسل بالنبي ﷺ بتصديقه على الرسالة والإيمان بما جاء به وطاعته في أمره ونهيه، وكأن يتوسل بدعائه ﷺ في حياته، وكأن يدعو الرب سبحانه بإضافته إلى عباده الصالحين، وكأن يتوسل بالصلاة على النبي ﷺ ، كذلك الزيارة الشرعية فلا يمنعها أحد، نعم التوسل بأن يقول: اللهم أني أسألك بحق فلان عبدك، وشد الرحال لمجرد الزيارة، فيه اختلاف لأهل العلم، والمحققون يمنعونهما ويقولون إنهما ليسا بثابتين، وإنهما من البدع، ولكن لا يكفرون من ارتكبه، وأما النداء وطلب الشفاعة فلا يكفرون بهما مطلقاً، بل إذا كانا متضمنين لعبادة

стр. 437

غير الله، وقد مر تفصيله فتذكر. قوله: وحملوا الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على خواص المؤمنين وعوامهم كقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ . إلى قوله: كلها، حملوا الدعاء فيها على النداء ثم حملوها على المؤمنين الموحدين. أقول: الكلام عليه بوجوه: (الأول) : أن نزول جميع الآيات المتلوة هنا في المشركين غير مسلم، ألا ترى أن الآية الأولى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ . المخاطب فيها النبي ﷺ والمؤمنون، قال الحافظ ابن كثير: يقول الله تعالى آمراً عباده أن يوحدوه في محال عبادته ولا يدعى معه أحد ولا يشرك به كما قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ . قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه ﷺ أن يوحدوه وحده. اهـ. وفي فتح البيان: قال مجاهد كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها، يقول: فلا تشركوا فيها صنماً أو غيره مما يعبد. اهـ. وأما كون اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله فنزول الآية فيه لا يقتضي أن لا يكون الدعاء المذكور منهياً عنه في حق المؤمنين. وكذلك المأمور والمخاطب في قوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ هو النبي ﷺ . قال في فتح البيان: ثم لما قرر الله سبحانه حقية القرآن وأنه منزل من عنده، أمر نبيه ﷺ بدعاء الله وحده فقال: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ إن فعلت ذلك الذي دعوك إليه، وخطاب النبي ﷺ بهذا -مع كونه منزها عنه، معصوماً منه- لحث العباد على التوحيد، ونهيهم عن شوائب الشرك، وكأنه قال أنت أكرم الخلق وأعزهم عندي، ولو اتخذت معي إلهاً

стр. 438

لعذبتك، فكيف بغيرك من العباد؟ وقد أخطأ المؤلف في نقل هذه الآية فكتب الواو بدل الفاء، وكذلك ورد الخطاب مع النبي ﷺ في غير هذه الآية مما لم يذكره المؤلف، منه قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . ومنه قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ . وبالجملة كفى بتلك الآيات حجة على منع دعاء غير الله، سواء قيل أنها أنزلت في المشركين أو غيرهم، إذا المأمور فيها هو النبي ﷺ والمؤمنون. و (الثاني) : أنا ما حملنا الآيات على خواص المؤمنين وعوامهم، إنما حملناها على من يدعون غير الله رغبة ورهبة، ويطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وينحر له، وينذر له، وهم مشركون قطعاً كما مر تقريره. و (الثالث) : أنه لو سلم أن بعض الآيات نزلت في المشركين فألفاظها عامة كلفظ من يدعو من دون الله، والذين يدعون من دونه، وقد تقرر في محله أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولو خصصت الآيات بما نزلت فيه لبطل معظم أحكام الإسلام. قوله: وكلامهم كلمة باطل لأن الدعاء الذي في الآيات بمعنى العبادة، وهم لبسوا على الخلق، وجعلوه بمعنى النداء، وقد علمت بطلانه من النصوص السابقة. أقول: الدعاء كونه في الأصل بمعنى النداء والطلب مما لا مرية فيه، وأما كونه بمعنى العبادة فلم يثبت بعد حقيقة لا لغة ولا شرعاً، فإن ثبت إطلاقه عليها فإنما يكون مجازاً، ويرشدك إلى هذا أنه ليس في كتاب من كتب اللغة فيما أظن أن الدعاء معناه

стр. 439

العبادة ولا في كلام أحد من فصحاء الجاهلية لا في نظم ولا نثر ما يقتضي ذلك فضلاً عن كونه نصاً عليه، ولنذكر هنا عبارات كتب اللغة لتتضح لديك معانيه الحقيقية فنقول: قال الجوهري: في الصحاح: ودعوت فلاناً أي صحت به واستدعيته، ودعوت الله له وعليه دعاء، والدعوة المرة الواحدة، والدعاء واحد الأدعية. اهـ. وقال في القاموس: الدعاء الرغبة إلى الله تعالى، دعاه دعاء ودعوى، والدعاءة السبابة، وهو منى دعوة الرجل أي قدر ما بيني وبينه ذاك، ولهم الدعوة على غيرهم أي يبدأ بهم في الدعاء، وتداعوا عليهم تجمعوا. ودعاه ساقه. والنبي ﷺ داعي الله، ويطلق على المؤذن، والداعية صريخ الخيل في الحروب، وداعية اللبن بقيته التي تدعو سائره، ودعاها في الرضع أبقاها فيه، ودعاه الله بمكروه أنزله به، ودعوته زيداً وبزيد سمتيه به. اهـ. وقال الفيومي في المصباح المنير: دعوت الله أدعوه دعاء ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير، ودعوت زيداً ناديته وطلبت إقباله، ودعا المؤذن الناس إلى الصلاة فهو داعي الله والجمع دعاة وداعون مثل قاضي وقضاة وقاضون، والنبي داعي الخلق إلى التوحيد، ودعوت الولد زيداً وبزيد إذا سميته بهذا الاسم. اهـ. وبالجملة ليس في شيء من كتب اللغة الدعاء بمعنى العبادة، نعم قال الحافظ ابن حجر: ويطلق الدعاء أيضاً على العبادة، ونصه في دعوات الفتح هكذا: بفتح المهملتين جمع دعوة بفتح أوله وهي المسألة الواحدة، والدعاء الطلب إلى الشيء الحث على فعله، دعوت فلاناً سألته، ودعوته استغثته، ويطلق أيضاً على رفعة القدر كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الْآخِرَةِ﴾ كذا قال الراغب، ويمكن رده إلى الذي قبله، ويطلق الدعاء أيضاً على العبادة، والدعوى بالقصر الدعاء كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ والإدعا كقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ وقال الراغب: الدعاء والنداء واحد، قد يتجرد النداء عن الاسم والدعاء لا يكاد يتجرد. وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في شرح الأسماء الحسنى ما ملخصه: جاء الدعاء في

стр. 440

القرآن على وجوه: (منها) العبادة: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ، ومنها الاستغاثة: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ ، ومنها السؤال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، ومنه القول: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ ، والنداء: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ ، والثناء: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ . اهـ١. وقال٢ تحت قوله: وقول الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية: وهذه الآية ظاهرة في ترجيح الدعاء على التفويض، وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن الآية بأن آخرها دل على أن المراد بالدعاء العبادة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ واستدلوا بحديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ . الآية، أخرجه الأربعة وصححه الترمذي والحاكم، وشذت طائفة فقالوا المراد بالدعاء في الآية ترك الذنوب، وأجاب الجمهور أن الدعاء من أعظم العبادة فهو كالحديث الآخر "الحج عرفة" أي معظم الحج وركنه الأكبر، ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رفعه: "الدعاء مخ العبادة" اهـ. وقال القسطلاني في (إرشاد الساري) : كتاب الدعوات بفتح الدال والعين المهملتين جمع دعوة بفتح أوله مصدر يراد به الدعاء، يقال: دعوت الله أي سألته. اهـ. وقال تحت قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ : لما كان من أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع أمر الله تعالى به فضلاً وكرماً، وتكفل لهم بالإجابة، وقيل: المراد بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الأمر بالعبادة بدليل قوله بعد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ صاغرين ذليلين. والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً﴾ وأجاب الأولون بأن هذا ترك الظاهر، فلا يصار إليه إلا بدليل. وقال العلامة تقي الدين السبكي: الأولى حمل الدعاء في الآية على ظاهرة، وأما قوله بعد ذلك: ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة، فمن

стр. 441

استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا فالوعيد إنما هو حق، من ترك الدعاء استكباراً ومنفعل ذلك كفر. اهـ. وقال في مجمع البحار: والدعاء الغوث، ومنه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أي استغيثوا إذا نزل بكم ضر، ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾ أي جعلوا، ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ﴾ لن نعبد، يقال دعوته إذا ناديته وإذا سميته، وفيه: أن نساء يدعون أي يطلبن بالمصابيح من جوف الليل، وفيه: "أن ندعو لله ندا" الدعاء النداء ويستعمل استعمال التسمية والسؤال والاستغاثة، وهو هنا متضمن معنى الجعل، وفيه الدعاء وهو العبادة، أي يستأهل أن يسمى عبادة لدلالته على الإقبال عليه والإعراض عما سواه، ويمكن إرادة لغته أي الدعاء ليس إلا إظهار التذلل: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ اعبدوني أثبكم لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ . اهـ. ملتقطاً. إذا دريت تلك العبارات فقد عرفت أن الدعاء قد يطلق أيضاً على العبادة، ولكن هناك مباحث: (الأول) : أن هذا ادعاء بلا دليل، وأما ما يذكر له من الشواهد والأمثلة من القرآن المجيد كقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً﴾ وقوله تعالى: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ﴾ وغيرها من الآيات فلا يصلح شاهداً له، إذ يحتمل أن يراد بالدعاء في هذه الآيات كلها السؤال بجلب النفع ودفع الضرر الذي هو معناه الحقيقي، بل هو المتعين، لأنه ليس هناك صارف يصرف عن إرادة المعنى الحقيقي، وقد صرح غير واحد من أهل العلم بأن المراد بالدعاء في قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ هو السؤال بجلب النفع ودفع الضرر لا العبادة وإن اختلف الناس فيه. وذكر الإمام الرازي تحت قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . ما يقتضي أن المراد بالدعاء في هذه الآية طلب المنفعة والمضرة، ونصه هكذا: يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الظالمين، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، فإذا كان

стр. 442

ما سوى الحق معزولاً عن التصرف كانت إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعاً للشيء في غير موضعه فيكون ظلماً. اهـ. فإن قلت: الصارف هناك ما قد ذكر صاحب الرسالة فيما تقدم من أنه لو كان كل نداء دعاء وكل دعاء عبادة شمل ذلك نداء الأحياء والأموات، فيكون كل نداء ممنوعاً مطلقاً سواء كان للأحياء والأموات أم للحيوانات والجمادات، وليس الأمر كذلك. قلنا: هذا لا يصلح صارفاً، فإن المراد بالدعاء عندنا ليس مطلق النداء بل النداء الذي فيه طلب ما لا يقدر عليه إلا الله كما تقدم، لا يقال فعلى هذا ليس هذا المعنى حقيقياً، فإنه فرد من أفراد مطلق النداء، وإذا أطلق المطلق وأريد به الخاص فهو مجاز، لأنا نقول: كما أن لفظ الدعاء وضع في الأصل لمطلق النداء كذلك وضع النداء الذي ذكرناه، يرشدك، إلى هذا عبارات الجوهري وصاحب القاموس والفيومي التي ذكرت فيما تقدم فتذكر، فيكون النداء المذكور حقيقة شرعية. وعلى تقدير تسليم أن لفظ الدعاء ليس بحسب اللغة موضوعاً للنداء المذكور يقال: لا شك في أن لفظ الدعاء بحسب الشرع موضوع للنداء المذكور، فإن الله تعالى ورسوله جعل الدعاء من أفراد العبادة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ وقال رسول ﷺ : "الدعاء هو العبادة"، وأيضاً: "الدعاء مخ العبادة". وقد أمر الله تعالى ورسوله بالدعاء في غير ما موضع، وهذا دال على أن الدعاء الشرعي عبادة، ولا مرية في أن مطلق النداء ليس بعبادة، فإذا المراد به هو النداء المذكور، فيكون النداء المذكور حقيقة شرعية للفظ الدعاء، ويمكن أن يراد بالدعاء في الآيات المذكورة مطلق النداء ويخصص بمخصصات أخر، فيكون من قبيل العام الذي خص منه البعض فيكون فيما بقى من الأفراد حجة ظنية، وليس هناك مخصص يخرج دعاء الأموات من الأنبياء والصالحين الذي يتضمن طلب ما لا يقدر عليه إلا الله من هذا العموم. و (الثاني) : أنه لو سلم إطلاق الدعاء على العبادة، فهذا مجاز، ومن ثم قال القسطلاني

стр. 443

وأجاب الأولون بأن هذا ترك الظاهر فلا يصار إليه إلا بدليل، وهكذا قال الإمام الرازي. وقال في فتح البيان: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قال أكثر المفسرين: المعنى وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم وأجبكم وأثبكم، وقيل: هذا الوعد بالإجابة مقيد بالمشيئة، أي أستجب لكم إن شئت كقوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ ، وقيل: المراد بالدعاء السؤال بجلب النفع ودفع الضرر، قيل: الأول أولى، لأن الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة، قلت: بل الثاني أولى، لأن معنى الدعاء حقيقة وشرعاً هو الطلب، فإن استعمل في غير ذلك فهو مجاز، على أن الدعاء في نفسه باعتبار معناه الحقيقي هو عبادة، بل مخ العبادة كما ورد بذلك الحديث الصحيح، فالله سبحانه قد أمر عباده بدعائه، ووعدهم بالإجابة، ووعده الحق، وما يبدل القول لديه، ولا يخلف الميعاد. اهـ. وقال في (نزل الأبرار) : وقد حقق العلامة الشوكاني في مؤلفاته أنها بمعنى الدعاء في القرآن وفي الحديث، وعليه الفحول من العلماء في القديم والحديث، وحيث تقرر أن الدعاء عبادة أفتى الراسخون في العلم بأن دعاء من سوى الله كائناً من كان شرك وعبادة لذلك الغير، والبحث في هذا يطول جداً، انظره في كتاب (الدين الخالص) فإن مؤلفه قضى الوطر بذلك. اهـ. وقال الإمام الرازي: وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه ﷻ العناية، واستمداده إياه المعونة، وقال أيضاً: الدعاء مغاير للعبادة في المعنى. اهـ. وإذا ثبت أن العبادة معنى مجازي للدعاء فلا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة وفيما نحن فيه تعذر الحقيقة ممنوع. و (الثالث) : أن الدعاء إذا كانت العبادة معنى مجازياً له فما العلاقة بينهما؟ فنقول: العلاقة بينهما إما العموم والخصوص فإن العبادة عام والدعاء خاص، قال العلامة تقي الدين السبكي: الأولى حمل الدعاء في الآية على ظاهره، وأما قوله بعد ذلك: ﴿عَنْ

стр. 444

عِبَادَتِي﴾ فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، كذا ذكره القسطلاني في (إرشاد الساري) . وأيضاَ: قال القسطلاني: لما كان من أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع أمر الله تعالى به فضلاً وكرماً وتكفل لهم بالإجابة. وقال الإمام الرازي: وقال الجمهور الأعظم من العقلاء إن الدعاء أهم مقامات العبودية، ويدل عليه وجوه من النقل والعقل. وأيضاً قال: ولما كان أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع، لا جرم أمر الله تعالى به في هذه الآية فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . اهـ. وأيضاً قال: واعلم أن الدعاء نوع من أنواع العبادة، وقال: بل نقول الدعاء يفيد معرفة ذلة العبودية، ويفيد عزة الربوبية، وهذا هو المقصود الأشرف الأعلى من جميع العبادات، وبيانه أن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه كونه محتاجاً إلى ذلك المطلوب وكونه عاجزاً عن تحصيله، وعرف من ربه وإلهه أنه يسمع دعاءه ويعلم حاجته وهو قادر على دفع تلك الحاجة، وهو رحيم تقتضي رحمته إزالة تلك الحاجة، وإذا كان كذلك فهو لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف كونه موصوفاً بالحاجة، وبالعجز، وعرف كون الإله سبحانه موصوفا بكمال العلم والقدرة والرحمة، فلا مقصود من جميع التكاليف إلا معرفة ذل العبودية وعز الربوبية، فإذا كان الدعاء مستجمعاً لهذين المقامين لا جرم كان الدعاء أعظم أنواع العبادات. اهـ. أو العلاقة بينهما السببية والمسببية، فإن العبادة سبب للدعاء، قال الإمام الرازي تحت قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً﴾ : ويدعون بمعنى يعبدون، لأن من عبد شيئاً فإنه يدعوه عند احتياجه إليه. وقال أيضاً: إن الغالب من حال من يعبد غيره أن يلتجئ إليه في المسألة ليعرف مراده إذا سمع دعاءه ثم يستجيب له في بذل منفعة أو دفع مضرة. اهـ. و (الرابع) : أن الله تعالى قال بعد الأمر بالدعاء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ

стр. 445

عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ فلولا أن الدعاء بمعنى العبادة لما بقى لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ معنى. فنقول: الربط لا يتوقف على ذلك، بل هناك ثلاثة احتمالات: (الأول) : ما ذكر، أي يراد بالدعاء العبادة. و (الثاني) : أن يراد بالعبادة الدعاء، فكما أن العبادة معنى مجازي للدعاء، كذلك الدعاء معنى مجازي للعبادة. و (الثالث) : أن يراد بكليهما معناهما الحقيقي، وإنما يشكل الربط على هذا التقدير فقط، فوجه الربط على هذا ما ذكره السبكي، وقد ذكرت عبارته فيما تقدم، وقريب منه أن يقال: إن العبادة أعم من الدعاء، فمن استكبر عن الدعاء استكبر عن العبادة فتفطن. وجملة القول في الباب أن الدعاء معناه الحقيقي طلب جلب النفع ودفع الضر، وأما كونه بمعنى العبادة فممنوع، ولو سلم فهو معنى مجازي ولا يصار إلى المجاز مع إمكان الحقيقة١.

стр. 446

قوله: وأما جعلهم التوحيد نوعين: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، فباطل أيضاً. فإن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية، ألا ترى قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ . ولم يقل ألست بإلهكم، فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية ومن المعلوم أن من أقر بالربوبية فقد أقر له بالألوهية، إذ ليس الرب غير الإله بل هو الإله بعينه. أقول: لا مرية في أننا مأمورون باعتقاد أن الله وحده هو ربنا ليس لنا رب غيره، وباعتقاد أن الله وحده هو معبودنا ليس لنا معبود غيره وأن لا نعبد إلا إياه، والأمر الأول هو الذي يقال له توحيد الربوبية، والأمر الثاني هو الذي يقال له توحيد الألوهية، والإشراك في الأول يسمى الإشراك في الربوبية والإشراك في الثاني يسمى الإشراك في الألوهية، والآيات الدالة على الأمر الأول كثيرة: منها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ . ومنها قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ . ومنها قوله تعالى فيه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ ، ومنها قوله تعالى فيه: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ، ومنها قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ الآية، ومنها قوله تعالى في المائدة: ﴿وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ، ومنها قوله تعالى في الأنعام: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ، ومنها قوله تعالى فيها: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ –إلى قوله تعالى- إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا

стр. 447

مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ، ومنها قوله تعالى فيها: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ ، ومنها قوله تعالى فيها: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَباًّ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، ومنها قوله تعالى في الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ -إلى قوله تعالى- تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ ، ومنها قوله تعالى فيها: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ، ومنها قوله تعالى في التوبة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ، ومنها قوله تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ -إلى قوله- ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ ، ومنها قوله تعالى فيها: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ، ومنها قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾ ، ومنها قوله تعالى في سورة الرعد: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ ، ومنها قوله تعالى فيها: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ، ومنها قوله تعالى في الكهف: ﴿لَكِنَّاْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ ومنها قوله تعالى فيها: ﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ ومنها قوله تعالى في مريم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً. رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ ومنها قوله تعالى في سورة طه: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ومنها قوله في سورة الأنبياء: ﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ومنها قوله تعالى في الحج: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ومنها قوله تعالى في الصافات: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ المَشَارِقِ﴾ ومنها قوله تعالى في ص: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ

стр. 448

وَمَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ﴾ ومنها قوله تعالى في الزمر غب بيان شيء من صفات الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ومنها قوله تعالى في المؤمن: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ ومنها قوله تعالى في المؤمن بعد ذكر بعض صفات الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ومنا قوله تعالى فيها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ. هُوَ الحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ البَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ ومنها قول تعالى في حم السجدة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ ومنها قوله تعالى في الشورى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . وأما الآيات الدالة على الأمر الثاني فأكثر من أن تحصى، منها بعض ما ذكر لإثبات الأمر الأول من الآيات، ومنها ما أتلو عليك الآن، فنقول: منها قوله تعالى: في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقوله تعالى في البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله تعالى فيها: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ وقوله تعالى فيها: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ وقوله تعالى فيها: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ . وقوله تعالى فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ . وقوله تعالى فيها: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ . وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ . وقوله تعالى في النساء: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . وقوله تعالى في المائدة: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ

стр. 449

مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . وقوله تعالى فيها: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . وقوله تعالى فيها: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ . وقوله تعالى في الأنعام: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . وقوله تعالى في الأعراف: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ –إلى قوله– فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . وقوله تعالى فيه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . وقوله تعالى فيه: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ . وقوله تعالى فيه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . وقوله تعالى فيه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . وقوله تعالى في التوبة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ولا أظنك شاكاً في أن مفهوم الرب ومفهوم الإله متغايران، وإن كان مصداقهما في نفس الأمر وفي اعتقاد المسلمين المخلصين واحداً، وذلك يقتضي تغاير مفهومي التوحيدين، فيمكن أن يعتقد أحد من الضالين توحيد الرب ولا يعتقد توحيد الإله، وأن يشرك واحداً من المبطلين في الألوهية ولا يشرك في الربوبية، وإن كان هذا باطلاً في نفس الأمر، ألا ترى أن مصداق الرازق ومالك السمع والأبصار، والمحيي والمميت، ومدبر الأمر، ورب السموات السبع ورب العرش الكريم، ومن بيده ملكوت كل شيء، والخالق ومسخر الشمس والقمر ومنزل الماء من السماء – ومصداق الإله واحد؟ ومع ذلك كان مشركو العرب يقرون بتوحيد الرازق ومالك السمع والأبصار وغيرهما، ويشركون في الألوهية والعبادة، والدليل عليه ما قال تعالى في سورة يونس: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ وقوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ

стр. 450

تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ . وقوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ . وقوله تعالى فيها أيضاً: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ . وقوله تعالى في سورة لقمان: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ . وقوله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . وقوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ . وقوله تعالى فيها أيضاً: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ . فكذلك عباد القبور الذين لم يبق فيهم من الإسلام إلا اسمه يقرون بتوحيد الرازق والمحيي والمميت والخالق والمؤثر والمدبر والرب١، ومع ذلك يدعون غير الله من الأموات خوفاً وطمعاً، ويذبحون لهم وينذرون لم ويطوفون بهم ويحلقون لهم، ويخرجون من أموالهم جزءاً لهم، وكون مصداق الرب عين مصداق الإله في نفس الأمر وعند المسلمين المخلصين لا يقتضي اتحاد مفهوم توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ولا اتحاد مصداق الرب والإله عند المشركين من الأمم الماضية وهذه الأمة. أما نعقل أن لفظ توحيد الربوبية، ولفظ توحيد الألوهية كلاهما مركبان إضافيان والمضاف في كليهما كلي؟ وهذا غني عن البيان، وكذلك المضاف إليه كليهما، فإن الربوبية والألوهية معنيان مصدريان منتزعان من الرب والإله وهما كليان.

стр. 451

أما الرب فلأن معناه المالك والسيد والمتصرف للإصلاح والمصلح والمدبر والمربي والجابر والقائم والمعبود، وكل واحد مما ذكر معنى كلي. وأما الإله فلأن معناه المعبود بحق أو باطل، وهو معىي كلي فالمنتزع منهما أيضاً يكون معناً كلياً، فتوحيد الربوبية اعتقاد أن الرب واحد سواء كان ذلك الرب عين الإله أو غيره، وتوحيد الألوهية اعتقاد أن الإله واحد سواء كان ذلك الإله عين الرب أو غيره. وإذا تقرر هذا فنقول: يمكن أن يوجد في مادة توحيد الربوبية ولا يوجد في توحيد الألوهية، كمن يعتقد أن الرب واحد ولا يعتقد أن الإله واحد بل يعبد آلهة كثيرة، ويمكن أن يوجد في مادة توحيد الألوهية ولا يوجد توحيد الربوبية، كمن يعتقد أن المستحق للعبادة واحد، ولا يعتقد وحدانية الرب، بل يقول إن الأرباب كثيرة متفرقة، ويمكن أن يجتمعا في مادة واحدة كمن يعتقد أن الرب والإله واحد، فثبت أن مفهوم توحيد الربوبية مغاير لمفهوم توحيد الألوهية. نعم توحيد الربوبية من حيث أن الرب مصداقه إنما هو الله تعالى لا غير يستلزم توحيد الألوهية من حيث أن الإله مصداقه إنما هو الله تعالى لا غير، لكن هاتين الحيثيتين زائدتان على نفس مفهومي التوحيدين ثابتتان بالبرهان العقلي والنقلي. على أنا لو قطعنا النظر عن بحث تغاير مفهومي التوحيدين فمطلوبنا حاصل أيضاً، فإن توحيد الألوهية لا يتأتى إنكاره من أحد من المسلمين، وهو كاف لإثبات إشراك عباد القبور، فإنهم إذا دعوا غير الله رغبة ورهبة وخوفاً وطمعاً، وطلبوا منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ونحروا لهم ونذروا لهم وطافوا لهم وحلقوا لهم، وأخرجوا من أموالهم جزءاً لهم، وصنعوا غير ذلك من العبادات، فقد عبدوا غير الله واتخذوهم آلهة من دون الله. فإن قلت: إن عباد القبور لا يعتقدون أن الأموات من الأنبياء والصالحين أرباب وآلهة أصلاً، ولا يطلقون لفظ الأرباب والآلهة أبداً، فكيف يكونون مشركين؟ قلت: في هذا ذهول عن معنى الإشراك في الألوهية والعبادة، فإن الإشراك في العبادة

стр. 452

–عبادة غير الله– من الدعاء والذبح والنذر والطواف وغيرها سواء يعتقده رباً أو إلهاً أم لا؟ وسواء يطلق لفظ الرب والإله عليه أم لا؟ تدل عليه الآيات الكثيرة منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ –إلى قوله– فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ . وأما استدلال المؤلف١ على اتحاد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية بقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ . ولم يقل ألست بإلهكم بأنه تعالى اكتفى منهم بتوحيد الربوبية فليس بشيء، فإن غاية ما يثبت من الآية أن الله تعالى لم يذكر في هذه الآية توحيد الألوهية، وهذا لا دلالة له بشيء من الدلالات على اتحادهما، فرب حكم يذكر في آية دون أخرى، وتوحيد الألوهية وإن لم يذكر في هذه الآية فهو مذكور في الآيات التي تلونا آنفاً، وتوجيه الاكتفاء بتوحيد الربوبية ليس منحصراً في أنهما لما كانا متحدين اكتفى بذكر أحدهما، بل هناك احتمالات أخر:

стр. 453

(الأول) أن الإقرار بتوحيد الربوبية مع لحاظ قضية بديهية وهي أن غير الرب لا يستحق للعبادة يقتضي الإقرار بتوحيد الألوهية عند من له عقل سليم وفهم مستقيم، فيكون الإقرار المذكور حجة عليهم كما احتج الله تعالى على المشركين بتوحيد الرازق، ومالك السمع والأبصار، والمحي والمميت، ومدبر الأمر، ومن له الأرض ومن فيها، ورب السموات السبع ورب العرش العظيم، ومن بيده ملكوت كل شيء، ومن خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر، ومن نزل من السماء ماء، ومن خلقهم –في الآيات التي تليت فيما تقدم- على وحدانية الألوهية. قال الحافظ ابن كثير تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ الآية: يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانية ربوبيته على وحدانية ألوهيته، وقال: ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أي أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم؟ وقوله: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ الآية، أي فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، فماذا بعد الحق إلا الضلال، أي فكل معبود سواه باطل لا إله إلا هو واحد لا شريك له: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ؟ أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء؟ اهـ. وقال تحت قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ . الآية، يقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، ولهذا قال لرسوله محمد ﷺ أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية: أنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الألوهية فعبدوا غيره معه، مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئاً ولا يملكون شيئاً ولا يستبدون بشيء، بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فقال: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا﴾ أي من مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك: ﴿قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أنه لا تنبغي

стр. 454

العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ؟ أي من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات، والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار والجهات، ومن هو رب العرش العظيم؟ يعني الذي هو سقف المخلوقات. قال وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي إذا كنتم تعترفون بأنه رب السموات ورب العرش العظيم أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟ قال: وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله تعالى وحده لا شريك له قل: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك. اهـ. وقال تحت قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ. أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى، ثم شرع يبين أنه المتفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، أي لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها، وإنما يقدر على ذلك الخالق والرازق المستقل بذلك، المنفرد به دون ما سواه من الأصنام والأنداد كما يعترف به هؤلاء المشركين، كما قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة من هو المنفرد بالخلق والرزق، ولهذا قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يعبد؟ وقد تبين لكم ولك ذي لب مما يعترفون به أيضاً أنه الخالق الرازق. اهـ. وقال تحت قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ؟ الآية: يقول تعالى مقرراً أنه لا إله إلا هو، لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السموات

стр. 455

والأرض والشمس والقمر وتسخير الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده، ومقدر آجالهم واختلاف أرزاقهم، ففاوت بينهم فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يصلح كلا منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء، المتفرد بتدبيرها، فإذا كان الأمر كذلك فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته. وكثيراً ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية، وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. اهـ. وقال تحت قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الآية: يقول تعالى مخبراً عن هؤلاء المشركين به أنهم يعرفون أن الله خالق السموات والأرض وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خلق له وملك له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي إذ قامت عليكم الحجة باعترافكم: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ اهـ. وقال تحت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ : ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له، كما أنه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فليفرد بالعبادة، ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ولهذا قال تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فكيف تؤفكون بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان؟ وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان. اهـ. وقال تحت قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ : أي هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلقكم وخلق آباءكم، وهو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ؟ أي فكيف تعبدون معه غيره؟ أين يذهب بعقولكم؟ اهـ.

стр. 456

وقال تحت قوله تعالى في الزمر: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ : يعني المشركين، كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق للأشياء كلها ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً. اهـ. وقال تحت قوله تعالى في الزخرف: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ يقول تعالى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: من خلق السموات والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أي ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد. اهـ. وقال تحت قوله تعالى فيه أيضاً: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ : أي ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: من خلقهم؟ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ، أي هم يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها وحده لا شريك له في ذلك، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك شيئاً ولا يقدر على شيء، فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ؟ اهـ. و (الاحتمال الثاني) : أن في الآية اختصاراً، والمقصود: ألست بربكم وإلهكم؟ يدل عليه أثر ابن عباس: إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وتكفل لهم بالأرزاق الحديث، وأثر أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، قال: فجمعهم له يومئذ جميعاً ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فجعلهم في صورهم ثم استنطقهم فتكلموا، وأخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ الآية، قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئاً، وإني لأرسل إليكم رسلي لينذروكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي، قالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك، فأقروا يومئذ بالطاعة، ذكر هذين الأثرين الحافظ بن كثير في تفسيره.

стр. 457

وقال أيضاً فيه: يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه. اهـ. و (الاحتمال الثالث) : أن المراد بالرب المعبود، قال القرطبي: والرب المعبود، وعن عكرمة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ قال: يسجد بعضنا لبعض، كذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره وغيره، وقال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فالمراد بالأرباب في تلك الآية هم المعبودون، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وكذلك فهم عدي بن حاتم ﵁ وقرره النبي ﷺ عليه، روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم ﵁ أنه لما بلغته دعوة رسول الله ﷺ فر إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله ﷺ على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله ﷺ فقدم عدي المدينة وكان رئيساً في قومه طيء: وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله ﷺ وفي عنق عدي صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم" الحديث. وقوله١: ومن المعلوم أن من أقر لله بالربوبية فقد أقر له بالألوهية إذ ليس الرب غير الإله، بل هو الإله بعينه. فيه أنه إن أراد أن مفهوم الرب عين مفهوم الإله فقد تبين بطلانه آنفاً فيما سلف، وإن أراد أن مصداقه عين مصداق الإله فهذا حق بحسب نفس الأمر واعتقاد

стр. 458

المسلمين المخلصين، ولكن المشركين من الأمم الماضية وهذه الأمة لا يسلمون عينية مصداقهما، وإذا كان الأمر كذلك فأمكن منهم أن يقروا لله بتوحيد الربوبية ولا يقروا له بتوحيد الألوهية١ وقد وقع كذلك، دل عليه قوله تعالى في المؤمنون: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ففي هذه الآية أن المشركين كانوا معترفين بأن الله هو رب السموات السبع ورب العرش العظيم ومع ذلك كانوا يعبدون الأصنام والأوثان. وهاهنا بحثان: (الأول) : أن الآية لا يثبت منها إلا ثبوت الربوبية لله تعالى، لا أن غيره تعالى ليس رباً، إذ ليس هناك أداة حصر. و (الثاني) : أن الثابت منها إنما هو ربوبيته تعالى للسموات السبع والعرش العظيم فحسب لا ربوبيته لجميع المخلوقات، فيحتمل أن يكون رب غير السموات السبع والعرش العظيم عندهم غير الله تعالى. والجواب عن الأول: أن عدم ذكر المشركين غير الله تعالى في جواب السؤال برهان واضح على انحصار الربوبية، فإن السكوت في معرض البيان بيان، سيما فيما يتم به عليهم الحجة، فلو كان غير الله عندهم رباً لذكروه في الجواب البتة. ٢ والجواب عن الثاني: أن المقصود أن رب جميع المخلوقات هو الله تعالى، وإنما خصوا السموات السبع والعرش العظيم بالذكر لأنها من أكبر الأجرام وأعظمها وأشدها خلقاً، يدل عليه أن معنى الرب هو المالك المتصرف، وكون الله تعالى وحده مالكاً متصرفاً لجميع المخلوقات ثابت بإقرار المشركين، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم

стр. 459

مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ وقال الله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ . فإن قلت: هناك آيات دالة على أن المشركين لم يكونوا مقرين بتوحيد الربوبية منها قوله تعالى: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فهذا دال على أن المشركين من أهل الكتاب كانوا هم يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ فإن الخليل ﵇ قال هذا في الثلاث الآيات مستفهماً لهم مبكتاً متكلماً على خطئهم حيث يسمون الكواكب أرباباً، ومنها قوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَباًّ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؟ وهذا نص على أن المشركين كانوا يبغون غير الله من الأصنام والأوثان رباً، ومنها قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾ فإن يوسف ﵇ سماهم أرباباً لأنهم كانوا يسمونهم كذلك، ومنها قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ فهذا يدل على أن فرعون كان يثبت الربوبية لنفسه ولغيره من الأوثان. قلت جوابه بوجوه: (الأول) : أنه ليس في شيء من الآيات المذكورة أن مشركاً قال في حق غير الله تعالى أنه رب١ غير أن فرعون قال أنا ربكم الأعلى، وهو لم يكن مشركاً بالله

стр. 460

بل دهرياً منكراً لله تعالى حيث قال: وما رب العالمين؟ إنما هو في بعضها اتخاذ الأرباب، وهذا ليس نصاً على أنهم مقرون بربوبيتهم، بل يحتمل أن يكون اتخذهم الأرباب بمعنى صرف شيء من العبادة إليهم، أو بمعنى اتباع ما شرعوا لهم من تحريم الحلال وتحليل الحرام، لا أنهم كانوا يطلقون لفظ الرب عليهم. قال العلامة الإمام حسن بن خالد ﵀ في (منفعة قوت القلوب في إخلاص توحيد علام الغيوب) : ومن هنا تعلم أن من صرف شيئاً من العبادة إلى غير الله فقد اتخذه إلهاً رباً، أما كونه اتخذه إلهاً فقد صار له مألوهاً والمألوه المعبود، وإذا كان رسول الله ﷺ قال لأصحابه وقد سأله بعض حديثي الإسلام منهم أن يجعل لهم ذات أنواط فقال: "الله أكبر، هذا كما قال بنو إسرائيل اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة لتركبن سنن من كان قبلكم" أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه النسائي عن أبي واقد الليثي، مع أنهم لا يعبدون الشجرة ولا يسألونها، بل ينوطون بها أسلحتهم ومتاعهم، فجعل اتخاذهم لها لذلك اتخاذ آلهة، فما الظن بقصد مخلوق معظم لدعائه والهتف به عند الشدائد، فأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بمن توحي إليهم الشياطين؟ وأما كونه قد اتخذه رباً فلتشبيهه لله في الربوبية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ . وسبب نزول هذه الآية ما ذكروا أن اليهود والنصارى قالوا للنبي ﷺ : أتريد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رسول الله ﷺ : "معاذ الله أن يعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني" فأنزل الله تعالى في
следующие страницы →