وقال تحت قوله تعالى في الزمر: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ : يعني المشركين، كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق للأشياء كلها ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً. اهـ.
وقال تحت قوله تعالى في الزخرف: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ يقول تعالى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: من خلق السموات والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أي ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد. اهـ.
وقال تحت قوله تعالى فيه أيضاً: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ : أي ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: من خلقهم؟ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ، أي هم يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها وحده لا شريك له في ذلك، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك شيئاً ولا يقدر على شيء، فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ؟ اهـ.
و (الاحتمال الثاني) : أن في الآية اختصاراً، والمقصود: ألست بربكم وإلهكم؟ يدل عليه أثر ابن عباس: إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وتكفل لهم بالأرزاق الحديث، وأثر أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، قال: فجمعهم له يومئذ جميعاً ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فجعلهم في صورهم ثم استنطقهم فتكلموا، وأخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ الآية، قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئاً، وإني لأرسل إليكم رسلي لينذروكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي، قالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك، فأقروا يومئذ بالطاعة، ذكر هذين الأثرين الحافظ بن كثير في تفسيره.
стр. 457
وقال أيضاً فيه: يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه. اهـ.
و (الاحتمال الثالث) : أن المراد بالرب المعبود، قال القرطبي: والرب المعبود، وعن عكرمة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ قال: يسجد بعضنا لبعض، كذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره وغيره، وقال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فالمراد بالأرباب في تلك الآية هم المعبودون، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وكذلك فهم عدي بن حاتم ﵁ وقرره النبي ﷺ عليه، روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم ﵁ أنه لما بلغته دعوة رسول الله ﷺ فر إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله ﷺ على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله ﷺ فقدم عدي المدينة وكان رئيساً في قومه طيء: وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله ﷺ وفي عنق عدي صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم" الحديث.
وقوله١: ومن المعلوم أن من أقر لله بالربوبية فقد أقر له بالألوهية إذ ليس الرب غير الإله، بل هو الإله بعينه.
فيه أنه إن أراد أن مفهوم الرب عين مفهوم الإله فقد تبين بطلانه آنفاً فيما سلف، وإن أراد أن مصداقه عين مصداق الإله فهذا حق بحسب نفس الأمر واعتقاد
стр. 458
المسلمين المخلصين، ولكن المشركين من الأمم الماضية وهذه الأمة لا يسلمون عينية مصداقهما، وإذا كان الأمر كذلك فأمكن منهم أن يقروا لله بتوحيد الربوبية ولا يقروا له بتوحيد الألوهية١ وقد وقع كذلك، دل عليه قوله تعالى في المؤمنون: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ففي هذه الآية أن المشركين كانوا معترفين بأن الله هو رب السموات السبع ورب العرش العظيم ومع ذلك كانوا يعبدون الأصنام والأوثان. وهاهنا بحثان:
(الأول) : أن الآية لا يثبت منها إلا ثبوت الربوبية لله تعالى، لا أن غيره تعالى ليس رباً، إذ ليس هناك أداة حصر.
و (الثاني) : أن الثابت منها إنما هو ربوبيته تعالى للسموات السبع والعرش العظيم فحسب لا ربوبيته لجميع المخلوقات، فيحتمل أن يكون رب غير السموات السبع والعرش العظيم عندهم غير الله تعالى.
والجواب عن الأول: أن عدم ذكر المشركين غير الله تعالى في جواب السؤال برهان واضح على انحصار الربوبية، فإن السكوت في معرض البيان بيان، سيما فيما يتم به عليهم الحجة، فلو كان غير الله عندهم رباً لذكروه في الجواب البتة. ٢
والجواب عن الثاني: أن المقصود أن رب جميع المخلوقات هو الله تعالى، وإنما خصوا السموات السبع والعرش العظيم بالذكر لأنها من أكبر الأجرام وأعظمها وأشدها خلقاً، يدل عليه أن معنى الرب هو المالك المتصرف، وكون الله تعالى وحده مالكاً متصرفاً لجميع المخلوقات ثابت بإقرار المشركين، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم
стр. 459
مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ وقال الله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ .
فإن قلت: هناك آيات دالة على أن المشركين لم يكونوا مقرين بتوحيد الربوبية منها قوله تعالى: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فهذا دال على أن المشركين من أهل الكتاب كانوا هم يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ فإن الخليل ﵇ قال هذا في الثلاث الآيات مستفهماً لهم مبكتاً متكلماً على خطئهم حيث يسمون الكواكب أرباباً، ومنها قوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَباًّ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؟ وهذا نص على أن المشركين كانوا يبغون غير الله من الأصنام والأوثان رباً، ومنها قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾ فإن يوسف ﵇ سماهم أرباباً لأنهم كانوا يسمونهم كذلك، ومنها قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ فهذا يدل على أن فرعون كان يثبت الربوبية لنفسه ولغيره من الأوثان.
قلت جوابه بوجوه:
(الأول) : أنه ليس في شيء من الآيات المذكورة أن مشركاً قال في حق غير الله تعالى أنه رب١ غير أن فرعون قال أنا ربكم الأعلى، وهو لم يكن مشركاً بالله
стр. 460
بل دهرياً منكراً لله تعالى حيث قال: وما رب العالمين؟ إنما هو في بعضها اتخاذ الأرباب، وهذا ليس نصاً على أنهم مقرون بربوبيتهم، بل يحتمل أن يكون اتخذهم الأرباب بمعنى صرف شيء من العبادة إليهم، أو بمعنى اتباع ما شرعوا لهم من تحريم الحلال وتحليل الحرام، لا أنهم كانوا يطلقون لفظ الرب عليهم.
قال العلامة الإمام حسن بن خالد ﵀ في (منفعة قوت القلوب في إخلاص توحيد علام الغيوب) : ومن هنا تعلم أن من صرف شيئاً من العبادة إلى غير الله فقد اتخذه إلهاً رباً، أما كونه اتخذه إلهاً فقد صار له مألوهاً والمألوه المعبود، وإذا كان رسول الله ﷺ قال لأصحابه وقد سأله بعض حديثي الإسلام منهم أن يجعل لهم ذات أنواط فقال: "الله أكبر، هذا كما قال بنو إسرائيل اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة لتركبن سنن من كان قبلكم" أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه النسائي عن أبي واقد الليثي، مع أنهم لا يعبدون الشجرة ولا يسألونها، بل ينوطون بها أسلحتهم ومتاعهم، فجعل اتخاذهم لها لذلك اتخاذ آلهة، فما الظن بقصد مخلوق معظم لدعائه والهتف به عند الشدائد، فأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بمن توحي إليهم الشياطين؟ وأما كونه قد اتخذه رباً فلتشبيهه لله في الربوبية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ .
وسبب نزول هذه الآية ما ذكروا أن اليهود والنصارى قالوا للنبي ﷺ : أتريد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رسول الله ﷺ : "معاذ الله أن يعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني" فأنزل الله تعالى في
стр. 461
ذلك: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ فالرسول نفى أن يعبد غير الله أو يأمر بعبادة غير الله في جوابه عليهم، والقرآن نزل بنفي أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، لأن الربوبية من لوازم الإلهية، فنفي أحدهما نفي للآخر، وإثبات أحدهما إثبات للآخر، لأن المعبود لا بد أن يكون مالكاً للنفع والضر، ومن يملك النفع والضر فهو المعبود، فمن أثبت العبادة لأحد فقد أثبت له الربوبية، ومن أثبت الربوبية لأحد فقد أوجب له العبادة. اهـ.
وقال أيضاً فيه: إذا علمت أن معنى الرب المتصرف المالك، وأن معنى الإله المعبود، وأن معنى الآلاهة والألوهية العبادة والمعبودية، وأن العبادة هي أقصى مراتب الخضوع حباً وذلاً، علمت أن من قصد غير الله بشيء من العبادة أو أثبت له بعض خواص الرب فقد اتخذه رباً وإلهاً، سواء أطلق عليه اسم الإله أم لم يطلقه، فإن الإله المعبود، وغلب على المعبود بحق وهو الله تعالى. اهـ.
وفي بعضا قول الخليل ﵇ هذا ربي، وهذا ليس نصاً على أن قومه ﵇ يسمون الكواكب أرباباً، إذ في الآية أقوال:
منها: أنه كان هذا منه ﵇ عند قصور النظر، لأنه في زمن الطفولية، وقيل كان بعد بلوغ إبراهيم ﵇، ثم اختلف في تأويل هذه الآية: فقيل أراد قيام الحجة على قومه كالحاكي لما هو عندهم وما يعتقدونه لأجل إلزامهم، وقيل معناه أهذا ربي؟ أنكر أن يكون مثل هذا رباً، وقيل المعنى وأنتم تقولون هذا ربي فأضمر القول، وقيل المعنى على حذف مضاف أي هذا دليل ربي.
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: وقد اختلف المفسرون في هذا المقام هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلاً عليه بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ الآية، وقال محمد بن إسحاق: قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه حين
стр. 462
تخوفت عليه من نمرود بن كنعان لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه فأمر بقتل الغلمان عامئذ، فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك، وذكر أشياء من خوارق العادات كما ذكره غيره من المفسرين من السلف والخلف، والحق أن إبراهيم ﵊ كان في هذا المقام مناظراً لقومه مبيناً لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صورة الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذي هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ليشفعوا لهم إلى الخالق عنده في الرزق وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة. اهـ.
قلت: لا يخفى عليك أن عبارة الحافظ دالة على أن مقصود إبراهيم ﵇ بهذا القول بيان بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل، وهذا لا يتوقف على كون قومه قائلين بربوبية الهياكل، بل يستقيم هذا البيان على تقدير كون قومه جاحدين لربوبيتها أيضاً بأن يقال: إن هذه الهياكل إذ لا تصلح للربوبية فكيف تصلح للإلهية؟ وفي بعضها أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يقول: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ففيه بغى غير الله رباً وهو مثل اتخاذ الرب.
وقد عرفت فيما تقدم أن اتخاذ شيء رباً ليس نصاً على إقرار ربوبيته لاحتمال أن يكون اتخاذ الرب بمعنى صرف شيء من العبادة إليه، أو بمعنى اتباع ما شرعوا لهم، يدل عليه ما في التفاسير من أنه جواب على المشركين لما دعوه إلى عبادة غيره سبحانه، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة والتوكل عليه: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ أي أطلب رباً سواه وهو رب كل شيء يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر، ففي هذه الآية الأمر بإخلاص العبادة والتوكل، كما تضمنت الآية التي قبلها إخلاص العبادة له لا شريك له. اهـ.
стр. 463
وفي بعضها أن يوسف ﵇ قال لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ؟ وهذا ليس فيه تصريح أنهما كانا يطلقان لفظ الأرباب على الأصنام حتى يلزم إنكار توحيد الربوبية، بل يحتمل أن يكون المقصود بيان بطلان ما كانوا عليه من عبادة الأصنام بأن القول بالأرباب المتفرقة باطل قطعاً لا يتأتى إنكاره من أحد من أهل العقل، وما لا يصلح للربوبية لا يصلح للعبادة، دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ .
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ثم إن يوسف ﵇ أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما فقال: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ؟ الذي ذل كل شيء لعز جلاله وعظمة سلطانه. اهـ.
وجملة القول أنه ليس في آية من الآيات أن واحداً من المشركين قال إن غير الله رب حتى يلزم إنكار توحيد الربوبية.
و (الوجه الثاني) : أنه يحتمل أن يكون المراد بالرب في الآيات المذكورة المعبود، وقد عرفت فيما تقدم أن الرب ربما يجيء بمعنى المعبود.
و (الثالث) : أن الكلام في مشركي العرب، والآيات المذكورة أكثرها في حق غيرهم من مشركي أهل الكتاب وقوم إبراهيم وقوم يوسف عليهما السلام١ فلا يصح بتلك الآيات الاستدلال على أن مشركي العرب لم يكونوا مقرين بتوحيد الربوبية، ولعلك قد تفطنت من هاهنا فساد قول العلامة محمد بن إسماعيل الأمير حيث قال: "فإن قلت: أهل الجاهلية تقول في أصنامهما أنهم يقربونهم إلى الله زلفى كما تقوله القبورويون: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ كما تقوله القبوريون قلت: لا سواء. فإن القبوريين مثبتون التوحيد لله قائلون إنه لا إله إلا هو، ولو ضربت
стр. 464
عنقه على أن يقول إن الولي إله مع الله لما قالها، بل عنده اعتقاد جهل أن الولي لما أطاع الله كان له بطاعته عنده تعالى جاه به تقبل شفاعته ويرجى نفعه، لا أنه إله مع الله، بخلاف الوثني فإنه امتنع عن قول لا إله إلا الله حتى ضربت عنقه زاعماً أن وثنه إله مع الله ويسميه رباً وإلهاً، قال يوسف ﵇: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ سماهم أرباباً لأنهم كانوا يسمونهم بذلك كما قال الخليل: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ في الثلاث الآيات، مستفهماً لهم مبكتاً متكلماً على خطئهم حيث يسمون الملائكة أرباباً وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ وقال قوم إبراهيم: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ ، ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبرَاهِيمْ﴾ ؟ وقال إبراهيم: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ؟ ومن هنا يعلم أن الكفار غير مقرين بتوحيد الألوهية والربوبية كما توهمه من توهم من قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ -إلى قوله- فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ فهذا إقرار بتوحيد الخالقية والرازقية ونحوهما، لا إنه إقرار بتوحيد الربوبية، لأنهم يجعلون أوثانهم أرباباً كما عرفت. اهـ.
وجه الفساد أن الإقرار بتوحيد الخالقية والرازقية ونحوهما إقرار بتوحيد الربوبية، لما عرفت فيما تقدم من أن معنى الرب هو المالك المتصرف، وكون الله تعالى وحده خالقاً ورازقاً ونحوهما يستلزم كونه تعالى وحده مالكاً متصرفاً في جميع المخلوقات، على أن قوله تعالى في المؤمنون: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ نص على الإقرار بتوحيد الربوبية واضح، وقد علمت الجواب عما فيه من البحثين فتذكر، وأما قوله: "يجعلون أوثانهم أرباباً" فقد عرفت الجواب عنه فيما سلف بما لا يزيد عليه١.
стр. 465
قوله: ومما يعتقده هؤلاء الملحدة المكفرة للمسلمين أن قصد الصالحين والاعتقاد فيهم والتبرك بهم شرك أكبر.
أقول: جوابه قراءة قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ، لم يقل أحد من الموحدين المتبعين للكتاب والسنة قط إن قصد الصالحين والاعتقاد فيهم والتبرك بهم شرك، سينال إن شاء الله تعالى هذا المفتري غضب من ربه وذلة في الحياة الدنيا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ إنما منعوا الناس أن يشدوا الرحال لزيارة قبور الصالحين وأين هذا من ذاك؟ ولم يقولوا فيه أيضاً إنه شرك أكبر، إنما قالوا إنه بدعة محرمة.
قوله: فإن رسول الله ﷺ أمر صاحبيه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ أن يقصدا أويس القرني ويسألاه الدعاء والاستغفار كما في صحيح مسلم.
أقول: ليس في صحيح مسلم في فضل أويس ﵁ إلا حديث عمر ﵁ وألفاظه مختلفة، وفي رواية أن رسول الله ﷺ قد قال: "إن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له أويس، لا يدع باليمين غير أم له، قد كان به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم"، وفي لفظ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس وله والدة، وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم"، وفي لفظ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل" فاستغفر لي، فاستغفر له. اهـ.
وليس فيه أن رسول الله ﷺ أمر صاحبيه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب أن يقصداً أويساً، ولو كان هذا اللفظ واقعاً في حديث لما كان فيه حجة للخصم أيضاً، فإن هذا اللفظ لا يقتضي جواز شد الرحال لزيارة الأحياء فضلاً عن جوازه لزيارة الأموات الذي كلامنا فيه، وما ورد في صحيح مسلم ليس فيه إلا أنه إن جاءنا
стр. 466
أحد من أهل الخير والصلاح فمن لقيه منا فطلب الدعاء له منه جائز، وهذا لا ينكره أحد.
قوله: وأما التبرك بآثار الصالحين –إلى قوله- ليس فيه شيء من الإشراك ولا الحرمة، وإنما هؤلاء القوم يلبسون على المسلمين توصلاً إلى أغراضهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أقول: هذه إطالة لا طائل تحتها، فإنه ليس أحد منا معاشر أهل التوحيد والسنة منكراً للتبرك بآثار الصالحين، إنما نمنع شد الرحال لزيارة قبور الصالحين ودعاء الأموات وطلب الدعاء منهم، والروايات المذكورة ليس فيها أثر من جواز هذه الأمور.
قوله: كان محمد بن عبد الوهاب الذي ابتدع هذه البدعة يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كل خطبة: ومن توسل بالنبي فقد كفر.
أقول: هذه المسألة من المسائل التي أجاب الشيخ نفسه عنها في الرسالة التي كتباه إلى عبد الله بن سحيم بما نصه:
فهذه اثنا عشر١ مسألة جوابي فيها أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، ولكن قبله من بهت محمداً ﷺ أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة وعيسى وعزيز في النار فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ الآية.
قال الشيخ حسن بن غنام الاحسائي في روضة الأفكار والأفهام: (العاشرة) قولهم في الاستسقاء لا بأس بالتوسل بالصالحين، وقول أحمد يتوسل بالنبي ﷺ خاصة مع قولهم إنه لا يستغاث بمخلوق، فالفرق ظاهر جداً، وليس الكلام مما نحن فيه، فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين، وبعضهم يخصه بالنبي ﷺ وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه، هذه المسألة من مسائل الفقه، ولو كان الصواب
стр. 467
عندنا قول الجمهور أنه مكروه فلا ننكر على من فعله ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، لكن إنكارنا على من دعا المخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى ويقصد القبر يتضرع عند الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب منه تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإعطاء الرغبات، فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين؟ لا يدعو مع الله أحداً، ولكن يقول في دعائه أسألك بنبيك أو بالمرسلين أو بعبادك الصالحين أو يقصد قبر معروف أو غيره يدعو عنده لكن لا يدعو إلا الله يخلص له الدين، فأين هذا مما نحن فيه؟ اهـ.
وقال بعض المحققين في الرد على كتاب (جلاء الغمة) : إذا ظهر هذا وعرفت أن كلام الشيخ متجه لا غبار عليه فاعلم أن قول هذا الملحد "فجعل بكلامه هذا كما ترى التوسل بذوات الصالحين والرسل عليهم الصلاة والسلام وطلبه جل وعلا بأوليائه من دين المشركين الشرك الأكبر المخرج عن الملة وكفر به كما ترى صريحاً من قوله" تمويه وتلبيس أدخل فيه قوله وطلبه جل وعلا بأوليائه ليوهم الجهال ومن لا علم عندهم بحقيقة الحال.
وموضوع الكلام أن مراد الشيخ مسألة التوسل في دعاء الله بجاه الصالحين وهذه المسألة، ودعاء الصالح وقصده فيما لا يقدر عليه إلا الله مسألة أخرى، فخلطهما ليروج باطله فقبحا قبحاً، وسحقا سحقاً، لمن ورث اليهود وحرف الكلم عن مواضعه، وكلام الشيخ صريح فيمن دعا مع الله إلهاً آخر في حاجاته وملماته، وقصده بعباداته فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، كحال من عبد عبد القادر، أو أحمد البدوي، أو العيدروس، أو علياً، أو الحسين، ومع هذا الصنيع الفظيع والشرك الجلي يقول أنا لا أشرك بالله شيئاً، وأشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله، ظناً منهم أن ذلك هو الإسلام فقط، وأنه ينجو به من الشرك وما رتب عليه، فكشف الشيخ شبهته، وأدحض حجته، بما تقدم من الآيات: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
وأما مسألة الله بحق أنبيائه وأوليائه أو بجاههم بأن يقول السائل: اللهم إني أسألك بحق أنبيائك وأوليائك أو نحو هذا فليس الكلام فيه، ولم يقل الشيخ أنه شرك ولا
стр. 468
له ذكر في كلامه، وحكمه عند أهل العلم معروف، وقد نص على المنع منه جمهور أهل العلم بل ذكر الشيخ١ في رده على ابن البكري أنه لا يعلم قائلاً بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق النبي ﷺ ولم يجزم بذلك بل علق القول به على ثبوت حديث الأعمى وصحته، وفيه من لا يحتج به عند أهل الحديث، وعلى تسليم صحته فليس الكلام فيه، وفي المثل: أريها السهى وتريني القمر٢. اهـ.
وأيضاً قال فيها: والتوسل صار مشتركاً في عرف كثير، فبعض الناس يطلقه على قصد الصالحين ودعائهم وعبادتهم مع الله، وهذا هو المراد بالتوسل في عرف عباد القبور وأنصارهم وهو –عند الله ورسوله وعند أولي العلم من خلقه- الشرك الأكبر والكفر البواح، والأسماء لا تغير الحقائق، ويطلق أيضاً –في عرف السنة والقرآن وأهل العلم بالله ودينه- على التوسل والتقرب إلى الله تعالى بما شرعه من الإيمان به وتوحيده وتصديق رسله وفعل ما شرعه من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها كما توسل أهل (الغار) الثلاثة بالبر والعفة والأمانة، فإذا أطلق التوسل في كتاب الله تعالى وسنة رسوله وكلام أهل العلم من خلقه فهذا هو المراد، لا ما اصطلح عليه المشركون الجاهلون بحدود ما أنزل الله على رسوله، فلبس هذا المعترض بكلمة مشتركة ترويجاً لباطله. اهـ.
قلت: وقد علمت تحقيق التوسل وحكمه، وما يجوز من أفراده وما لا يجوز، وما كان منها شركاً وما ليس بشرك فيما تقدم بما لا مزيد عليه فتذكر.
قوله: وكان أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب من أهل العلم، فكان ينكر عليه إنكاراً شديداً في كل ما يفعله أو يأمر به، ولم يتبعه في شيء مما ابتدعه، وقال له أخوه سليمان يوما: كم أركان الإسلام يا محمد بن عبد الوهاب؟ فقال: خمسة. فقال: أنت جعلتا ستة، السادس من لم يتبعكم فليس بمسلم، هذا عندك ركن سادس للإسلام.
стр. 469
أقول: لعل هذا وأمثاله مأخوذ من كتاب (جلاء الغمة عن تكفير هذه الأمة) ، فلأنقل أولاً لفظ هذا الكتاب، ثم نذكر ما قال بعض المحققين في الرد عليه، قال المعترض في كتاب جلاء الغمة: ولكن هذا الرجل جعل طاعته ركناً سادساً للأركان الخمسة كما قال ذلك أخوه لأمه وأبيه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب حين خطأه فلم يقبل، ونهاه عن سفك الدماء ونهب الأموال فلم يفعل.
وقال بعض المحققين في الرد عليه ما نصه: والجواب أن يقال: قد علم أهل العلم والإيمان براءة الشيخ من هذا، وأن دعوته إلى طاعة الله ورسوله، يأمر بتوحيده وينهى عن الشرك به وعن معصيته ومعصية رسوله، ويصرح بأن من عرف الإسلام ودان به فهو مسلم في أي زمان وأي مكان، ويشهد الله كثيراً في رسائله ويشهد أولي العلم من خلقه أن أعداءه إن جاءوه عن الله أو عن رسوله بدليل يرد شيئاً من قوله ويحكم بخطئه ليقبلنه على الرأس والعين، ويترك ما خالفه أو عارضه، وهذا معروف بحمد الله، وإنما يرميه بمثل هذا البهت وينسبه إليه من جعل زوره وقدحه في أهل العلم والإيمان جسراً يتوصل منه ويعبر إلى ما انطوى عليه وزينه له الشيطان من عبادة الصالحين والتوسل بهم، وعدم الدخول تحت أمر أولي العلم وترك القبول منهم، والاستغناء بما نشأ عليه أهل الضلال واعتادوه من العقائد الضالة والمذاهب الجائرة، قال تعالى حاكياً عن فرعون وقومه فيما رموا به كليمه موسى ونبيه هارون ﵉ من قصد العلو والدعوة إلى أنفسهما: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ. إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ. فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ. فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ .
فانظر إلى ما أفادته اللام، إن كنت من ذوي الألباب والأفهام، وقال تعالى عن قوم نوح إنهم قالوا لنبيهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ .
فانظر يا من نور الله عليه قلبه ما زعم هذا المعترض ونزله على هذه الآيات
стр. 470
الكريمات تعرف أن آل فرعون وقوم نوح لهم ورثة وأتباع، وعصابة وأشياع، يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، ويستكبرون على الرسل وأعلام الهدى تعاظماً وحرجاً، ولا بد من الحساب يوم يقوم الناس لرب العالمين.
وقد رأيت رسالة لشيخنا رحمة الله تعالى تشهد لما قررناه ونصها:
من محمد بن عبد الوهاب إلى الأخ حمد التويجري، ألهمه الله رشده. وبعد: وصل الخط١ أوصلك الله إلى ما يرضيه، وأشرفنا على الرسالة المذكورة، وصاحبها ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد ﵀ وما تضمنته الرسالة من الكلام في الصفات مخالف لعقيدة الإمام أحمد ﵀، وما تضمنته من الشبه الباطلة في تهوين أمر الشرك بل في إباحته فمن أبين الأمور بطلاناً لمن سلم من الهوى والتعصب، وكذلك تمويهه على الطغام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك بالله في الإلهية بعد ما تبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسنه للناس أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها، والله المستعان. اهـ. المقصود منه.
وأما نسبة ذلك إلى أخيه سليمان فلا مانع من ذلك لولا وجوب رد خبر هذا الفاسق وعدم قبوله إلا بعد التبين، ثم لو فرضت صحته فمن سليمان، وما سليمان؟
هذه دلائل السنة والقرآن تدفع في صدره، وتدرأ في نحره، وقد اشتهر ضلاله ومخالفته لأخيه مع جهله وعدم إدراكه لشيء من فنون العلم.
وقد رأيت له رسالة يعترض فيها على الشيخ وتأملتها فإذا هي رسالة جاهل بالعلم
стр. 471
والصناعة، مزجى التحصيل والبضاعة، لا يدري ما طحاها، ولا يحسن الاستدلال بذلك على من فطرها وسواها.
هذا وقد من الله -وقت تسويد هذا- بالوقوف على رسالة سليمان فيها البشارة برجوعه عن مذهبه الأول، وأنه قد استبان له التوحيد والإيمان، وندم على ما فرط من الضلال والطغيان، وهذا نصها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من سليمان بن عبد الوهاب، إلى الأخوان أحمد بن محمد التويجري وأحمد ومحمد ابني عثمان بن شبانة.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليكم الله تعالى الذي لا إله إلا هو، وأذكركم ما من الله به علينا وعليكم من معرفة دينه، ومعرفة ما جاء به رسوله ﷺ من عنده، وبصرنا من العمى، وأنقذنا من الضلالة، وأذكركم بعد أن جئتمونا في الدرعية من معرفتكم الحق على وجهه، وابتهاجكم به، وثنائكم على الله الذي أنقدكم، وهذه آدابكم في سائر مجالسكم عندنا، وكل ما جاءنا من حمد الله١ يثني عليكم والحمد لله على ذلك، وكتبت لكم بعد ذلك كتابين غير هذا أذكركم وأحضكم، ولكن يا إخواني معلومكم ما جرى منا من مخالفة الحق واتباعنا سبل الشيطان ومجاهدتنا في الصد عن اتباع سبل الهدى، والآن معلومكم لم يبق من أعمارنا إلا اليسير، والأيام معدودة، والأنفاس محسوبة، والمأمول منا أن نقوم لله، ونفعل الهدى أكثر ما فعلنا مع الضلال، وأن يكون ذلك لله وحده لا شريك له، لا لما سواه، لعل الله سبحانه يمحو عنا سيئات ما مضى وسيئات ما بقي، ومعلومكم عظم الجهاد في سبيل الله وما يكفر من
стр. 472
الذنوب، وأن الجهاد باليد والقلب واللسان والمال، وتفهمون أجر من هدى الله به رجلاً واحداً والمطلوب منكم أكثر مما تفعلون الآن، وأن تقوموا لله قيام صدق، وأن تبينوا للناس الحق على وجهه، وأن تصرحوا لهم تصريحاً بيناً بما أنتم عليه من الغي والضلال، فيا إخواني الله الله، فالأمر أعظم من ذلك، فلو خرجنا نجأر إلى الله في الفلوات وعدّنا الناس من السفهاء والمجانين في ذلك لما كان بكثير منا، وأنتم رؤساء الدين، ومكانكم أعز من الشيوخ، والعوام كلهم تبع لكم، فاحمدوا الله على ذلك، ولا تعلثوا١ بشيء من الموانع، وتفهمون أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يرى ما يكره، ولكن أرشدكم في ذلك إلى الصبر كما حكى عن العبد الصالح في وصيته لابنه، فلا أحق من أن تحبوا لله، وتبغضوا لله، وتوالوا لله، وتعادوا لله، وترى يعرض في هذا أمور شيطانية وهي أن من الناس من ينتسب لهذا الدين، وربما يلقي الشيطان لكم أن هذا ما هو بصادق وأن له ملحظاً دنيوياً، وهذا أمر ما يطلع عليه إلا الله، فإذا أظهر أحد الخير فاقبلوا منه ووالوه، فإذا ظهر من أحد شر وإدبار عن الدين فعادوه واكرهوه، ولو أحب حبيب، وجامع الأمر في هذا أن الله خلقنا لعبادته وحده لا شريك له، ومن رحمته بعث لنا رسولاً يأمرنا بما خلقنا له ويبين لنا طريقه، وأعظم ما نهانا عنه الشرك بالله وعداوة أهله٢، وبغضهم - وتبيين الحق وتبيين الباطل، فمن التزم ما جاء به الرسول ﷺ فهو أخوك، ولو أبغض بغيض، ومن نكب عن الصراط المستقيم فهو عدوك، ولو ولدك أو أخوك، وهذا شيء أذكركموه، مع أنى بحمد الله أعلم أنكم تعلمون ما ذكرت لكم، ومع هذا فلا عذر لكم عن التبيين الكامل الذي لم يبق معه لبس، وأن تذاكروا دائماً في مجالسكم
стр. 473
ما جرى منا ومنكم أولاً، وأن تقوموا مع الحق أكثر من قيامكم مع الباطل، فلا أحق من ذلك ولا لكم عذر، لأن اليوم الدين والدنيا ولله الحمد مجتمعة في ذلك، فتذكروا ما أنتم فيه أولاً في أمور الدنيا من الخوف والأذى والاعتداء، واعتلاء الظلمة والفسقة عليكم، ثم رفع الله ذلك كله بالدين، وجعلكم السادة والقادة، ثم أيضاً ما من الله به عليكم من الدين.
انظروا إلى مسألة واحدة، فمما نحن فيه من الجهالة كون البدو نجري عليهم أحكام الإسلام مع معرفتنا أن الصحابة قاتلوا أهل الردة وأكثرهم متكلمون بالإسلام، ومنهم من أتى بأركانه، ومع معرفتنا أن من كذب بحرف من القرآن كفر ولو كان عابداً، وأن من استهزأ بالدين أو بشيء منه فهو كافر، وأن من جحد حكماً مجمعاً عليه فهو كافر – إلى غير ذلك من الأحكام المكفرات – وهذا كله مجتمع في البدوي وأزيد، وتجري عليهم أحكام الإسلام اتباعاً لتقليد من قبلنا بلا برهان.
فيا إخواني تأملوا وتذاكروا في هذا الأصل يدلكم على ما هو أكثر من ذلك، وأنا أكثرت عليكم الكلام لوثوقي بكم أنكم ما تشكون في شيء فيما تحاذرون، ونصيحتي لكم ولنفسي، والعمدة في هذا أن يصير دأبكم في الليل والنهار أن تجأروا إلى الله أن يعيذكم من أنفسكم وسيئات أعمالكم، وأن يهديكم إلى الصراط المستقيم، الذي عليه رسله وأنبياؤه وعباده الصالحون، وأن يعيذكم من مضلات الفتن، فالحق واضح وأبلولج ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ .
فالله الله تروا الناس اللي١ في جهاتكم تبع لكم في الخير والشر، فإن فعلتوا ما ذكرت لكم ما قدر أحد من الناس يرميكم بشر، وصرتوا كالأعلام هداة للحيران، فإن الله هو المسئول أن يهدينا وإياكم سبل السلام، والشيخ وعياله وعيالنا طيبين ولله الحمد ويسلمون عليكم، وسلموا لنا على من يعز عليكم، والسلام، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، اللهم اغفر لكاتبه ولوالديه ولذريته، ولمن نظر فيه فدعا له بالمغفرة والمسلمين والمسلمات أجمعين.
فأجابوه برسالة ينبغي أن تذكر ونصها:
стр. 474
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا سيد المرسلين، من كاتبه الفقير أحمد التويجري وأحمد بن عثمان وأخيه محمد، إلى منْ منّ الله علينا وعليه باتباع دينه، واقتفاء هدى محمد ﷺ نبيه وأمينه، الأخ سليمان بن عبد الوهاب، زادنا الله وإياه من التقوى والإيمان، وأعاذنا وإياه ممن نزغات الشيطان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعد إبلاغ الشيخ وعياله وعبد الله وإخوانه السلام.
وبعد فوصل إلينا نصيحتكم جعلكم الله من الأئمة الذين يهدون بأمره الداعين إليه وإلى دين نبيه محمد ﷺ ، فنحمد الله الذي فتح علينا وهدانا لدينه، وعدلنا عن الشرك والضلال، وأنقذنا من الباطل والبدع المضلة، وبصرنا بالإسلام الصرف الخالي عن شوائب الشرك، فلقد من الله علينا وعليكم، فله الفضل والمنة بما نور لنا من اتباع كتابه وسنة رسوله ﷺ ، وعدلنا عن سبيل من ضل وأضل بلا برهان، ونسأله أن يتوب علينا وعليكم ويزيدنا من الإيمان، فلقد خصنا فيما مضى بالعدول عن الحق ودحضناه، وارتكبنا الباطل ونصرناه، جهلاً منا وتقليداً لمن قبلنا، فحق علينا أن نقوم مع الحق قيام صدق أكثر مما قمنا مع الباطل على جهلنا وضلالنا.
فالمأمول والمبغي منا ومنكم وجميع إخواننا التبيين الكامل الواضح، لئلا يغتر بأفعالنا الماضية من يقتدي بجهلنا، وأن نتمسك بما اتضح وابلولج من نور الإسلام وما بين الشيخ محمد رحمه الله تعالى من شريعة النبي ﷺ . فلقد حاربنا الله ورسوله واتبعنا سبيل الغي والضلال، ودعونا إلى سبيل الشيطان، ونكبنا كتاب الله وراء ظهورنا جهلاً منا وعداوة، وجاهدنا في الصد عن دين الله ورسوله، واتبعنا كل شيطان تقليداً وجهلاً بالله، فلا حول ولا قوة إلا بالله ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
فالواجب منا لما رزقنا الله معرفة الحق أن نقوم معه أكثر وأكثر من قيامنا
стр. 475
مع الباطل، ونصرح بالتبيين للناس بأنا على باطل فيما فات، ونقوم له مثنى وفرادى، ونتوكل على الله عسى أن يتوب علينا، ويعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يهدينا سبل السلام، ويجعلنا من الداعين إلى الهدى، لا من الدعاة إلى النار، فنحمد الله الذي لا إله إلا هو حيث من علينا بهذا الشيخ في آخر هذا الزمان، وجعله بإذنه وفضله هادياً للتائه الحيران، نسأل الله العظيم أن يمتع المسلمين به ويعيذه من شر كل حاسد وباغ، ويبارك في أيامه، وأن يجعل جنة الفردوس مأواه وإيانا، وأن ينفعنا بما بينه، فلقد بين دين نبيه ﷺ على رغم أنف كل جاحد، وصار علماً للحق حين طمس، ومصباحاً للهدى حيث درست أعلامه ونكس، وأطفأ الله به الشرك بعد ظهوره حين عبدت الأوثان صرفاً بلا رمس، ولم يزل –من الله عليه برضاه– ينادي: أيها الناس هلموا إلى دين نبيكم الذي بعث به إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ثم لم ينقم منه وعليه ألا أن يقول: أيها الناس اعبدوا ربكم وأعطوه حقه الذي خلقكم لأجله، وخلق لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ . وقال: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ . وفسر إسلام الوجه بالقصد في العبادة، فإذا دعا غير الله أو نذر لغير الله أو استغاث بغير الله أو توكل على غير الله أو التجأ إلى غير الله، فهذه عبادة لمن قصد بذلك، هذا والله الشرك الأكبر، وإنا نشهد بذلك، وقمنا مع أهله ثلاثين سنة، وعادينا من أمر بتجريد التوحيد العداوة البينة، التي ما بعدها عداوة.
فالواجب علينا اليوم نصر الله ودينه وكتابه ورسوله، والتبري من الشرك وأهله، وعداوتهم وجهادهم اليد واللسان، لعل الله أن يتوب علينا ويرحمنا، ويستر مخازينا، وأكبر من هذا البدو الذين لا يدينون دين الحق، لا يصلون ولا يزكون ولا يورثون، ولا لهم نكاح صحيح، ولا حكم عن الله ورسوله يدينون به صريح، ونقول هم إخواننا في الإسلام ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ . ومكابرة لما جاء به رسول رب العالمين،
стр. 476
فنقول: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل من هذا شيء لم يكن الرجل مسلماً، فإذا عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس، وإن عمل بالتوحيد ظاهراً وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق شر من الكافر، أعاذنا الله وإياكم من الخزي يوم تبلى السرائر.
فالواجب علينا وعلى من نصح نفسه أن يعمل العمل الذي يحصل به فكاك نفسه، وأن يعبد الله ولا يعبد غيره، فالعبادة حق الله على العبيد، ليس لأحد فيها شرك، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلاً عن السفلة والشياطين، وحق الله علينا أن نجأر إليه بالليل والنهار والسر والعلانية في الخلوات والفلوات، عسى أن يتوب علينا ويعفو عنا ما فات، ويعيذنا من مضلات الفتن، فالحق بحمد الله وضح وابلولج ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ . ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. انتهى ما قاله بعض المحققين في الرد على (جلاء الغمة) .
قوله: وقال رجل آخر يوماً لمحمد بن عبد الوهاب: كم يعتق الله كل ليلة في رمضان؟ فقال له يعتق كل ليلة مائة ألف، وفي آخر ليلة يعتق مثل ما أعتق في الشهر كله، فقال له: لم يبلغ من اتبعك عشر عشر ما ذكرت، فمن هؤلاء المسلمون الذين يعتقهم الله تعالى وقد حصرت المسلمين فيك وفيمن اتبعك؟ فبهت الذي كفر. اهـ.
أقول: جوابه على وجوه:
(الأول) عدم الاعتماد على خبر الفاسق الكاذب المفتري إلا بعد التبين.
و (الثاني) أن نفس هذا الخبر والحكاية ما يقتضي كذبه من أن محمد بن عبد الوهاب قال له: "يعتق في كل ليلة مائة ألف، وفي آخر ليلة يعتق مثل ما أعتق في الشهر كله". فإن هذا العدد لم يقع في حديث صحيح ولا حسن، إنما وقع في رواية
стр. 477
ضعيفة شديدة الضعف أو موضوعة١، ومحمد بن عبد الوهاب بحمد الله تعالى كان من نقاد أهل الحديث، فكيف يتصور أن يجيب بهذا الجواب السخيف الساقط؟ نعم جاء في حديث "ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة". وفي حديث "إنه يغفر لأمته في آخر ليلة من رمضان". وعلى هذا فليس فيه إشكال، على أن هذين الحديثين أيضاً فيهما مقال، أما الأول فلأن الترمذي قال في جامعه بعد ذكر هذا الحديث: وحديث أبي هريرة الذي رواه أبو بكر بن عياش حديث غريب لا نعرفه من رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة إلا من حديث أبي بكر، وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال أخبرنا الحسن بن الربيع أخبرنا أبو الأحوص عن الأعمش عن مجاهد قوله قال: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان" فذكر الحديث. قال محمد: وهذا أصح عندي من حديث أبي بكر بن عياش، وأما الثاني فلأن في سنده هشام بن زياد أبا المقدام ضعفه أحمد وغيره، قال النسائي: متروك، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، وقال أبو داود: كان غير ثقة، وقال البخاري: يتكلمون فيه. كذا في الميزان.
و (الثالث) أن عدد المعتقين الواقع في الرواية المذكورة في هذه الحكاية إن كان في كل زمان، فهذا في غاية السقوط فإنه لا يصدق في زمان بداية الإسلام حين كان المسلمون قليلين لم يبلغوا هذا العدد، وإن كان في بعض الزمان فقد بلغ أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بعض الزمان أضعاف أضعاف العدد المذكور، على أنه لو فرض عدم بلوغ أتباع الشيخ هذا العدد فأي محذور على هذا التقدير؟ إذ وجود المسلمين قبل زمان الشيخ أو بعده موافقاً لهذا العدد كاف في صدق هذه الرواية.
و (الرابع) أن صدقه في كل زمان من أوضح الأباطيل، إذ يجيء في قرب الساعة زمان يقبض فيه روح كل مؤمن، فكيف يصدق هذا الحديث؟ فهو إما باطل
стр. 478
أو مؤول بأن يحمل على زمان يبلغ فيه عدد المسلمون هذا المبلغ أو يزيد، وهذا التأويل كما يمكن من جانب من ليس من أتباع الشيخ كذلك يمكن من جانب أتباعه غير فرق.
و (الخامس) أن بناء هذا التشنيع على أن يكون الشيخ قائلاً بحصر المسلمين في نفسه وأتباعه، وقد علم فيما تقدم أن هذا افتراء على الشيخ صريح.
وأما قول المؤلف في حق الشيخ "فبهت الذي كفر" فجرأة عظيمة على النار والكفر، قال رسول الله ﷺ "أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" والشيخ ﵀ بحمد الله تعالى بريء من الكفر فقد باء بها هذا المؤلف.
قوله: ولما طال النزاع بينه وبين أخيه خاف أخوه أن يأمر بقتله فارتحل إلى المدينة المنورة وألف رسالة في الرد عليه وأرسلها له فلم ينته.
أقول: هذا كان حين تبين غيه وضلاله، ومخالفته للشيخ، وأما بعده فقد رجع أخوه عن مذهبه الأول، وقد استبان له التوحيد والإيمان، وندم على ما فرط من الضلال والطغيان، وقد علمته فيما تقدم.
قوله: وألف كثير من علماء الحنابلة وغيرهم رسائل في الرد عليه، وأرسلوها له فلم ينته.
أقول: جوابه من وجوه:
(الأول) أن كثيراً من العلماء المحققين أجابوا عن تلك الرسائل وانتصروا للشيخ.
و (الثاني) أن رد كثير من العلماء على الشيخ لا يقتضي بطلان ما عليه الشيخ وحقية ما عليه خصومه، إنما معيار الحقيقة شهادة الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وإذا كان قوله وعمله موافقاً للثقلين١، فلا مبالاة بمخالفة أحد كائناً من كان.
و (الثالث) أن غير واحد من علماء الصحابة والتابعين وتبع التابعين قد خالفه
стр. 479
كثير من العلماء فهذا مما يشارك الشيخ فيه غيره فلا وجه للطعن.
قوله: وقال له رجل آخر مرة وكان رئيساً على قبيلة بحيث أنه لا يقدر أن يسطو عليه: ما تقول إذا أخبرك رجل صادق ذو دين وأمانة وأنت تعرف صدقه بأن قوماً كثيرين قصدوك وهم وراء الجبل الفلاني فأرسلت ألف خيال ينظرون القوم الذين وراء الجبل فلم يجدوا أثراً ولا أحد منهم، بل ما جاء تلك الأرض أحد، أتصدق الألف أم الواحد الصادق عندك؟ فقال: أصدق الألف، فقال له: إن جميع المسلمين من العلماء الأحياء والأموات في كتبهم يكذبونك فيما أتيت به، ويزيفونه فنصدقهم ونكذبك؟ فلم يعرف جواباً لذلك.
أقول: الجواب عليه من وجوه:
(الأول) عدم الاعتماد على هذا النقل.
(الثاني) أن ما حكاه عن الشيخ في جواب الصورة المفروضة من أنه قال "أصدق الألف" لا يتصور أن يكون جواباً صحيحاً عموماً، بل إذا كان الألف ذوي صدق ودين وأمانة ممن لا يخافون في الحق لومة لائم، وأما من ليس بذي صدق أو دين أو أمانة أو يخاف الناس كخشية الله فليكن الجواب على عكس ما حكى الشيخ وحين حكى الجواب عموماً، فهذا أدل دليل على كذب هذه الحكاية.
(الثالث) أن هذا المثل ليس في محله، فإن ما عليه الشيخ ليس خبر رجل صادق ذي دين وأمانة، بل هو قول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، فلا اعتداد بقول من خالفه وإن كانوا ألوفاً، إذ الشيخ لم يدع إلى رأيه أو إلى رأي أحد من الصحابة أو التابعين، أو تبع التابعين، أو رأي غيرهم من العلماء، إنما دعا إلى إخلاص التوحيد الذي هو منطوق صريح لغير واحدة من الآيات١.
(الرابع) أن قول السائل "إن جميع المسلمين من العلماء الأحياء والأموات في كتبهم يكذبونك فيما أتيت به ويزيفونه" كذب صريح، هذا شيخ الإسلام ابن تيميه وابن القيم وابن كثير وابن عبد الهادي وغيرهم من أهل التوحيد ممن قبل الشيخ يصدقون الشيخ فيما أتى به، بل لو ادعى أن جميع المسلمين من العلماء الأحياء والأموات
стр. 480
موافقون للشيخ لكان له وجه١ فإن كلهم يقولون: إن الدعاء عبادة، وعبادة غير الله شرك.
قوله: وقال له رجل آخر مرة: هذا الدين الذي جئت به متصل أم منفصل؟ فقال له مشايخي ومشايخهم إلى ستمائة سنة كلهم مشركون، فقال له الرجل: إذاً دينك منفصل لا متصل، فعمن أخذته؟ فقال: وحي إلهام كالخضر، فقال له: إذاً ليس ذلك محصوراً فيك، كل أحد يمكنه أن يدعي وحي الإلهام الذي تدعيه.
أقول: هذا افتراء على الشيخ واضح، لم يقل الشيخ قط إن مشايخي ومشايخهم إلى ستمائة سنة كلهم مشركون، وإن ديني وحي إلهام، وراويه أحد الكاذبين، ومن يدعي صحته فعليه البيان.
قوله: ثم قال له: إن التوسل مجمع عليه –إلى قوله– فلا وجه لك في التفكير أصلاً.
أقول: لعل هذه الحكاية مجعولة، فإن الشيخ قد قال في الرسالة التي كتبها إلى عبد الله بن سحيم في جواب هذا الطعن ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .
قوله: هذا حجة عليك، فإن استسقاء عمر بالعباس إنما كان لإعلام الناس بصحة الاستسقاء والتوسل بغير النبي ﷺ .
أقول: هذا ادعاء بلا دليل، بل يرده لفظ الحديث، فإن فيه أن عمر رضي الله
стр. 481
عنه قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. هذا لفظ البخاري، وهو عند الإسماعيلي من رواية محمد بن المثنى عن الأنصاري بإسناد البخاري إلى أنس قال: كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ﷺ استقوا به فيستسقي لهم فيسقون، فلما كان في إمارة عمر.. فذكر الحديث، هكذا في الفتح.
قوله: وكيف نحتج باستسقاء عمر بالعباس وعمر هو الذي روى حديث توسل آدم بالنبي ﷺ قبل أن يخلق؟
أقول: قد عرفت فيما تقدم أن هذا الحديث واه جداً لا يصلح لأن يحتج به.
قوله: فبهت وتحير وبقي على عماوته ومقابحه الشنيعة.
أقول: هذا كذب فيما أظنه بيّن، كيف وقد يعلم ضعف حديث التوسل من له أدنى إلمام بفن الجرح والتعديل، فلا وجه للبهت والتحير.
قوله: ومن مقابحه أنه لما منع الناس من زيارة النبي ﷺ خرج ناس من الأحساء وزاروا النبي ﷺ .
أقول: هذا كذب وافتراء، فإن الشيخ قال في جواب اثنتي عشر مسألة، منها إنكار زيارة قبر النبي ﷺ ما نصه: فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ . هكذا قال الشيخ في الرسالة التي كتبها إلى عبد الله ابن سحيم.
قوله: وبلغه مرة أن جماعة من الذين لم يتابعوه من الآفاق البعيدة قصدوا الزيارة والحج.
أقول: هذا افتراء بحت، ألم تر أن الشيخ نفسه قد قصد مدينته ﵊ وأقام فيها شهرين ثم رجع بعد ذلك فائزاً بأجر الزيارة والمناسك، كذا في (روضة الأفكار) وقد نقلت فيما تقدم عبارتها الطويلة.
قوله: وكان ينهى عن الصلاة على النبي ﷺ –إلى قوله– وأحرق دلائل الخيرات وغيرها من كتب الصلاة على النبي ﷺ .
стр. 482
أقول: قد أجاب الشيخ في بعض رسائله عن هذا بقوله: وأما دلائل الخيرات فلذلك سبب، وذلك أني أشرت على من قبل نصيحتي من إخواني أن لا يصير في قلبه أجلّ من كتاب الله، ويظن أن القراءة فيه أنفع من قراءة القرآن١.
وأما إحراقه والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان فهذا من البهتان، كذا في (روضة الأفكار) . وأيضاً فيها: وأما قوله وأحرق أيضاً "روض الرياحين" وسماه روض الشياطين فهذا من الكذب والزور المبين. اهـ.
وأما قوله وأبطل الصلاة على رسول الله ﷺ في يوم الجمعة وليلتها، فهذا الكلام مع بشاعة لفظه فيه إيهام وإبهام، وتشنيع بظاهره عند العوام، وتنفير لهم من توحيد الملك العلام، فإن الشيخ ﵀ لم ينه عن ذلك ولم يبطله، إلا الفعل الذي يفعل في كثير من البلدان، وقد أبطله جماعة قبله من الأعيان، وأنكره جماعة من نقاد هذا الشأن، وقالوا لا يتقرب إلى الله تعالى [به] ولا يدان، لأنه بدعة محضة أظهرها في مقام العبادة الشيطان. اهـ.
وقال أيضاً فيه وليعلم القارئ لهذا الكتاب، والواقف على هذا الخطاب، أن البيان عن ذلك في الجواب، أن الذي أنكره من غير شك ولا ارتياب، هو ما يفعل في غالب الأمصار، ويعمل في كثير من الأقطار، لا سيما الحرمين كما صح بالمشاهدة والأخبار، وذلك أنه يصعد ثلاثة أو أكثر على رؤوس المنار، ويقرءون آيات من القرآن، ويصلون على النبي بأرفع صوت وإعلان، ويأتون بقبيح الألحان وأصوات تحاكي غناء القيان، ويمططون آيات الله الكريمة، ويغيرون حرمة أسمائه
стр. 483
العظيمة، وينقلونها من معناها إلى معنى١ وكفى به إثماً ووهنا، وتغييراً لما أراده الله بأسمائه وصفاته٢، لقد خسر والله من ضل سعيه وهو يحسب أنه يحسن صنعا. اهـ.
وقال الشيخ في الرسالة التي كتبها إلى عبد الرحمن بن عبد الله: والحاصل أن ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك فكله من البهتان اهـ. وللسيد العلامة إمام العصر محمد بن إسماعيل الأمير اليمني نظم في مدح الحديث مشتمل على فصول حكم في فصل منها على دلائل الخيرات بالتحريق فقال:
وحرق عمداً للدلائل دفترا ... أصاب ففيها ما يجل عن العد
غلوٌ نهى عنه الرسول وفرية
... بلا مرية فاتركه إن كنت تستهدي
أحاديث لا تعزى إلى عالم ولا
... تساوى فلساً إن رجعت إلى النقد
وصيرها الجهال للدرس ضرة
... يرى درسها أزكى لديه من الحمد
ولما اطلع الشيخ الفاضل العلامة ناصر بن حسين المحبش الصنعاني على هذه الأبيات أرسل إليه نظماً سأل فيه عن وجه هذا الحكم، فأجاب السيد العلامة أولاً [على] النظم بالنظم، ثم حرر أدلة على دعواه في النثر على وجه الإتقان، وهذا السؤال والجواب كلاهما يتيسران في بلاد اليمن ونواحيه، ذكره السيد العلامة مولانا السيد صديق حسن سلمه الله تعالى في كتابه (إتحاف النبلاء) .
стр. 484
ما كان عليه الوهابية من الاتباع والاجتهاد
في الأصول والفروع
قوله: وكان يمنع أتباعه من مطالعة كتب الفقه والتفسير والحديث، وأحرق
стр. 485
كثيراً منها، وأذن لكل من اتبعه أن يفسر القرآن بحسب فهمه حتى همج الهمج من أتباعه.
أقول: قد فرغ الشيخ من جوابه بما قال في الرسالة التي كتبها إلى عبد الله بن سحيم في المسائل التي شنع بها، منها ما هو البهتان الظاهر وهي قوله إني مبطل كتب المذاهب، وقوله إني أدعي الاجتهاد، وقوله إني خارج عن التقليد. اهـ ملخصاً.
وقال في الرسالة التي كتبها إلى عبد الرحمن بن عبد الله: وأخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم. اهـ.
قال عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في رسالة اختصرت من الرسائل المؤلفة للشيخ محمد بن عبد الوهاب: إن مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف، ونحن أيضاً في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، ولا ننكر على من قلد أحد الأربعة دون غيرهم لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم، فلا نقرهم على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة، ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا المذهب، كإرث الجد والأخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث وإن خالف مذهب الحنابلة، ولا نفتش على أحد في مذهبه ولا نعترض عليه، إلا إذا اطلعنا على نص جلي كذلك مخالف لمذهب بعض الأئمة وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر كإمام الصلاة، فنأمر الحنفي والمالكي مثلاً بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين لوضوح دليل ذلك١، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة وشتان بين المسألتين، فإذا قوي الدليل أشرناهم للنص٢، وإن خالف المذهب، وذلك إنما يكون نادراً جداً،
стр. 486
ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد المطلق، وقد سبق جمع من المذاهب الأربعة إلى اختيارات لهم في بعض المسائل مخالفين للمذهب الملتزمين تقليد صاحبه، ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة ومن أجلها لدنيا تفسير ابن جرير ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذلك البيضاوي والبغوي والخازن والهداد١ والجلالين وغيرهم، وعلى فهم الحديث بشروحه كالقسطلاني والعسقلاني على البخاري، والنووي على مسلم والمناوي على الجامع الصغير، ونحوهم على كتب الحديث خصوصاً الأمهات الست وشروحها، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولاً وفروعاً، وقواعد وسيراً وصرفاً ونحواً، وجميع علم الأمة، ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلاً، إلا ما توقع الناس في الكفر٢، كروض الرياحين، أو يحصل بسببه خلل في العقائد كعلوم المنطق فإنه قد حرمه كثير من العلماء على أنا لا نفحص على مثل ذلك، وكالدلائل إلا أن تظاهر به صاحبه معانداً أتلف عليه، وما اتفق لبعض البدوان في إتلاف كتب أهل الطائف إنما صدر لجهلة وقد زجر هو وغيره عن مثل ذلك.
ولا نرى قتل النساء والأطفال، وأما ما يكذب علينا ستراً للحق، وتلبيساً على الخلق، بأنا نقرأ القرآن لرأينا٣، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا، من دون مراجعة شروح ولا نعول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا النبي رمة في قبره وعصا أحدنا أنفع منه، وليس له شفاعة، وإن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى أنزل عليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ﴾ مع كون الآية مدنية، وأنا لا نعتمد أقوال العلماء، ونتلف مؤلفات أهل المذاهب لكون فيها الحق والباطل، وأنا مجسمة وأنا نكفر الناس على الإطلاق، ومن بعد الست المائة إلا من هو على ما نحن عليه، ومن فروع ذلك أن لا نقبل بيعة أحد حتى نقرر عليه بأنه كان مشركاً، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله، وأنا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ
стр. 487
ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقاً، وأن من دان بما نحن عليه سقط عنه جميع التبعات حتى الديون، وأنا لا نرى حقاً لأهل البيت رضوان الله عليهم، وأنا نجبر على تزويج غير الكفء لهم، وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شاباً على مرافعة لدينا ولا وجه لذلك –فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولاً ما كان جوابنا عليه في كل مسألة من ذلك إلا ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ . فمن روى عنا شيئاً من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا ورأى مجلسنا وتحقق ما عندنا، علم قطعاً أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه جماهير أعداء الدين، وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان لإخلاص التوحيد لله بالعبادة، فإنا نعتقد أن من فعل أنواعاً من الكبائر كالقتل للمسلم بغير حق والزنا والربا وشرب الخمر، وتكرر ذلك منه، لا يخرج بفعل ذلك عن دائرة الإسلام ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحداً لله في جميع أنواع العبادة.
والذي نعتقده في مرتبة نبينا محمد ﷺ أنها أعلى مراتب المخلوقات على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة مستقرة أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام من يسلم عليه، وتسن زيارته إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته في الاشتغال بالصلاة عليه الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين وكفى همه كما جاء في الحديث.
قوله: وتارة يقول إن الشريعة واحدة، فما لهؤلاء جعلوها مذاهب أربعة؟
أقول: قال عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في ديباجة الرسالة المذكورة ما نصه:
ونودي بالمواظبة على الصلوات في الجماعات وعدم التفرق في ذلك بأن يجتمعوا في كل صلاة مع إمام واحد يكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة رضوان الله عليهم، اهـ. وقد تقدم أيضاً قوله: بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة، فعلم بذلك أن هذا افتراء بحت.
قوله: وكان الشيخان المذكوران يعني الشيخ محمد بن سليمان الكردي، والشيخ
стр. 488
محمد حياة السندي الحنفي وغيرهما من أشياخه يتفرسون فيه الإلحاد والضلال، ويقولون سيضل هذا ويضل الله به من أبعده وأشقاه، فكان الأمر كذلك، وما أخطأت فراستهم فيه.
أقول: هذا النقل مما لا اعتماد عليه.
قوله: وكان والده عبد الوهاب من العلماء الصالحين، فكان أيضاً يتفرس في ولده المذكور الإلحاد ويذمه كثيراً ويحذر الناس منه.
أقول: هذا كذب صريح، فإن والده قد أثنى عليه ثناء بليغاً كما يظهر من عبارة (روضة الأفكار) وقد نقلت فيما تقدم.
قوله: وكذا أخوه سليمان بن عبد الوهاب فكان ينكر ما أحدثه من البدع والضلال والعقائد الزائغة، وتقدم أنه ألف كتاباً في الرد عليه.
أقول: نعم قد كان أخوه سليمان في أول الأمر كما قال هذا القائل، ثم رجع عن مذهبه الأول وندم على ما فرط من الضلال والطغيان، كما يلوح من كتابه الذي كتب إلى أحمد بن محمد التويجري وأحمد ومحمد ابني عثمان بن شبانة، وقد نقل فيما سبق فتذكر.
قوله: وكانت ولادة محمد بن عبد الوهاب سنة ألف ومائة وأحد عشر.
أقول: هذا غلط، والصحيح ما في (الروضة) من أنه ﵀ ولد سنة خمس عشرة بعد المائة والألف كما تقدم.
قوله: ولما أراد إظهار ما زينه له الشيطان من البدعة والضلالة.
أقول: هذا بهتان عظيم، فإن الشيخ ﵀ سعى سعياً عظيماً في إزالة البدعة والضلالة، وإنما دعا الناس إلى التوحيد الخالص واتباع السنة وترك الشرك والبدعة.
قوله: ويفهمهم أن ما عليه الناس كله شرك وضلال.
أقول: هذا بعمومه افتراء بحت.
قوله: وكان يقول لهم: إني أدعوكم إلى الدين، وجميع ما هو تحت السبع الطباق مشرك على الإطلاق، ومن قتل مشركاً فله الجنة.
стр. 489
أقول: هذا كله افتراء بلا ريب على الشيخ يعرفه من له رائحة من الإيمان والعلم والعقل.
قوله: وكانوا ملكوا الطائف في ذي القعدة سنة ١٢١٧ قتلوا الكبير والصغير والمأمور والآمر، ولم ينج إلا من طال عمره، وكانوا يذبحون الصغير على صدر أمه، ونهبوا الأموال وسبوا النساء –إلى قوله– فإنهم كانوا يحكمون على الناس بالكفر من منذ ستمائة، وغفلوا أيضاً عن استباحتهم أموال الناس ودمائهم وانتهاكهم حرمة النبي ﷺ بارتكابهم أنواع التحقير له ولمن أحبه وغير ذلك من مقابحهم التي ابتدعوها وكفروا الأمة بها، وكانوا إذا أراد أحد أن يتبعهم على دينهم طوعاً أو كرهاً يأمرونه بالإتيان بالشهادتين أولاً ثم يقولون له اشهد على نفسك أنك كنت كافراً، أو اشهد على والديك أنهما ماتا كافرين، واشهد على فلان وفلان أنه كان كافراً، ويسمون له جماعة من أكابر العلماء الماضين، فإن شهدوا بذلك قبلوهم وإلا أمروا بقتلهم، وكانوا يصرحون بتكفير الأمة من منذ ستمائة سنة، وأول من صرح بذلك محمد بن عبد الوهاب فتبعوه على ذلك، وإذا دخل إنسان في دينهم وكان قد حج حجة الإسلام قبل ذلك يقولون له حج ثانياً فإن حجتك الأولى فعلتها وأنت مشرك، فلا يسقط عنك الحج، ويسمون من اتبعهم من الخارج المهاجرين، ومن كان من أهل بلدتهم يسمونهم الأنصار، والظاهر من حال محمد بن عبد الوهاب أنه يدعي النبوة إلا أنه ما قدر على إظهار التصريح بذلك، وكان في أول أمره مولعاً بمطالعة أخبار من ادعى النبوة كاذباً كمسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي، وأضرابهم، فكأنه يضمر في نفسه دعوى النبوة، ولو أمكنه إظهار هذه الدعوة لأظهرها، وكان يقول لأتباعه: إني أتيتكم بدين جديد، ويظهر ذلك من أقواله وأفعاله، ولهذا كان يطعن في مذاهب الأئمة وأقوال العلماء، ولم يقبل من دين نبينا ﷺ إلا القرآن ويؤوله على حسب مراده، مع أنه إنما قبله ظاهراً فقط لئلا يعلم الناس حقيقة أمره، فيكشفوا عنه، بدليل أنه هو وأتباعه إنما يؤولونه على حسب ما يوافق أهواءهم لا بحسب ما فسره به النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح وأئمة التفسير، فإنه كان لا يقول بذلك ولا يقول بما عدا القرآن من أحاديث النبي ﷺ وأقاويل الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين ولا بما استنبطه الأئمة من القرآن والحديث، ولا يأخذ بالإجماع، ولا
стр. 490
بالقياس الصحيح، وكان يدعي الانتساب إلى مذهب الإمام أحمد ﵀ كذباً، وتستراً وزوراً، والإمام أحمد بريء منه.
أقول: الجواب على هذه الأقوال كلها أنها على طولها وكثرتها كاذبة خبيثة، فلا تعجبك كثرة الخبيث.
قوله: حتى أخوه سليمان بن عبد الوهاب ألف رسالة في الرد عليه كما تقدم.
أقول: قد عرفت فيما تقدم أن الشيخ سليمان قد رجع عن قوله الأول، فالاستناد بالقول المرجوع عنه عجيب.
قوله: وتمسك في تكفير المسلمين بآيات نزلت في المشركين فحملها على الموحدين.
أقول: إنما تمسك الشيخ في تكفير الذين يسمون أنفسهم مسلمين وهم يرتكبون أمور مكفرة بعموم آيات نزلت في المشركين، وقد ثبت في علم الأصول أن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب، وهذا مما لا مجال لاختلاف فيه لأحد.
قوله: وقد روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ في وصف الخوارج أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين.
أقول: قد وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعاً: كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: كان يراهم شرار الخلق انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين، قلت: وسنده صحيح قاله الحافظ في الفتح، والشيخ رحمه الله تعالى بريء من هذا الصنيع بحمد الله، والدليل عليه أنه ذكر في كتاب التوحيد باب إثم من فجر بالقرآن حديث أبي سعيد الخدري المروي في الخوارج وذكر هذا الأثر، فكيف يرتكب ما يشنع به على الخوارج؟ نعم قد استدل الشيخ ﵀ على كفر عباد القبور بعموم آيات نزلت في الكفار، وهذا مما لا محذور فيه، إذ عباد القبور ليسوا بمؤمنين عند أحد من المسلمين١.
стр. 491
قوله: وفي رواية أخرى عن ابن عمر عند غير البخاري أنه ﷺ قال: أخوف ما أخاف على أمتي رجل متؤول للقرآن يضعه في غير موضعه".
أقول: في هذا الكلام خطأ من وجوه:
(الأول) أن هذا الحديث من رواية عمر بن الخطاب، لا من رواية ابن عمر كما ستعرفه عن قريب.
و (الثاني) أن المتبادر من قوله عند غير البخاري أن غير البخاري من الأئمة الستة قد أخرجوه، مع أنه ليس له أثر في شيء من الكتب الستة، فهذا تدليس واضح، وإن كان المراد بغير البخاري الطبراني فقط فكان التصريح بالطبراني أولى بالديانة من هذا الإبهام والتلبيس.
و (الثالث) لفظ الحديث هكذا عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر ما أتخوف على أمتي من بعدي رجل يتأول القرآن يضعه على غير مواضعه، ورجل يرى أنه أحق بهذا الأمر من غيره" رواه الطبراني في الأوسط، كذا في مجمع الزوائد، والمؤلف قد أخطأ في نقل هذه الرواية في غير ما موضع كما لا يخفى.
و (الرابع) في سنده إسماعيل بن قيس الأنصاري، وهو متروك الحديث كذا في مجمع الزوائد، قال الذهبي في الميزان: إسماعيل بن قيس بن سعد بن زيد بن ثابت الأنصاري أبو مصعب عن أبي حازم ويحيى بن سعد الأنصاري، قال البخاري والدراقطني: منكر الحديث، وقال النسائي وغيره: ضعيف، وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه منكر. اهـ ملخصاً.
стр. 492
و (الخامس) أن صدقه على الشيخ محمد بن عبد الوهاب غير مسلم، ومن يدعي فعليه البيان.
وقد ورد في هذا المعنى أحاديث أخر:
منها حديث حذيفة، قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى حدثنا أبو عمرو بن عاصم حدثنا المعتمر عن أبيه عن قتادة عن الحسن بن جندب بن عبد الله أنه بلغه عن حذيفة –أو سمعه منه– يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر "إن في أمتي قوماً يقرءون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله"، لم يخرجوه، كذا في تفسير الحافظ ابن كثير.
ومنها حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لا أتخوف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً، فأما المؤمن فيحجزه إيمانه، وأما المشرك فيقمعه كفره، ولكن أتخوف عليكم منافقاً عليم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون". رواه الطبراني في الصغير والأوسط من رواية الحارث وهو الأعور، وقد وثقه ابن حبان وغيره.
ومنها حديث عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان". رواه الطبراني في الكبير والبزار ورواته محتج بهم في الصحيح، ورواه أحمد من حديث عمر بن الخطاب، كذا في الترغيب والترهيب للمنذري، وقال في مجمع الزوائد: رواه البزار وأحمد وأبو يعلى ورجاله موثقون.
ومنها حديث معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "إني أخاف عليكم ثلاثاً، وهن كائنات: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تفتح عليكم". رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه عبد الحكيم بن منصور وهو متروك الحديث.
ومنها حديث معاذ بن جبل أيضاً عن رسول الله ﷺ "إياكم وثلاثة: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم، فأما زلة عالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن يزل فلا تقطعوا عنه أعمالكم، وأما جدال منافق بالقرآن فإن للقرآن
стр. 493
مناراً كمنار الطريق، فما عرفتم فخذوه، وما أنكرتم فردوه إلى عالمه، وأما دنيا تقطع أعناقكم فمن جعل الله في قلبه غني فهو غني". رواه الطبراني في الأوسط، وعمرو بن مرة لم يسمع من معاذ، وعبد الله بن صالح كاتب الليث وثقه عبد الملك بن شعيب بن الليث، ويحيى في رواية منه، وضعفه أحمد وجماعة.
ومنها حديث عمرو بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني أخاف على أمتي من ثلاث: من زلة عالم، ومن هوى متبع، ومن حكم جائر". رواه البزار وفيه كثير بن عبد الله بن عوف وهو متروك، وقد حسن له الترمذي.
ومنها حديث عمر بن الخطاب قال: حذرنا رسول الله ﷺ كلّ منافق عليم اللسان. رواه البزار وأحمد وأبو يعلى ورجاله موثقون.
ومنها حديث عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "إني أخاف على أمتي اثنتين: القرآن واللبن، أما اللبن فيتبعون الريف ويتبعون الشهوات ويتركون الصلاة، وأما القرآن فيتعلمه المنافقون فيجادلون به الذين آمنوا". رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه دراج أبو السمح، وهو ثقة مختلف في الاحتجاج به، كذا في مجمع الزوائد.
وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال قلت لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. رواه الدارمي.
وعن عمرو بن الأشجع أن عمر بن الخطاب قال: إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله. رواه الدارمي.
و (السادس) أن المراد في الحديث –على تقدير ثبوته– رجل يبتغي تأويل ما تشابه من القرآن، يدل عليه ما أخرجه أبو القاسم في المعجم الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خصال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ . الآية. وأن يروا ذا علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه". كذا في تفسير ابن كثير.
وقبحُ تأويل ما تشابه من القرآن ثابت بالكتاب، أي قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا
стр. 494
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ . الآية. وبالسنة الصحيحة وهو ما روي عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ . وقرأ إلى ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ "فإذا رأيت –وعند مسلم رأيتم– الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم" متفق عليه. والخوارج داخلون فيهم دخولاً أولياً، بل إن قيل إنهم هم المراد في الحديث الذي ذكره صاحب الرسالة في الآية لم يكن بعيداً، فإن أول بدعة وقعت في الإسلام هي فتنة الخوارج ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم انبعثت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من أهل البدع، فهم أصل كل أهل البدعة ورأسهم١، ويهديك إليه ما أخرجه الحافظ أبو يعلى عن الحسن بن جندب بن عبد الله أنه بلغه عن حذيفة أو سمعه منه يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر: "إن في أمتي قوماً" الحديث وقد ذكر آنفاً.
وما أخرجه أحمد عن أبي غالب قال: سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ . قال: هم الخوارج. وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ . وقد رواه ابن مردويه من غير وجه عن أبي غالب عن أبي أمامة فذكره، كذا في تفسير ابن كثير، فالفرد الكامل للحديث والآية هو الخوارج، ولكل أهل بدعة كفل منها على قدر بدعته، حتى الخلف من الذين يسمون أنفسهم أهل السنة، ومنهم صاحب الرسالة، فإنهم يؤولون آيات الصفات وأحاديثها.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن الشيخ ليس مصداق هذا الحديث بيقين، فإنه يشنع تشنيعاً بليغاً على من يتبغي تأويل المتشابهات، فكيف يكون مصداقه؟ وقد عقد في كتاب التوحيد باباً لما جاء في اتباع المتشابه، وقد ذكر فيه حديث عائشة المذكور، وأثر عمر ﵁: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ الحديث، وقال: ولما سمع
стр. 495
صبيغ يسأل عن الذاريات وأشباهها فعل به عمر ما فعل، والقصة مشهورة، وقال في الرسالة التي اختصرت لأهل مكة: فأخبرناه بأن مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم والأعلم والأحكم، خلافاً لمن قال طريقة الخلف أعلم، وهي أنا نقر آيات الصفات والأحاديث على ظاهرها ونكل معناها إلى الله تعالى، فإن مالكاً وهو من أجل علماء السلف لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
قوله: وأعجب من ذلك كله أنه كان يكتب إلى عماله الذين هم من أجهل الجاهلين: اجتهدوا بحسب فهمكم، وانظروا حكماً بما ترونه مناسباً لهذا الدين.
أقول: هذا كذب بحت، فإن الشيخ قال في الرسالة التي اختصرت لأهل مكة: ونحن أيضاً في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، ولا ننكر على من قلد أحد الأربعة، دون غيرهم لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم، فلا نقرهم على شيء من مذاهبهم الفاسدة بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة١، ولا نستخف بمرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا الحديث كإرث الجد والأخوة، فإنا نقدم الجد وإن خالف مذهب الحنابلة، ولا نفتش على أحد في مذهبه ولا نعترض إلا إذا اطلعنا على نص جلي كذلك مخالف لمذهب بعض الأئمة، وكانت المسألة مما يحصل به شعار ظاهر كإمام الصلاة فنأمر الحنفي والمالكي مثلاً بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين لوضوح دليل ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة وشتان بين المسألتين، فإذا قوي الدليل أرشدناهم بالنص وإن خالف المذهب، وذلك إنما يكون نادراً جداً، ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد المطلق، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب