← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

١٨٦- واعلم -وفقك الله تعالى- أن البدن كالمطية، ولا بد من علف المطية، والاهتمام به، فإذا أهملت ذلك، كان سببًا لوقوفك عن السير. وقد رئي سلمان ﵁ يحمل طعامًا على عاتقه، فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟! فقال: إن النفس إذا أحرزت قوتها، اطمأنت. وقال سفيان الثوري: إذا حصلت قوت شهر، فتعبد. ١٨٧- وقد جاء أقوام ليس عندهم سوى الدعاوى، فقالوا: هذا شك في الرازق، والثقة بي أولى!! فإياك وإياهم. ١٨٨- وربما ورد مثل هذا عن بعض صدور الزهاد من السلف١، فلا يعول عليه، ولا يهولنك خلافهم، فقد قال أبو بكر المروذي: سمعت أحمد بن حنبل يرغب في النكاح، فقلت له: قال ابن أدهم.. فما تركني أتمم حتى صاح علي وقال: أذكر لك حال رسول الله ﷺ وأصحابه، وتأتيني ببنيات الطريق؟!. ١٨٩- واعلم -وفقك الله- أنه لو رفض الأسباب شخص يدعي التزهد، وقال: لا آكل، ولا أشرب، ولا أقوم من الشمس في الحر، ولا استدفئ من البرد! كان عاصيًا بالإجماع، وكذلك لو قال -وله عائلة-: لا أكتسب، ورزقهم على الله تعالى! فأصابهم أذى، كان آثمًا، كما قال ﵊: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت". ١٩٠- واعلم أن الاهتمام بالكسب، يجمع الهم، ويفرغ القلب، ويقطع الطمع في الخلق، فإن الطبع له حق يتقاضاه، وقد بين الشرع ذلك، فقال ﷺ : "إن لنفسك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا". ١٩١- ومثال الطبع مع المريد السالك كمثل كلب لا يعرف الطارق، فكل من رآه يمشي، نبح عليه، فإن ألقى إليه كسرة، سكت عنه؛ فالمراد من الاهتمام بذلك جمع الهم لا غير، فافهم هذه الأصول، فإن فهمها مهم.

стр. 107

٣٥- فصل: أفضل الأمور أوساطها . ١٩٢- تأملت في شهوات الدنيا، فرأيتها مصايد هلاك، وفخوخ تلف، فن قوى عقله على طبعه وحكم عليه، يسلم، ومن غلب طبعه، فيا سرعة هلكته! ١٩٣- ولقد رأيت بعض أبناء الدنيا كان يتوفق إلى التسري، ثم يستعمل الحرارات المهيجة للباه١، فما لبث أن انحلت حرارته الغريزية وتلف. ١٩٤- ولم أر في شهوات النفس أسرع هلاكًا من هذه الشهوة، فإنه كلما مال الإنسان إلى شخص مستحسن، أوجب ذلك حركة الباه زائدًا عن العادة، وإذا رأى أحسن منه، زادت الحركة، وكثر خروج المني زائدًا عن الأول، فيفنى جوهر الحياة أسرع شيء. وبالضد من هذا أن تكون المرأة مستقبحة، فلا يوجب نكاحها خروج الفضلة المؤذية كما ينبغي، فيقع التأذي بالاحتباس، وقوة التوق إلى منكوح. ١٩٥- وكذلك المفرط في الأكل، فإنه يجني على نفسه كثيرًا من الجنايات، والمقصر في مقدار القوت كذلك. فعلمت أن أفضل الأمور أوساطها. ١٩٦- والدنيا مفازة، فينبغي أن يكون السائق٢ فيها العقل، فمن سلم زمام راحلته إلى طبعه وهواه، فيا عجلة تلفه! هذا فيما يتعلق بالبدن والدنيا، فقس عليه أمر الآخرة، فافهم.

стр. 108

٣٦- فصل: لا تحرموا طيبات ما أحل لكم . ١٩٧- بلغني عن بعض زهاد زماننا أنه قدم إليه طعام، فقال: لا آكل! فقيل له: لم؟! قال: لأن نفسي تشتهيه، وأنا منذ سنين ما بلغت نفسي ما تشتهي! ١٩٨- فقلت: لقد خفيت طريق الصواب عن هذا من وجهين، وسبب خفائها عدم العلم:

стр. 109

أما الوجه الأول: فإن النبي ﷺ لم يكن على هذا ولا أصحابه، وقد كان ﵊ يأكل لحم الدجاج١، ويحب الحلوى والعسل. ودخل فرقد السبخي على الحسن وهو يأكل الفالوذج، فقال: يا فرقد! ما تقول في هذا؟ فقال: لا آكله، ولا أحب من أكله، فقال الحسن: لعاب النحل، بلباب البر، مع سمن البقر؛ هل يعيبه مسلم؟! وجاء رجل إلى الحسن، فقال: إن لي جارًا لا يأكل الفالوذج، فقال: ولم؟! قال: يقول: لا أؤدي شكره. فقال: إن جارك جاهل، وهل يؤدي شكر الماء البارد؟! وكان سفيان الثوري يحمل في سفره الفالوذج والحمل المشوي، ويقول: إن الدابة إذا أحسن إليها، عملت. وما حدث في الزهاد بعدهم من هذا الفن، فأمور مسروقة من الرهبانية، وأنا خائف من قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٨٧] ولا يحفظ عن أحد من السلف الأول من الصحابة من هذا الفن شيء، إلا أن يكون ذلك لعارض. وأما سبب ما يروى عن ابن عمر ﵄: أنه اشتهى شيئًا فآثر به فقيرًا، وأعتق جاريته رميثة، وقال: إنها أحب الخلق إلى، فهذا وأمثاله حسن؛ لأنه إيثار بما هو أجود عند النفس من غيره، وأكثر لها من سواه، فإذا وقع في بعض الأوقات، كسرت بذلك الفعل سورة هواها أن تطغى بنيل كل ما تريد. فأما من دام على مخالفتها على الإطلاق، فإنه يعمي قلبها، ويبلد خواطرها، ويشتت عزائمها، فيؤذيها أكثر مما ينفعها، وقد قال إبراهيم بن أدهم: إن القلب إذا أكره، عمي، وتحت مقالته سر لطيف، وهو أن الله قد وضع طبيعة الآدمي على معنى عجيب، وهو أنها تختار الشيء من الشهوات مما يصلحها، فتعلم باختيارها له صلاحه، وصلاحها به. وقد قال حكماء الطب: ينبغي أن يفسح للنفس فيما تشتهي

стр. 110

من المطاعم، وإن كان فيه نوع ضرر؛ لأنها إنما تختار ما يلائمها؛ فإذا قمعها الزاهد في مثل هذا، عاد على بدنه بالضرر، ولولا جواذب الباطن من الطبيعة، ما بقي البدن، فإن الشهوة للطعام تثور١، فإذا وقعت الغنية بما يتناول، كفت الشهوة. فالشهوة مريد ورائد، ونعم الباعث هي على مصلحة البدن، غير أنها إذا أفرطت، وقع الأذى، ومتى منعت ما تريد على الإطلاق مع الأمن من فساد العاقبة، عاد ذلك بفساد أحوال النفس، ووهن الجسم، واختلاف السقم، الذي تتداعى به الجملة، مثل أن يمنعها الماء عند اشتداد العطش، والغذاء عند الجوع، والجماع عند قوة الشهوة، والنوم عند غلبته، حتى إن المغتم إذا لم يتروح بالشكوى، قتله الكمد. فهذا أصل، إذا فهمه هذا الزاهد، علم أنه قد خالف طريق الرسول ﷺ وأصحابه من حيث النقل، وخالف الموضوع من حيث الحكمة. ولا يلزم على هذا قول القائل: فمن أين يصفو المطعم؟ لأنه إذا لم يصف، كان الترك ورعًا، وإنما الكلام في المطعم الذي ليس فيه ما يؤذي في باب الورع، وكان ما شرحته جوابًا للقائل: ما أبلغ نفسي شهوة على الإطلاق. والوجه الثاني: أني أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك؛ فصار يشتهي ألا يتناول، وللنفس في هذا مكر خفي، ورياء دقيق، فإن سلمت من الرياء للخلق، كانت الآفة من جهة تعلقها بمثل هذا الفعل، وإدلالها في الباطن به، فهذه مخاطرة وغلط. وربما قال بعض الجهال: هذا صد عن الخير وعن الزهد! وليس كذلك، فإن الحديث قد صح عن النبي ﷺ : أنه قال: "كل عمل ليس عليه أمرنا، فهو رد"٢. ولا ينبغي أن يغتر بعباده جريج٣، ولا بتقوى ذي الخويصرة٤.

стр. 111

١٩٩- ولقد دخل المتزهدون في طرق لم يسلكها الرسول ﷺ ولا أصحابه، من إظهار التخشع الزائد في الحد، والتنوق١ في تخشين الملبس، وأشياء صار العوام يستحسنونها، وصارت لأقوام كالمعاش، يجتنون من أرباحها تقبيل اليد، وتوفير التوقير، وحراسة الناموس، وأكثرهم في خلوته على غير حالته في جلوته. ٢٠٠- وقد كان ابن سيرين يضحك بين الناس قَهْقَهَةً، وإذا خلا بالليل، فكأنه قتل أهل القرية. فنسأل الله تعالى علمًا نافعًا، فهو الأصل، فمتى حصل، أوجب معرفة المعبود ، وحرك إلى خدمته بمقتضى ما شرعه وأحبه، وسلك بصاحبه طريق الإخلاص. ٢٠١- وأصل الأصول العلم، وأنفع العلوم النظر في سير الرسول ﷺ وأصحابه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] .

стр. 112

٣٧- فصل: جهاد النفس أعظم الجهاد . ٢٠٢- تأملت جهاد النفس، فرأيته أعظم الجهاد، ورأيت خلقًا من العلماء والزهاد لا يفهمون معناه؛ لأن فيهم من منعها حظوظها على الإطلاق، وذلك غلط من وجهين: أحدهما: أنه رب مانع لها شهوة أعطاها بالمنع أوفى منها، مثل أن يمنعها مباحًا، فيشتهر بمنعه إياها ذلك: فترضى النفس بالمنع؛ لأنها قد استبدلت به المدح. وأخفى من ذلك أن يرى -بمنعه إياها ما منع- أنه قد فضل سواه ممن لم يمنعها ذلك. وهذه دقائق١ تحتاج إلى منقاش٢ فهم يخلصها. والوجه الثاني: أننا قد كلفنا حفظها، ومن أسباب حفظها ميلها إلى الأشياء

стр. 113

التي تقيمها، فلا بد من إعطائها ما يقيمها، وأكثر ذلك أو كله مما تشتهيه، ونحن كالوكلاء في حفظها؛ لأنها ليست لنا، بل هي وديعة عندنا، فمنعها حقوقها على الإطلاق خطر. ثم رب شَدٍّ أوجب استرخاء، ورب مضيق على نفسه فرت منه، فصعب عليه تلافيها؛ وإنما الجهاد لها كجهاد المريض العاقل، يحملها على مكروهها في تناول ما ترجو به العافية، ويذوب في المرارة قليلًا من الحلاوة، ويتناول من الأغذية مقدار ما يصفه الطبيب، ولا تحمله شهوته على موافقة غرضها من مطعم ربما جر جوعًا، ومن لقمه ربما حرمت لقمات. ٢٠٣- فكذلك المؤمن العاقل، لا يترك لجامها، ولايهمل مقودها، بل يرخي لها في وقت، والطول١ بيده، فما دامت على الجادة، لم يضايقها في التضييق عليها، فإذا رآها قد مالت، ردها باللطف، فإن ونت٢ وأبت، فبالعنف٣، ويحسبها٤ في مقام المداراة كالزوجة، التي مبنى عقلها على الضعف والقلة، فهي تداري عند نشوزها٥ بالوعظ، فإن لم تصلح، فبالهجر، فإن لم تستقم، فبالضرب٦، وليس في سياط التأديب أجود من سوط عزم٧. ٢٠٤- هذه مجاهدة من حيث العمل، فأما من حيث وعظها وتأنيبها، فينبغي لمن رآها تسكن للخلق، وتتعرض بالدناءة من الأخلاق أن يعرفها تعظيم خالقها لها، فيقول: ألست التي قال فيك: خلقتك بيدي، وأسجدت لك ملائكتي، وارتضاك

стр. 114

للخلافة في أرضه، وراسلك، واقترض منك واشترى؟! فإن رآها تتكبر، قال لها: هل أنت إلا قطرة من ماء مهين١، تقتلك شرقة، وتؤلمك بقة؟! وإن رأى تقصيرها، عرفها حق الموالي على العبيد. وإن ونت٢ في العمل، حدثها بجزيل الأجر. وإن مالت إلى الهوى، وفها عظيم الوزر، ثم يحذرها عاجل العقوبة الحسية، كقولة تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] ، والمعنوية؟ كقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] . فهذا جهاد بالقول، وذاك جهاد بالفعل.

стр. 115

٣٨- فصل: امتناع إجابة الدعاء . ٢٠٥- رأيت من البلاء أن المؤمن يدعو فلا يجاب، فيكرر الدعاء، وتطول المدة، ولا يرى أثرًا للإجابة، فينبغي له أن يعلم أن هذا من البلاء الذي يحتاج إلى الصبر، وما يعرض للنفس من الوسواس في تأخير الجواب مرض يحتاج إلى طب. ٢٠٦- ولقد عرض لي شيء من هذا الجنس؛ فإنه نزلت بي نازلة، فدعوت، وبالغت، والبخل معدوم، فما فائدة تأخير الجواب؟! فقلت له: اخسأ يا لعين! فما أحتاج إلى تقاض، ولا أرضاك وكيلًا. ثم عدت إلى نفسي فقلت: إياك ومساكنة وسوسته، فإنه لو لم يكن في تأخير الإجابة إلا أن يبلوك المقدر في محاربة العدو، لكفى في الحكمة. ٢٠٧- قالت: فسلني عن تأخير الإجابة في مثل هذه النازلة! فقلت: قد ثبت بالبرهان أن الله مالك، وللمالك التصرف بالمنع والعطاء، فلا وجه للاعتراض عليه١. والثاني: أنه قد ثبتت حكمته بالأدلة القاطعة، فربما رأيت الشيء مصلحة،

стр. 116

والحكمة لا تقتضيه، وقد يخفى وجه الحكمة فيما يفعله الطبيب من أشياء تؤذي في الظاهر، يقصد بها المصلحة، فلعل هذا من ذاك. والثالث: أنه قد يكون التأخير مصلحة، والاستعجال مضرة، وقد قال النبي ﷺ : "لايزال العبد في خير ما لم يستعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي! "١.والرابع: أنه قد يكون امتناع الإجابة لآفة فيك، فربما يكون في مأكولك شبهة، أو قلبك وقت الدعاء في غفلة، أو تزاد عقوبتك في منع حاجتك لذنب ما صدقت في التوبة منه، فابحثي عن بعض هذه الأسباب، لعلك تقعي بالمقصود، كما روي عن أبي يزيد ﵁: أنه نزل بعض الأعاجم في داره، فجاء، فرآه، فوقف بباب الدار، وأمر بعض أصحابه، فدخل، فقلع طينًا جديدًا قد طينه، فقام الأعجمي وخرج، فسئل أبو يزيد عن ذلك؟ فقال: هذا الطين من وجه فيه شبهة، فلما زالت الشبهة، زال صاحبها. وعن إبراهيم الخواص٢ رحمة الله عليه: أنه خرج لإنكار منكر، فنبحه كلب له، فمنعه أن يمضي، فعاد، ودخل المسجد، وصلى، ثم خرج، فبصبص الكلب٣ له، فمضى، وأنكر، فزال المنكر، فسئل عن تلك الحال؟ فقال: كان عندي منكر، فمنعني الكلب، فلما عدت، تبت من ذلك، فكان ما رأيتم. والخامس: أنه ينبغي أن يقع البحث عن مقصودك بهذا المطلوب، فربما كان في حصوله زيادة إثم، أو تأخير عن مرتبة خير، فكان المنع أصلح، وقد روي عن بعض السلف: أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت، أسرت، وإن أسرت، تنصرت. والسادس: أنه ربما كان فقد ما فقدته سببًا للوقوف على الباب واللجأ، وحصوله سببًا للاشتغال عن المسؤول. وهذا الظاهر، بدليل أنه لولا هذه النازلة، ما

стр. 117

رأيناك على باب اللجأ، فالحق علم من الخلق اشتغالهم بالبر عنه، فلذعهم في خلال النعم بعوارض تدفعهم إلى بابه، يستغيثون به، فهذا من النعم في طَيِّ البلاء، وإنما البلاء المحض ما يشغلك عنه، فأما ما يقيمك بين يديه، ففيه جمالك. وقد حكي عن يَحْيَى البَكَّاءِ١ أنه رأى ربه في المنام، فقال: يا رب! كم أدعوك ولا تجيبني؟ فقال: يحيى! إني أحب أن أسمع صوتك. وإذا تدبرت هذه الأشياء، تشاغلت بما هو أنفع لك من حصول ما فاتك، من رفع خلل، أو اعتذار من زلل، أو وقوف على الباب إلى رب الأرباب.

стр. 118

٣٩- فصل: من نزلت به بلية ٢٠٨- من نزلت به بلية، فأراد تمحيقها١، فليتصورها أكبر مما هي تهن، وليتخايل ثوابها، وليتوهم نزول أعظم منها، ير الربح في الاقتصار عليها. ولتلمح سرعة زوالها، فإنه لولا كرب الشدة، ما رجيت ساعات الراحة، وليعلم أن مدة مقامها عنده كمدة مقام الضيف، فيتفقد حوائجه في كل لحظة، فيا سرعة انقضاء مقامه! ويا لذة مدائحه وبشره في المحافل، ووصف المضيف بالكرم! ٢٠٩- فكذلك "المؤمن في" الشدة، ينبغي أن يراعي الساعات، ويتفقد فيها أحوال النفس، ويتلمح الجوارح، مخافة أن تبدو من اللسان كلمة، أو من القلب تسخط، فكأن قد لاح فجر الأجر، فانجاب٢ ليل البلاء، ومدح الساري بقطع الدجى، فما طلعت شمس الجزاء، إلا وقد وصل إلى منزل السلامة.

стр. 119

٤٠- فصل: فضل العلم وفوائده ٢١٠- لما رأيت رأي نفسي في العلم حسنًا، فهي تقدمه على كل شيء،

стр. 120

وَتَعْتَقِدُ الدليل، وتفضل ساعة التشاغل به على ساعات النوافل، وتقول: أقوى دليل لي على فضله على النوافل: أني رأيت كثيرًا ممن شغلتهم نوافل الصلاة والصوم عن نوافل العلم عاد ذلك عليهم بالقدح في الأصول، فرأيتها في هذا الاتجاه على الجادة السليمة١ والرأي الصحيح. ٢١١- إلا أني رأيتها واقفة مع صورة التشاغل بالعلم، فصحت بها: فما الذي أفادك العلم؟! أين الخوف؟! أين القلق؟! أين الحذر؟! أو ما سمعت بأخبار أخيار الأحبار في تعبدهم واجتهادهم؟! أما كان الرسول ﷺ سيد الكل، ثم إنه قام حتى ورمت قدماه٢؟! أما كان أبو بكر ﵁ شجي النشيج، كثير البكاء؟! أما كان في خد عمر ﵁ خطان٣ من آثار الدموع؟! أما كان عثمان ﵁ يختم القرآن في ركعة؟! أما كان علي ﵁ يبكي بالليل في محرابه حتى تخضل لحيته بالدموع، ويقول: يا دنيا غري غيري٤؟! أما كان الحسن البصري يحيا على قوة القلق. أما كان سعيد بن المسيب ملازمًا للمسجد، فلم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة؟! أما صام الأسود بن يزيد٥ حتى اخضر واصفر؟!

стр. 121

أما قالت ابنة الربيع بن خثيم له: ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟! فقال: إن أباك يخاف عذاب البيات؟! أما كان أبو مسلم الخولاني١ يعلق سوطًا في المسجد يؤدب به نفسه إذا فتر؟! أما صام يزيد الرقاشي٢ أربعين سنة، وكان يقول: وا لهفاه! سبقني العابدون، وقطع بي؟! أما صام منصور بن المعتمر٣ أربعين سنة؟! أما كان سفيان الثوري يبكي الدم من الخوف؟! أما كان إبراهيم بن أدهم يبول الدم من الخوف؟! أما تعلمين أخبار الأئمة الأربعة في زهدهم وتعبدهم، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد؟! احذري من الإخلاد إلى صورة العلم مع ترك العمل به، فإنها حالة الكسالى الزمنى: وخذ لك منك على مُهْلَةٍ ... ومقبل عيشك لم يدبر وخف هجمةً لا تقيل العثار ... وتطوي الورود على المصدر٤ ومثل لنفسك أي الرعيل ... يضمك في حلبة المحشر٥

стр. 122

٤١- فصل: في غلو بعض المتزهدين . ٢١٢- مما يزيد العلم عندي فضلًا: أن قومًا تشاغلوا بالتعبد عن العلم، فوقفوا عن الوصول إلى حقائق الطلب.

стр. 123

فروي عن بعض القدماء أنه قال لرجل: يا أبا الوليد! إن كنت أبا الوليد! يتورع أن يكنيه ولا ولد له! ولو أوغل هذا في العلم، لعلم أن النبي ﷺ كَنَّى صهيبًا أبا يحيى١، وكنَّى طفلًا [فقال] : "يا أبا عُمَيْرٍ! ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ " ٢. ٢١٣- وقال بعض المتزهدين: قيل لي يومًا: كل من هذا اللبن! فقلت: هذا يضرني. ثم وقفت بعد مدة عند الكعبة، فقلت: اللهم! إنك تعلم أني ما أشركت بك طرفة عين. فهتف بي هاتف: ولا يوم اللبن؟! وهذا لو صح؛ جاز أن يكون تأديبًا له؛ لئلا يقف مع الأسباب ناسيًا للمسبب، وإلا، فالرسول ﷺ قد قال: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني حتى الآن قطعت أبهري" ٣، وقال: "ما نفعني مال كمال أبي بكر" ٤. ٢١٤- ومن المتزهدين أقوام يرون التوكل قطع الأسباب كلها، وهذا جهل بالعلم، فإن النبي ﷺ : دخل الغار٥، وشاور الطبيب٦، ولبس الدرع٧، وحفر الخندق٨، ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي، وكان كافرًا٩، وقال لسعد: "لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس". فالوقوف مع الأسباب مع نسيان المسبب غلط، والعمل على الأسباب مع تعلق القلب بالمسبب هو المشروع، وكل هذه الظلمات إنما تقطع بمصباح العلم، ولقد ضل من مشى في ظلمة الجهل، أو في زقاق الهوى.

стр. 124

٤٢- فصل: شرف الإنسان ٢١٥- ما أزال أتعجب ممن يرى تفضيل الملائكة على الأنبياء والأولياء! فإن كان التفضيل بالصور، فصورة الآدمي أعجب من ذوي أجنحة، وإن تركت صورة الآدمي لأجل أوساخها المنوطة بها، فالصورة ليست الآدمي، إنما هي قالب! ثم قد استحسن منها ما يستقبح في العادة، مثل: خلوف فم الصائم، ودم الشهداء١، والنوم في الصلاة٢، فبقيت صورة معمورة، وصار الحكم للمعنى. ألهم مرتبة يحبهم أو فضيلة يباهي بهم؟! وكيف دار الأمر، فقد سجدوا لنا، وهو صريح في تفضيلنا عليهم. ٢١٦- فإن كانت الفضيلة بالعلم، فقد علمت القصة يوم: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾ [البقرة:٣٣] . وإن فضلت الملائكة بجوهرية ذواتهم، فجوهرية أرواحنا من ذلك الجنس، وعلينا أثقال أعباء الجسم. بالله، لولا احتياج الراكب إلى الناقة، فهو يتوقف لطلب علفها، ويرفق في السير بها، لطرق أرض منى قبل العشر٣. ٢١٧- واعجبًا! أتفضل الملائكة بكثرة التعبد؟! فما ثم صعاد٤. أو يتعجب من الماء إذا جرى، أو من منحدر يسرع؟! إنما العجب من مصاعد يشق الطريق، ويغالب العقبات! ٢١٨- بلى، قد يتصور منهم الخلاف، ودعوى الإلهية؛ لقدرتهم على دك الصخور وشق الأرض، لذلك تواعدوا: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] ، لكنهم يعلمون عقوبة الحق فيحذرونه.

стр. 125

٢١٩- فأما بعدنا عن المعرفة الحقيقية، وضعف يقيننا بالناهي، وغلبة شهوتنا مع الغفلة، فيحتاج إلى جهاد أعظم من جهادهم. تالله، لو ابتلي أحد المقربين بما ابتلينا به، لم يقدر على التماسك، يصبح أحدنا، وخطاب الشرع يقول له: اكسب لعائلتك، واحذر في كسبك! وقد تمكن منه ما ليس من فعله، كحب الأهل، وعلوق الولد بنياط القلب، واحتياج بدنه إلى ما لا بد منه. فتارة يقال للخليل ﵇: اذبح ولدك بيدك! واقطع ثمرة فؤادك بكفك! ثم قم إلى المنجنيق لترمى في النار! وتارة يقال لموسى ﵇: صم شهرًا؛ ليلًا ونهارًا. ثم يقال للغضبان: اكظم! وللبصير: اغضض! ولذي المقول: اصمت! ولمستلذ النوم: تهجد! ولمن مات حبيبه: اصبر! ولمن أصيب في بدنه: اشكر! وللواقف في الجهاد بين اثنين: لا يحل أن تفر! ثم اعلم أن الموت يأتي بأصعب المرارات، فينزع الروح عن البدن، فإذا نزل، فاثبت! واعلم أنك ممزق في القبر، فلا تتسخط؛ لأنه مما يجري به القدر! وإن وقع بك مرض، فلا تشك إلى الخلق! فهل للملائكة من هذه الأشياء شيء؟! وهل ثم إلا عبادة ساذجة: ليس فيها مقاومة طبع، ولا رَدُّ هَوًى؟! وهل هي إلا عبادة صورية بين ركوع وسجود وتسبيح؟! فأين عبادتهم المعنوية من عبادتنا؟! ٢٢٠- ثم أكثرهم في خدمتنا، بين كتبة علينا، ودافعين عنا، ومسخرين لإرسال الريح والمطر، وأكثر وظائفهم الاستغفار لنا. فكيف يفضلون علينا بلا علة ظاهرة؟! ٢٢١- وأما إذا ما حكت على محك التجارب طائفة منهم -مثل ماروي عن هاروت وماروت١-، خرجوا أقبح من بهرج٢. ٢٢٢- ولا تظنن أني أعتقد في تعبد الملائكة نوع تقصير؛ لأنهم شديدو

стр. 126

الإشفاق والخوف، لعلمهم بعظمة الخالق، لكن طمأنينة من لم يخطئ تقوي نفسه، وانزعاج الغائص في الزلل يرقي روحه إلى التراقي١. ٢٢٣- فاعرفوا -إخواني- شرف أقداركم، وصونوا جواهركم عن تدنيسها بلؤم الذنوب، فأنتم معرض الفضل على الملائكة، فاحذروا أن تحكم الذنوب إلى حضيض البهائم، فأنتم معرض الفضل على الملائكة، فاحذروا أن تحطكم الذنوب إلى حضيض البهائم! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 127

٤٣- فصل: إذا كانت بعض المخلوقات لا تُعْلَمُ إلا جملة فالخالق أجل وأعلى ٢٢٤- رأيت كثيرًا من الخلق وعالمًا من العلماء لا ينتهون عن البحث، عن أصول الأشياء التي أمروا بعلم جملها٢ من غير بحث عن حقائقها! كالروح مثلًا، فالله تعالى سترها بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] ، فلم يقنعوا، وأخذوا يبحثون عن ماهيتها، ولا يقعون بشيء٣، ولا يثبت لأحد منهم برهان على ما يدعيه! وكذلك العقل، فإنه موجود بلا شك، كما أن الروح موجودة بلا شك، كلاهما يعرف بآثاره، لا بحقيقة ذاته. ٢٢٥- فإن قال قائل: فما السر في كتم هذه الأشياء؟ قلت: لأن النفس ما تزال تترقى من حالة إلى حالة، فلو اطلعت على هذه الأشياء، لترقت إلى خالقها، فكان ستر ما دونه زيادة في تعظيمه؛ لأنه إذا كان بعض مخلوقاته يعلم جملة٤، فهو أجل وأعلى. ٢٢٦- ولو قال قائل: ما الصواعق؟ وما البرق؟ وما الزلازل؟ قلنا: شيء مزعج، ويكفي. والسر في ستر هذا: أنه لو كشفت حقائقه، خف مقدار تعظيمه٥. ومن تلمح هذا الفصل، علم أنه فصل عزيز.

стр. 128

٢٢٧- فإذا ثبت هذا في المخلوقات، فالخالق أجل وأعلى، فينبغي أن يوقف في إثباته على دليل وجوده، ثم يستدل على جواز بعثه رسله، ثم تتلقى أوصافه من كتبه ورسله به، ولا يزاد على ذلك. ولقد بحث خلق كثير من صفاته بآرائهم، فعاد وبال ذلك عليهم. ٢٢٨- وإذا قلنا: أنه موجود، وعلمنا من كلامه أنه سميع بصير حي قادر ... كفانا هذا في صفاته، ولا نخوض في شيء آخر. وكذلك نقول: متكلم، والقرآن كلامه، ولا نتكلف ما فوق ذلك. ولم يقل السلف: تلاوة ومتلو، وقراءة ومقروء. ولا قالوا: استوى على العرش بذاته. ولا قالوا: ينزل بذاته ... بل أطلقوا ما ورد من غير زيادة. و [لا] نقول لما ثبت بالدليل ما لا يجوز عليه. وهذه كلمات كالمثال، فقس عليها جميع الصفات، تفز سليمًا من تعطيل، متخلصًا من تشبيه.

стр. 129

٤٤- فصل: إنما تصلح الحياة بالتفاوت بين العباد ٢٢٩- رأيت أكثر الخلق في وجودهم كالمعدومين، فمنهم من لا يعرف الخالق. ومنهم من يثبته على مقتضى حسه. ومنهم من لا يفهم المقصود من التكليف. ٢٣٠- وترى المتوسمين بالزهد يدأبون في القيام والقعود، ويتركون الشهوات، وينسون ما قد أنسوا به من شهوة الشهرة، وتقبيل الأيادي!! ولو كلم أحدهم، قال: ألمثلي يقال هذا؟! ومن فلان الفاسق؟! فهؤلاء لا يفهمون المقصود. وكذلك كثير من العلماء في احتقارهم غيرهم، والتكبر في نفوسهم، فتعجبت، كيف يصلح هؤلاء لمجاورة الحق، وسكنى الجنة؟! ٢٣١- فرأيت أن الفائدة في وجودهم في الدنيا تجانس الفائدة في دخولهم الجنة، فإنهم في الدنيا بين معتبر به، يعرف عارف الله سبحانة نعمة الله عليه، بما كشف له مما غطى عن ذاك، ويتم النظام بالاقتداء يصور أولئك، [أو تابع يتم به

стр. 130

العمران، وتقوم به المعايش، وإنما تصلح الحياة بهذا التفاوت البعيد. ٢٣٢- ثم بين الخاصة فروق:] ١ فإن العارف لا يتسع وقته لمخالطة من يقف مع الصورة؛ فالزاهد كراعي البهم، والعالم كمؤدب الصبيان، والعارف كملقن الحكمة. ولولا نفاط٢ الملك وحارسه ووقاد أتونه٣، ما تم عيشه. ٢٣٣- فمن تمام عيش العارف استعمال أولئك بحسبهم، فإذا وصلوا إليه، حرر ما معهم٤، وفيهم من لا يصل إليه، فيكون وجود أولئك كزيادة "لا" في الكلام، هي حشو، وهي مؤكدة. ٢٣٤- فإن قال قائل: فهب هذا يصح في الدنيا، فكيف في الجنة؟! والجواب: أن الأنس بالجيران مطلوب، ورؤية القاصر من تمام لذة الكامل٥، ولكل شرب، ومن تأمل ما أشرت إليه، كفاه رمز لفظي عن تطويل الشرح.

стр. 131

٤٥- فصل: من حكمة الله في النبات ٢٣٥- لما تلمحت تدبير الصانع في سوق رزقي، بتسخير السحاب، وإنزال المطر برفق، والبذر [دفين] تحت الأرض كالموتى، قد عفن ينتظر نفخة من صور الحياة، فإذا [أصابته] ١، اهتز خضرًا، و [إذا] انقطع عنه الماء، مد يد الطلب يستعطي، وأمال رأسه خاضعًا، ولبس حلل التغير، فهو محتاج إلى ما أنا محتاج إليه من حرارة الشمس، وبرودة الماء، ولطف النسيم، وتربية الأرض! فسبحان من أراني -فيما يربيني به- كيف تربيتي في الأصل. ٢٣٦- فيا أيتها النفس التي قد اطلعت على بعض حكمه! قبيح بك -والله-

стр. 132

الإقبال على غيره، ثم العجب! كيف تقبلين على فقير مثلك، يناديني لسان حاله: "بي مثل ما بك يا حمام" فارجعي إلى الأصل الأول، واطلبي من المسبِّب، ويا طوبى لك إن عرفته! فإن عرفانه ملك الدنيا والآخرة.

стр. 133

٤٦- فصل: احذروا الترخّص فيما لا يؤمن فساده ٢٣٧- كنت في بداية الصبوة١ قد ألهمت سلوك طريق الزهاد، بإدامة الصوم والصلاة، وحببت إلي الخلوة، فكنت أجد قلبًا طيِّبًا، وكانت عين بصيرتي قوية الحدة، تتأسف على لحظة تمضي في غير طاعة، وتبادر٢ الوقت في اغتنام الطاعات، ولي نوع أنس، وحلاوة مناجاة، فانتهى الأمر إلى أن صار بعض ولاة الأمور يستحسن كلامي، فأمالني إليه، فمال الطبع، ففقدت تلك الحلاوة. ثم استمالني آخر، فكنت أتقي مخالطته ومطاعمه لخوف الشبهات، وكانت حالتي قريبة، ثم جاء التأويل، فانبسطت فيما يباح، فعدم ما كنت أجد من استنارة وسكينة، وصارت المخالطة توجب ظلمة في القلب، إلى أن عدم النور كله، فكان حنيني إلى ما ضاع مني يوجب انزعاج أهل المجلس، فيتوبون ويصلحون، وأخرج مفلسًا فيما بيني وبين حالي! ٢٣٨- وكثر ضجيجي من مرضي، وعجزت عن طلب نفسي، فلجأت إلى قبول الصالحين، وتوسلت في صلاحي، فاجتذبني لطف مولاي بي إلى الخلوة على كراهة مني، ورد قلبي على بعد نفور مني، وأراني عيب ما كنت أوثره، فأفقت من مرض غفلتي، وقلت في مناجاة خلوتي: "سيدي كيف أقدر على شكرك؟ وبأي لسان أنطق بمدحك، إذ لم تؤاخذني على غفلتي، ونبهتني من رقدتي، وأصلحت حالي على كره من طبعي؟! فما أربحني فيما سلب مني إذا كانت ثمرته اللجأ إليك! وما أوفر جمعي إذ ثمرته إقبالي٣ على الخلوة بك! وما أغناني إذ أفقرتني

стр. 134

إليك! وما آنسني إذ أوحشتني من خلقك١! آهٍ على زمانٍ ضاع في غير خدمتك! أَسَفًا لوقتٍ مضى في غير طاعتك. ٢٣٩- قد كنت إذا انتبهت وقت الفجر لا يؤلمني نومي طول الليل، وإذا انسلخ عني النهار لا يوجعني ضياع ذلك اليوم، وما علمت أن عدم الإحساس لقوة المرض. فالآن قد هبت نسائم العافية، فأحسست بالألم، فاستدللت على الصحة، فيا عظيم الإنعام! تَمِّمْ لي العافية. ٢٤٠- آهٍ من سكر لم يعلم قدر عربدته إلا في وقت الإفاقة! لقد فتقت ما يصعب رتقه، فوا أَسَفَا على بضاعة ضاعت، وعلى ملاح تعب في موج الشمال مصاعِدًا مدة، ثم غلبه النوم، فرد إلى مكانه الأول. ٢٤١- يا من يقرأ تحذيري من التخليط٢! فإني -وإن كنت خنت نفسي بالفعل- نصيح لإخواني بالقول: احذروا -إخواني- من الترخص فيما لا يؤمن فساده؛ فإن الشيطان يزين المباح في أول مرتبة، ثم يجر إلى الجناح٢، فتلمحوا المآل، وافهموا الحال! وربما أراكم الغاية الصالحة، وكان في الطريق إليها نوع مخالفة! فيكفي الاعتبار في تلك الحال بأبيكم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] ، إنما تأمل آدم الغاية -وهي الخلد- ولكنه غلط في الطريق. ٢٤٢- وهذا أعجب مصايد إبليس التي يصيد بها العلماء، يتأولون لعواقب المصالح، فيستعجلون ضرر المفاسد!! مثاله: أن يقول للعالم: ادخل على هذا الظالم، فاشفع في مظلوم! فيستعجل الداخل رؤية المنكرات، ويتزلزل دينه، وربما وقع في شرك صار به أظلم من ذلك الظالم. فمن لم يثق بدينة، فليحذر من المصايد، فإنها خفية.

стр. 135

٢٤٣- وَأَسْلَمُ ما للجبان العزلة، خصوصًا في زمان قد مات فيه المعروف، وعاش المنكر، ولم يبق لأهل العلم وقع عند الولاة، فمن داخلهم، دخل معهم فيما لا يجوز، ولم يقدر على جذبهم مما هو فيه. ٢٤٤- ثم من تأمل حال العلماء الذين يعملون لهم في الولايات، يراهم منسلخين من نفع العلم، قد صاروا كالشرط، فليس إلا العزلة عن الخلق، والإعراض عن كل تأويل فاسد في المخالطة؛ ولأن أنفع نفسي وحدي خير لي من أن أنفع غيري وأتضرر. ٢٤٥- فالحذر الحذر من خوادع التأويلات، وفواسد الفتاوى! والصبر الصبر على ما توجبه العزلة! فإنه إن انفردت بمولاك، فتح لك باب معرفته، فهان كل صعب، وطاب كل مر، وتيسر كل عسر، وحصلت كل مطلوب، والله الموفق بفضله، ولا حول ولا قوة إلا به.

стр. 136

٤٧- فصل: إن الله لا يُخادع ٢٤٦- تأملت في نفسي تأويلًا في مباح أنال به شيئًا من الدنيا؛ إلا أنه في باب الورع كدر، فرأيته أولًا قد احتلب در١ الدين، فذهبت حلاوة المعاملة لله تعالى، ثم عاد فقلص٢ ضرع حلبي له، فوقع الفقد للحالين. فقلت لنفسي: ما مثلك إلا كمثل وال ظالم، جمع [مالًا] من غير حله، فصودر، فأخذ منه الذي جمع، وألزم٣ ما لم يجمع. فالحذر الحذر من فساد التأويل، فإن الله تعالى لا يُخَادَعُ، ولا ينال ما عنده بمعصيته.

стр. 137

٤٨- فصل: إصلاح البدن سبب لإصلاح الدين ٢٤٧- رأيت نفسي كلما صفا فكرها، أو اتعظت بدارج١، أو زارت قبور

стр. 138

الصالحين، تتحرك همتها في طلب العزلة، والإقبال على معاملة الله تعالى. فقلت لها يومًا وقد كلمتني في ذلك: حدثيني، ما مقصودك؟! وما نهاية مطلوبك؟! أتراك تريدين مني أن أسكن قفرًا لا أنيس به، فتفوتني صلاة الجماعة، ويضيع مني ما قد علمته لفقد من أعلمه، وأن آكل الجشب١ الذي لم أتعوده، فيقع نضوي٢ طلحًا٣ في يومين، وأن ألبس الخشن الذي لا أطيقه، فلا أدري من كرب محمولي من أنا، وأن أتشاغل عن طلب ذرية تتعبد بعدي، مع بقاء القدرة على الطلب؟! بالله، ما نفعني العلم الذي بذلت فيه عمري إن وافقتك! ٢٤٨- وأنا أعرفك غلط ما وقع لك بالعلم: اعلمي أن البدن مطية، والمطية إذا لم يرفق بها، لم تصل براكبها إلى المنزل، وليس مرادي بالرفق الإكثار من الشهوات، وإنما أعني أخذ البلغة٤ الصالحة للبدن، فحينئذ يصفو الفكر، ويصح العقل، ويقوى الذهن. ألا ترين٥ إلى تأثير المعوقات عن صفاء الذهن في قوله ﵊: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان"، وقاس العلماء على ذلك الجوع، وما يجري مجراه من كونه حاقنًا أو حاقبًا٦؟! وهل الطبع إلا ككلب يشغل الآكل، فإذا رمى له ما يتشاغل به، طاب له الأكل؟! ٢٤٩- فأما الانفراد والعزلة، فعن الشر لا عن الخير، ولو كان فيها لك وقع خير، لنقل ذلك عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه ﵃. ٢٥٠- هيهات! لقد عرفت أن أقوامًا دام بهم التقلل واليبس إلى أن تغير فكرهم، وقوي الخلط السوداوي٧ عليهم، فاستوحشوا من الناس! ومنهم من

стр. 139

اجتمعت له من المآكل الردية أخلاط١ مجة٢، فبقي اليوم واليومين والثلاثة لا يأكل، وهو يظن ذلك من أمداد اللطف، وإذا به من سوء الهضم! وفيهم من ترقى به الخلط إلى رؤية الأشباح، فيظنها الملائكة!! ٢٥١- فاللهَ اللهَ في العلم! واللهَ اللهَ في العقل! فإن نور العقل لا ينبغي أن يتعرض لإطفائه، والعلم لا يجوز الميل إلى تنقيصه، فإذا حفظا، حفظا وظائف الزمان، ودفعا ما يؤذي، وجلبا ما يصلح، وصارت القوانين مستقيمة في المطعم والمشرب والمخالطة. ٢٥٢- فقالت لي النفس: فوظف لي وظيفة، واحسبني مريضًا قد كتبت له شربة. فقلت لها: قد دللتك على العلم، وهو طبيب ملازم، يصف كل لحظة لكل داء يعرض دواء يلائم. ٢٥٣- وفي الجملة: ينبغي لك ملازمة تقوى الله في المنطق والنظر وجميع الجوارح، وتحقق الحلال في المطعم، وإيداع كل لحظة ما يصلح لها من الخير، ومناهبة الزمان٣ في الأفضل، ومجانبة ما يؤدي إلى ما يؤدي من نقص ربح، أو وقوع خسران! ولا تعملي عملًا إلا بعد تقديم النية. وتأهبي لمزعج الموت، فكان قد٤، وما عندك من مجيئة في أي وقت يكون! الصواب، لا على مقتضى الهوى، فإن إصلاح البدن سبب لإصلاح الدين! ودعي الرعونة التي يدل عليها الجهل لا العلم، من قول النفس: فلان يأكل الخل والبقل! وفلان لا ينام الليل! فاحملي ما تطيقين وما قد علمت قوة البدن عليه، فإن البهيمة إذا أقبلت إلى نهر أو ساقية، فضربت لتقفز، لم تفعل حى تزن نفسها، فإن علمت فيها قوة

стр. 140

الطفر١؛ طفرت، وإن علمت أنها لا تطيق، لم تفعل، ولو قتلت. وليس كل الأبدان تتساوى في الإطاقة، ولقد حمل أقوام من المجاهدات في بداياتهم أشياء أوجبت أمراضًا قطعتهم عن خير، وتسخطت قلوبهم بوقوعها، فعليك بالعلم، فإنه شفاء من كل داء، والله الموفق.

стр. 141

٤٩- فصل: مسألة الصفات ٢٥٥- عجبت من أقوام يدعون العلم، ويميلون إلى التشبيه، بحملهم الأحاديث على ظواهرها، فلو أنهم أمروها كما جاءت، سلموا؛ لأن من أمر ما جاء، ومر من غير اعتراض ولا تعرض، فما قال شيئًا، لا له ولا عليه. ٢٥٦- ولكن أقوامًا قصرت علومهم؛ فرأت أن حمل الكلام على غير ظاهره نوع تعطيل، ولو فهموا سعة اللغة، لم يظنوا هذا، وما هم إلا بمثابة قول الحجاج لكاتبة وقد مدحته الخنساء٢ فقالت: إِذَا هَبَطَ الحَجَّاجُ أرضًا مريضَةً ... تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ العُضَالِ الَّذِي بِهَا ... غُلَامٌ إِذَا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاهَا فلما أتمت القصيدة، قال لكاتبه: اقطع لسانها! فجاء ذاك الكاتب المغفل بالموسى، فقالت له: ويلك! إنما قال: أجزل لها العطاء، ثم ذهبت إلى الحجاج، فقالت: كاد والله يقطع مِقْوَلِي. ٢٥٧- فكذلك الظاهرية٣ الذين لم يسلموا بالتسليم، فإنه من قرأ الآيات والأحاديث ولم يزد، لم ألُمْه، وهذه طريقة السلف.

стр. 142

فَأَمَّا من قال: الحديث يقتضي كذا، ويحمل على كذا، مثل أن يقول: استوى على العرش بذاته، وينزل إلى السماء الدنيا بذاته، فهذه زيادة فهمها قائلها من الحس لا من النقل. ٢٥٨- ولقد عجبت لرجل أندلسي يقال له: ابن عبد البر١، صنف كتاب التمهيد، فذكر فيه حديث النزول إلى السماء الدنيا، فقال: هذا يدل على أن الله تعالى على العرش؛ لأنه لولا ذلك، لما كان لقوله: ينزل معنى. وهذا كلام جاهل٢ بمعرفة الله ؛ لأن هذا استسلف من حسه ما يعرفه من نزول الأجسام، فقاس صفة الحق عليه٣، فأين هؤلاء واتباع الأثر؟! ولقد تكلموا بأقبح ما يتكلم به المتأولون، ثم عابوا المتكلمين. ٢٥٩- واعلم أيها الطالب للرشاد أنه قد سبق إلينا من العقل والنقل أصلان راسخان، عليهما أمر الأحاديث كلها: أما النقل؛ فقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، ومن فهم هذا، لم يحمل وصفًا له على ما يوجبه الحس. وأما العقل، فإنه قد علم مباينة الصانع للمصنوعات، واستدل على حدوثها بتغيرها، ودخول الانفعال عليها، فثبت له قدم الصانع٤. ٢٦٠- واعجَبًا كل العجب من رَادٍّ لم يفهم طبيعة الكلام! أليس في الحديث

стр. 143

الصحيح: "أَنَّ المَوْتَ يُذْبَحُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ"١؟! أو ليس العقل إذا استفتى في هذا، صرف الأمر عن حقيقته، لما ثبت عند من يفهم ماهية الموت، فقال: الموت عرض يوجب بطلان الحياة، فكيف يمات الموت؟! فإذا قيل له: فما تصنع بالحديث؟! قال: هذا ضرب مَثَلًا بإقامة صورة، ليعلم بتلك الصورة الحسية فوات ذلك المعنى. قلنا له: فقد روي في الصحيح: "تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان"٢. فقال: الكلام لا يكون غمامة، ولا يتشبه بها. قلنا له: أفتعطل النقل؟! قال: لا، ولكن يأتي ثوابهما. قلنا: فما الدليل الصارف لك عن هذه الحقائق. فقال: علمي بأن الكلام لا يتشبه بالأجسام، والموت لا يذبح ذبح الأنعام، "ولو"٣ علمتهم سعة لغة العرب، ما ضاقت أعطانكم٤ من سماع مثل هذا. فقال العلماء: صدقت، هكذا تقول في تفسير مجيء البقرة، وفي ذبح الموت. فقال: وا عجبًا لكم! صرفتم عن الموت والكلام ما لا يليق بهما حفظًا لما علمتم من حقائقهما، فكيف لم تصرفوا عن الإله القديم ما يوجب التشبيه له بخلقة بما قد دل الدليل على تنزيهه عنه٥؟! فما زال يجادل الخصوم بهذه الأدلة، ويقول: لا أقطع حتى أقطع، فما قطع حتى قطع٦.

стр. 144

٥٠- فصل: لطف الله تعالى بعباده ٢٦١- تفكرت في السر الذي أوجب حذف آية الرجم القرآن١ لفظًا مع

стр. 145

ثبوت حكمها إجماعًا؟! فوجدت لذلك معنيين١: أحدهما: لطف الله تعالى بعباده في أنه لا يواجههم بأعظم المشاق، بل ذكر الجلد، وستر الرجم. ومن هذا المعنى قال بعض العلماء: إن الله تعالى قال في المكروهات: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ، على لفظ لم يسم فاعله، وإن كان قد علم أنه هو الكاتب. فلما جاء إلى ما يوجب الراحة، قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] . والوجه الثاني: أنه يبين بذلك فضل الأمة في بذلها النفوس قنوعًا ببعض الأدلة، فإن الاتفاق لما وقع على ذلك الحكم، كان دليلًا؛ إلا أنه ليس كالدليل المقطوع بنصه. ومن هذا الجنس شروع الخليل ﵊ في ذبح ولده بمنام، وإن كان الوحي في اليقظة أكد.
следующие страницы →