← Акыда

Акыда · id 12027

صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان

محمد بشير السهسواني

Полный текст (549 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قوله: وفي رواية أخرى عن ابن عمر عند غير البخاري أنه ﷺ قال: أخوف ما أخاف على أمتي رجل متؤول للقرآن يضعه في غير موضعه". أقول: في هذا الكلام خطأ من وجوه: (الأول) أن هذا الحديث من رواية عمر بن الخطاب، لا من رواية ابن عمر كما ستعرفه عن قريب. و (الثاني) أن المتبادر من قوله عند غير البخاري أن غير البخاري من الأئمة الستة قد أخرجوه، مع أنه ليس له أثر في شيء من الكتب الستة، فهذا تدليس واضح، وإن كان المراد بغير البخاري الطبراني فقط فكان التصريح بالطبراني أولى بالديانة من هذا الإبهام والتلبيس. و (الثالث) لفظ الحديث هكذا عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر ما أتخوف على أمتي من بعدي رجل يتأول القرآن يضعه على غير مواضعه، ورجل يرى أنه أحق بهذا الأمر من غيره" رواه الطبراني في الأوسط، كذا في مجمع الزوائد، والمؤلف قد أخطأ في نقل هذه الرواية في غير ما موضع كما لا يخفى. و (الرابع) في سنده إسماعيل بن قيس الأنصاري، وهو متروك الحديث كذا في مجمع الزوائد، قال الذهبي في الميزان: إسماعيل بن قيس بن سعد بن زيد بن ثابت الأنصاري أبو مصعب عن أبي حازم ويحيى بن سعد الأنصاري، قال البخاري والدراقطني: منكر الحديث، وقال النسائي وغيره: ضعيف، وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه منكر. اهـ ملخصاً.

стр. 492

و (الخامس) أن صدقه على الشيخ محمد بن عبد الوهاب غير مسلم، ومن يدعي فعليه البيان. وقد ورد في هذا المعنى أحاديث أخر: منها حديث حذيفة، قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى حدثنا أبو عمرو بن عاصم حدثنا المعتمر عن أبيه عن قتادة عن الحسن بن جندب بن عبد الله أنه بلغه عن حذيفة –أو سمعه منه– يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر "إن في أمتي قوماً يقرءون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله"، لم يخرجوه، كذا في تفسير الحافظ ابن كثير. ومنها حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لا أتخوف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً، فأما المؤمن فيحجزه إيمانه، وأما المشرك فيقمعه كفره، ولكن أتخوف عليكم منافقاً عليم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون". رواه الطبراني في الصغير والأوسط من رواية الحارث وهو الأعور، وقد وثقه ابن حبان وغيره. ومنها حديث عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان". رواه الطبراني في الكبير والبزار ورواته محتج بهم في الصحيح، ورواه أحمد من حديث عمر بن الخطاب، كذا في الترغيب والترهيب للمنذري، وقال في مجمع الزوائد: رواه البزار وأحمد وأبو يعلى ورجاله موثقون. ومنها حديث معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "إني أخاف عليكم ثلاثاً، وهن كائنات: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تفتح عليكم". رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه عبد الحكيم بن منصور وهو متروك الحديث. ومنها حديث معاذ بن جبل أيضاً عن رسول الله ﷺ "إياكم وثلاثة: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم، فأما زلة عالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن يزل فلا تقطعوا عنه أعمالكم، وأما جدال منافق بالقرآن فإن للقرآن

стр. 493

مناراً كمنار الطريق، فما عرفتم فخذوه، وما أنكرتم فردوه إلى عالمه، وأما دنيا تقطع أعناقكم فمن جعل الله في قلبه غني فهو غني". رواه الطبراني في الأوسط، وعمرو بن مرة لم يسمع من معاذ، وعبد الله بن صالح كاتب الليث وثقه عبد الملك بن شعيب بن الليث، ويحيى في رواية منه، وضعفه أحمد وجماعة. ومنها حديث عمرو بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني أخاف على أمتي من ثلاث: من زلة عالم، ومن هوى متبع، ومن حكم جائر". رواه البزار وفيه كثير بن عبد الله بن عوف وهو متروك، وقد حسن له الترمذي. ومنها حديث عمر بن الخطاب قال: حذرنا رسول الله ﷺ كلّ منافق عليم اللسان. رواه البزار وأحمد وأبو يعلى ورجاله موثقون. ومنها حديث عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "إني أخاف على أمتي اثنتين: القرآن واللبن، أما اللبن فيتبعون الريف ويتبعون الشهوات ويتركون الصلاة، وأما القرآن فيتعلمه المنافقون فيجادلون به الذين آمنوا". رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه دراج أبو السمح، وهو ثقة مختلف في الاحتجاج به، كذا في مجمع الزوائد. وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال قلت لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. رواه الدارمي. وعن عمرو بن الأشجع أن عمر بن الخطاب قال: إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله. رواه الدارمي. و (السادس) أن المراد في الحديث –على تقدير ثبوته– رجل يبتغي تأويل ما تشابه من القرآن، يدل عليه ما أخرجه أبو القاسم في المعجم الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خصال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ . الآية. وأن يروا ذا علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه". كذا في تفسير ابن كثير. وقبحُ تأويل ما تشابه من القرآن ثابت بالكتاب، أي قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا

стр. 494

الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ . الآية. وبالسنة الصحيحة وهو ما روي عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ . وقرأ إلى ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ "فإذا رأيت –وعند مسلم رأيتم– الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم" متفق عليه. والخوارج داخلون فيهم دخولاً أولياً، بل إن قيل إنهم هم المراد في الحديث الذي ذكره صاحب الرسالة في الآية لم يكن بعيداً، فإن أول بدعة وقعت في الإسلام هي فتنة الخوارج ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم انبعثت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من أهل البدع، فهم أصل كل أهل البدعة ورأسهم١، ويهديك إليه ما أخرجه الحافظ أبو يعلى عن الحسن بن جندب بن عبد الله أنه بلغه عن حذيفة أو سمعه منه يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر: "إن في أمتي قوماً" الحديث وقد ذكر آنفاً. وما أخرجه أحمد عن أبي غالب قال: سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ . قال: هم الخوارج. وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ . وقد رواه ابن مردويه من غير وجه عن أبي غالب عن أبي أمامة فذكره، كذا في تفسير ابن كثير، فالفرد الكامل للحديث والآية هو الخوارج، ولكل أهل بدعة كفل منها على قدر بدعته، حتى الخلف من الذين يسمون أنفسهم أهل السنة، ومنهم صاحب الرسالة، فإنهم يؤولون آيات الصفات وأحاديثها. وإذا عرفت هذا فاعلم أن الشيخ ليس مصداق هذا الحديث بيقين، فإنه يشنع تشنيعاً بليغاً على من يتبغي تأويل المتشابهات، فكيف يكون مصداقه؟ وقد عقد في كتاب التوحيد باباً لما جاء في اتباع المتشابه، وقد ذكر فيه حديث عائشة المذكور، وأثر عمر ﵁: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ الحديث، وقال: ولما سمع

стр. 495

صبيغ يسأل عن الذاريات وأشباهها فعل به عمر ما فعل، والقصة مشهورة، وقال في الرسالة التي اختصرت لأهل مكة: فأخبرناه بأن مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم والأعلم والأحكم، خلافاً لمن قال طريقة الخلف أعلم، وهي أنا نقر آيات الصفات والأحاديث على ظاهرها ونكل معناها إلى الله تعالى، فإن مالكاً وهو من أجل علماء السلف لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. قوله: وأعجب من ذلك كله أنه كان يكتب إلى عماله الذين هم من أجهل الجاهلين: اجتهدوا بحسب فهمكم، وانظروا حكماً بما ترونه مناسباً لهذا الدين. أقول: هذا كذب بحت، فإن الشيخ قال في الرسالة التي اختصرت لأهل مكة: ونحن أيضاً في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، ولا ننكر على من قلد أحد الأربعة، دون غيرهم لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم، فلا نقرهم على شيء من مذاهبهم الفاسدة بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة١، ولا نستخف بمرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا الحديث كإرث الجد والأخوة، فإنا نقدم الجد وإن خالف مذهب الحنابلة، ولا نفتش على أحد في مذهبه ولا نعترض إلا إذا اطلعنا على نص جلي كذلك مخالف لمذهب بعض الأئمة، وكانت المسألة مما يحصل به شعار ظاهر كإمام الصلاة فنأمر الحنفي والمالكي مثلاً بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين لوضوح دليل ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة وشتان بين المسألتين، فإذا قوي الدليل أرشدناهم بالنص وإن خالف المذهب، وذلك إنما يكون نادراً جداً، ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد المطلق، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب

стр. 496

الأربعة إلى اختيارات لهم في بعض المسائل مخالفة للمذهب الملتزمين تقليد صاحبه. اهـ. قوله: وقد اعتنى كثير من العلماء من أهل المذاهب الأربعة للرد عليه. أقول: قد اعتنى كثير من العلماء من أهل التحقيق بالجواب على ذلك الرد. قوله: وسألوه عن مسائل يعرفه أقل طلبة العلم فلم يقدر على الجواب عنها، لأنه لم يكن له تمكن في العلوم. أقول: تمكنه في العلوم الدينية مما لا مجال للكلام فيه، فإن الشيخ إمام الموحدين ورأس العلماء العاملين، وغرة الأئمة المحققين، كان حفظ القرآن عن ظهر قلبه قبل بلوغه العشر، وكان حاد الفهم، سريع الحفظ، اشتغل في العلم عن أبيه، وأخذ في القراءة على والده في الفقه، ورحل في العلم وسار، وجد في الطلب فزاحم فيه العلماء الكبار، وأخذ العلم عن جماعة منهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المدني، وقد سمع ﵀ الحديث والفقه من جماعة بالبصرة كثيرة وقرأ بها النحو وأتقن تحريره، وكتب الكثير من اللغة والحديث، فلله دره من جهبذ عالم، وداع إلى توحيد الله قائم، وناصح لله ملازم، ومجدد لتلك المشاهد السنية والمعالم، كذا في الروضة للشيخ حسين بن غنام الأحسائي، وقال عالم صنعاء وشيخها: قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد محمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذى الطريقة لي وحدي وقال عالم الأحساء وشيخها: لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلو الضلال ويرفع وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع وقد عرف طلب الشيخ ورحلته في تحصيله كما ذكره صاحب التاريخ الشيخ حسين بن غنام الأحسائي، وقد اجتمع بأشياخ الحرمين في وقته ومحدثيها وأجازه بعضهم ورحل إلى البصرة، وسمع وناظر، وإلى الأحساء وهي إذ ذاك آهلة بالعلماء فسمع من أشياخها، وباحث في أصول الدين ومقالات الناس في الإيمان وغيره، وسمع من

стр. 497

والده ومن فقهاء نجد في وقته، واشتهر عندهم بالعلم والذكاء، كذا قاله بعض المحققين في تأليف رد فيه على (جلاء الغمة في تكفير هذه الأمة) . وللشيخ رسائل وتأليفات تدل على سعة علمه، منها (كتاب التوحيد) وكتاب (أصول الإيمان واستنباط الأحكام من بعض السور وغيرها) . وحكاية السؤال عن المسائل وعدم القدرة على الجواب عنها حكاية رجل خائن لا يعتمد على حكايته. قوله: فمن جملة ما سأله عنه قوله أسألك عن قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً﴾ . إلى آخر السورة التي هي من قصار المفصل كم فيها من حقيقة شرعية وحقيقة لغوية وحقيقة عرفية –إلى قوله– وما فيها من احتراس وتتميم، وبين لنا موضع كل ما ذكر، فلم يقدر محمد بن عبد الوهاب على الجواب عن شيء مما سأله عنه. أقول: الكلام فيه من وجوه: (الأول) عدم الاعتماد على هذه الحكاية، و (الثاني) عدم القدرة على جواب مثل هذا السؤال لا يدل على عدم تمكنه في العلوم الدينية من الحديث والتفسير والفقه. و (الثالث) أن هذا السؤال من جنس محارات العلماء وهي غير جائزة، بل من جنس الأغلوطات وهو منهي عنه، لما روى أبو داود عن معاوية قال: إن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات. وعن تميم الداري أن رسول الله ﷺ قال: "كل مشكل حرام، وليس في الدين إشكال". رواه الطبراني في الكبير، وفيه الحسين بن عبد الله بن ضميرة وهو مجمع على ضعفه. وعن ثوبان عن رسول الله ﷺ قال: "سيكون أقوام من أمتي يتعاطون فقهاءهم عضل المسائل، أولئك شرار أمتي". رواه الطبراني، وفيه يزيد بن ربيعة وهو متروك، كذا في مجمع الزوائد. قال الذهبي في ترجمة الحسين بن عبد الله بن ضميرة كذبه مالك، وقال أبو حاتم متروك الحديث، وقال أحمد لا يساوي شيئاً، وقال ابن معين ليس بثقة ولا مأمون، وقال البخاري: منكر الحديث ضعيف، وقال أبو زرعة ليس بشيء أضرب على حديثه اهـ. وقال في ترجمة يزيد بن ربيعة الرحبي الدمشقي: قال البخاري أحاديثه مناكير، وقال أبو داود وغيره ضعيف، وقال النسائي متروك، قال أبو مسهر: كان يزيد بن

стр. 498

ربيعة فقيهاً غير متهم ما ننكر عليه أنه أدرك أبا الأشعث، ولكن أخشى عليه سوء الحفظ والوهم، وقال الجوزجاني أخاف أن تكون أحاديثه موضوعة، وأما ابن عدي فقال أرجو أنه لا بأس به. اهـ. وحديث تميم الداري وثوبان وإن كانا ضعيفين ولكن يكفيان للاستئناس والتقوية، لا يقال إن حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي"؟ الحديث رواه البخاري يدل على خلاف ما رواه أبو داود عن معاوية، قلت: دلالته على الخلاف غير مسلمة، فإن حديث ابن عمر يدل على أن امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفى مع بيانه لهم إن لم يفهموه جائز، وأما حديث معاوية فمحمول على صعاب المسائل مما لا نفع فيه أو ما خرج على سبيل تعنيت المسئول أو تعجيزه، كذا قال الحافظ في الفتح، ولا ريب أن السؤال الذي ذكره المؤلف خرج على سبيل تعنيت المسئول وتعجيزه. و (الرابع) أن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وأهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين، وأهل العلم من التابعين وتبع التابعين، ولا سيما الأئمة الأربعة من الفقهاء والأئمة الستة من أهل الحديث لو سئلوا عن أمثال تلك المسائل فهل يقدرون على الجواب عن شيء منها أم لا؟ على الثاني فللشيخ رحمه الله تعالى أسوة حسنة في هؤلاء السادة الكبار، والأول مستبعد جداً، فإن رسول الله ﷺ ما كان يعرف شيئاً من حقيقة شرعية وحقيقة لغوية وحقيقة عرفية ومجاز مرسل وغيرها من الأمور المذكورة في هذا السؤال، وكذا أصحابه وأهل بيته ﵃، وكذلك أهل العلم من التابعين وتبع التابعين، وكذلك الفقهاء الأربعة والأئمة الستة. قوله: وقد أخبر النبي ﷺ عن هؤلاء الخوارج في أحاديث كثيرة فكانت تلك الأحاديث من أعلام نوبة النبي ﷺ لأنها من الإخبار بالغيب، وتلك الأحاديث كلها صحيحة بعضها في صحيحي البخاري ومسلم وبعضها في غيرهما. أقول: كون الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه مصداق تلك الأحاديث

стр. 499

وكذلك كون تلك الأحاديث كلها صحيحة محل نظر، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى. قوله: فمنها قوله ﷺ : "الفتنة من ههنا، الفتنة من ههنا". وأشار إلى المشرق. أقول: رواه البخاري في كتاب الفتن من حديث ابن عمر ولفظه هكذا: عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قام إلى جنب المنبر فقال: "الفتنة ههنا، الفتنة ههنا، من حيث يطلع قرن الشيطان" أو قال: "قرن الشمس". وفي رواية عنه أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: "ألا إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان". وفي رواية عنه قال ذكر النبي ﷺ "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا". قالوا: وفي نجدنا؟ قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا". قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة "هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان" ١. انتهى. قال الحافظ في الفتح قوله: "الفتنة ههنا، الفتنة ههنا" كذا فيه مرتين، وفي رواية يونس "ها إن الفتنة ههنا". أعادها ثلاث مرات، قوله: "من حيث يطلع قرن الشيطان". أو قال "قرن الشمس". كذا هنا بالشك، وفي رواية عبد الرزاق "ههنا أرض الفتن". وأشار إلى المشرق يعني حيث يطلع قرن الشيطان، وفي رواية شعيب "ألا إن الفتنة ههنا" يشير إلى المشرق حيث يطلع قرن الشيطان، وفي رواية يونس مثل معمر لكن لم يقل: أو قال "قرن الشيطان" بل قال: يعني المشرق. ولمسلم من رواية عكرمة بن عمار عن سالم سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله

стр. 500

صلى الله عليه وسلم يشير بيده نحو المشرق ويقول: ها إن الفتنة ههنا" ثلاثاً "حيث يطلع قرن الشيطان ". وله من طريق حنظلة عن سالم مثله، لكن قال "إن الفتنة ههنا" ثلاثاً، وله من طريق فضيل بن غزوان سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول: يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت أبي يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من ههنا" وأومأ بيده نحو المشرق "من حيث يطلع قرنا الشيطان" كذا فيه بالتثنية، وله في صفة إبليس من طريق مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مثل سياق حنظلة سواء، وله نحوه من رواية سفيان الثوري عن عبد الله ابن دينار أخرجه في الطلاق ثم ساق هنا من رواية الليث عن نافع عن ابن عمر مثل رواية يونس إلا أنه قال: "ألا أن الفتنة ههنا" ولم يكرر، وكذا لمسلم، وأورده الإسماعيلي من رواية أحمد بن يونس عن الليث فكررها مرتين. اهـ. قلت: قد عرفت من هنا أن زيادة لفظ "من" لا تعرف في شيء من طرق الحديث ولعلها من أغلاط المؤلف، ولا يستبعد ذلك منه، فإنه كثيراً ما يغلط في نقل الروايات لأنه ليس من أهل هذا الشأن، وهذا الحديث لا شك في صحته، وقد وردت في هذا المعنى أحاديث صحيحة أخر: منها ما روى البخاري في المناقب عن أبي مسعود يبلغ به النبي ﷺ قال: "من ههنا جاءت الفتن –نحو المشرق– والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين أهل الوبر عند أصول أذناب الإبل والبقر، في ربيعة ومضر". ولفظ مسلم هكذا عن أبي مسعود قال: أشار النبي ﷺ بيده نحو اليمين فقال: "ألا إن الإيمان ههنا وإن القسوة، وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر". ولمسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "رأس الكفر نحو المشرق" والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم". وله في رواية عنه أن رسول الله ﷺ قال: "الإيمان يمان، والكفر قبل المشرق

стр. 501

والسكينة في أهل الغنم والفخر والرياء في الفدادين أهل الخير والوبر ". وله في رواية عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوباً، الإيمان يمان والحكمة يمانية، والسكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر قبل مطلع الشمس". وله في رواية عنه قال: قال رسول الله ﷺ "أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوباً وأرق أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية، رأس الكفر قبل المشرق". وله عن جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله ﷺ "غلظ القلوب والجفاء في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز". قال الحافظ في الفتح: وقال غيره –أي غير الخطابي– كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان ذلك سبباً للفرقة بين المسلمين، وذلك ما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة. اه وقال القسطلاني: إنما أشار ﵊ إلى المشرق لأن أهله يومئذ أهل كفر فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية، وكذا وقع فكان وقعة الجمل ووقعة صفين ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق، وكان أصل ذلك كله وسببه قتل عثمان بن عفان ﵁، وهذا علم من أعلام نبوته ﷺ وشرف وكرم. اهـ. وقال أيضاً: يبدأ من المشرق ومن ناحيتها يخرج يأجوج ومأجوج والدجال، وبها الداء العضال، وهي الهلاك في الدين" اهـ. وقال النووي: والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر كما قال في حديث آخر "رأس الكفر نحو المشرق". وكان ذلك في عهده ﷺ حين قال ذلك، ويكون حين يخرج الدجال من المشرق وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن

стр. 502

العظيمة، ومثار لكفرة الترك الفاسقة العاتية الشديدة البأس. اهـ. وقال صاحب مجمع البحار: ومنه حديث "قرنا الشيطان قبل المشرق" أي جمعاه المعنويان أو شيعتاه من الكفار، يريد مزيد تسلطه في المشرق وكان ذلك في عهده ﷺ ويكون حين يخرج الدجال من المشرق، وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة ومثار الترك العاتية. اهـ. ولا يخفى عليك أن لفظاً من ألفاظ هذا الحديث لا يقتضي أن كل من يولد في المشرق أو يسكن فيه يكون مصداقاً لهذا الحديث حتى يثبت ما ادعاه المؤلف من كون الشيخ مصداقاً له، والمؤلف لم يبين وجه الاستدلال به حتى يتكلم فيه ويجاب عليه، ومجرد وقوع الفتنة في موضع لا يستلزم ذم كل من يسكنه. ألا ترى إلى ما روى الشيخان عن أسامة بن زيد قال: أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة فقال: "هل ترون ما أرى"؟ قالوا: لا. قال: "فإني لأرى الفتن تقع في خلال بيوتكم كوقع المطر". وإلى ما روى أبو داود عن أبي ذر قال: كنت رديفاً خلف رسول الله ﷺ يوماً على حمار، فلما جاوزنا بيوت المدينة، قال: "كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة جوع تقوم عن فراشك ولا تبلغ مسجدك حتى يجهدك الجوع؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: تعفف يا أبا ذر. قال: كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة موت يبلغ البيت العبد حتى أنه يباع القبر بالعبد"؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال "تصبر يا أبا ذر" قال: "كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل تغمر الدماء أحجار الزيت"؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "تأتي من أنت منه" قال قلت وألبس السلاح؟ قال: "شاركت القوم إذاً". قلت فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: "إن يبهرك شعاع السيف فالق ناحية ثوبك على وجهك ليبوء بإثمك وإثمه" ١.

стр. 503

وإلى ما روى البخاري عن ابن المسيب قال: وقعت الفتنة الأولى –يعني مقتل عثمان– فلم يبق من أصحاب بدر أحد، ثم وقعت الفتنة الثانية –يعني الحرة– فلم يبق من أصحاب الحديبية أحد، ثم وقعت الفتنة الثالثة فلم ترفع وبالناس طباخ. وهذه الأحاديث وغيرها مما ورد في هذا الباب دلالة على وقوع الفتن في المدينة النبوية، فلو كان وقوع الفتنة في موضع مستلزماً لذم ساكنيه لزم ذم سكان المدينة كلهم أجمعين، وهذا لا يقول به أحد، على أن مكة والمدينة كانتا في زمان موضع الشرك والكفر، وأي فتنة أكبر منهما؟ بل وما من بلدة أو قرية إلا وقد كانت في زمن أو ستصير في زمان موضع الفتنة، فيكف يجترئ مؤمن على ذم جميع مسلمي الدنيا؟ وإنما مناط ذم شخص معين كونه مصدراً للفتن من الكفر والشرك والبدع والظلم، وأما مجرد تولده في موضع الفتنة أو سكناه فيه مع كونه ماحياً للفتن، ومحيياً للسنن، فليس سبباً للذم والعيب، بل موجب للثناء والوصف الجميل، كيف لا وهو كالمقاتل خلف الفارين، وكغصن أخضر في شجر يابس، ومثل مصباح في بيت مظلم؟ كما ورد في الحديث. وملاك الأمر في كون الرجل أولى الناس بالرسول هو تقواه من كان وحيث كان يدل عليه ما روى الإمام أحمد بن محمد بن حنبل عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج معه رسول الله ﷺ يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله

стр. 504

صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: "يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري". فبكى معاذ جشعاً١ لفراق رسول الله ﷺ ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: "إن أولى الناس بي المتقون، من كانوا وحيث كانوا". قوله: وقوله ﷺ : "يخرج ناس من قبل المشرق ويقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه، سيماهم التحليق" والفوق بضم الفاء موضع الوتر. أقول: الحديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد عن معبد بن سيرين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يخرج ناس من قبل المشرق ويقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه". قيل ما سيماهم؟ قال: "سيماهم التحليق، أو قال: التسديد". اهـ. وليس فيما نقله المؤلف لفظ "ثم" ولا لفظة "قيل ما سيماهم". وأخرج مسلم عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن النبي ﷺ ذكر قوماً يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحالق، قال: "هم شر الخلق أو من أشر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق". قال: فضرب النبي ﷺ لهم مثلاً أو قال قولاً "الرجل يرمي الرمية –أو قال: الغرض– فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في النضّي فلا يرى بصيرة٢، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة، قال: قال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق". اهـ. وفي رواية له عن سهل بن حنيف قال: "يتيه قوم قبل المشرق محلقة رءوسهم".

стр. 505

وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: "سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد على فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله تعالى منهم، قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: "التحليق". وله عن أنس أن النبي ﷺ ... نحوه، قال: "سيماهم التحليق والتسبيد١ فإذا رأيتموهم فأنيموهم". وأخرج النسائي عن شريك بن شهاب قال: كنت أتمنى أن ألقى رجلاً من أصحاب النبي ﷺ أسأله عن الخوارج، فلقيت أبا برزة في يوم عيد في نفر من أصحابه، فقلت له: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر الخوارج؟ فقال: نعم سمعت رسول الله ﷺ بأذني ورأيته بعيني: أتى رسول الله ﷺ بمال فقسمه، فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله ولم يعط من وراءه شيئاً، فقام رجل من ورائه فقال: يا محمد ما عدلت في القسمة، رجل أسود مطموم الشعر٢ عليه ثوبان أبيضان، فغضب رسول الله ﷺ غضباً شديداً، وقال: "والله لا تجدون بعدي رجلاً هو أعدل مني" ثم قال: "يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شر الخلق والخليقة". قال أبو عبد الرحمن: شريك بن شهاب ليس بذلك المشهور". اهـ. وأخرج ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج في آخر الزمان –أو في هذه الأمة– قوم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم أو حلوقهم، إذا رأيتموهم –أو إذا لقيتموهم– فاقتلوهم". اهـ.

стр. 506

قال الحافظ في الفتح: وقد ذكر ﷺ للخوارج علامة أخرى، ففي رواية معبد ابن سيرين عن أبي سعيد قال: ما سيماهم؟ قال: "سيماهم التحليق" وفي رواية عاصم بن سمح عن أبي سعيد: فقام رجل فقال: يا نبي الله هل في هؤلاء القوم علامة؟ قال: "يحلقون رءوسهم، فيهم ذو ثدية" وفي حديث أنس عن أبي سعيد "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتا". قيل: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: "التحليق ". هكذا أخرجه الطبري، وعند أبي داود بعضه. اهـ. هذا ما اطلعت عليه من الأحاديث التي فيها ذكر الحلق، وليس فيها اللفظ الذي نقله المؤلف، ولعل هذا من أوهامه وأغلاطه. قوله: وقوله ﷺ "سيكون من أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل ". الحديث. أقول: قد عرفت فيما سبق أن الحديث أخرجه أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك، ولكن أخطأ المؤلف في نقله في مواضع: (الأول) أنه زاد لفظة "إيمانهم". حيث قال لا يجاوز إيمانهم تراقيهم. و (الثاني) أنه قال لفظة "يعود" موضع يرتد. و (الثالث) أنه زاد لفظة "السهم". و (الرابع) أنه قال لفظة "إلى" موضع على. و (السادس) أنه قال: "لمن قتلهم أو قتلوه" بأو والموجود في سنن أبي داود "لمن قتلهم وقتلوه". بالواو. قوله: وقوله ﷺ : "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام يقولون قول خير البرية، الحديث. أقول: هذا حديث علي قد أخرجه البخاري عن سويد بن غفلة قال علي ﵁: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثاً فوالله لأن أخر من السماء أحب إليّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق

стр. 507

السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرأ لمن قتلهم يوم القيامة، وفي لفظ له "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قلتهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة". أخرجه مسلم ولفظه هكذا: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". اهـ. وأخرجه أبو داود ولفظه هكذا: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة". وأخرجه النسائي ولفظه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة". وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود. أما لفظ الترمذي فهكذا: قال: قال رسول الله ﷺ "يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". وأما لفظ ابن ماجه فهكذا: قال: قال رسول الله ﷺ "يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول الناس، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن لقيهم فليقتلهم فإن قتلهم أجر عند الله لمن قتلهم". اهـ. واللفظ الذي نقله المؤلف لا يوافق شيئاً مما ذكر من الروايات، أما الرواية الأولى للبخاري فلأن لفظ البخاري "سيخرج قوم في آمر الزمان" ونقل المؤلف "سيخرج

стр. 508

في آخر الزمان قوم". ولفظ البخاري "حداث الأسنان" والمؤلف قال: "أحداث الأسنان" ولفظ البخاري "يقولون من خير قول البرية". والمؤلف قال: "يقولون قول خير البرية". وزاد لفظة "يقرءون القرآن" وهذه اللفظة ليست في تلك الرواية وحذف لفظة "إيمانهم" وإنما لفظ هذه الرواية هكذا "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم" ولفظة الرواية "فأينما لقيتموهم" وقال المؤلف "فإذا لقيتموهم" والمؤلف زاد لفظة "عند الله" من عند نفسه، ولفظة الرواية هكذا "لمن قتلهم يوم القيامة". وأما الرواية الثانية له فأيضاً تخالف ما ذكره المؤلف من وجوه، وهي أن لفظة هذه الرواية "يأتي في آخر الزمان قوم" وقال المؤلف "سيخرج في آخر الزمان قوم" وفي الرواية "حدثاء الأسنان" وقال المؤلف "أحداث الأسنان" ولفظ الرواية "يقولون من خير قول البرية" وقال المؤلف "يقولون قول خير البرية" وزاد المؤلف لفظ "يقرءون القرآن" وليس هذا اللفظ في تلك الرواية أصلاً، ولفظ الرواية "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم" وليس لفظ إيمانهم فيما نقله المؤلف، وجملة "يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" قبل قوله ﷺ "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم" في الرواية، وفيما ذكره المؤلف عكس القضية، ولفظ الرواية "يمرقون من الإسلام" وفيما نقله المؤلف "يمرقون من الدين" ولفظ الراوية "فأينما لقيتموهم" وفيما نقله المؤلف" فإذا لقيتموه" ولفظ الرواية "فإن قتلهم أجر" وفيما نقله المؤلف "فإن في قتلهم أجراً" وزاد المؤلف لفظ "عند الله" من عند نفسه وهذا اللفظ ليس في الرواية. وأما رواية مسلم فهي وإن كانت أقرب الروايات إلى ما ذكره المؤلف ولكنها ليست عينه، فإن لفظ الرواية "يقولون من خير قول البرية" وقال المؤلف "يقولون قول خير البرية". وأما رواية أبي داود فعين الرواية الثانية للبخاري فحالها حالها.

стр. 509

وأما رواية النسائي فأيضاً مخالفة لما ذكره المؤلف، فإن لفظ الراوية "يخرج قوم في آخر الزمان" والمؤلف قال "سيخرج في آخر الزمان" والرواية "يقولون من خير قول البرية" ونقل المؤلف "يقولون قول خير البرية" وزاد لفظ "يقرءون القرآن" وحذف لفظ "إيمانهم" والراوية "فإن قتلهم أجر" وقال المؤلف "فإن في قتلهم أجراً" وزاد "عند الله" من عند نفسه. وأما رواية الترمذي فأيضاً مخالفة لما ذكره المؤلف، فإن الرواية "يخرج في آخر الزمان" وقال المؤلف "سيخرج" وفي الرواية جملة "يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم" قبل قوله ﷺ "يقولون من قول خير البرية" وفيما ذكره المؤلف عكس القضية ولفظ الراوية "تراقيهم" وفيما ذكره المؤلف "حناجرهم" وفي الرواية "يقولون من قول خير البرية" والمؤلف نقل "يقولون قول خير البرية" وقوله "فإذا لقيتموهم" الحديث ليس في رواية الترمذي. وأما رواية ابن ماجه فأيضاً تخالف ما ذكره المؤلف، فإن الرواية "يخرج" والمؤلف زاد لفظ السين والرواية "يقولون من خير قول الناس" والمؤلف ذكر "يقولون قول خير البرية" والراوية "تراقيهم" وذكر المؤلف "حناجرهم" والراوية "يمرقون من الإسلام" والمؤلف قال "يمرقون من الدين" والراوية "فمن لقيهم فليقتلهم" والمؤلف قال "فإذا لقيتموهم فاقتلوهم" والراوية "فإن قتلهم أجر عند الله لمن قتلهم" والمؤلف قال "فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". قوله: وقوله ﷺ : "أناس من أمتي سيماهم التحليق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، هم شر الخلق والخليقة". أقول: قد راجعت الأمهات الست وسنن الدارمي والموطأ وزوائد مسند البزار فما وجدت الحديث بهذا اللفظ، فعلى مدعي صحته بيان تخريجه وإثبات دعواه. قوله: وقوله ﷺ : "يخرح ناس من المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه، سيماهم التحليق".

стр. 510

أقول لفظه قريب مما رواه البخاري في آخر كتاب التوحيد من طريق معبد ابن سيرين عن أبي سعيد الخدري، وقد تقدم، ولكن ليس عينه، فإن الرواية "من قبل المشرق" والمصنف هنا أسقط لفظ "قبل" والراوية "يقرءون القرآن" بإثبات الواو والمؤلف قد حذفها هنا، والراوية "ثم لا يعودون فيه" والمؤلف لم يذكر لفظ "ثم" والراوية قيل ما سيماهم؟ قال" والمؤلف لم يذكر هذا، وهذا الحديث قريب من ثاني الأحاديث التي ذكرها المؤلف بيد أنه ليس في هذا اللفظ "قيل" والواو على رأس يقرءون. وبالجملة واجب على المؤلف تخريج هذين الحديثين –أي الثاني والسادس- وإثبات الفرق بينهما وتبيين صحتهما، ودونه خرط القتاد. قوله: وقوله ﷺ "رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل". أقول: الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وتمام الحديث هكذا" الفدّادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم" قوله: وقوله ﷺ "من ههنا جاءت الفتن" وأشار نحو المشرق". أقول: أخرجه البخاري في المناقب من حديث أبي مسعود، لكن فيه "وأشار نحو المشرق" وقد تقدم. قوله: وقوله ﷺ "غلظ القلوب والجفاء بالمشرق، والإيمان في أهل الحجاز". أقول: أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله كما تقدم، ولكن المؤلف قال "بالمشرق" وفي صحيح مسلم "في المشرق" وفي زوائد مسند البزار للهيثمي: حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا إسماعيل بن أبي إدريس حدثنا ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ :"غلظ القلوب والجفاء في أهل المشرق، والإيمان يمان، والسكينة في أهل الحجاز".

стр. 511

قلت: رواه مسلم، خلا قوله: "والسكينة في أهل الحجاز" قال البزار: قد روى عن جابر من غير وجه اهـ. وقال في مجمع الزوائد: رواه البزار، وفيه ابن أبي الزناد وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ. قوله: وقوله ﷺ "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا يا رسول الله وفي نجدنا" ١ الحديث. أقول: أخرجه البخاري في أبواب الاستسقاء (باب ما قيل في الزلازل والآيات) ولفظه هكذا: حدثني محمد بن المثني قال حدثنا حسين بن الحسن قال حدثنا ابن عون عن نافع عن ابن عمر قال: قال:"اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا" قال قالوا: وفي نجدنا؟ قال فقال:"اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا" قال قالوا وفي نجدنا؟ قال قال "هنالك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان. اهـ. قال الحافظ في الفتح: حديث ابن عمر: "اللهم بارك لنا في شامنا" الحديث وفيه قالوا: وفي نجدنا؟ قال "هناك الزلازل والفتن" هكذا وقع في هذه الروايات التي اتصلت لنا بصورة الموقوف عن ابن عمر "قال اللهم بارك" لم يذكر النبي ﷺ وقال القابس: سقط ذكر النبي ﷺ من النسخ ولابد منه، لأن مثله لا يقال بالرأي. اهـ. وهو من رواية الحسين بن الحسن النصري من آل مالك بن يسار عن عبد الله بن عون عن نافع، ورواه أزهر السمان عن ابن عون مصرحاً فيه بذكر النبي ﷺ كما سيأتي في كتاب الفتن، ويأتي الكلام عليه أيضاً هناك، ونذكر فيه من وافق أزهر على التصريح برفعه إن شاء الله تعالى. وأخرج في كتاب الفتن ولفظه هكذا: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا أزهر بن سعد عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر قال: ذكر النبي ﷺ :"اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ قال "اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة

стр. 512

"هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان". اهـ. قال الحافظ في الفتح: كذا أورده عن علي بن عبد الله عن أزهر السمان، وأخرجه الترمذي عن بشر بن آدم ابن بنت أزهر حدثني جدي أزهر بهذا السند أن رسول الله ﷺ قال. ومثله للإسماعلي من رواية أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أزهر. وأخرجه من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عون عن أبيه كذلك، وقد تقدم من وجه آخر عن ابن عون في الاستسقاء. موقوفاً، وذكرت هناك الاختلاف فيه. اهـ. وقال في مجمع الزوائد: وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا" فقال رجل: وفي شرقنا يا رسول الله؟ فقال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا" فقال رجل: وفي شرقنا يا رسول الله؟ قال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا"١ إن من هناك يطلع قرن الشيطان وبه تسعة أعشار الكفر وبه الداء العضال" رواه الطبراني في الأوسط واللفظ له، وأحمد ولفظه: إن رسول الله ﷺ قال: اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا" مرتين فقال رجل في مشرقنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "من هناك يطلع قرن الشيطان وبه تسعة أعشار الشرك" ورجال أحمد رجال الصحيح، غير عبد الرحمن بن عطاء وهو ثقة وفيه خلاف لا يضر. اهـ. وفي موطأ مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب أراد الخروج إلى العراق فقال له كعب الأحبار: لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال. اهـ. قوله: وقوله ﷺ : يخرج ناس من المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما قطع قرن نشأ قرن آخر حتى يكون أخرهم مع المسيح الدجال. أقول: لم أقف على اللفظ، ولكن أخرج معناه النسائي من حديث أبي برزة وقد

стр. 513

ذكرناه فيما سلف، وأخرج ابن ماجة أيضاً معناه من حديث ابن عمر ولفظه: إن رسول الله ﷺ قال: "ينشأ نشء يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع"، قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلما خرج قرن قطع أكثر من عشرين مرة حتى يخرج في عراضهم الدجال". اهـ. وفي مجمع الزوائد عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج ناس من قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما قطع قرن نشأ قرن حتى يكون مع بقيتهم الدجال" رواه الطبراني وإسناده حسن. اهـ. وكل من تيك الأحاديث لم تصل إلى درجة الصحة، أما حديث أبي برزة فلأن راويه شريك بن شهاب مجهول، قال النسائي: شريك بن شهاب ليس بذلك المشهور، قال الذهبي في الميزان: شريك بن شهاب عن أبي برزة لا يعرف إلا براوية الأزرق بن قيس عنه. اهـ. وأما قول الحافظ ابن حجر في التقريب: مقبول. فلا يقتضي الصحة. وأما حديث ابن عمران فلأن راويه هشام بن عمار بن نصير قد كبر فصار يتلقن، قال الذهبي في الميزان: صدوق مكثر له ما ينكر، قال أبو حاتم: صدوق قد تغير فكان كل ما لقنه تلقن. وقال أبو داود: حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها. اهـ ملخصاً وهو وإن وثقه جماعة، لكن لا نسلم وصول ما تفرد به إلى درجة الصحة. وأما حديث عبد الله بن عمرو فإسناده وإن سلم كونه حسناً كما قال الهيثمي، ولكن حسن الإسناد لا يقتضي حسن الحديث فضلاً عن صحته. هذا الكلام منا كله كان متعلقاً بتخريج الأحاديث وصحتها، والآن ننظر في ما ادعاه المؤلف من كون الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه ممن يصدق عليهم تلك الأحاديث فنقول بحول الله وقوته: إن جهة المشرق منشأ الفتن ومبدؤها، قال الحافظ في الفتح تحت قوله صلى الله عليه وسلم

стр. 514

"رأس الكفر نحو المشرق" الواقع في كتاب بدء الخلق: وفي ذلك إشارة إلى شدة كفر المجوس، لأنه مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القوة والتكبر والتجبر حتى مزق ملكهم كتاب النبي ﷺ كما سيأتي في موضعه، واستمرت الفتن من قبل المشرق كما سيأتي واضحاً في الفتن. وقال الحافظ في الفتح تحت قوله ﷺ :" هل ترون ما أرى"؟ قالوا لا. قال: "فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر" الواقع في كتاب الفتن: وإنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان ﵁ كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل وصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك أو عن شيء تولد عنه. ثم إن قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على أمرائه ثم عليه بتوليته لهم، وأول ما نشأ ذلك في العراق وهي من جهة المشرق، فلا منافاة بين حديث الباب وبين الحديث الآتي: "إن الفتنة من قبل المشرق". اهـ. قال الحافظ في الفتح تحت قوله ﷺ " اللهم بارك لنا في شامنا" الحديث" وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة. اهـ. وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي: إن نجداً موضع مخصوص، وليس كذلك بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجداً والمنخفض غوراً. اهـ. قال الحافظ في الفتح: (باب قتل الخوارج) وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان، فطعنوا على عثمان بذلك، وكان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه،

стр. 515

ويستبدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك، فلما قتل عثمان قاتلوا مع علي واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه واعتقدوا إمامة علي وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا علياً فلقيا عائشة وكانت حجت تلك السنة فاتفقوا على طلب قتلة عثمان وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك، فبلغ علياً فخرج إليهم فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة١، وانتصر علي وقتل طلحة في المعركة، وقتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة، فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق، ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك، وكان أمير الشام إذا ذاك٢، وكان علي أرسل إليه لأن يبايع له أهل الشام، فاعتل بأن عثمان قتل مظلوماً، وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته، وأنه أقوى الناس على الطب بذلك ويلتمس من علي أن يمكنه منهم، ثم يبايع له بعد ذلك، وعلي يقول ادخل فيما دخل فيه الناس وحاكمهم إلى أحكم فيهم بالحق، فلما طال الأمر خرج في أهل العراق طالباً قتال أهل الشام، فخرج معاوية في أهل الشام قاصداً إلى قتاله٣، فالتقيا بصفين فدامت الحرب بينهما شهراً، وكاد أهل الشام أن ينكسروا، فرفعوا المصاحف على الرماح ونادوا: ندعوكم إلى كتاب الله، وكان ذلك بإشارة عمرو بن

стр. 516

العاص وهو مع معاوية، فترك جمع كثير ممن كان مع علي –وخصوصاً القراء- القتال بسبب ذلك تديناً، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية، فراسلوا أهل الشام في ذلك، فقالوا ابعثوا حكماً منهم وحكماً منا، ويحضر معهما من لم يباشر القتال، فمن رأوا الحق معه أطاعوه، فأجاب علي ومن معه إلى ذلك، وأنكرت ذلك تلك الطائفة التي صاروا خوارج. وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام: هذا ما قضى عليه أمير المؤمنين علي ومعاوية فامتنع أهل الشام من ذلك وقالوا اكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب علي إلى ذلك، فأنكره عليه الخوارج أيضاً، ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان ومن معهما بعد مدة عينوها في مكان وسط بين الشام والعراق ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم، فرجع معاوية إلى الشام ورجع علي إلى الكوفة، ففارقه الخوارج وهم ثمانية آلاف، وقيل كانوا أكثر من عشرة آلاف، وقيل ستة آلاف، ونزلوا مكاناً يقال له (حروراء) بفتح المهملة وراءين الأولى مضمومة ومن ثم قيل لهم الحرورية، وكان كبيرهم عبد الله بن الكواء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد اليشكري وشبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة التميمي فأرسل عليهم علي ابن عباس فناظرهم فرجع كثير منهم معه ثم خرج إليهم علي فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة معهم رئيساهم المذكوران، ثم أشاعوا أن علياً تاب من الحكومة ولذلك رجعوا معه، فبلغ ذلك علياً فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، فقال لهم: لكم علينا ثلاثة أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدأكم بقتال ما لم تحدثوا فساداً، وخرجوا شيئاً بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن فراسلهم في الرجوع فأصروا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر لرضاه بالتحكيم ويتوب، ثم راسلهم أيضاً فأرادوا قتل رسوله، ثم اجتمعوا على أن من يعتقد معتقدهم يكفر ويباح دمه وماله وأهله، وانتقلوا إلى الفعل فاستعرضوا الناس، فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومر بهم عبد الله بن خباب بن الأرت وكان والياً لعلي على بعض تلك البلاد ومعه

стр. 517

سرية وهي حامل فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد، فبلغ علياً فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام فأوقع بهم بالنهروان، ولم ينج منه إلا دون العشرة، ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة، فهذا ملخص أول أمرهم. اهـ. وقال الحافظ في الفتح آخر كتاب التوحيد تحت قوله ﷺ : "يخرج ناس من قبل المشرق": تقدم في كتاب الفتن أنهم الخوارج وبيان مبدأ أمرهم وما ورد فيهم، وكان ابتداء خروجهم في العراق وهي من جهة الشرق بالنسبة إلى مكة المشرفة. اهـ. وأخرج البخاري عن بشير بن عمر، وقال: قلت لسهل بن حنيف: هل سمعت النبي ﷺ يقول في الخوارج شيئاً؟ قال سمعته يقول وأهوى بيده قبل العراق "يخرج منه قوم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية". وفي رواية لمسلم وأشار بيده نحو الشرق، وفي رواية قال: "يتيه قوم قبل المشرق محلقة رءوسهم". قال الحافظ في الفتح: أخرج الطبراني في الأوسط بسند جيد من طريق الفرزدق الشاعر أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد وسألهما فقال: إني رجل من أهل الشرق وأن قوماً يخرجون علينا يقتلون من قال لا إله إلا الله ويؤمنون من سواهم، فقالا: سمعنا النبي ﷺ يقول: "من قتلهم فله أجر شهيد، ومن قتلوه فله أجر شهيد" اهـ. وفي رواية لمسلم عن أبي سعيد قال: قال أبو سعيد وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق. فعلم من تلك الرويات أن الخوارج يخرجون من المشرق والعراق، وأن أهل العراق والشرق هم الذين يقتلونهم، وهذا يدل دلالة واضحة على أن جميع أهل العراق والمشرق ليس ممن تصدق عليهم هذه الأحاديث التي فيها ذكر الخوارج بل منهم من يقتلونهم، وكذلك المراد بنجد في حديث ابن عمر " هناك الزلازل والفتن" نجد العراق، قال بعض المحققين: وأما قوله ﷺ لما قيل له وفي نجدنا "تلك موضع الزلازل والفتن وهنا يطلع قرن الشيطان" فالمقصود بها نجد العراق وشرق المدينة، وقد ورد ذلك صريحاً في حديث ابن عمر ونص عليه الخطابي وغيره، وقد ترك الدعاء للعراق جملة بل وذمها.

стр. 518

وقد روى الطبراني من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال "دخل إبليس العراق فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عليها عبقريه" ولا يقول مسلم بذم علماء العراق لما ورد فيها وأكابر أهل الحديث وفقهاء الأمة وأهل الجرح والتعديل أكثرهم أهل العراق، وإمام السنة أحمد بن حنبل وشيخ الطريقة الجنيد بن محمد وعلم الزهاد الحسن وابن سيرين وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري وأصحابه وإسحاق ابن إبراهيم بن راهويه ومحمد بن إسماعيل١ ومسلم بن الحجاج وأبو داود وأصحاب السنن وأصحاب الدواوين الإسلامية كلهم عراقي الدار مولداً أو سكنى، والليث بن سعد ومحمد بن إدريس وأشهب ومن قبل هؤلاء كلهم سكن العراق ومصر، وجملة من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ ومن التابعين بعدهم، ومن عاب الساكن بالسكنى والإقامة في مثل تلك البلاد فقد عاب جمهور الأمة وسبهم وآذاهم بغير ما اكتسبوا، وقد داول الله تعالى الأيام بين البقاع والبلاد، كما داولها بين الناس والعباد، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ . وكم من بلد قد فتحت وصارت من خير بلاد المسلمين بعد أن كانت في أيدي الفراعنة والمشركين والفلاسفة والصابئين والكفرة من المجوس وأهل الكتابين، بل الخربة التي كانت بها قبور المشركين صارت مسجداً هو أفضل مساجد المسلمين بعد المسجد الحرم، ودفن بها أفضل المرسلين وسادات المؤمنين. ولا يعيب شيخنا بدار مسيلمة إلا من عاب أئمة الهدى ومصابيح الدجى بما سبق في بلادهم من الشرك والكفر المبين، وطرد هذا القول جرأة على النبيين وأكابر المؤمنين، وهذا المعترض كعنز السوء يبحث عن حتفه بظلفه ولا يدري، وقد قال بعض الأزهريين: مسيلمة الكذاب من خير نجدكم، فقلت: وفرعون اللعين رأس مصركم فبهت. وأين كفر فرعون من كفر مسيلمة لو كانوا يعلمون. اهـ. وأيضاً قال وقد تقدم أن طرد هذا الكلام يوجب ذم كل من سكن بلدة من بلاد

стр. 519

المسلمين التي سكنها قبله أعيان المشركين ورؤوس الكافرين، فأي أحد يبقى لو طرد هذا؟ وقد قال النبي ﷺ : "لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من فارس" مع أن بلادهم من شر البلاد، فيها الأوثان والنيران، وكفر فيها بالله الذي لا إله إلا هو الرحمن. اهـ. وأيضاً قال: وسكنى الدار لا تؤثر، فإن الصحابة سكنوا مصر وبلاد الفرس، وفضلهم لا يزال في مزيد، وإيمانهم قهر أهل الكفر والشرك والتنديد، وعادت تلك البقاع والأماكن أفضل مساكن أهل التوحيد. اهـ. وجملة القول أن الأحاديث التي ذكرها المؤلف في هذا المقام منها ما هو خاص بإجماع المسلمين بالحرورية الخارجين على علي رضي الله تعالى عنه وهو ماعدا حديث ابن عمر "الفتنة ههنا الفتنة ههنا" وحديث أبي هريرة "رأس الكفر نحو المشرق" وحديث أبي مسعود "من ههنا جاءت الفتن" وحديث جابر "غلظ القلوب والجفاء في المشرق" وحديث ابن عمر "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا" الحديث. قال بعض المحققين: والجواب أن يقال هذا كذب على رسول الله ﷺ ، لم يصف أهل نجد وأهل اليمامة بهذا، ولا دخل في وصفه من يؤمن بالله ورسوله منهم ولا من غيرهم، بل الموصوف بإجماع المسلمين هم الحرورية الخارجون على علي الذين قاتلهم علي من أهل الكوفة والبصرة وما يليها، وفيهم من بني يشكر ومن طي وتميم وغيرهم من قبائل العرب ودارهم ومسكنهم بالعراق ولا يختلف في هذا، ودولتهم وشوكتهم كانت هناك دون النهر، ولذلك نسبوا إليه وقيل أهل النهروان، وحروراء بلدة هناك نسبوا إليها فقيل الحرورية، اهـ ملخصاً. وبعض ألفاظ الحديث في بعض الطرق دال على تلك الخصوصية كما وقع في رواية البخاري عن أبي سعيد: "يخرجون على حين فرقة من الناس" قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي ﷺ وأشهد أن علياً قتلهم وأنا معه، جئ بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ وفي رواية لمسلم عن أبي سعيد "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق". اهـ. ولا شك أن هذا لا يمكن صدقه على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، لا يقال

стр. 520

وقع في رواية النسائي عن أبي برزة: "لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال" وفي رواية ابن عمر وابن ماجه "كلما خرج قرن قطع أكثر من عشرين مرة حتى يخرج في عراضهم الدجال" اهـ، لأن كل من يأتي بعد قوم خرجوا على علي ﵁ ممن يصلي يتخشع ويقرأ كتاب الله إلى يوم القيامة ويجتهد في التلاوة والعبادة لا يكون من الخوارج بالضرورة وإلا لزم أن يكون معظم الأمة من أهل الفقه والحديث من الخوارج، بل إنما يكون من الخوارج من يستن بسنة هؤلاء الذين خرجوا على علي ﵁ ويسلك مسلكهم، ومن قتل أهل الإسلام، وودع أهل الأوثان، وتكفير من لا يعتقد معتقدهم، وإباحة دمه وماله وأهله، وأن عثمان وعلياً وأصحاب الجمل وصفين، وكل من رضى بالتحكيم كفار، وأن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبداً، وأن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتقد معتقدهم، وإبطال رجم المحصن وقطع يد السارق من الإبط، وإيجاب الصلاة على الحائض في حال حيضها، وكفر من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادراً، وإن لم يكن قادراً فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وسائر معتقداتهم الفاسدة، وأعمالهم الزائغة ولا يتحقق شيء من عقائدهم وأعمالهم في الشيخ وأتباعه، بل مذهبهم في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتهم طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم، بل والأعلم والأحكم، وهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ومن روى عنهم شيئاً من تلك أو نسبه إليهم فقد كذب عليهم وافترى، وهذا ظاهر لمن طالع كتابه (كتاب التوحيد) وسائر الرسائل المؤلفة للشيخ. ومن ثم عرفت فساد ما قال السيد محمد أمين المعروف بابن عابدين الحنفي في (رد المحتار على الدر المختار) في باب البغاة تحت قول الماتن (ويكفرون أصحاب نبينا ﷺ : علمت أن هذا غير شرط في مسمى الخوارج، بل هو بيان لمن خرجوا على سيدنا علي ﵁، وإلا فيكفي فيهم اعتقادهم كفر من خرجوا عليهم كما وقع في زمننا في أتباع عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون، وأن من خالف اعتقادهم

стр. 521

مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل الشر وقتل علمائهم حتى كسر الله تعالى شوكتهم وخرب بلادهم، وظفر بهم عساكر المسلمين عام ثلاث وثلاثين ومائتين وألف. اهـ. وكذا فساد ما على هامش سنن النسائي المطبوع في الهند في المطبع النظامي سنة ستة وتسعين بعد الألف ومائتين في ص٤١٢: ثم ليعلم أن الذين يدينون دين عبد الوهاب النجدي ويسلكون مسالكه في الأصول والفروع ويدعون في بلادنا باسم الوهابيين وغير المقلدين، ويزعمون أن تقليد أحد الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم شرك، وأن من خالفهم هم المشركون، ويستبيحون قتلنا أهل السنة، وسبي نسائنا وغير ذلك من العقائد الشنيعة التي وصلت إلينا منهم بواسطة الثقات وسمعنا بعضاً منهم أيضاً، هم فرقة من الخوارج، وقد صرح به العلامة الشامي في كتابه (رد المختار) . اهـ. وكذا فساد ما في هامش سنن النسائي المذكور في ٦٣٤ حيث قال: وقد وقع خروجهم مراراً أفاده العيني. وقال الشامي: كما وقع في زمننا خروج أتباع عبد الوهاب. اهـ. وجه الفساد أن الشيخ وأتباعه لم يكفروا أحداً من المسلمين ولم يعتقدوا أنهم هم المسلمون وأن من خالفهم هم مشركون، ولم يستبيحوا قتل أهل السنة وسبي نسائهم، ولم يقولوا إن تقليد أحد الأئمة الأربعة شرك، ولقد لقيت غير واحد من أهل العلم من أتباع الشيخ، وطالعت كثيراً من كتبهم فما وجدت لهذه الأمور أصلاً وأثراً بل كان هذا بهتان وافتراء١، وليعلم أن ابن عابدين وصاحب الهامش قد أخطآ في قولهما (عبد الوهاب) والصواب محمد بن عبد الوهاب.

стр. 522

وأما بقية الأحاديث التي ذكرها المؤلف في هذا المقام فأولاها بأن يشنع به على الشيخ وأتباعه حديث ابن عمر: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا" الحديث فإنه ذكر فيه نجداً وقال ﷺ في شأنه "هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان" والشيخ من أهل نجد. (والجواب) : أن المراد بنجد نجد العراق كما عرفت فيما تقدم، ومما يؤيد هذا حديث ابن عباس ﵄ قال: دعا نبي الله ﷺ فقال: "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا، فقال رجل من القوم يا نبي الله وعراقنا؟ قال "إن بها قرن الشيطان وتهيج الفتن، وإن الجفاء بالمشرق" رواه الطبراني في الكبير ورواته ثقات كذا في (الترغيب والترهيب) للمنذري، وأن عمر ابن الخطاب أراد الخروج إلى العراق فقال له كعب الأحبار: لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال، وقد تقدم تخريجه، وحديث سفيان بن أبي زهير ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تفتح اليمن، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح الشام، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح العراق، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون". أخرجه البخاري ومسلم، فإنه ذكر في هذا الحديث في مقابلة اليمن والشام العراق لا نجد العرب، وكذلك في أحاديث

стр. 523

أخر مثل حديث ابن حوالة وهو عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "سيصير الأمر أن تكونوا أجناداً مجندة: جند بالشام وجند باليمن وجند بالعراق" قال ابن حوالة: خر لي١ يا رسول الله، إن أدركت ذلك؟ فقال:" عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما أن أبيتم فعليكم بيمنكم واسقوا من غدركم فإن الله توكل -وفي رواية تكفل- لي بالشام وأهله" رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال صحيح الإسناد كذا في (الترغيب والترهيب) للمنذري، وحديث العرباض بن سارية ﵁ عن النبي ﷺ أنه قام يوماً في الناس فقال: "يا أيها الناس توشكون أن تكونوا أجناداً مجندة، جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن" الحديث كذا في (الترغيب والترهيب) للمنذري: وحديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "إنكم ستجندون أجناداً جنداً بالشام ومصر والعراق واليمن" الحديث كذا في زوائد مسند البزار، ويكفي لذم العراق حديث سهل بن حنيف الذي أخرجه البخاري وفيه قال: سمعته يقول وأهوى بيده قبل العراق "يخرج منه قوم" الحديث وقد تقدم. وقد ورد الأمر باللحوق بنجد في حديث رأيته في زوائد مسند البزار، ولفظه: حدثنا محمد بن عبد الله بن المفضل الحراني حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الحراني حدثنا عبد الرحمن بن ثابت عن أبي العوام عن عبد الملك بن مساحق عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إنكم ستجندون أجناداً" فقال رجل: يا رسول الله خر لي فقال: "عليك بالشام فإنها صفوة الله في بلاده فيها خيرة الله من عباده فمن رغب عن ذلك فليلحق بنجده فإن الله تكفل لي بالشام وأهله" قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد. اهـ. ولا يغرنك أن نجداً موضع مخصوص من العرب فكيف يراد به العراق؟ لأن أصل النجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها كما ظهر من

стр. 524

كلام الحافظ في الفتح. وهذا يصدق على العراق، ومع أنه قد ورد ذم العراق في غير واحد من الأحاديث لا يقول مسلم بذم علماء العراق لأن أكابر أهل الحديث وفقهاء الأمة وأهل الجرح والتعديل أكثرهم من أهل العراق وجملة من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ ومن التابعين بعدهم قد سكنوا العراق، ألا ترى إلى ما أخرج البخاري عن إبراهيم قال: ذهب علقمة إلى الشام فأتى المسجد فصلى ركعتين فقال: اللهم ارزقني جليساً فقعد إلى أبي الدراداء فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: أليس فيكم صاحب السر الذي كان لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة. أليس فيكم -أو كان فيكم- الذي أجاره الله على لسان رسوله ﷺ من الشيطان؟ يعني عماراً، أو ليس فيكم صاحب السواك والوسادة؟ يعني ابن مسعود، كيف كان عبد الله يقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قال (والذكر والأنثى) فقال مازال هؤلاء حتى كادوا يشككوني، وقد سمعتها من رسول الله ﷺ . اهـ. وهذا ظاهر لمن تتبع أحوال الصحابة والتابعين، وقد ذكرت فيما تقدم رواية مسلم عن أبي سعيد وفيها: "وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق" فعلم أن أهل العراق هم الذين قتلوا الخوارج، فكيف يجوز ذم جميع أهل العراق؟ وأن سلم أن المراد بنجد نجد العرب، فالجواب أنه كما لا يجوز ذم جميع أهل العراق لورود أحاديث في ذمه، كذلك لا يجوز ذم جميع أهل نجد بعد تسليم ورود ذمه في حديث. وقد ورد في الأحاديث الصحيحة١ أن رسول الله ﷺ غزا قبل نجد وبعث سرية قبل نجد، وبعث خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم٢، وإن تنعم، تنعم على شاكر، إن كنت تريد المال، فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له "ما عندك يا ثمامة"؟ فقال:

стр. 525

ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد فقال: "ماعندك يا ثمامة"؟ قال عندي ما قلت لك فقال: "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره الرسول ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ ، أخرج البخاري تلك الأحاديث في صحيحه. قوله "فبشره" قال الحافظ في الفتح: أي بخيري الدنيا والآخرة، أو بشره بالجنة أو بمحو ذنوبه وتبعاته السابقة. اهـ. فلو لم يكن في أهل نجد خير ما غزا قبل نجد، فإن العزو المقصود منه بالذات إسلام أهله، وما قبل الإسلام ثمامة بن أثال ولم يبشره بخيري الدنيا والآخرة أو بالجنة أو بمحو ذنبوه وتبعاته السابقة. وأخرج البخاري ومسلم عن طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة" فقال هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع" قال رسول الله ﷺ : "وصيام رمضان" قال هل علي غيره؟ قال: "لا إلا أن تطوع" قال وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع" قال فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله ﷺ : "أفلح إن صدق". اهـ. فهذا الرجل من أهل نجد بشره ﷺ بالفلاح -وقد وقت رسول الله ﷺ لأهل نجد قرن المنازل كما وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة ولأهل اليمن

стр. 526

يلملم، فلو لم يكن في نجد خير فأي حاجة إلى تعيين الميقات لأهلها؟ فقد علم رسول الله ﷺ أن أهل نجد يأتون للحج كما أن أهل المدينة وأهل الشام وأهل اليمن يأتون له، وقد ورد فضل بني تميم في الحديث، والشيخ عبد الوهاب منهم وهم من أهل نجد. أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: مازلت أحب بني تميم منذ ثلاث سمعت من رسول الله ﷺ يقول فيهم، سمعته يقول: "هم أشد أمتي على الدجال: قال وجاءت صدقاتهم فقال رسول الله ﷺ "هذه صدقات قومنا"، وكانت سبية منهم عند عائشة فقال: "اعتقيها فإنها من ولد إسماعيل" اهـ. وفي زوائد مسند البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ وذكر بني تميم فقال: "هم ضخام الهام، ثبت الإقدام، نصار الحق في آخر الزمان، أشد قوماً على الدجال"، قال البزار سلام هذا أحسبه سلام المدائني وهو لين الحديث. وأيضاً فيه عن أبي هريرة قال: ربما ضرب النبي ﷺ على كتفي وقال: "أحبوا بني تميم" قال البزار لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه. فإن قلت: قد جاء في حديث عمران بن حصين ﵁ ما يشينهم" قال جاء نفر من بني تميم إلى النبي ﷺ فقال يا نبي تميم "أبشروا" قال: بشرتنا فأعطنا، فتغير وجهه، فجاءه أهل اليمن فقال: "يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم" قالوا: قبلنا، الحديث أخرجه البخاري. قلت هذا مقولة الجفاة منهم، منهم الأقرع بن حابس، ذكره ابن الجوزي كذا في الفتح. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي ﵁ فيما أورده غير واحد، قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، يا محمد، وفي رواية يا رسول لله، فلم يجبه، فقال: يا رسول إن حمدي لزين وإن

стр. 527

ذمي لشين، فقال: ذاك الله : وقال ابن جرير حدثنا أبو عامر الحسين بن حريث المروزي حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن أبي إسحاق عن البراء في قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إن حمدي زين وذمي شين، فقال ﷺ : "ذاك الله " وهكذا ذكره الحسن البصري وقتادة مرسلاً، قال الحافظ في تفسير سورة الحجرات تحت حديث ابن أبي مليكة قال: "كاد الخيران أن يهلكا أبا بكر وعمر ﵄، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع وأشار الآخر برجل آخر قال نافع لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ " الآية. قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية. زاد وكيع كما سيأتي في الاعتصام إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ ، وفي رواية ابن جريج فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ وقد استشكل ذلك، قال ابن عطية: الصحيح أن سبب نزول هذه الآية كلام جفاة العرب. قلت: لا يعارض ذلك هذا الحديث فإن الذي يتعلق بقصة الشيخين في تخالفهما في التأمير هو أول السورة: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ ولكن لما اتصل بها قوله: ﴿لا تَرْفَعُوا﴾ تمسك عمر منها بخفض صوته، وجفاة الأعراب الذين نزلت فيهم هم من بني تميم والذي يختص بهم قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة إن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ من وراء الحجرات فقال: يا محمد، إن مدحي زين، وإن شتمي شين، فقال النبي ﷺ : "ذاك الله " ونزلت. قلت: ولا مانع أن تنزل الآية لأسباب تتقدمها فلا يعدل للترجيح مع ظهور الجمع وصحة الطرق. اهـ. وقال الحافظ تحت قوله: باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ : وروى الطبراني من طريق مجاهد قال: هم أعراب بني تميم، ومن طريق

стр. 528

أبي إسحاق عن البراء قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد إن حمدي زين، وإن ذمي شين، فقال: "ذاك الله ﵎" وروي من طريق معمر عن قتادة مثله مرسلاً، وزاد فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية. ومن طريق الحسن نحوه. اهـ. وقال الحافظ تحت قوله: (باب قوله: ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم) . هكذا في جميع الروايات الترجمة بغير حديث، وقد أخرج الطبري والبغوي وابن أبي عاصم في كتبهم في الصحابة من طريق موسى بن عقبة عن أبي سلمة قال: حدثني الأقرع بن حابس التميمي أنه أتى الني ﷺ فقال: يا محمد أخرج إلينا فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الحديث، وسياقه لابن جرير، قال ابن منده الصحيح عن أبي سلمة أن الأقرع– مرسل، وكذا أخرجه أحمد على الوجهين. وقد ساق محمد بن إسحاق قصة وفد بني تميم في ذلك مطولة بانقطاع، وأخرجها ابن منده في ترجمة ثابت بن قيس في المعرفة من طريق أخرى موصلة. اهـ. وقال الترمذي في جامعه: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث أخبرنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقعد عن ابن إسحاق عن البراء بن عازب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قال: قام رجل فقال: يا رسول الله إن حمدي زين، وإن ذمي شين، فقال النبي ﷺ : "ذاك الله " هذا حديث حسن غريب. وقد جاء في الأحاديث "فضل العرب عموماً" أخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت فيه". اهـ. وأخرج الترمذي عن العباس أن النبي ﷺ قال: "إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً" وقال: هذا حديث حسن. وأخرج الترمذي عن سلمان قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا سلمان لا تبغضني

стр. 529

فتفارق دينك" قلت: يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله؟ قال: "تبغض العرب فتبغضني" وقال: هذا حديث حسن غريب. وأخرج عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : "من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي" وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حصين ابن عمر الأحمسي عن مخارق، وليس حصين عند أهل الحديث بذاك القوي. وأخرج الترمذي عن محمد بن أبي رزين عن أمه قالت: كانت أم الحرير إذا مات أحد من العرب اشتد عليها، فقيل لها: إنا نراك إذا مات رجل من العرب اشتد عليك، قالت: سمعت مولاي يقول: قال رسول الله ﷺ : "من اقتراب الساعة هلاك العرب" قال محمد بن أبي رزين: ومولاها طلحة بن مالك، هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب١. وأخرج مسلم عن أم شريك أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "ليفرن الناس من الدجال في الجبال" قالت أم شريك يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال "هم قليل" وأخرجه الترمذي أيضاً وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وأخرج مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ "إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم، كذا في (مشكاة المصابيح) وأخرجه الترمذي بغير لفظ (في جزيرة العرب) وقال: وفي الباب عن أنس وسليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه: هذا حديث حسن. اهـ. وفي زوائد مسند البزار للهيثمي عن علي ﵁ يقول: أسندت النبي ﷺ إلى صدري فقال: "يا علي أوصيك بالعرب خيراً". قال البزار لا نعلمه يروى عن علي إذا بهذا الإسناد، وأبو المقدام هو ثابت الحداد روى عنه منصور بن المعتمر وسفيان الثوري وهو أبو عمرو بن ثابت.

стр. 530

وأيضاً فيه عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ "إني دعوت العرب فقلت: اللهم من لقيك منهم مصدقاً بك موقناً فاغفر له". قال البزار لا نعلم رواه عن ثابت إلا مروان، ولا عنه إلا الحسن بن بشر. اهـ. وفي زوائد مسند البزار في فضل جزيرة العرب حدثنا محمد بن العلاء حدثنا الحسن بن عطية حدثنا قيس عن يونس يعني ابن عبيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ "لقد برأ الله هذه الجزيرة من الشرك ما لم يضلهم النجوم" حدثنا أحمد بن محمد بن الوليد حدثنا موسى بن داود حدثنا قيس عن يونس عن الحسن عن الأحنف عن العباس عن النبي ﷺ قال بنحوه، قال البزار لا نعلم رواه إلا العباس، ولا له عنه إلا هذا الإسناد، حدثنا إبراهيم بن زياد حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ "إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب ولكن قد رضي بمحقرات". قال البزار قد روي من غير طريق عن أبي الدرداء حدثنا الفضل بن سهل حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكن قد رضي منكم بالمحقرات" قال البزار قد رواه أبو إسحاق هكذا ورواه غيره عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو أبي سعيد. اهـ. وأخرج الترمذي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع "أي يوم هذا"؟ الحديث وفيه "وإن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلادكم هذه أبداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحقرون من أعمالكم فسيرضى به". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. اهـ. فقد علم من هذه الأحاديث فضل العرب على غير العرب، وقد ورد في الصحيح
следующие страницы →