← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٤٩- فصل: مسألة الصفات ٢٥٥- عجبت من أقوام يدعون العلم، ويميلون إلى التشبيه، بحملهم الأحاديث على ظواهرها، فلو أنهم أمروها كما جاءت، سلموا؛ لأن من أمر ما جاء، ومر من غير اعتراض ولا تعرض، فما قال شيئًا، لا له ولا عليه. ٢٥٦- ولكن أقوامًا قصرت علومهم؛ فرأت أن حمل الكلام على غير ظاهره نوع تعطيل، ولو فهموا سعة اللغة، لم يظنوا هذا، وما هم إلا بمثابة قول الحجاج لكاتبة وقد مدحته الخنساء٢ فقالت: إِذَا هَبَطَ الحَجَّاجُ أرضًا مريضَةً ... تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ العُضَالِ الَّذِي بِهَا ... غُلَامٌ إِذَا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاهَا فلما أتمت القصيدة، قال لكاتبه: اقطع لسانها! فجاء ذاك الكاتب المغفل بالموسى، فقالت له: ويلك! إنما قال: أجزل لها العطاء، ثم ذهبت إلى الحجاج، فقالت: كاد والله يقطع مِقْوَلِي. ٢٥٧- فكذلك الظاهرية٣ الذين لم يسلموا بالتسليم، فإنه من قرأ الآيات والأحاديث ولم يزد، لم ألُمْه، وهذه طريقة السلف.

стр. 142

فَأَمَّا من قال: الحديث يقتضي كذا، ويحمل على كذا، مثل أن يقول: استوى على العرش بذاته، وينزل إلى السماء الدنيا بذاته، فهذه زيادة فهمها قائلها من الحس لا من النقل. ٢٥٨- ولقد عجبت لرجل أندلسي يقال له: ابن عبد البر١، صنف كتاب التمهيد، فذكر فيه حديث النزول إلى السماء الدنيا، فقال: هذا يدل على أن الله تعالى على العرش؛ لأنه لولا ذلك، لما كان لقوله: ينزل معنى. وهذا كلام جاهل٢ بمعرفة الله ؛ لأن هذا استسلف من حسه ما يعرفه من نزول الأجسام، فقاس صفة الحق عليه٣، فأين هؤلاء واتباع الأثر؟! ولقد تكلموا بأقبح ما يتكلم به المتأولون، ثم عابوا المتكلمين. ٢٥٩- واعلم أيها الطالب للرشاد أنه قد سبق إلينا من العقل والنقل أصلان راسخان، عليهما أمر الأحاديث كلها: أما النقل؛ فقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، ومن فهم هذا، لم يحمل وصفًا له على ما يوجبه الحس. وأما العقل، فإنه قد علم مباينة الصانع للمصنوعات، واستدل على حدوثها بتغيرها، ودخول الانفعال عليها، فثبت له قدم الصانع٤. ٢٦٠- واعجَبًا كل العجب من رَادٍّ لم يفهم طبيعة الكلام! أليس في الحديث

стр. 143

الصحيح: "أَنَّ المَوْتَ يُذْبَحُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ"١؟! أو ليس العقل إذا استفتى في هذا، صرف الأمر عن حقيقته، لما ثبت عند من يفهم ماهية الموت، فقال: الموت عرض يوجب بطلان الحياة، فكيف يمات الموت؟! فإذا قيل له: فما تصنع بالحديث؟! قال: هذا ضرب مَثَلًا بإقامة صورة، ليعلم بتلك الصورة الحسية فوات ذلك المعنى. قلنا له: فقد روي في الصحيح: "تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان"٢. فقال: الكلام لا يكون غمامة، ولا يتشبه بها. قلنا له: أفتعطل النقل؟! قال: لا، ولكن يأتي ثوابهما. قلنا: فما الدليل الصارف لك عن هذه الحقائق. فقال: علمي بأن الكلام لا يتشبه بالأجسام، والموت لا يذبح ذبح الأنعام، "ولو"٣ علمتهم سعة لغة العرب، ما ضاقت أعطانكم٤ من سماع مثل هذا. فقال العلماء: صدقت، هكذا تقول في تفسير مجيء البقرة، وفي ذبح الموت. فقال: وا عجبًا لكم! صرفتم عن الموت والكلام ما لا يليق بهما حفظًا لما علمتم من حقائقهما، فكيف لم تصرفوا عن الإله القديم ما يوجب التشبيه له بخلقة بما قد دل الدليل على تنزيهه عنه٥؟! فما زال يجادل الخصوم بهذه الأدلة، ويقول: لا أقطع حتى أقطع، فما قطع حتى قطع٦.

стр. 144

٥٠- فصل: لطف الله تعالى بعباده ٢٦١- تفكرت في السر الذي أوجب حذف آية الرجم القرآن١ لفظًا مع

стр. 145

ثبوت حكمها إجماعًا؟! فوجدت لذلك معنيين١: أحدهما: لطف الله تعالى بعباده في أنه لا يواجههم بأعظم المشاق، بل ذكر الجلد، وستر الرجم. ومن هذا المعنى قال بعض العلماء: إن الله تعالى قال في المكروهات: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ، على لفظ لم يسم فاعله، وإن كان قد علم أنه هو الكاتب. فلما جاء إلى ما يوجب الراحة، قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] . والوجه الثاني: أنه يبين بذلك فضل الأمة في بذلها النفوس قنوعًا ببعض الأدلة، فإن الاتفاق لما وقع على ذلك الحكم، كان دليلًا؛ إلا أنه ليس كالدليل المقطوع بنصه. ومن هذا الجنس شروع الخليل ﵊ في ذبح ولده بمنام، وإن كان الوحي في اليقظة أكد.

стр. 146

٥١- فصل: الأمور منوطة بالأسباب ٢٦٢- عرضت لي حالة لجأت فيها بقلبي إلى الله تعالى وحده، عالمًا بأنه لا يقدر على جلب نفعي، ودفع ضري سواه، ثم قمت أتعرض بالأسباب، فأنكر علي يقيني، وقال: هذا قدح في التوكل! فقلت: ليس كذلك، فإن الله تعالى وضعها١ من الحكم، وكان معنى حالي: أن ما وضعت لا يفيد، وأن وجوده كالعدم! ٢٦٣- وما زالت الأسباب في الشرع: كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ

стр. 147

لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] . وقال تعالى: ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ [يوسف: ٤٧] . وقد ظاهر النبي ﷺ بين درعين، وشاور طبيبين، ولما خرج إلى الطائف، لم يقدر على دخول مكة، حتى بعث إلى المطعم بن عدي، فقال: "أدخل في جوارك"، وقد كان يمكنه أن يدخل متوكلًا بلا سبب. ٢٦٤- فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب، كان إعراضي عن الأسباب دفعًا للحكمة، ولهذا أرى أن التداوي مندوب إليه، وقد ذهب صاحب مذهبي١ إلى أن ترك التداوي أفضل، ومنعني الدليل من اتباعه في هذا: فإن الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "ما أنزل الله داءً، إلا وأنزل له دواء، فتداووا"٢، ومرتبة هذه اللفظة الأمر، والأمر إما أن يكون واجبًا، أو ندبًا، [إن] ٣ لم يسبقه حظر، [فإن سبقه حظر] ٤ فيقال: هو أمر إباحة٥. وكانت عائشة ﵂ تقول: تعلمت الطب من كثرة أمراض رسول الله ﷺ وما ينعت له٦، وقال ﵊ لعلي بن أبي طالب ﵁: "كل من هذا، فإنه أوفق لك من هذا"٧. ٢٦٥- ومن ذهب إلى أن تركه أفضل، احتج بقوله ﵊: "يدخل الجنة سبعون ألفًا بلا حساب"، ثم وصفهم فقال: "لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكولون"٨. وهذا لا ينافي التداوي؛ لأنه قد كان أقوام يكتوون لئلا يمرضوا، ويسترقون لئلا تصيبهم نكبة، وقد كوى عليه الصلاة والسلم أسعد بن زرارة٩، ورخص في الرقية في الحديث الصحيح١٠، فعلمنا أن المراد ما أشرنا إليه.

стр. 148

٢٦٦- وإذا عرفت الحاجة إلى إسهال الطبع، رأيت أن أكل البلوط مما يمنع عنه علمي، وشرب ماء التمر هندي أوفق، وهذا طب، فإذا لم أشرب ما يوافقني، ثم قلت: اللهم! عافني! قالت لي الحكمة: أما سمعت: "اعقلها وتوكل"١؟! اشرب! وقل: عافني! ولا تكن كمن بين زرعه وبين النهر كف من تراب، تكاسل أن يرفعه بيده، ثم قام يصلي صلاة الاستسقاء! ٢٦٧- وما هذه الحالة إلا كحال من سافر على التجريد٢، وإنما سافر على التجريد؛ لأنه يجرب ربه٣ ، هل يرزقه أو لا؟ وقد تقدم الأمر إليه: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: ١٩٧] ، فقال: لا أتزود! فهذا هالك قبل أن يهلكه، ولو جاء وقت صلاة وليس معه ماء، لِيمَ على تفريطه، وقيل له: هلا استصحبت الماء قبل المفازة! ٢٦٨- فالحذر الحذر من أفعال أقوام دققوا، فمرقوا٤ عن الأوضاع الدينية، وظنوا أن كمال الدين بالخروج عن الطباع، والمخالفة للأوضاع، ولولا قوة العلم والرسوخ فيه، لما قدرت على شرح هذا ولا عرفته. فافهم ما أشرت إليه، فهو أنفع لك من كراريس تسمعها، وكن مع أهل المعاني لا مع أهل الحشو.

стр. 149

أمر المؤمنين بالتنظف ... ٥٢- فصل: أمر المؤمن بالتنظف ٢٦٩- تلمحت على خلق كثير من الناس إهمال أبدانهم، فمنهم من لا ينظف فمه بالخلال١ بعد الأكل، ومنهم من لا ينقي يديه في غسلهما من الزهم٢، ومنهم من لا يكاد يستاك، وفيهم من لا يكتحل، وفيهم من لا يراعي الإبط ... إلى غير ذلك، فيعود هذا الإهمال بالخلل في الدين والدنيا.

стр. 150

٢٧٠- أما الدين، فإنه قد أمر المؤمن بالتنظف، والاغتسال للجمعة، لأجل اجتماعه بالناس، ونهى عن دخول المسجد إذا أكل الثوم١، وأمر الشرع بتنقية البراجم٢، وقص الأظفار، والسواك٣، والاستحداد٤ ... وغير ذلك من الآداب؛ فإذا أهمل ذلك، ترك مسنون الشرع، وربما تعدى بعض ذلك إلى فساد العبادة، مثل أن يهمل أظفاره، فيجمع تحته الوسخ المانع للماء في الوضوء أن يصل. ٢٧١- وأما الدنيا، فإني رأيت جماعة من المهملين أنفسهم يتقدمون إلى السرار٥، والغفلة التي أوجبت إهمالهم أنفسهم أوجبت جهلهم بالأذى الحادث عنهم، فإذا أخذوا في مناجاة السر، لم يمكن أن أصدف٦ عنهم؛ لأنهم يقصدون السر، فألقى الشدائد من ريح أفواههم، ولعل أكثرهم من وقت انتباههم ما أمر إصبعه على أسنانه!! ثم يوجب مثل هذا نفور المرأة، وقد لا تستحسن ذكر ذلك للرجل، فيثمر ذلك التفاتها عنه، وقد كان ابن عباس ﵄ يقول: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي. ٢٧٢- وفي الناس من يقول: هذا تصنع! وليس بشيء، فإن الله تعالى زيننا لما خلقنا؛ لأن للعين حظًّا في النظر، ومن تأمل أهداب العين والحاجبين وحسن ترتيب الخلفة، علم أن الله زين الآدمي. ٢٧٣- وقد كان النبي ﷺ أنظف الناس، وأطيب الناس٧. وفي الحديث عنه ﷺ : يرفع يديه حتى تبين عفرة إبطيه٨. وكان ساقه ربما انكشفت، فكأنها

стр. 151

جمارة١. وكان لا يفارقه السواك٢، وكان يكره أن يشم منه ريح ليست طيبة٣. وفي حديث أنس الصحيح: " ما شانه الله ببيضاء" ٤. وقد قالت الحكماء: من نظف ثوبه، قل همه، ومن طاب ريحه، زاد عقله. وقال ﵊ لأصحابه: "ما لكم تدخلون عليًّ قُلْحًا؟! استاكوا" ٥. وقد فضلت الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك٦. ٢٧٤- فالمتنظف ينعم نفسه، ويرفع منها قذرها٧. وقد قال الحكماء: من طال ظفره، قصرت يده. ٢٧٥- ثم إنه يقرب من قلوب الخلق، وتحبه النفوس، لنظافته وطيبه. وقد كان النبي ﷺ يحب الطيب٨. ٢٧٦- ثم إنه يؤنس الزوجة بتلك الحال، فإن النساء شقائق الرجال٩، فكما أنه يكره الشيء منها، فكذلك هي تكرهه، وربما صبر هو على ما يكره، وهي لا تصبر. ٢٧٧- وقد رأيت جماعة يزعمون أنهم زهاد، وهم من أقذر الناس، وذلك أنهم ما قومهم العلم. ٢٧٨- وأما ما يحكى عن داود الطائي١٠: أنه قيل له: لو سرحت لحيتك؟

стр. 152

فقال: إني عنها مشغول؛ فهذا قول معتذر عن العمل بالسنة، والإخبار عن غيبته عن نفسه بشدة خوفه من الآخرة، ولو كان مفيقًا لذلك، لم يتركه، فلا يحتج بحال المغلوبين. ٢٧٩- ومن تأمل خصائص الرسول ﷺ ، رأى كاملًا في العلم والعمل، فيه يكون الافتداء، وهو الحجة على الخلق.

стр. 153

٥٣- فصل: خلق الله الحَرَّ والبرد لمصالح البدن ٢٨٠- تأملت مبالغة أرباب الدنيا في اتقاء الحر والبرد، فرأيتها تعكس المقصود في باب الحكمة، وإنما تحصل مجرد لذة، ولا خير في لذة تعقب أَلَمًا. ٢٨١- فأما [في] الحر، فإنهم يشربون الماء المثلوج، وذلك على غاية في الضرر، وأهل الطب يقولون: إنه يحدث أمراضًا صعبة، يظهر أثرها في وقت الشيخوخة، ويضعون الخيوش المضاعفة. وفي البرد يصنعون اللبود المانعة للبرد. ٢٨٢- وهذا من حيث الحكمة يضاد ما وضعه الله تعالى؛ فإنه جعل الحر لتحلل الأخراط، والبرد لجمودها، فيجعلون هم جميع السنة ربيعًا، فتنعكس الحكمة التي وضع الحر والبرد لها، ويرجع الأذى على الأبدان. ٢٨٣- ولا يظنن سامع هذا أني آمره بملاقاة الحر والبرد. وإنما أقول له: لا يفرط في التوقي، بل يتعرض في الحر لما يحلل بعض الأخلاط إلى حد لا يؤثر في القوة، وفي البرد بأن يصيبك منه الأمر القريب لا المؤذي، فإن الحر والبرد لمصالح البدن. وقد كان بعض الأمراء يصون نفسه من الحر والبرد أصلًا، فزاد جوفه١ فمات عاجلًا، وقد ذكرت قصته في كتاب لقط المنافع في علم الطب.

стр. 154

٥٤- فصل: الصبر على القضاء وما يعين عليه ٢٨٤- ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء، ولا فيه أفضل من الرضا به. فأما الصبر، فهو فرض، وأما الرضا، فهو فضل. ٢٨٥- وإنما صعب الصبر؛ لأن القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس، وليس مكروه النفس يقف على المرض والأذى في البدن، بل هو يتنوع، حتى يتحير العقل في حكمة جريان القدر. ٢٨٦- فمن ذلك أنك إذا رأيت مغمورًا بالدنيا، قد سالت له أوديتها١، حتى لا يدري ما يصنع بالمال، فهو يصوغه أواني يستعملها، ومعلوم أن البلور والعقيق والشبه قد يكون أحسن منها صورة، غير أن قلة مبالاته بالشريعة جعلت عنده وجود النهي كعدمه! ويلبس الحرير، ويظلم الناس، والدنيا منصبة عليه، ثم ترى خلقًا من أهل الدين وطلاب العلم، مغمورين بالفقر والبلاء، مقهورين تحت ولاية ذلك الظالم: فحينئذ يجد الشيطان طريقًا للوسواس، ويبتدئ بالقدح في حكمة القدر، فيحتاج المؤمن إلى الصبر على ما يلقى من ضر في الدنيا، وعلى جدال إبليس في ذلك. ٢٨٧- وكذلك في تسليط الكفار على المسلمين والفساق على أهل الدين. وأبلغ من هذا إيلام الحيوان، وتعذيب الأطفال؛ ففي مثل هذه المواطن يتمحض الإيمان. ٢٨٨- ومما يقوي الصبر على الحالتين: النقل، والعقل: أما النقل، فالقرآن والسنة. ٢٨٩- أما القرآن، فمنقسم إلى قسمين: أحدهما: بيان سبب إعطاء الكافر والعاصي، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [ال عمران: ١٧٨] ، ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ

стр. 155

يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] ، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] ... وفي القرآن من هذا كثير. والقسم الثاني: ابتلاء المؤمن بما يلقى، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢] ، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤] ، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ١٦] ... وفي القرآن من هذا كثير. ٢٩٠- وأما السنة، فمنقسمة إلى قول وحال: أما الحال، فإنه ﷺ كان يتقلب على رمال حصير تؤثر في جنبه، فبكى عمر ﵁، وقال: كسرى وقيصر في الحرير والديباج! فقال ﷺ : "أفي شك أنت يا عمر؟! ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟! "١. وأما القول، فكقوله ﵊: "لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء"٢. ٢٩١- وأما العقل، فإنه يقوي عساكر الصبر بجنود منها: أن يقول: قد ثبتت عندي الأدلة القاطعة على حكمة المقدر، فلا أترك الأصل الثابت لما يظنه الجاهل خللًا. ٢٩٢- ومنها: أن يقول: ما قد استهولته أيها الناظر من بسط يد العاصي هي قبض في المعنى، وما قد أثر عندك من قبض يد الطائع بسط في المعنى؛ لأن ذلك البسط٣ يوجب عقابًا طويلًا، وهذا القبض٤ يؤثر انبساطًا في الأجر جزيلًا، فزمان الرجلين ينقضي عن قريب، والمراحل تطوى، والركبان في السير٥ الحثيث. ٢٩٣- ومنها: أن يقول: قد ثبت أن المؤمن بالله كالأجير، وأن زمن التكليف

стр. 156

كبياض نهار، ولا ينبغي للمستعمل في الطين أن يلبس نظيف الثياب؛ بل ينبغي أن يصابر ساعات العمل، فإذا فرغ، تنظف، ولبس أجود ثيابه، فمن ترفه وقت العمل، ندم وقت تفريق الأجرة، وعوقب على التواني١ فيما كلف. ٢٩٤- فهذه النبذة تقوي أزر الصبر، وأزيدها بسطًا فأقول: أترى إذا أريد اتخاذ شهداء، فكيف لا يخلق أقوام يبسطون أيديهم لقتل المؤمنين؟! أفيجوز أن يفتك بعمر إلا مثل أبي لؤلؤة٢؟! وبعلي إلا مثل ابن ملجم٣؟! أفيصح أن يقتل يحيى بن زكريا إلا جبار كافر؟! ٢٩٥- ولو أن عين الفهم زال عنها غشاء العشا، لرأت المسبب لا الأسباب، والمقتدر لا الأقدار، فصبرت على بلائه، إيثارا لما يريد. ومن هاهنا ينشأ الرضا، كما قيل لبعض أهل البلاء: ادع الله بالعافية! فقال: أحبه إلي أحبه إلى الله !! إن كان رضاكم في سهري ... فسلام الله على وسني٤

стр. 157

٥٥- فصل: الرضا بالقضاء وما يعين عليه ٢٩٦- لما أنهيت كتابة الفصل المتقدم، هتف بي هاتف من باطني: دعني من شرح الصبر على الأقدار، فإني قد اكتفيت بأنموذج ما شرحت! وصف حال الرضا، فإني أجد نسيمًا من ذكره فيه روح للروح١! فقلت: أيها الهاتف! اسمع الجواب! وافهم الصواب! إن الرضا من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته، رضيت بقضائه. ٢٩٧- وقد يجري في ضمن القضاء مرارات، يجد بعض طعمها الراضي، أما العارف، فتقل عنده المرارة، لقوة حلاوة المعرفة، فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة، صارت مرارة الأقدار حلاوة. كما قال القائل:

стр. 158

عذابه فيك عذب ... وبعده فيك قرب وأنت عندي كروحي ... بل أنت منها أحب حسبي من الحب أني ... لما تحب أحب وقال بعض المحبين في هذا المعنى: ويقبح من سواك الفعل عندي ... فتفعله فيحسن منك ذاكا ٢٩٨- فصاح بي الهاتف: حدثني، بماذا أرضى؟! قدر أني أرضى في أقداره بالمرض والفقر، أفأرضى بالكسل عن خدمته، والبعد عن أهل محبته؟! فبين لي ما الذي يدخل تحت الرضا مما لا يدخل! فقلت له: نعم ما سألت، فاسمع الفرق سماع من ألقى السمع وهو شهيد: ارض بما كان منه، فأما الكسل والتخلف، فذاك منسوب إليك، فلا ترض به من فعلك. وكن مستوفيًا حقه عليك، مناقشًا نفسك فيما يقربك منه، غير راض منها بالتواني في المجاهدة. فأما ما يصدر من أقضيته المجردة، التي لا كسب لك فيها، فكن راضيًا بها، كما قالت رابعة رحمة الله عليها، وقد ذكر عندها رجل من العباد يلتقط من مزيلة فيأكل، فقيل: هلا سأل الله تعالى أن يجعل رزقه من غير هذا؟! فقالت: إن الراضي لا يتخير، ومن ذاق طعم المعرفة، وجد فيه طعم المحبة، فوقع الرضا عنده ضرورة. ٢٩٩- فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجد في الخدمة، لعل ذلك يورث المحبة، فقد قال : "لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ... "١. فذلك الغنى الأكبر ... ووا فقراه!

стр. 159

٥٦- فصل: انشغال العلماء عن أمور المعاش ٣٠٠- رأيت جمهور العلماء يشغلهم طلبهم للعلم في زمان الصبا عن

стр. 160

المعاش، فيحتاجون إلى ما لا بد منه، فلا يصلهم من بيت المال شيء، ولا من صلات الإخوان ما يكفي، فيحتاجون إلى التعرض بالإذلال! فلم أر في ذلك من الحكمة إلا سببين: أحدهما: قمع إعجابهم بهذا الإذلال. والثاني: نفع أولئك بثوابهم. ٣٠١- ثم أمعنت الفكر، فتلمحت نكتةً لطيفةً، وهو أن النفس الأبية إذا رأت حال الدنيا كذلك، لم تساكنها بالقلب، ونبت١ عنها بالعزم، ورأت أقرب الأشياء شبهًا بها مزيلة عليها الكلاب، أو غائطًا٢ يؤتى لضرورة، فإذا نزل الموت بالرحلة عن مثل هذه الدار؛ لم يكن القلب بها متعلق متمكن، فتهون حينئذٍ.

стр. 161

٥٧- فصل: الشرع فيه الرخصة وفيه العزيمة ٣٠٢- ما زال جماعة من المتزهدين يزرون١ على كثير من العلماء إذا انبسطوا في مباحات، والذي يحملهم على هذا الجهل، فلو كان عندهم فضل علم، ما عابوهم، وهذا؛ لأن الطباع لا تتساوى؛ فرب شخص يصلح على خشونة العيش، وآخر لا يصلح على ذلك، ولا يجوز لأحد أن يحمل غيره على ما يطيقه هو، غير أن لنا ضابطًا -هو الشرع- فيه الرخصة، وفيه العزيمة، فلا ينبغي أن يلام من حصر نفسه في ذلك الضابط، ورب رخصة كانت أفضل من عزائم لتأثير نفعها. ٣٠٣ ولو علم المتزهدون أن العلم يوجب المعرفة بالله تعالى، فتنبت٢ القلوب من خوفه، وتنحل الأجسام للحذر منه؛ فوجب التلطف بالأجسام حفظًا لقوة الراحلة؛ ولأن آلة العلم والحفظ القلب والفكر، فإذا رفهت الآلة، جاد العمل. وهذا أمر لا يعلم إلا بالعلم، فلجهل المتزهدين بالعلم أنكروا ما لم يعلموا، وظنوا أن المراد إتعاب الأبدان، وإنضاء٣ الرواحل، وما علموا أن الخوف المضني

стр. 162

يحتاج إلى راحة مقاومة، كما قال القائل: رَوِّحُوا القلوب تع١الذكر.

стр. 163

٥٨- فصل: ليس شيء في الوجود أشرف من العلم ٣٠٤- ليس في الوجود شيء أشرف من العلم. كيف لا وهو الدليل، فإذا عدم، وقع الضلال؟! ٣٠٥- وإن من خفي مكايد الشيطان أن يزين في نفس الإنسان التعبد، ليشغله عن أفضل التعبد، وهو العلم، حتى إنه زين لجماعة من القدماء أنهم دفنوا كتبهم، ورموها في البحر! وهذا قد ورد عن جماعة. وأحسن ظني بهم أن أقول: كان فيها شيء من رأيهم وكلامهم، فما أحبوا انتشاره؛ وإلا فمتى كان فيها علم مفيد صحيح لا يخاف عواقبه، كان رميها إضاعة للمال لا يحل. ٣٠٦- وقد دنت حيلة إبليس إلى جماعة من المتصوفة، حتى منعوا من حمل المحابر تلامذتهم، وحتى قال جعفر الخلدي٢: لو تركني الصوفية، جئتكم بإسناد الدنيا، كتبت مجلسًا عن عباس الدوري٣، فلقيني بعض الصوفية، فقال: دع علم الورق، وعليك بعلم الخرق. ورئيت محبرة مع بعض الصفوية، فقال له صوفي آخر: استر عورتك! وقد أنشدوا للشبلي٤: إذا طالبوني بعلم الوَرَقْ ... بَرَزْتُ عليْهم بِعِلْمِ الخِرَقْ وهذا من خفي حيل إبليس، ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] .

стр. 164

وإنما فعل وزينه عندهم لسببين: أحدهما: أنه أرادهم يمشون في الظلمة. والثاني: أن تصفح العلم كل يوم يزيد في العالم، ويكشف له ما كان خفي عنه، ويقوي إيمانه ومعرفته، ويريه عيب كثير من مسالكه، إذا تصفح منهاج الرسول ﷺ والصحابة. فأراد إبليس سد تلك الطرق بأخفى حيلة؛ فأظهر أنه المقصود العمل لا العلم لنفسه، وخفي على المخدوع أن العلم عمل، وأي عمل! فاحذر من هذه الخديعة الخفية، فإن العلم هو الأصل الأعظم والنور الأكبر. وربما كان تقليب الأوراق أفضل من الصوم والصلاة والحج والغزو، وكم من معرض عن العلم يخوض في عذاب الهوى في تعبده، ويضيع كثيرًا من الفرص بالنفل، ويشتغل بما يزعمه الأفضل عن الواجب، ولو كانت عنده شعلة من نور العلم، لاهتدى، فتأمل ما ذكرت لك، ترشد إن شاء الله تعالى.

стр. 165

مدارة النفس والتلطف بها لازم ... ٥٩- فصل: مداراة النفس والتلطف بها لازم ٣٠٧- مر بي حمالان تحت جذع ثقيل، وهما يتجاوبان بإنشاء النغم، وكلمات الاستراحة، فأحدهما يصغي إلى ما يقوله الآخر، ثم يعيده، أو يجيبه بمثله، والآخر همته مثل ذلك، فرأيت أنهما لو لم يفعلا هذا، زادت المشقة عليهما، وثقل الأمر، وكلما فعلا هذا، هان الأمر. فتأملت السبب في ذلك، فإذا به تعليق فكر كل واحد منهما بما يقوله الآخر، وطربه به، وإجالة فكره في الجواب بمثل ذلك، فينقطع الطريق، وينسى ثقل المحمول. ٣٠٨- فأخذت من هذا إشارةً عجيبةً، ورأيت الإنسان قد حمل من التكليف أمورًا صعبة، ومن أثقل ما حمل مدارة نفسه، وتكليفها الصبر عما تحب، وعلى ما تكره، فرأيت الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس، كما قال الشاعر: فإن تَشَكَّتْ فَعَلِّلْهَا المَجَرَّةَ مِنْ ... ضَوْءِ الصَّبَاحِ، وَعِدْها بِالرَّوَاحِ ضُحَى

стр. 166

٣٠٩- ومن هذا ما يحكى عن بشرٍ الحافي رحمة الله عليه: سار ومعه رجل في طريق، فعطش صاحبه، فقال له: أنشرب من هذا البِئْرِ؟ فقال بشر: اصبر إلى البئر الأخرى! فلما وصلا إليها، قال له: البئر الأخرى؛ فما زال يعلله، ثم التفت إليه، فقال له: هكذا تنقطع الدنيا. ٣١٠- ومن فهم هذا الأصل، علل النفس، وتلطف بها، ووعدها الجميل، لتصبر على ما قد حملت، كما كان بعض السلف يقول لنفسه: والله، ما أريد بمنعك من هذا الذي تحبين إلا الإشفاق عليك. وقال أبو يزيد رحمة الله عليه: ما زلت أسوق نفسي إلى الله تعالى وهي تبكي، حتى سقتها وهي تضحك. واعلم أن مدارارة النفس والتلطف بها لازم، وبذلك ينقطع الطريق، فهذا رمز إلى الإشارة، وشرحه يطول.

стр. 167

٦٠- فصل: الواعظ مأمور بأن لا يتعدى الصواب ٣١١- تأملت أشياء تجري في مجالس الوعظ، يعقدها العوام وجهال العلماء قربة، وهي منكر وبعد، وذاك أن المقرئ يطرب، ويخرج الألحان إلى الغناء، والواعظ ينشد بتطريب أشعار المجنون وليلى١، فيصفق هذا! ويحرق ثوبه هذا! ويعتقدن أن ذلك قربة!! ومعلوم أن هذه الألحان كالوسيقا، توجب طربًا للنفوس [ونشوة] ؛ فالتعرض بما يوجب الفساد غلط عظيم، وينبغي الاحتساب على الوعاظ في هذا٢. ٣١٢- وكذلك المقابريون٣ منهم، فإنهم يهيجون الأحزان، ليكثر بكاء

стр. 168

النساء، فيعطلون على ذلك الأجرة، ولو أنهم أمروا بالصبر، لم ترد النسوة ذلك! وهذه أضداد للشرع. قال ابن عقيل: حضرنا عزاء رجل قد مات له ولد، فقرأ المقرئ: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] ، فقلت له: هذه نياحة بالقرآن! ٣١٣- وفي الوعّاظ من يتكلم على طريق المعرفة والمحبة، فترى الحائك والسوقي الذي لا يعرف فرائض تلك الصلاة يمزق أثوابه، دعوة لمحبة الله تعالى!! والضافي حالًا منهم -وهو أصلحهم- يتخايل بوهمه شخصًا هو الخالق، فيبكيه شوقه إليه، لما يسمع من عظمته ورحمته وجماله. وليس ما يتخايلونه المعبود؛ لأن المعبود لا يقع في خيال. ٣١٤- وبعد هذا، فالتحقيق١ مع العوام صعب، ولا يكادون ينتفعون بمر الحق؛ إلا أن الواعظ مأمور بأن لا يتعدى الصواب، ولا يتعرض لما يفسدهم، بل يجذبهم إلى ما يصلح بألطف وجه، وهذا يحتاج إلى صناعة، فإن من العوام من يعجبه حسن اللفظ، ومنهم من يعجبه الإشارة، ومنهم من ينقاد ببيت من الشعر. ٣١٥- وأحوج الناس إلى البلاغة الواعظ، ليجمع مطالبهم؛ لكنه ينبغي أن ينظر في اللازم الجواب، وأن يعطيهم من المباح في اللفظ قدر الملح في الطعام، ثم يجتذبهم إلى العزائم، ويعرفهم الطريق الحق. ٣١٦- وقد حضر أحمد بن حنبل، فسمع كلام الحارث المحاسبي٢، فبكى، ثم قال: لا يعجبني الحضور. وإنما بكى؛ لأن الحال أوجبت البكاء. ٣١٧- وقد كان جماعة من السلف يرون تخليط القصاص، فينهون عن الحضور عندهم، وهذا على الإطلاق لا يحسن اليوم؛ لأنه كان الناس في ذلك الزمان متشاغلين بالعلم، فرأوا حضور القصص صادًّا لهم، واليوم كثر الإعراض عن العلم، فأنفع ما للعامي مجلس الوعظ، يرده عن ذنب، ويحركه إلى توبة؛ وإنما الخلل في القاص، فليتق الله .

стр. 169

٦١- فصل: الأنبياء بالغوا في إثبات الصفات ٣١٨- من أضر الأشياء على العوام كلام المتأولين والنفاة للصفات والإضافات. فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالغوا في الإثبات، ليتقرر في أنفس العوام وجود الخالق، فإن النفوس تأنس بالإثبات، فإذا سمع العامي ما يوجب النفي، طرد عن قلبه الإثبات، فكان أعظم ضرر عليه، وكان هذا المنزه من العلماء -على زعمه- مقاومًا لإثبات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالمحو، وشارعًا في إبطال ما يفتون به. ٣١٩- وبيان هذا: أن الله تعالى أخبر باستوائه على العرش، فأنست النفوس إلى إثبات الإله ووجوده: قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وقال تعالى: ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . وقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦] . ﴿﵃﴾ [البينة: ٨] . وأخبر١ أنه ينزل إلى السماء الدنيا٢. وقال: "قلوب العباد بين أصبعين"٣. وقال: "كتب التوراة بيده"٤. "وكتب كتابًا فهو عنده فوق العرش"٥. إلى غير ذلك مما يطول ذكره. فإذا امتلأ العامي والصبي من الإثبات، وكاد يأنس من الأوصاف بما يفهمه الحس، قيل له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، فمحا من قلبه ما نقشه الخيال، وتبقى ألفاظ الإثبات متمكنة. ولهذا أقر الشرع مثل هذا، فسمع٦ مُنْشِدًا ٧ يقول: "وفوق العرش رب

стр. 170

العالمينا" فضحك. وقال له آخر: أو يضحك ربنا؟ فقال: "نعم"١. وقال: "أنه على عرشه هكذا"٢. كل هذا ليقرر الإثبات في النفوس! ٣٢٠- وأكثر الخلق لا يعرفون الإثبات إلا على ما يعلمون من الشاهد، فيقنع منهم بذلك، إلى أن يفهموا التنزيه. ولهذا صحح إسلام من انفتل٣ بالسجود. فأما إذا ابتدئ بالعامي الفارغ من فهم الإثبات، فقلنا: ليس في السماء! ولا على العرش! ولا يوصف بيد! وكلامه صفة قائمة بذاته، وليس عندنا منه شيء! ولا يتصور نزوله: انمحى من قلبه تعظيم المصحف، ولم يتوضع في سره إثبات إله. وهذه جناية عظيمة على الأنبياء، توجب نقض ما تعبوا في بيانه، ولا يجوز لعالم أن يأتي إلى عقيدة عامي قد أنس بالإثبات فيهوشها، فإنه يفسده، ويصعب صلاحه. ٣٢١- فأما العالم، فإنا قد أمناه؛ لأنه لا يخفى عليه استحالة تجدد صفة الله تعالى، وأنه لا يجوز أن يكون استوى كما يعلم، ولا يجوز أن يكون محمولًا، ولا

стр. 171

أن يوصف بملاصقة ومس، ولا أن ينتقل، ولا يخفى عليه أن المراد بتقليب القلوب بين إصبعين الإعلام بالتحكم في القلوب، فإن ما يديره الإنسان بين إصبعين هو متحكم فيه إلى الغاية، ولا يحتاج إلى تأويل من قال: الإصبع الأثر الحسن، فالقلوب بين أثرين من آثار الربوبية، وهما: الإقامة، والإزاغة. ولا إلى تأويل من قال: يداه: نعمتاه؛ لأنه إذا فهم أن المقصود الإثبات، وقد حدثنا بما نعقل، وضربت لنا الأمثال بما نعلم، وقد ثبت عندنا بالأصل المقطوع به أنه لا يجوز عليه ما يعرفه الحس، علمنا المقصود بذكر ذلك. ٣٢٢- وأصلح ما نقول للعوام١: أمروا هذه الأشياء كما جاءت، ولا تتعرضوا لتأويلها، وكل ذلك يقصد به حفظ الإثبات، وهذا الذي قصده السلف. وكان أحمد يمنع من أن يقال: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق. كل ذلك ليحمل على الاتباع، وتبقى ألفاظ الإثبات على حالها. ٣٢٣- وأجهل الناس من جاء إلى ما قصد النبي ﷺ تعظيمه، فأضعف في النفوس قوى التعظيم: قال النبي ﷺ : "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو"٢، يشير إلى المصحف. ومنع الشافعي أن يحمله المحدث بعلاقته٣، تعظيمًا له. ٣٢٤- فإذا جاء متحذلق٤ فقال: الكلام صفة قائمة بذات المتكلم! بمعنى قوله هذا أن ما ها هنا شيء يحترم! فهذا قد ضاد بما أتى به مقصود الشرع، وينبغي أن يفهم أوضاع الشرع ومقاصد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ٣٢٥- وقد منعوا من كشف ما قد قنع الشرع، فنهى رسول الله ﷺ عن الكلام في القدر٥، ونهى عن الاختلاف٦؛ لأن هذه الأشياء تخرج إلى ما يؤذي، فإن

стр. 172

الباحث عن القدر إذا بلغ فهمه إلى أن يقول: قضى وعاقب، تزلزل إيمانه بالعدل، وإن قال: لم يقدر، ولم يقض، تزلزل إيمانه بالقدرة والملك، فكان الأولى ترك الخوض في هذه الأشياء. ٣٢٦- ولعل قائلًا يقول: هذا منع لنا عن الاطلاع على الحقائق، وأمر بالوقوف مع التقليد! فأقول: لا، إنما أعلمك أن المراد منك الإيمان بالجمل، وما أمرت بالتنقير "لمعرفة الكنه"، مع أن قوى فهمك تعجز عن إدراك الحقائق. فإن الخليل ﵊ قال: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] . فأراه مَيْتًا أحيي، ولم يره كيف أحياه؛ لأن قواه تعجز عن إدراك ذلك. ٣٢٧- وقد كان النبي ﷺ -وهو الذي بعث ليبين للناس ما نزل إليهم- يقنع من الناس بنفس الإقرار، واعتقاد الجمل. ٣٢٨- وكذلك كانت الصحابة، فما نقل عنهم أنهم تكلموا في تلاوة ومتلو، وقراءة ومقروء، ولا أنهم قالوا: استوى بمعنى استولى! وينزل بمعنى يرحم! بل قنعوا بإثبات الجمل التي تثبت التعظيم عند النفوس، وكفوا كف الخيال بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . ٣٢٩- ثم هذا منكر ونكير، إنما يسألان عن الأصول المجملة، فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ومن فهم هذا الفصل، سليم من تشبيه المجسمة، وتعطيل المعطلة، ووقف على جادة السلف الأول. والله الموفق.

стр. 173

٦٢- فصل: أخذ السمع والبصر يكون بذهولهما عن الحقائق ٣٣٠- قرأت هذه الآية: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٦] ، فلاحت لي منها إشارة كدت أطيش منها، وذلك أنه: إن كان عني بالآية نفس السمع والبصر، فإن السمع آلة لإدراك المسموعات، والبصر آلة لإدراك المبصرات، فهما يعرضان ذلك على القلب، فيتدبر ويعتبر؛ فإذا

стр. 174

عرضت المخلوفات على السمع والبصر، فأوصلا إلى القلب أخباره، من أنها تدل على الخالق، وتحمل على طاعة الصانع، وتحذر من بطشه عند مخالفته. وإن عنى معنى السمع والبصر؛ فذلك يكون بذهولهما عن حقائق ما أدركا شُغْلًا بالهوى، فيعاقب الإنسان بسلب معاني تلك الآلات، فيرى، وكأنه ما رأى، ويسمع، وكأنه ما سمع، والقلب ذاهل عما يتأذى به؛ فيبقى الإنسان خاطئًا على نفسه، لا يدري ما يراد به، لا يؤثر عنده أنه يبلى، ولا تنفعه موعظة تجلى، ولا يدري أين هو، ولا ما المراد منه، ولا إلى أين يحمل؛ وإنما يلاحظ بالطبع مصالح عاجلته، ولا يتفكر في خسران آجلته، لا يعتبر برفيقه، ولا يتعظ بصديقه، ولا يتزود لطريقة، كما قال الشاعر: الناس في غفلةٍ والموت يوقظهمْ ... وما يفيقون حتَّى ينفد العُمُرُ يشيعون أهاليهمْ بجمْعهمُ ... وينظرون إلى ما فيه قد قبرُوْا١ ويرجعون إلى أحلام غفلتِهِمْ ... كَأَنَّهُمْ مَا رَأَوْا شَيْئًا وَلَا نَظَرُوْا وهذه حالة أكثر الناس، فنعوذ بالله من سلب فوائد الآلات، فإنها أقبح الحالات.

стр. 175

٦٣- فصل: لا يتمكن العشق إلا مع واقف جامد ٣٣١- نظرت فيما تكلم به الحكماء في العشق وأسبابه وأدويته، وصنفت في ذلك كتابًا سميته بـ "ذم الهوى"، وذكرت فيه عن الحكماء أنهم قالوا: سبب العشق حركة نفس فارغة، وأنهم اختلفوا: فقال قوم منهم: لا يعرض العشق إلا لظراف الناس، وقال آخرون: بل لأهل الغفلة منهم عن تأمل الحقائق١. ٣٣٢- إلا أنه خطر لي بعد ذلك مَعْنًى عجيب، أشرحه ها هنا، وهو أنه لا يتمكن العشق إلا مع واقف جامد، فأما أرباب صعود الهمم، فإنها كلما تخايلت ما

стр. 176

توجبه المحبة، فلاحت عيوبه لها -إما بالفكر فيه، أو بالمخالطة له-، تسلت أنفسهم، وتعلقت بمطلوب آخر. فلا يقف على درجة العشق، الموجب للتمسك بتلك الصورة، العامي١ عن عيوبها، إلا جامد واقف. ٣٣٣- وأما أرباب الأنفة من النقائص؛ فإنهم أبدًا في الترقي، لا يصدهم صاد، فإذا علقت الطباع محبة شخص، لم يبلغوا مرتبة العشق المستأثر، بل ربما مالوا ميلًا شديدًا، إما في البداية لقلة التفكير، أو لقلة المخالطة والاطلاع على العيوب، وإما لتشبث بعض الخلال الممدوحة بالنفوس من جهة مناسبة وقعت بين الشخصين، كالظريف مع الظريف، والفطن مع الفطن، فيوجب ذلك المحبة، فأما العشق، فلا، فهم أبدًا في السير، فلا توقف، وإبل الطبع تتبع حادي الفهم، فإن للطبع متعلقًا لا تجده في الدنيا؛ لأنه يروم ما لا يصح وجوده من الكمال في الأشخاص، فإذا تلمح عيوبها نفر. ٣٣٤- وأما متعلق القلوب من محبة الخالق البارئ، فهو مانع لها من الوقوف مع سواه، وإن كانت محبته لا تجانس محبة المخلوقين، غير أن أرباب المعرفة ولهي٢، قد شغلهم حبة عن حب غيره، وصارت الطباع مستغرقة لقوة معرفة القلوب ومحبتها، كما قالت رابعة: أحب حبيبًا لا أعابُ بحبهِ ... وأحببتم مَنْ فِي هَوَاهُ عُيُوْبُ٣ ٣٣٥- ولقد روي عن بعض فقراء الزهاد: أنه مر بامرأة، فأعجبته، فخطبها إلى أبيها، فزوجه، وجاء به إلى المنزل، وألبسه غير خلقانه، فلما جن الليل، صاح الفقير: ثيابي! ثيابي! فقدت ما كنت أجده! فهذه عثرة في طريق هذا الفقير دلته على أنه منحرف عن الجادة. ٣٣٦- وإنما تعتري هذه الحالات أرباب المعرفة بالله ، وأهل الأنفة من الرذائل. وقد قال ابن مسعود: إذا أعجبت أحدكم امرأة، فيتذكر مثانتها، ومثال هذه

стр. 177

الحال أن العقل يغيب عند استحلاء تناول المشتهى من الطعام عن التفكير في تقلبه في الفم، وبلعه، ويذهل عند الجماع عن ملاقاة القاذورات، لقوة غلبة الشهوة، وينسى عند بلع الرضاب١ استحالته عن الغذاء. وفي تغطية تلك الأحوال مصالح إلا أن أرباب اليقظة يعتريهم هذا الإحساس من غير طلب له٢ في غالب أحوالهم، فينغص عليهم لذيذ العيش، ويوجب الأنفة من رذالة الهوى. وعلى قدر النظر في العواقب يخف العشق عن قلب العاشق، وعلى قدر جمود الذهن يقوى القلق. قال المتنبي٣. لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه ٣٣٧- ومجموع ما أردت شرحه: أن طباع المتيقظين تترقى، فلا تقف مع شخص مستحسن، وسبب ترقيها التفكير في نقص ذلك الشخص وعيوبه، أو في طلب ما هو أهم منه، وقلوب العارفين تترقى إلى معروفها فتعتبر في معبر الاعتبار. فأما أهل الغفلة، فجمودهم في الحالتين، وغفلتهم عن المقامين، يوجب أسرهم، وقسرهم، وحيرتهم.

стр. 178

٦٤- فصل: الاعتراف بالتقصير أنجح في الحوائج ٣٣٨- عرض لي أمر يحتاج إلى سؤال الله ودعائه، فدعوت وسالت، فأخذ بعض أهل الخير يدعو معي، فرأيت نوعًا من أثر الإجابة. فقالت لي نفسي: هذا بسؤال ذلك العبد لا بسؤالك. فقلت لها: أما أنا، فإني أعرف من نفسي من الذنوب والتقصير ما يوجب منع الجواب، غير أنه يجوز أن يكون أنا الذي أجبت؛ لأن هذا الداعي الصالح سليم مما أظنه من نفسي؛ لأن معي انكسار تقصيري، ومعه الفرح بمعاملته، وربما كان الاعتراف بالتقصير أنجح في الحوائج.

стр. 179

على أنني أنا وهو نطلب من الفضل لا بأعمالنا، فإذا وقفت أنا على قدم الانسكار، معترفًا بذنوبي، وقلت: أعطوني بفضلكم، فما لي في سؤالي شيء أمن به، وربما تلمح ذاك حسن عمله، وكان صادًّا له. فلا تسكريني أيتها النفس، فيكفيني كسر علمي بي لي! معي من العلم الموجب للأدب، والاعتراف بالتقصير، وشدة الفقر إلى ما سألت، ويقيني بفضل المطلوب عنه: ما ليس مع ذلك العابد؛ فبارك الله في عبادته، فربما كان اعترافي بتقصيري أوفى.

стр. 180

٦٥- فصل: أي لب أوغل في النظر مدح على قدر فهمه . ٣٣٩- قرأت من غرائب العلم وعجائب الحكم، على بعض من يدعي العلم؛ فرأيته يتلوى من سماع ذلك، ولا يطلع على غوره، ولا يشرئب١ إلى ما يأتي، فصدقت٢ عن إسماعه شيئًا آخر، وقلت: إنما يصلح مثل هذا الذي لب يتلقاه تلقي العطشان الماء. ٣٤٠- ثم أخذت من هذه إشارة، "هي أنه"٣ لو كان هذا يفهم ما جرى، ومدحني لحسن ما صنعت، لعظم قدره عندي، ولأريته محاسن مجموعاتي وكلامي، ولكنه لما لم أره لها أهلًا، صرفتها عنه، وصدفت بنظري عنه٤. وكانت الإشارة: أن الله قد صنف هذه المخلوقات، فأحسن التركيب، وأحكم الترتيب، ثم عرضها على الألباب، فأي لب أوغل في النظر، مدح على قدر فهمه، فأحبه المصنف. وكذلك أنزل القرآن يحتوي على عجائب الحكم، فمن فتشه بيد الفهم، وحادثه في خلوة الفكر، استجلب رضا المتكلم به، وحظي بالزلفى٥ لديه، ومن كان
следующие страницы →