← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

توجبه المحبة، فلاحت عيوبه لها -إما بالفكر فيه، أو بالمخالطة له-، تسلت أنفسهم، وتعلقت بمطلوب آخر. فلا يقف على درجة العشق، الموجب للتمسك بتلك الصورة، العامي١ عن عيوبها، إلا جامد واقف. ٣٣٣- وأما أرباب الأنفة من النقائص؛ فإنهم أبدًا في الترقي، لا يصدهم صاد، فإذا علقت الطباع محبة شخص، لم يبلغوا مرتبة العشق المستأثر، بل ربما مالوا ميلًا شديدًا، إما في البداية لقلة التفكير، أو لقلة المخالطة والاطلاع على العيوب، وإما لتشبث بعض الخلال الممدوحة بالنفوس من جهة مناسبة وقعت بين الشخصين، كالظريف مع الظريف، والفطن مع الفطن، فيوجب ذلك المحبة، فأما العشق، فلا، فهم أبدًا في السير، فلا توقف، وإبل الطبع تتبع حادي الفهم، فإن للطبع متعلقًا لا تجده في الدنيا؛ لأنه يروم ما لا يصح وجوده من الكمال في الأشخاص، فإذا تلمح عيوبها نفر. ٣٣٤- وأما متعلق القلوب من محبة الخالق البارئ، فهو مانع لها من الوقوف مع سواه، وإن كانت محبته لا تجانس محبة المخلوقين، غير أن أرباب المعرفة ولهي٢، قد شغلهم حبة عن حب غيره، وصارت الطباع مستغرقة لقوة معرفة القلوب ومحبتها، كما قالت رابعة: أحب حبيبًا لا أعابُ بحبهِ ... وأحببتم مَنْ فِي هَوَاهُ عُيُوْبُ٣ ٣٣٥- ولقد روي عن بعض فقراء الزهاد: أنه مر بامرأة، فأعجبته، فخطبها إلى أبيها، فزوجه، وجاء به إلى المنزل، وألبسه غير خلقانه، فلما جن الليل، صاح الفقير: ثيابي! ثيابي! فقدت ما كنت أجده! فهذه عثرة في طريق هذا الفقير دلته على أنه منحرف عن الجادة. ٣٣٦- وإنما تعتري هذه الحالات أرباب المعرفة بالله ، وأهل الأنفة من الرذائل. وقد قال ابن مسعود: إذا أعجبت أحدكم امرأة، فيتذكر مثانتها، ومثال هذه

стр. 177

الحال أن العقل يغيب عند استحلاء تناول المشتهى من الطعام عن التفكير في تقلبه في الفم، وبلعه، ويذهل عند الجماع عن ملاقاة القاذورات، لقوة غلبة الشهوة، وينسى عند بلع الرضاب١ استحالته عن الغذاء. وفي تغطية تلك الأحوال مصالح إلا أن أرباب اليقظة يعتريهم هذا الإحساس من غير طلب له٢ في غالب أحوالهم، فينغص عليهم لذيذ العيش، ويوجب الأنفة من رذالة الهوى. وعلى قدر النظر في العواقب يخف العشق عن قلب العاشق، وعلى قدر جمود الذهن يقوى القلق. قال المتنبي٣. لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه ٣٣٧- ومجموع ما أردت شرحه: أن طباع المتيقظين تترقى، فلا تقف مع شخص مستحسن، وسبب ترقيها التفكير في نقص ذلك الشخص وعيوبه، أو في طلب ما هو أهم منه، وقلوب العارفين تترقى إلى معروفها فتعتبر في معبر الاعتبار. فأما أهل الغفلة، فجمودهم في الحالتين، وغفلتهم عن المقامين، يوجب أسرهم، وقسرهم، وحيرتهم.

стр. 178

٦٤- فصل: الاعتراف بالتقصير أنجح في الحوائج ٣٣٨- عرض لي أمر يحتاج إلى سؤال الله ودعائه، فدعوت وسالت، فأخذ بعض أهل الخير يدعو معي، فرأيت نوعًا من أثر الإجابة. فقالت لي نفسي: هذا بسؤال ذلك العبد لا بسؤالك. فقلت لها: أما أنا، فإني أعرف من نفسي من الذنوب والتقصير ما يوجب منع الجواب، غير أنه يجوز أن يكون أنا الذي أجبت؛ لأن هذا الداعي الصالح سليم مما أظنه من نفسي؛ لأن معي انكسار تقصيري، ومعه الفرح بمعاملته، وربما كان الاعتراف بالتقصير أنجح في الحوائج.

стр. 179

على أنني أنا وهو نطلب من الفضل لا بأعمالنا، فإذا وقفت أنا على قدم الانسكار، معترفًا بذنوبي، وقلت: أعطوني بفضلكم، فما لي في سؤالي شيء أمن به، وربما تلمح ذاك حسن عمله، وكان صادًّا له. فلا تسكريني أيتها النفس، فيكفيني كسر علمي بي لي! معي من العلم الموجب للأدب، والاعتراف بالتقصير، وشدة الفقر إلى ما سألت، ويقيني بفضل المطلوب عنه: ما ليس مع ذلك العابد؛ فبارك الله في عبادته، فربما كان اعترافي بتقصيري أوفى.

стр. 180

٦٥- فصل: أي لب أوغل في النظر مدح على قدر فهمه . ٣٣٩- قرأت من غرائب العلم وعجائب الحكم، على بعض من يدعي العلم؛ فرأيته يتلوى من سماع ذلك، ولا يطلع على غوره، ولا يشرئب١ إلى ما يأتي، فصدقت٢ عن إسماعه شيئًا آخر، وقلت: إنما يصلح مثل هذا الذي لب يتلقاه تلقي العطشان الماء. ٣٤٠- ثم أخذت من هذه إشارة، "هي أنه"٣ لو كان هذا يفهم ما جرى، ومدحني لحسن ما صنعت، لعظم قدره عندي، ولأريته محاسن مجموعاتي وكلامي، ولكنه لما لم أره لها أهلًا، صرفتها عنه، وصدفت بنظري عنه٤. وكانت الإشارة: أن الله قد صنف هذه المخلوقات، فأحسن التركيب، وأحكم الترتيب، ثم عرضها على الألباب، فأي لب أوغل في النظر، مدح على قدر فهمه، فأحبه المصنف. وكذلك أنزل القرآن يحتوي على عجائب الحكم، فمن فتشه بيد الفهم، وحادثه في خلوة الفكر، استجلب رضا المتكلم به، وحظي بالزلفى٥ لديه، ومن كان

стр. 181

ذهنه١ مستغرق الفهم بالحسيات، صرف عن ذلك المقام. قال الله : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] .

стр. 182

٦٦- فصل: لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا ٣٤١- دعوت يومًا فقلت: اللهم! بلغني آمالي من العلم والعمل، وأطل عمري لأبلغ ما أحب من ذلك. فعارضني وسواس من إبليس، فقال: ثم ماذا؟ أليس الموت؟ فما الذي ينفع طول الحياة؟! فقلت له: يا أبله! لو فهمت ما تحت سؤالي، علمت أنه ليس بعبث. أليس في كل يوم يزيد علمي ومعرفتي، فتكثر ثمار غرسي، فأشكر يوم حصادي١؟! أفيسرني أنني مت منذ عشرين سنة؟! لا والله؛ لأني ما كنت أعرف الله تعالى عشر معرفتي به اليوم. وكل ذلك ثمرة الحياة، التي فيها اجتنيت أدلة الوحدانية، وارتقيت عن حضيض٢ التقليد إلى يفاع٣ البصيرة، واطلعت على علوم زاد بها قدري، وتجوهرت بها نفسي، ثم زاد غرسي لآخرتي، وقويت تجارتي في إنقاذ المباضعين٤ من المتعلمين. وقد قال الله لسيد المرسلين: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا"٥. وفي حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من السعادة أن يطول عمر العبد، ويرزقه الله الإنابة"٦. فيا ليتني قدرت على عمر نوح، فإن العلم كثير، وكلما حصل منه حاصل، رفع ونفع.

стр. 183

٦٧- فصل: طوبى لمن عرف المسبِّبَ وتعلق به ٣٤٢- قلوب العارفين يغار عليها من الأسباب، وإن كانت لا تساكنه؛ لأنها لما انفردت لمعرفتها، انفرد لها بتولي أمورها، فإذا تعرضت بالأسباب، محا أثر الأسباب: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥] . ٣٤٣- وتأمل في حال يعقوب وحذره على يوسف ﵉، حتى قال: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] ، فقالوا: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف:١٧] ، فلما جاء أوان الفرج، خرج يهوذا بالقميص، فسبقه الريح: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤] . ٣٤٤- وكذلك قول يوسف ﵇ للسَّاقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ، فعوقب بأن لبث سبع سنين، وإن كان يوسف ﵇ يعلم أنه لا خلاص إلا بإذن الله، وأن التعرض بالأسباب مشروع، غير أن الغيرة أثرت في العقوبة. ٣٤٥- ومن هذه قِصَّةُ مَرْيَمَ ﵍: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] ، فغار المسبب من مساكنه الأسباب: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] . ٣٤٦- ومن هذا القبيل ما يروى عن النبي ﷺ : أنه قال: "أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب"١. ٣٤٧- والأسباب طريق، ولا بد من سلوكها، والعارف لا يساكنها، غير أنه يجلي له من أمرها ما لا يجلي لغيره من أنها لا تساكن، وربما عوقب٢ إن مال إليها، وإن كان ميلًا لا يقبله، غير أن أقل الهفوات يوجب الأدب٣. وتأمل عقبى سليمان ﵇ لما قال: "لأطوفن الليلة على مائة امرأة، تلد كل

стр. 184

وَاحِدَةٍ منهم غُلَامًا، ولم يقل: إن شاء الله! فما حَمَلَتْ إلَّا واحدة، جَاءَتْ بِشِقِّ غُلَامٍ"١. ٣٤٨- ولقد طرقتني حالة أوجبت التشبث ببعض الأسباب؛ إلا أنه كان من ضرورة ذلك لقاء بعض الظلمة، ومداراته بكلمة، فبينا أنا أفكر في تلك الحال، دخل علي قارئ، فاستفتح، فتفاءلت بما يقرأ، فقرأ: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣] ، فبهت من إجابتي على خاطري، وقلت لنفسي: اسمعي! فإنني طلبت النصر في هذه المداراة، فأعلمني القرآن أنني إذا ركنت إلى ظالم، فاتني ما ركنت لأجله من النصر. فيا طوبى لمن عرف المسبب، وتعلق به، فإنها الغاية القصوى، فنسأل الله أن يرزقنا.

стр. 185

٦٨- فصل: المؤمن لا يبالغ في الذنوب ٣٤٩- المؤمن لا يبالغ في الذنوب، وإنما يقوى الهوى، وتتوقد نيران الشهوة، فيتحدر، وله مراد لا يعزم المؤمن على مواقعته، ولا على العود بعد فراغه، ولا يستقصي في الانتقام إن غضب، وينوي التوبة قبل الزلل. ٣٥٠- وتأمل إخوة يوسف ﵈: فإنهم عزموا على التوبة قبل إبعاد يوسف، فقالو: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ ، ثم زاد ذلك تعظيمًا فقالوا: ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ ، ثم عزموا على الإنابة فقالوا: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩] ، فلما خرجوا به إلى الصحراء هموا بقتله بمقتضى ما في القلوب من الحسد، فقال كبيرهم: ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠] ، ولم يرد أن يموت، بل يلتقطه بعض السيارة، فأجابوا إلى ذلك. والسبب في هذه الأحوال أن الإيمان على حسب قوته، فتارة يردها عند الهم، وتارة يضعف فيردها عند العزم، وتارة عن بعض الفعل، فإذا غلبت الغفلة، وواقع

стр. 186

الذنب؛ فتر الطبع، فنهض الإيمان للعمل، فينغص بالندم أضعاف ما التذ.

стр. 187

٦٩- فصل: أفضلُ الأشياء التَّزيُّد من العلم . ٣٥١- أفضل الأشياء التزيد من العلم، فإنه من اقتصر على ما يعلمه، فظنه كافيًا؛ استبد برأيه، وصار تعظيمه لنفسه مانعًا له من الاستفادة، والمذاكرة تبين له خطأه، وربما كان معظمًا في النفوس، فلم يتجاسر على الرد عليه، ولو أنه أظهر الاستفادة، لأهديت إليه مساوئه، فعاد عنها. ٣٥٢- ولقد حكى ابن عقيل عن أبي المعالي الجويني١: أنه قال: إن الله تعالى يعلم جمل الأشياء ولا يعلم التفاصيل! ولا أدري أي شبهة وقعت في وجه هذا المسكين حتى قال هذا!، وكذلك أبو حامد٢ حين قال: النزول التنقل، والاستواء مماسة، وكيف أصف هذا بالفقه، أو هذا بالزهد، وهو لا يدري ما يجوز على الله مما لا يجوز؟! ولو أنه ترك تعظيم نفسه، لرد صبيان الكتاب رأيه عليه، فبان له صدقهم. ٣٥٣- ومن هذا الفن أبو بكر بن مقسم٣، فإنه عمل كتاب الاحتجاج للقراء فأتى فيه بفوائد؛ إلا أنه أفسد علمه بإجازته أن يقرأ بما لم يقرأ به، ثم تفاقم ذلك منه، حتى أجاز ما يفسد المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] ، فقال: يصلح أن يقال هنا: "نُجِيًّا" أي خلصوا كِرَامًا برآء من

стр. 188

السرقة. وهذا سوء فهم للقصة، فإن الذي نسب إلى السرقة، فظهرت معه ما خلص، فما الذي ينفع خلاصهم؟! وإنما سيقت القصة ليبين أنهم انفردوا وتشاوروا فيما يصنعون، وكيف يرجعون إلى أبيهم، وقد احتبس أخوهم، فأي وجه للنجاة ها هنا؟! ومن تأمل كتابه، رأي فيه من هذا الجنس ما يزيد على الإحصاء، أكثره١ من هذا الفن القبيح، ولو أنه أصغى إلى علماء وقته، وترك تعظيم نفسه، لبان له الصواب. غير أن اقتصار الرجل على علمه إذا مازجه نوع رؤية للنفس، حبس عن إدراك الصواب. نعوذ بالله من ذلك.

стр. 189

٧٠- فصل: الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ٣٥٤- تأملت قوله : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧] ، فرأيت فيه معنى عجيبًا: وهو أنهم لما وهبت لهم العقول، فتدبروا بها عيب الأصنام، وعلموا أنها لا تصلح للعبادة، فوجهوا العبادة إلى من فطر الأشياء: كانت هذه المعرفة ثمرة العقل الموهوب لهام، الذي به باينوا البهائم، فإذا أمنوا بفعلهم الذي ندب إليه العقل الموهوب، فقد جهلوا قدر الموهوب، وغفلوا عمن وهب. وأي شيء لهم في الثمرة والشجرة ليست ملكًا لهم؟! فعلى هذا، كل متعبد ومجتهد في علم وعمل إنما رأي بنور اليقظة وقوة الفهم والعقل صوابًا، فوقع على الملطوب، فينبغي أن يوجه الشكر إلى من بعث له في ظلام الطبع القبس. ٣٥٥- ومن هذا الفن حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار، فانحطت عليهم صخرة، فسدت باب الغار، فقالو: تعالوا نتوسل بصالح أعمالنا! فقال كل منهم فعلت كذا وكذا١.

стр. 190

وهؤلاء: إن كانوا لاحظوا نعمة الواهب للعصمة عن الخطأ، فتوسلوا بإنعامه عليهم الذي أوجب تخصيصهم بتلك النعمة عن أبناء جنسهم، فبه توسلوا١ إليه. وإن كانوا لاحظوا أفعالهم، فلمحوا جزاءها، ظَنًّا منهم أنهم هم الذين فعلوا، فهم أهل غيبة لا حضور، ويكون جواب مسألتهم لقطع مننهم الدائمة. ٣٥٦- ومثل هذه رؤية المتقي تقواه، حتى إنه يرى أنه أفضل من كثير من الخلق، وربما احتقر أهل المعاصي، وشمخ عليهم! وهذه غفلة عن طريق السلوك، وربما أخرجت. ٣٥٧- ولا أقول لك: خالط الفساق احتقارًا لنفسك! بل اغضب عليهم في الباطن، وأعرض عنهم في الظاهر، ثم تلمح جريان الأقدار عليهم! فأكثرهم لا يعرف من عصى! وجمهورهم لا يقصد العصيان، بل يريد موافقة هواه، وعزيز عليه أن يعصى! وفيهم من غلب عليه تلمح العفو والحلم، فاحتقر ما يأتي، لقوة يقينه بالعفو! وهذه كلها ليست بأعذار٢ لهم، ولكن، تلمحه أنت يا صاحب التقوى! واعلم أن الحجة عليك أوفى من الحجة عليهم؛ لأنك تعرف من تعصي، وتعلم ما تأتي، بل انظر إلى تقليب القلوب بين إصبعين، فربما دارت الدائرة، فصرت المنقطع، ووصل المقطوع. فالعجب ممن يدل٣ بخير عمله، وينسى من أنعم ووفق.

стр. 191

٧١- فصل: شرعنا مضبوط الأصول محروس القواعد ٣٥٨- اعلم أن شرعنَا مضبوط الأصول، محروس القواعد، لا خلل فيه ولا دخل١، وكذلك كل الشرائع. ٣٥٩- إنما الآفة تدخل من المبتدعين في الدين أو الجهال، مثل ما أثر عن

стр. 192

النصارى حين رأوا إحياء الموتى على يد عيسى ﵇، فتأملوا الفعل الخارق للعادة، الذي لا يصلح للبشر، فنسبوا الفاعل إلى الإلهية. ولو تأملوا ذاته١، لعلموا أنها مركبة على النقائص والحاجات، وهذا القدر يكفي في عدم صلاح إلهيته، فيتعلم حينئذ أن ما جرى على يديه فعل غيره. ٣٦٠- وقد يؤثر ذلك في الفروع، مثل ما روي أنه فرض على النصارى صوم شهر، فزادوا عشرين يومًا، ثم جعلوه في فصل من السنة بآرائهم، ومن هذا الجنس تخبيط اليهود في الأصول والفروع. ٣٦١- وقد قارب الضلال في أمتنا هذه المسالك، وإن كان عمومهم قد حفظ من الشرك والشك والخلاف الظاهر الشنيع؛ لأنهم أعقل الأمم وأفهمها، غير أن الشيطان قارب بهم، ولم يطمع في إغراقهم، وإن كان قد أغرق بعضهم في بحار الضلال. ٣٦٢- فمن ذلك أن الرسول ﷺ جاء بكتاب عزيز من الله ، قيل في صفته: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ، وبين ما عساه يشكل٢ مما يحتاج إلى بيانه بسنته، كما قيل له: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ، فقال بعد البيان: "تركتكم على بيضاءَ نَقِيَّةٍ"٣. فجاء أقوام فلم يقنعوا بتبيينه، ولم يرضوا بطريقة أصحابه، فبحثوا، ثم انقسموا: فمنهم من تعرض لما تعب الشرع٤ في إثباته في القلوب فمحاه منها، فإن القرآن والحديث يثبتان الإله بأوصاف تقرر وجوده في النفوس، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ، وقول النبي ﷺ : "ينزل الله إلى السماء الدنيا"، " ويبسط يده لمسيء الليل والنهار"٥، و "يضحك"، و "يغضب"٦، وكل هذه الأشياء -وإن كان ظاهرها يوجب تخايل

стр. 193

التشبيه- فالمراد منها إثبات موجود، فلما علم الشرع ما يطرق القلوب من التوهمات عند سماعها، قطع ذلك بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . ٣٦٣- ثم إن هؤلاء القوم عادوا إلى القرآن الذي هو المعجز الأكبر، وقد قصد الشرع تقرير وجوده، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: ١] ، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] ، ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] ، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنعام: ٩٢] ، وأثبته في القلوب بقوله تعالى: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] ، وفي المصاحف بقوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] ، وقول الرسول ﷺ : "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو". فقال قوم من هؤلاء: مخلوق! فأسقطوا حرمته من النفوس، وقالوا: لم ينزل! ولا يتصور نزوله! وكيف تنفصل الصفة عن الموصوف؟! وليس في المصحف إلا حبر وورق! فعادوا على ما تعب الشارع في إثباته بالمحو. ٣٦٤- كما قالوا: إن الله ليس في السماء! ولا يقال: استوى على العرش! ولا ينزل إلى السماء الدنيا! بل ذاك رحمته!! فمحوا من القلوب ما أريد إثباته فيها، وليس هذا مراد الشارع. ٣٦٥- وجاء آخرون، فلم يقفوا على ما حده الشرع، بل عملوا فيه بآرائهم، فقالو: الله على العرش، ولم يقنعوا بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] . ودفن لهم أقوام من سلفهم دفائن، ووضعت لهم الملاحدة أحاديث، فلم يعلموا ما يجوز عليه مما لا يجوز، فأثبتوا بها صفات جمهور الصحيح منها آت على توسع العرب، فأخذوه هم على الظاهر، فكانوا في ضرب المثل كجحا١، فإن أمه قالت له: احفظ الباب! فقلعه ومشى به، فأخذ ما في الدار، فلامته أمه، فقال: إنما قلت: احفظ الباب، وما قلت: احفظ الدار!! ٣٦٦- ولما تحايلوا صورة عظيمة على العرش، أخذوا يتأولون ما ينافي

стр. 194

وجودها على العرش: مثل قوله: "ومن أتاني يمشي؟ أتيته هرولة"١، فقالوا: ليس المراد به دنو [الاقتراب] ٢، وإنما المراد قرب المنزل والحظ!! ٣٦٧- وقالوا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ [البقرة:٢١٠] : هو محمول على ظاهرها في مجيء الذات. فهم يحلونه عامًا، ويحرمونه عامًا، ويسمون الإضافات إلى الله تعالى صفات، فإنه قد أضاف إليه النفخ والروح. ٣٦٨- وأثبتوا خلقه باليد، فلو قالوا: خلقه٣، لم يمكن إنكار هذا، بل قالوا: هي صفة تولى بها خلق آدم دون غيره، فأي مزية كانت تكون لآدم؟! فشغلهم النظر في فضيلة آدم عن النظر إلى ما هو يليق بالحق مما لا يليق به، فإنه لا يجوز عليه المس، ولا العمل بالآلات؛ وإنما آدم أضافه إليه. ٣٦٩- وقالوا٤: نطلق على الله تعالى اسم الصورة، لقوله: "خلق آدم على صورته"، وفهموا هذا الحديث، وهو قوله ﷺ : "إذا ضرب أحدكم، فليجتنب الوجه، ولا وجهًا أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته"٥. فلو كان المراد به الله ، لكان وجه الله سبحانه يشبه وجه هذا المخاصم؛ لأن الحديث كذا جاء: "ولا وجهًا أشبه وجهك". ٣٧٠- ورووا حديث خولة بنت حكيم: "وإن آخر وطأة وطئها الله بِوَجٍّ"٦!! وما علموا النقل ولا السير، وقول الرسول ﷺ : "اللهم! اشدد وطأتك على مضر"٧، وأن المراد به آخر وقعة قاتل فيها المسلمون بوج٨، وهي غزاة حنين، فقالوا: نحمل الخبر على ظاهره، وأن الله وطئ ذلك المكان!! ولا شك أن عندهم

стр. 195

أن الله تعالى كان في الأرض، ثم صعد إلى السماء١!! ٣٧١- وكذلك قالوا في قوله ﷺ : "إن الله لا يمل حتى تملوا"، قالوا: يجوز أن الله يوصف بالملل، فجهلوا اللغة، وما علموا أنه لو كانت حتى ها هنا للغاية، لم تكن بمدح؛ لأنه إذا مل حين يمل، فأي مدح؟! وإنما هو كقول الشاعر٢: صليت مني هذيل بِخَرْق ... لا يمل الشر حتى يَمَلُّوا والمعنى: لا يمل وإن ملوا. ٣٧٢- وقالوا في قوله ﵊: "الرحم شجنه من الرحمن، تتعلق بحقوي الرحمن"٣، فقالوا: الحَقْوُ صِفَةُ ذَاْتٍ. ٣٧٣- وذكروا أحاديث لو رويت -في نقض الوضوء- ما قبلت، وعمومها وضعته الملاحدة. ٣٧٤- كما يروى عن عبد الله بن عمرو، قال: خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر٤، فقالوا: نثبت هذا على ظاهره، ثم أرضوا العوام بقولهم: ولا نثبت جوارح! فكأنهم يقولون: فلان قائم وما هو قائم!! فاختلف قولهم: هل يطلق على الله أنه جالس أو قائم، كقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ : لا يراد به القيام؛ وإنما هو كما يقال: الأمير قائم بالعدل. وإنما ذكرت بعض أقوالهم، لئلا يسكن إلى شيء منها، فالحذر من هؤلاء عبادة، وإنما الطريق طريق السف.

стр. 196

٣٧٥- على أنني أقول لك: قد قال أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: من ضيق علم الرجل أن يقلد في دينه الرجال. فلا ينبغي أن تسمع من معَظَّم في النفوس شيئًا في الأصول فتقلده فيه، ولو سمعت عن أحدهم ما لا يوافق الأصول الصحيحة، فقل: هذا من الراوي؛ لأنه قد ثبت عن ذلك الإمام أنه لا يقول بشيء من رأيه، فلو قدرنا صحته عنه، فإنه لا يقلد في الأصول ولا أبو بكر ولا عمر ﵄. فهذا أصل يجب البناء عليه، فلا يهولنك ذكر معظم في النفوس، وكان المقصود من شرح هذا أن ديننا سليم؛ وإنما أدخل أقوام فيه ما تأذينا به. ٣٧٦- ولقد أدخل المتزهدون في الدين ما ينفر الناس، حتى إنهم يرون أفعالهم، فيستبعدون الطريق، وأكثر أدلة هذه الطريق القصاص، فإن العامي إذا دخل إلى مجلسهم وهو لا يحسن الوضوء، كلموه بدقائق الجنيد١ وإشارات الشبلي، فرأى ذلك العامي أن الطريق الواضح لزوم زاوية، وترك الكسب للعائلة، ومناجاة الحق في خلوة على زعمه، مع كونه لا يعرف أركان الصلاة، ولا أدَّبه العلم، ولا قوَّم أخلاقه شيء من مخالطة العلماء!! فلا يستفيد من خلوته إلا كما يستفيد الحمار من الإصطبل، فإن امتد عليه الزمان في تقلله، زاد يبسه، فربما خايلت له الماليخوليا٢ أشباحًا، يظنهم الملائكة، ثم يطأطئ رأسه، ويمد يده للتقبيل!! فكم قد رأينا من أكار٣ ترك الزرع، وقعد في زاوية؛ فصار إلى هذه الحالة، فاستراح من تعبه!! فلو قيل له: عد مريضًا! قال: ما لي عادة -فلعن الله عادة تخالف الشريعة- فيرى العامة٤ بما يورده القصاص -أن طريق الشرع هذه، لا التي عليها الفقهاء، فيقعون في الضلال. ٣٧٧- ومن المتزهدين من لا يبالي عمل بالشرع أم لا!! ثم يتفاوت جهالهم: فمنهم من سلك مذهب الإباحة، ويقول: الشيخ لا يعارض، وينهمك في المعاصي!!

стр. 197

ومنهم من يحفظ ناموسه، فيفتي بغير علم، لِئَلَّا يقال: الشيخ لا يدري!! ٣٧٨- ولقد حدثني الشيخ أبو حكيم١ رحمة الله عليه: أن الشريف الدحالي -كان يقصد، فيزار، ويتبرك به- حضر عنده يومًا، فسئل أبو حكيم: هل تحل المطلقة ثلاثًا إذا ولدت ذكرًا؟ قال: فقلت: لا والله. فقال لي الشريف: اسكت! فوالله، لقد أفتيت الناس بأنها تحل من ها هنا إلى البصرة. ٣٧٩- وحكى لي الشيخ أبو حكيم أن جد آزاد٢ الحداد -وكان يتوسم بالعلم- جاءت إليه امرأة، فزوجها من رجل، ولم يسأل عن انقضاء العدة، فاعترضها الحاكم، وفرق بينها وبين الزوج، وأنكر على المزوج، فلقيته المرأة، فقالت: يا سيدي! أنا امرأة لا أعلم، فكيف زوجتني؟! فقال: دعي حديثهم! ما أنت إلا طاهرة مطهرة!! ٣٨٠- وحدثني بعض الفقهاء عن رجل من العباد أنه كان يسجد للسهو سنين، ويقول: والله، ما سهوت، ولكن أفعله احترازًا! فقال له الفقيه: قد بطلت صلاتك كلها؛ لأنك زدت سجودًا غير مشروع!! ٣٨١ ثم من الدخل الذي دخل ديننا طريق المتصوفة، فإنهم سلكوا طرقًا أكثرها تنافى الشريعة، وأهل التدين منهم يقللون ويخففون، وهذا ليس بشرع. حتى إن رجلًا كان قريبًا من زماني، يقال له: كَثِيْرٌ، دخل إلى جامع المنصور، وقال: عاهدت الله عهدًا ونقضته؛ فقد ألزمت نفسي أن لا تأكل أربعين يومًا! فحدثني من رآه أنه بقي عشرة أيام، ثم في العشر الرابع أشرف على الموت. قال: فما انقضت حتى تفرغ٣، فصب في حلقه ماء، فسمعنا له نشيشًا كنشيش المقلاة، ثم مات بعد أيام. فانظروا إلى هذا المسكين وما فعله به جهله!!

стр. 198

٣٨٢- ومنهم من فسح لنفسه في كل ما يحب من التنعم واللذات، واقتنع من التصوف بالقميص والفوطة١ والعمامة اللطيفة، ولم ينظر من أين يأكل، ولا من أين يشرب، وخالط الأمراء من أرباب الدنيا، ولباس الحرير، وشراب الخمور، حفظًا لماله وجاهه. ٣٨٣- ومنهم أقوام عملوا سننًا لهم، تلقوها من كلمات أكثرها لا يثبت!! ٣٨٤- ومنهم من أكب على سماع الغناء والرقص واللعب، ثم انقسم هؤلاء، فمنهم من يدعي العشق فيه، ومنهم من يقول بالحلول٢، ومنهم "من" يسمع على وجه الهوى واللعب، وكلا الطريقين يفسد العوام الفساد العام. ٣٨٥- وهذا الشرح يطول، وقد صنفت كتبًا ترى فيها البسط الحسن إن شاء الله تعالى، منها "تلبيس إبليس". والمقصود أن تعلم أن الشرع تام كامل، فإن رزقت فهمًا له، فأنت تتبع الرسول ﷺ وأصحابه، وتترك بنيات الطريق، ولا تقلد في دينك الرجال، فإن فعلت، فإنك لا تحتاج إلى وصية أخرى. ٣٨٦- واحذر جمود النقلة، وانبساط المتكلمين، وجموح٣ المتزهدين، وشره أهل الهوى، ووقوف العلماء على صورة العلم من غير عمل، وعمل المتعبدين بغير علم. ٣٨٧- ومن أيده الله تعالى بلطفه، رزقه الفهم، وأخرجه عن ربقة التقليد، وجعله أمة وحده في زمانه، لا يبالي بمن عبث، ولا يلتفت إلى من لام، قد سلم زمامه إلى دليله في واضح السبيل. عصمنا الله وإياكم من تقليد المعظمين، وألهمنا اتباع الرسول ﷺ ، فإنه درة الوجود، ومقصود الكون صلى الله عليه وعلى آله واصحابه وأتباعه، ورزقنا اتباعه مع أتباعه.

стр. 199

٧٢- فصل: السعيد من لازم التقوى ٣٨٨- أعلم أن الزمان لا يثبت على حال، كما قال : ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ، فتارة فقر، وتارة غنى، وتارة عز، وتارة ذل، وتارة يفرح الموالي، وتارة يشمت الأعادي. فالسعيد من لازم أصلًا واحدًا على كل حال، وهو تقوى الله ، فإنه إن استغنى، زانته، وإن افتقر، فتحت له أبواب الصبر، وإن عوفي، تمت النعمة عليه، وإن ابتلي، جملته. ولا يضره إن نزل به الزمان أو صعد، أو أعراه، أو أشبعه، أو أجاعه؛ لأن جميع تلك الأشياء تزول وتتغير، والتقوى أصل السلامة، حارس لا ينام، يأخذ باليد عند العثرة، ويواقف١ على الحدود. والمنكر من غرته لذة حصلت مع عدم التقوى، فإنها ستحول، وتخليه خاسرًا. ٣٨٩- ولازم التقوى في كل حال، فإنك لا ترى في الضيق إلا السعة، وفي المرض إلا العافية، هذا نقدها العاجل، والآجل معلوم.

стр. 200

٧٣- فصل: انهيال الابتاء على المؤمن. ٣٩٠ تأملت أمرًا عجيبًا وأصلًا ظريفًا، وهو انهيال١ الابتلاء على المؤمن، وعرض صورة اللذات عليه، مع قدرته على نيلها، وخصوصًا ما كان في غير كلفة من تحصيله، كمحبوب موافق في خلوة حصينة. فقلت: سبحان الله! ها هنا يبين أثر الإيمان، لا في صلاة ركعتين، والله، ما صعد يوسف ﵇، ولا سعد إلا في مثل ذلك المقام. فبالله عليكم يا إخواني، تأملوا حاله، لو كان وافق هواه، من كان يكون؟! وقيسوا بين تلك الحالة وحالة آدم ﵇، ثم زنوا بميزان العقل عقبى تلك الخطيئة، وثمرة هذا الصبر، واجعلوا فهم الحال عدة عند كل مُشْتهًى.

стр. 201

٣٩١- وإن اللذات لتعرض على المؤمن، فمتى لقيها في صف حربه وقد تأخر عنه عسكر التدبر للعواقب، هزم. وكأني أرى الواقع في بعض أشراكها، ولسان الحال يقول له: قف مكانك، أنت وما اخترت لنفسك. فغاية أمره الندم والبكاء، فإن أمن إخراجه من تلك الهوة، لم يخرج إلا مدهونًا بالخدوش. وكم من شخص زلت قدمه، فما ارتفعت بعدها. ٣٩٢- ومن تأمل ذل إخوة يوسف ﵇ يوم قالوا: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨] ، عرف شؤم الزلل، ومن تدبر أحوالهم، قاس ما بينهم وبين أخيهم من الفروق، وإن كانت توبتهم قبلت؛ لأنه ليس من رقع وخاط كمن ثوبه صحيح. ٣٩٣- ورب عظم هِيضَ١ لم ينجبر، فإن جبر، فعلى وهيٍ٢. فتيقظوا -إخواني- لعرض المشتهيات على النفوس، واستوثقوا من لجم الخيل، وانتبهوا للغيم، إذا تراكم بالصعود إلى تلعة٣، فربما مد الوادي فراح بالركب٤.

стр. 202

٧٤- فصل: يريد اختبارك ليعرف أسرارك . ٣٩٤- تأملت حالةً عجيبةً، وهي أن المؤمن تنزل به النازلة، فيدعو، ويبالغ، فلا يرى أثرًا للإجابة، فإذا قارب اليأس، نظر حينئذ إلى قلبه، فإن كان راضيًا بالأقدار، غير قنوط من فضل الله فالغالب تعجيل الإجابة حينئذ؛ لأن هناك يصلح الإيمان، ويهزم الشيطان، وهناك، تبين مقادير الرجال. وقد أشير إلى هذا في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] . ٣٩٥- وكذلك جرى ليعقوب ﵇؛ فإنه لما فقد ولدًا، وطال الأمر عليه، لم ييأس من الفرج، فأخذ ولده الآخر، ولم ينقطع أمله من فضل ربه: ﴿أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ

стр. 203

جَمِيعاً﴾ . وكذلك قال زكريّا ﵇: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] . ٣٩٦- فإياك أن تستطيل مدة الإجابة، وكن ناظرًا إلى أنه المالك، وإلى أنه الحكيم في التدبير، والعالم بالمصالح، وإلى أنه يريد اختبارك، ليبلو أسرارك١، وإلى أنه يريد أن يرى تضرعك، وإلى أنه يريد أن يأجرك بصبرك ... إلى غير ذلك، وإلى أنه يبتليك بالتأخير، لتحارب وسوسة إبليس، وكل واحدة من هذه الأشياء تقوي الظن في فضله، وتوجب الشكر له، إذ أهلك بالبلاء للالتفات إلى سؤاله، وفقر٢ المضطر إلى اللجإ إليه غنًى كله.

стр. 204

٧٥- فصل: اجتلاب الصالح ودفع المؤذي ٣٩٧- لما كان بدن الآدمي لا يقوم١ إلا باجتلاب المصالح، ودفع المؤذي، ركب فيه الهوى، ليكون سببًا لجلب النافع، والغضب، ليكون سببًا لدفع المؤذي. ٣٩٨- ولولا الهوى في المطعم، ما تناول الطعام، فلم يقم بدنه، فجعل له إليه ميل وتوق٢، فإذا حصل له قدر ما يقيم بده، زال التوق. وكذلك في المشرب والملبس والمنكح. ٣٩٩- وفائدة المنكح من وجهين: أحدهما: إبقاء الجنس، وهو معظم المقصودين. والثاني: دفع الفضلة المحتقنة المؤذي احتقانها. ولولا تركيب الهوى المائل بصاحبه إلى النكاح، ما طلبه أحد، ففات النسل وآذى المحتقن. ٤٠٠- فأما العارفون، فإنهم فهموا المقصود. وأما الجاهلون؛ فإنهم مالوا مع الشهوة والهوى، ولم يفهموا مقصود وضعها، فضاع زمانهم فيما لا طائل فيه، وفاتهم ما خلقوا لأجله، وأخرجهم هواهم إلى فساد المال، وذهاب العرض والدين، ثم أداهم إلى التلف. ٤٠١- وكم قد رأينا من متنعم يبالغ في شراء الجواري، ليحرك طبعه

стр. 205

بالمستجد، فما كان بأسرع من أن وهنت قواه الأصلية، فتعجل تلفه. وكذلك رأينا من زاد غضبه، فخرج عن الحد، ففتك بنفسه، وبمن يحبه. ٤٠٢ فمن علم أن هذه الأشياء إنما خلقت إعانة للبدن على قطع مراحل الدنيا، ولم يخلق لنفس الالتذاذ؛ وإنما جلعت اللذة فيها كالحيلة في إيصال النفع بها، إذ لو كان المقصود التنعم بها، لما جعلت الحيوانات البهيمية أوفى حظًّا من الآدمي منها. فطوبى لمن فهم حقائق الوضع، ولم يمل به الهوى عن فهم حكم المخلوقات.

стр. 206

٧٦- فصل: من تأمل عواقب المعاصي رآها قبيحة ٤٠٣- من تأمل عواقب المعاصي، رآها قبيحةً، ولقد تفكرت في أقوام أعرفهم، يقرون بالزنى وغيره، فأرى من تعثرهم في الدنيا -مع جلادتهم- ما لا يقف عند حد، وكأنهم قد ألبسوا ظلمة، فالقلوب تنفر عنهم، فإن اتسع لهم شيء، فأكثره من مال الغير، وإن ضاق بهم أمر، أخذوا يتسخطون على القدر. هذا وقد شغلوا بهذه الأوساخ عن ذكر الآخرة. ٤٠٤- ثم عكست، فتفكرت في أقوام صابروا الهوى، وتركوا ما لا يحل، فمنهم من قد أينعت له ثمرات الدنيا، من قوت مستلذٍّ، ومهاد مستطاب، وعيش لذيذ، وجاه عريض، فإن ضاق بهم أمر، وسعه الصبر، وطيبه الرضا، ففهمت بالحال معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] .

стр. 207

٧٧- فصل: لا يصلح الأنس إلا بملازمة التقوى ٤٠٥- ينبغي للعاقل أن يلازم باب مولاه على كل حال، وأن يتعلق بذيل فضله، إن عصى وإن طاع، وليكن له أنس في خلوته به، فإن وقعت وحشة، فيجتهد في رفع الموحش، كما قال الشاعر:

стр. 208

أمستوحش أنت مما جَنَيْت ... فأحسن إذا شئت واستأنِسِ ٤٠٦- فإن رأى نفسه مائلًا إلى الدنيا، طلبها منه، أو إلى الآخرة، سأله التوفيق للعمل لها، فإن خاف ضرر ما يرومه من الدنيا، سأل الله إصلاح قلبه، وطلب مرضه، فإنه إذا صلح، لم يطلب ما يؤذيه. ومن كان هكذا، كان في العيش الرغد. غير أن من ضرورة هذه الحال ملازمة التقوى، فإنه لا يصلح الأنس إلا بها. ٤٠٧- وقد كان أرباب التقوى يتشاغلون عن كل شيء إلا عن اللجإ والسؤال. ٤٠٨- وفي الحديث: أن قتيبة بْنَ مُسْلِمٍ١ لما صاف٢ الترك، هاله أمرهم، فقال: أين محمد بن واسع٣؟ فقيل: هو في أقصى الميمنة، جانح على سية قوسه٤، يوميء بإصبعه نحو السماء. فقال قتيبة: تلك الإصبع الفاردة٥ أحب إلى من مئة ألف سيف شهير٦ وسنان طرير٧. فلما فتح عليهم؛ قال له: ما كنت تصنع؟ قال: آخذ لك بمجامع الطرق.

стр. 209

٧٨- فصل: كتمان الأمور فعل الحازم ٤٠٩- ينبغي لمن تظاهرت نعم الله عليه، أن يظهر منها ما يبين أثرها، ولا يكشف جملتها، وهذا من أعظم لذات الدنيا، التي يأمر الحزم بتركها، فـ "إن العين حق"١. ٤١٠- وإني تفقدت النعم، فرأيت إظهارها حلوًا عند النفس، إلا أنها إن أظهرت لوديد٢، لم يؤمن تشعث باطنه بالغيط، وإن أظهرت لعدو، فالظاهر إصابته

стр. 210

بالعين، لموضع الحسد! إلا أنني رأيت [غيظ] ١ الحسود كاللازم، فإنه في حال البلاء يتشفى، وفي حال النعم يصيب بالعين. ولعمري، إن المنعم عليه يشتهي غيظ حسوده، ولكنه لا يؤمن أن يخاطر بنعمته، فإن الغالب إصابة الحاسد لها بالعين، فلا يساوي الالتذاذ بإظهار ما غيظ به، ما أفسدت عينه بإصابتها. ٤١١ وكتمان الأمور في كل حال فعل الحازم: فإنه إن كشف مقدار سنه، استهرموه إن كان كبيرًا، واحتقروه إن كان صغيرًا. وإن كشف ما يعتقده، ناصبه الأضداد بالعداوة. وإن كشف قدر ماله، استحقروه إن كان قليلًا، وحسدوه إن كان كثيرًا. وفي هذه الثلاثة يقول الشاعر٢: احفظ لسانك لا تبح بثلاثة ... سن ومال ما استطعت ومذهب فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة ... بمموه وممخرق ومكذب وقس على ما ذكرت ما لم أذكره، ولا تكن من المذاييع [الأغوار] ٣، الذين لا يحملون أسرارهم حتى يفشوها إلى من لا يصلح! ورب كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان.

стр. 211

٧٩- فصل: الاحتراز من الذنوب ٤١٢- رأيت كُلَّ من يعثر بشيء، أو يزلق في مطر، يلتفت إلى ما عثر به، فينظر إليه، طبعًا موضوعًا في الخلق: إما ليحذر منه إن جاز عليه مرة أخرى [و] من مثله، أو لينظر -مع احترازه وفهمه- كيف فاته التحرز من مثل هذا؟! فأخذت من ذلك إشارة، وقلت: يا من عثر مرارًا! هَلَّا أبصرت ما الذي عثرك، فاحترزت من مثله، أو قبحت.

стр. 212

لنفسك -مع حزمها- تلك الواقعة؟! فإن الغالب ممن يلتفت أن معنى التفاته: كيف عثر مثلي -مع احترازه- بمثل ما أَرَى؟! فَالعَجَبُ لك! عثرت بمثل الذنب الفلاني والذنب الفلاني! كيف غرك زخرف تعلم بعقلك باطنه، وترى بعين فكرك ماله؟! كيف آثرت فانيًا على باق؟! كيف بعت بوكس١؟ كيف اخترت لذة رقدة على انتباه مُعَامَلةٍ؟! آهٍ لكَ! لقد اشتريت بما بعت أحمال ندم، لا يقلها٢ ظهر، وتنكيس رأس أمسى بعيد الرفع، ودموع حزن على قبح فعل ما لمددها انقطاع، وأقبح الكل أن يقال لك: بماذا؟! ومن أجل ماذا؟! وهذا على ماذا؟!. يا من قلب الغرور عليه الصنجة٣، ووزن له، والميزان رَاكِبٌ٤!

стр. 213

٨٠- فصل: ندر من تطرقه البلايا مع التقوى ٤١٣- تأملت قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] : قال المفسرون: ﴿هُدَايَ﴾ : رسول الله ﷺ وكتابي. فوجدته على الحقيقة: أن كل من اتبع القرآن والسنة، وعمل بما فيهما، فقد سلم من الضلال بلا شك، وارتفع في حقه شقاء الآخرة بلا شك، إذا مات على ذلك. ٤١٤- وكذلك شقاء الدنيا، فلا يشقى أصلًا، ويبين هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] . فإن رأيته في شدة، فله من اليقين بالجزاء ما يصير الصاب١ عنده عَسَلًا، وإلا، غلب طيب العيش في كل حالٍ. ٤١٥- والغالب أنه لا تنزل به شدة إلا إذا انحرف عن جادة التقوى، فأما الملازم لطريق التقوى، فلا آفة تطرقه، ولا بلية تنزل به، هذا هو الأغلب.

стр. 214

عليه، فإن قدرنا عدم الذنب، فذاك لإدخال ذهب صبره كير البلاء، حتى يخرج تِبْرًا أحمر، فهو يرى عذوبة العذاب؛ لأنه يشاهد المبتلى في البلاء "لا" الألم١. قال الشبْليُّ: أحبك الناس لنعمائك، وأنا أحبك لبلائك.

стр. 215

٨١- فصل: لا ينال لذة المعاصي إلا سكران الغفلة ٤١٦- لا ينال لذة المعاصي إلا سكران الغفلة، فأما المؤمن، فإنه لا يلتذ؛ لأنه عند التذاذه يقف بإزائه علم التحريم، وحذر العقوبة. فإن قويت معرفته، رأى بعين علمه قرب الناهي، فيتنغص عيشه في حال التذاذه. ٤١٧- فإن غلب سكر الهوى، كان القلب متنغصًا بهذه المراقبات، وإن كان الطبع في شهوته. وما هي إلا لحظة، ثم خذ من غريم ندم ملازم، وبكاء متواصل، وأسف على ما كان مع طول الزمان، حتى أنه لو تيقن العفو، وقف بإزائه حذر العتاب. فأفِّ للذنوب! ما أقبح آثارها! وما أسوأ أخبارها! ولا كانت شهوة لا تنال إلا بمقدار قوة الغفلة.
следующие страницы →