← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٧٩- فصل: الاحتراز من الذنوب ٤١٢- رأيت كُلَّ من يعثر بشيء، أو يزلق في مطر، يلتفت إلى ما عثر به، فينظر إليه، طبعًا موضوعًا في الخلق: إما ليحذر منه إن جاز عليه مرة أخرى [و] من مثله، أو لينظر -مع احترازه وفهمه- كيف فاته التحرز من مثل هذا؟! فأخذت من ذلك إشارة، وقلت: يا من عثر مرارًا! هَلَّا أبصرت ما الذي عثرك، فاحترزت من مثله، أو قبحت.

стр. 212

لنفسك -مع حزمها- تلك الواقعة؟! فإن الغالب ممن يلتفت أن معنى التفاته: كيف عثر مثلي -مع احترازه- بمثل ما أَرَى؟! فَالعَجَبُ لك! عثرت بمثل الذنب الفلاني والذنب الفلاني! كيف غرك زخرف تعلم بعقلك باطنه، وترى بعين فكرك ماله؟! كيف آثرت فانيًا على باق؟! كيف بعت بوكس١؟ كيف اخترت لذة رقدة على انتباه مُعَامَلةٍ؟! آهٍ لكَ! لقد اشتريت بما بعت أحمال ندم، لا يقلها٢ ظهر، وتنكيس رأس أمسى بعيد الرفع، ودموع حزن على قبح فعل ما لمددها انقطاع، وأقبح الكل أن يقال لك: بماذا؟! ومن أجل ماذا؟! وهذا على ماذا؟!. يا من قلب الغرور عليه الصنجة٣، ووزن له، والميزان رَاكِبٌ٤!

стр. 213

٨٠- فصل: ندر من تطرقه البلايا مع التقوى ٤١٣- تأملت قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] : قال المفسرون: ﴿هُدَايَ﴾ : رسول الله ﷺ وكتابي. فوجدته على الحقيقة: أن كل من اتبع القرآن والسنة، وعمل بما فيهما، فقد سلم من الضلال بلا شك، وارتفع في حقه شقاء الآخرة بلا شك، إذا مات على ذلك. ٤١٤- وكذلك شقاء الدنيا، فلا يشقى أصلًا، ويبين هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] . فإن رأيته في شدة، فله من اليقين بالجزاء ما يصير الصاب١ عنده عَسَلًا، وإلا، غلب طيب العيش في كل حالٍ. ٤١٥- والغالب أنه لا تنزل به شدة إلا إذا انحرف عن جادة التقوى، فأما الملازم لطريق التقوى، فلا آفة تطرقه، ولا بلية تنزل به، هذا هو الأغلب.

стр. 214

عليه، فإن قدرنا عدم الذنب، فذاك لإدخال ذهب صبره كير البلاء، حتى يخرج تِبْرًا أحمر، فهو يرى عذوبة العذاب؛ لأنه يشاهد المبتلى في البلاء "لا" الألم١. قال الشبْليُّ: أحبك الناس لنعمائك، وأنا أحبك لبلائك.

стр. 215

٨١- فصل: لا ينال لذة المعاصي إلا سكران الغفلة ٤١٦- لا ينال لذة المعاصي إلا سكران الغفلة، فأما المؤمن، فإنه لا يلتذ؛ لأنه عند التذاذه يقف بإزائه علم التحريم، وحذر العقوبة. فإن قويت معرفته، رأى بعين علمه قرب الناهي، فيتنغص عيشه في حال التذاذه. ٤١٧- فإن غلب سكر الهوى، كان القلب متنغصًا بهذه المراقبات، وإن كان الطبع في شهوته. وما هي إلا لحظة، ثم خذ من غريم ندم ملازم، وبكاء متواصل، وأسف على ما كان مع طول الزمان، حتى أنه لو تيقن العفو، وقف بإزائه حذر العتاب. فأفِّ للذنوب! ما أقبح آثارها! وما أسوأ أخبارها! ولا كانت شهوة لا تنال إلا بمقدار قوة الغفلة.

стр. 216

٨٢- فصل: إنما عزلة العالم عن الشرِّ ٤١٨- بكرت يومًا أطلب الخلوة إلى جامع الرصافة١، فجعلت أجول وحدي وأتفكر في ذلك المكان، ومن كان به من العلماء والصالحين، ورأيت أقوامًا قد جاوزوا فيه، فسألت أحدهم: منذ كم أنت ها هنا؟ فأومأ إلى قريب من أربعين سنةً! فرأيته في بيت كثير الدَّرَنَ والوسخ، وجعلت أتفكر في حبسه لنفسه عن النكاح هذه المدة!! فأخذت النفس تحسن ذلك، وتذم الدنيا والاغترار بها، فأقبل العلم ينكر على النفس، ونهض الفهم لحقائق الأمور، وموضوع الشرع يقوي ما قال العلم،

стр. 217

فتنحلُّ١ من ذلك. ٤١٩ [إلى] ٢ أن قلت للنفس: اعلمي أن هؤلاء على ضربين: منهم من يجاهد نفسه في الصبر على هذه الأحوال، فتفوته فضائل المخالطة لأهل العلم، والعمل، وطلب الولد، ونفع الخلق، وانتفاع نفسه بمجالسة أهل الفهم، فيحدث له من نفسه حالة تشابه فيها الوحش، فتؤثر الانفراد لنفس الانفراد، وربما: يبس الطبع، وساء الخلق، وربما: حدث من حبس مائه المحتقن سُمِّيَّةٌ أفسدت بدنه وعقله، وربما: أورثته الخلوة وسوسةً، وربما: ظن أنه من الأولياء، واستغنى بما يعرفه، وربما: خيل له الشيطان أشياء من الخيالات، وهو يعدها كرامات!! وربما: ظن أن الذي هو فيه الغاية، ولا يدري أنه إلى الكراهة أقرب، فإن رسول الله ﷺ : "نهى أن يبيت الرجل وحده"٣، وهؤلاء كل منهم يبيت وحده!. و"نَهَى عَنِ التَّبَتُّل"٤، وهذا تبتل!، و "نهى عن الرهبانية"٥. وهذا من خفي خدع إبليس التي يوقع بها في ورطات الضلال بألطف وجهٍ وأخفاه. والضرب الثاني: مشايخ قد فنوا، فانقطعوا ضرورة، إذ ليس لأحدهم مأوى، فهم في مقام الزمنى٦. وإن كان الضرب الأول قد قطعوا حبل نفوسهم في العلم والعمل والكسب، وتعلقت هممهم بفتوح يطرق عليهم الباب، فرضوا بالعمى بعد البصر، وبالزمن٧ بعد الإطلاق. ٤٢٠- فقالت لي النفس: لا أرضى هذا الذي تقوله، فإنك إنما تميل إلى إيثار

стр. 218

نكاح المستحسنات والمطاعم المشتهيات؛ فإذا لم تكن من أهل التعبد، فلا تطعن فيهم. فقلت لها: إن فهمت، حدثتك، وإن كنت تقلدين صور الأحوال، فلا فهم لك. أما المستحسنات، فإن المقصود من النكاح أشياء: منها: طلب الولد، ومنها: شفاء النفس بإخراج الفضلة المؤذية، وكمال خروجها لا يكون إلا بوجود المستحسن! واعتبر هذا بالوطء دون الفرج، فإنه يخرج من الفضلات ما لا يخرج بالوطء من الفرج! وبتمام خروج تلك الفضلة تفرغ النفس عن شواغلها، فتدري أين هي، كما نأمر القاضي بالأكل قبل الحكم، وننهاه عن الحكم وهو غضبان أو حاقن. وبكمال بلوغ هذا الغرض يكون كمال الولد لتمام النطفة التي تخلق منها، ثم للنفس حظ، فهي١ تستوفيه استيفاء الناقة حظها من العلف في السفر، وذلك يعين على سيرها. وأما المَطَاعِمُ، فالجاهل من يطلبها لذاتها أو لنفس لذاتها، وإنما المراد إصلاح "النفس"٢ لجمع همها، ونيل مرادها من غرضها الصارف لها عن الفكر في هواها. ٤٢١- وإذا تأملت حال السرب الأول، رأيت من هذا عجبًا: فإن النبي ﷺ اختار لنفسه عائشة ﵂، وكانت مستحسنة٣. ورأى زينب، فاستحسنها، فتزوجها٤. وكذلك اختار صفية٥. وكان إذا وصفت له امرأة، بعث يخطبها٦.

стр. 219

وكان لعليٍّ ﵁ أربع حرائر، وسبع عشرة سريةً، مات عنهن. وقبل هذه الأمة، فقد كان لداود ﵇ مئة امرأة، ولسليمان ﵇ ألف امرأة. فمن ادعى خَلَلًا في هذه الطرق، أو أن هؤلاء آثروا هواهم، وأنفقوا بضائع العمر في هذه الأغراض، وغيرها أفضل، فقد ادعى على الكاملين النقصان، وإنما هو الناقص في فهمه لا هم. وقد كان سفيان الثوري إذا سافر، ففي سفرته حمل مشوي وفالوذج، وكان حسن المطعم، وكان يقول: إن الدابة إذا لم تحسن إليها، لم تعمل. ٤٢٢- وهذه الفنون التي أشرت إليها، إن قصدت للحاجة إليها، أو لقضاء وطر النفس منها، أو لبلوغ الأغراض الدينية والدنيوية منها: فكله قصد صحيح، لا يعكر عليه من يقوم ويقعد في ركعات لا يفهم معناها، وفي تسبيحات أكثر ألفاظها ردية. ٤٢٣- كلا، ليس إلا العلم الذي هو أفضل الصفات، وأشرف العبادات، وهو الآمر بالمصالح، والناطق بالنصائح. ثم منفعة العلم معروفة، وزهد الزاهد لا يتعدى عتبة بابه، وقد قال ﷺ : "لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك مما طلعت عليه الشمس"١. ٤٢٤- ثم اعتبر فضل الرسل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والجوارح على التي لا تصيد، والطين الذي يعمل منها ما ينتفع به على الطين في المقلع٢. وغاية العلماء تصرفهم بالعلم في المباح، وأكثر المتزهدين جهلة، يستعبدهم تقبيل اليد لأجل تركهم ما أبيح. فكم فوتت العزلة عِلْمًا يصلح به أصل الدين، وكم أوقعت في بلية هلك بها الدين، وإنما عزلة العالم عن الشر فحسب، والله الموفق.

стр. 220

٨٣- فصل: للذنوب عواقب سيئة ٤٢٥- ينبغي لكل ذي لب وفطنة أن يحذر عواقب المعاصي، فإنه ليس بين آدمي وبين الله تعالى قرابة ولا رحم، وإنما هو قائم بالقسط، حاكم بالعدل. وإن كان حلمه يسع الذنوب، إلا أنه إذا شاء، عفا، فعفى١ كل كثيف من الذنوب، وإذا شاء أخذ باليسير. فالحذر الحَذَرَ! ٤٢٦- ولقد رأيت أقوامًا من المترفين، كانوا يتقلبون في الظلم والمعاصي باطنة وظاهرة، فتعبوا من حيث لم يحتسبوا، فقلعت أصولهم، ونقض ما بنوا من قواعد أحكموها لذراريهم، وما كان ذلك إلا أنهم أهملوا جانب الحق ، وظنوا أن ما يفعلونه من خير يقاوم ما يجري من شر، فمالت سفينة ظنونهم، فدخلها من ماء الكيد ما أَغْرَقَهُمْ. ٤٢٧- ورأيت أقوامًا من المنتسبين إلى العلم، أهملوا نظر الحق إليهم في الخلوات، فمحا محاسن ذكرهم في الجلوات٢، فكانوا موجودين الكمعدومين، لا حلاوة لرؤيتهم، ولا قلب يحن إلى لقائهم. فَاللهَ اللهَ في مراقبة الحق ؛ فإن ميزان عدله تبين فيه الذرة، وجزاؤه مراصد للمخطئ، ولو بعد حين، وربما ظن أنه العفو، وإنما هو إمهال، وللذنوب عواقب سيئة. فَاللهَ اللهَ! الخلوات "الخلوات"! البواطن البواطن! النيات النيات، فإن عليكن من الله عينًا ناظرةً! وإياكم والاغترار بحلمه وكرمه، فكم استدرج! وكونوا على مراقبة الخطايا، مجتهدين في محوها! وما شيء ينفع كالتضرع مع الحمية عن الخطايا، فلعلعه٣. وهذا فصل إذا تأمله المعامل لله تعالى نفعه. ٤٢٨- ولقد قال بعض المراقبين لله تعالى: قدرت على لذة وليست بكبيرة، فنازعتني نفسي إليها، اعتمادًا على صغرها، وعظم فضل الله تعالى وكرمه، فقلت

стр. 221

لنفسي: إن غلبت هذه، فأنت أنت، وإذا أتيت هذه، فمن أنت؟! وذكرتها حالة أقوام كانوا يفسحون لأنفسهم في مسامحة، كيف انطوت أذكارهم، وتمكنت عقوبة الإعراض عنهم منهم، فارعوت١ ورجعت عَمّا همت به، والله الموفق.

стр. 222

٨٤- فصل: اعرفوا عظمة الناهي ٤٢٩- كثير من الناس يتسامحون في أمور يظنونها قريبة، وهي تقدح في الأصول، كاستعارة طلاب العلم جزءًا لا يردونه، وقصد الدخول على من يأكل ليأكل١ معه، وتناول طعام لم يدع الإنسان إليه، والتسامح بعرض العدو التذاذًا بذلك، واستصغارًا لمثل هذا الذنب، وإطلاق البصر هوانًا بتلك الخطيئة، وفتوى من لا يعلم لئلَّا يقال: هو جاهل، ونحو ذلك مما يظنه صغيرًا وهو عظيم. وأهون ما يصنع ذلك بصاحبه أن يحطه من مرتبة المتميزين بين الناس، ومن مقام رفعة القدر عند الحق. وربما قيل له بلسان الحق: يا من أؤتمن على أمر يسير فخان! ما بلية حظك فانوِ به٢. قال بَعْضُ السَّلَفِ: تسامحت بلقمة، فتناولتها، فأنا اليوم من أربعين سنة إلى خلف٣. فَاللهَ اللهَ! اسمعوا ممن قد جرب! كونوا على مراقبة! وانظروا في العواقب! واعرفوا عظمة الناهي! واحذروا من نفخة تحتقر، وشررة تستصغر، فربما أحرقت بلدًا! وهذا الذي أشرت إليه، يسير يدل على كثير، وأنموذج يعرف باقي المحقرات من الذنوب. والعلم والمراقبة يعرفانك ما أخللت بذكره، ويعلمانك إن تلمحت بعين البصيرة أثر شؤم فعله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 223

٨٥- فصل: تسأل الله حاجاتها وتنسى جناياتها ٤٣٠- رأيت من نفسي عجبًا! تسأل الله حاجاتها، وتنسى جناياتها!! فقلت: يا نفس السوء! أو مثلك ينطق؟! فإن نَطَق، فينبغي أن يكون السؤال العفو فحسب. فقالت: فممن أطلب مراداتي؟! قلت: ما أمنعك من طلب المراد، إنما أقول: حققي التوبة وانطقي، كما نقول في العاصي بسفره١ إذا اضطر إلى الميتة: لا يجوز له أن يأكل، فإن قيل لنا: أفيموت؟! قلنا: لا، بل يَتُوْبُ وَيَأْكُلُ. فالله الله من جراءةٍ على طلب الأغراض، مع نسيان ما تقدم من الذنوب، التي توجب تنكيس الرأس، ولئن تشاغلت بإصلاح ما مضى، والندم عليه، جاءتك مراداتك. كما روي: "من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"٢. ٤٣١- وقد كان بشر الحافي يبسط يديه للسؤال، ثم يسبلهما، ويقول: مثلي لا يسأل! ما أبقت الذنوب لي وَجْهًا. وهذا يختص ببشر لقوة معرفته، كان وقت السؤال كالمخاطب كفاحًا، فاستحيا للزلل. فأما أهل الغفلة، فسؤالهم على بعد. فافهم ما ذكرته، وتشاغل بالتوبة من الزلل. ٤٣٢- ثم العجب من سؤالاتك! فإنك لا تكاد تسأل مهمًّا من الدنيا، بل فضول العيش، ولا تسأل صلاح القلب والدين مثل ما تسأل صلاح الدنيا. فاعتقل أمرك؛ فإنك من الانبساط والغفلة على شفا جُرُفٍ، وليكن حزنك على زلاتك شاغلًا لك عن مراداتك، فقد كان الحسن البصري شديد الخوف، فلما قيل له في ذلك؟ قال: وما يؤمنني أن يكون اطلع على بعض ذنوبي فقال: اذهب؛ لا غفرت لك؟!

стр. 224

ما عرف الله ولا من خاف منه ... ٨٦- فصل: ما عرف الله إلا من خاف منه ٤٣٣- أعجب العجب دعوى المعرفة مع البعد عن العرفان بالله! ما عرفه إلا من١ خاف منه، فأما المطمئن، فليس من أهل المعرفة. ٤٣٤- وفي المتزهدين أهل تغفيل، يكاد أحدهم يوقن٢ أنه ولي محبوب ومقبول! وربما توالت عليه ألطاف ظنها كرامات، ونسي الاستدراج٣، الذي لفت مساكنته الألطاف! وربما احتقر غيره، وظن أن محلته٤ محفوظة به! تغره ركيعات يتنصب فيها، أو عبادة ينصب٥ بها! وربما ظن أنه قطب الأرض! وأنها لا ينال مقامه بعده أحد!! ٤٣٥- وكأنه ما علم أنه بينا٦ موسى ﵇ مكالم، نبئ يوشع! وبينا زكريا ﵇ مجاب الدعوة، نشر بالمنشار! وبينا يحيى ﵇ يوصف بأنه سيد، سلط عليه كافر احتز رأسه! وبينا بلعام٧ معه الاسم الأعظم، صار مثله كمثل الكلب! وبينا الشريعة يعمل بها، نسخت، وبطل حكمها! وبينا البدن معمور، خرب، وسلط البلى٨ عليه! وبينا العالم يدأب حتى ينال مرتبة يعتقدها، نشأ طفل في زمانه، ترقى إلى سبر عيوبه وغلطه، وكم من متكلم يقول: ما مثلي! لو عاش فسمع ما حدث بعده من الفصاحة، عد نفسه أخرس! هذا وعظ ابن السماك٩ وابن عمار١٠ وابن

стр. 225

سمعون١، لا يصلح لبعض تلامذتنا ولا يرضاه. فكيف يعجب من ينفق٢ شيئًا؟! وبما أتى بعدنا من لا يعدنا!! فالله الله من مساكنة مسكن، ومخالفة مقام ... وليكن المتيقظ على انزعاجٍ، محتقرًا للكثير من طاعاته، خائفًا على نفسه من تقلباته، ونفوذ الأقدار فيه. واعلم أن تلمح هذه الأشياء التي أشرت إليها يضرب عنق العجب، ويذهب كِبْرَ الكِبْرِ ٣.

стр. 226

٨٧- فصل: المعرفة التي توجب الرضا والصبر ٤٣٦- من عاش مع الله طيب النفس١ في زمن السلامة، خفت عليه زمن البلاء، فهناك المحك. إن الملك بينا يبني نقض، وبينا يعطي سلب، فطيب النفس٤ والرضا هناك يبين٢ فأما من تواصلت لديه النعم؟ فإنه يكون طيب القلب لتواصلها، فإذا مسته نفحة من البلاء، فبعيد ثباته. قال الحسن البصري: كانوا يتساوون في وقت النعم، فإذا نزل البلاء، تباينوا٣. ٤٣٧- فالعاقل من أعد ذخرًا، وحصل زادًا، وازداد من العدد، للقاء حرب البلاء، ولا بد من لقاء البلاء، ولو لم يكن إلا عند صرعة الموت؛ فإنها إن نزلت

стр. 227

-والعياذ بالله- فلم تجد معرفة توجب الرضا أو الصبر، أخرجت إلى الكفر. ولقد سمعت بعض من كنت أظن فيه كثرة الخير، وهو يقول في ليالي موته: ربي هو ذا يظلمني! فلم أزل منزعجًا مهتمًا بتحصيل عدةٍ ألقى بها ذلك اليوم١. كيف، وقد روي أن الشيطان يقول لأعوانه في تلك الساعة: عليكم بهذا، فإن فاتكم، فلم تقدروا عليه؟! ٤٣٨- وأي قلب يثبت عند إمساك النفس، والأخذ بالكظم٢، ونزع النفس، والعلم بمفارقة المحبوبات إلى ما لايدري ما هو، وليس في ظاهره إلا القبر والبلاء. ٤٣٩- فنسأل الله يقينًا يقينًا٣ شر ذلك اليوم، لعلنا نصبر للقضاء أو نرضى به، ونرغب إلى مالك الأمور في أن يهب لنا من فواضل نعمه على أحبابه، حتى يكون لقاؤه أحب إلينا من بقائنا، وتفويضنا إلى تقديره أشهى لنا من اختيارنا. ونعوذ بالله من اعتقاد الكمال لتدبيرنا، حتى إذا انعكس علينا أمر، عدنا إلى القدر بالتسخط، وهذا هو الجهل المحض والخذلان الصريح، أعاذنا الله منه.

стр. 228

٨٨- فصل: صفة العارف ٤٤٠- ليس في الدنيا ولا في الآخرة أطيب عَيْشًا من العارفين بالله . فإن العارف به مستأنس به في خلوته، فإن عمت نعمة، علم من أهداها، وإن مَرَّ مُرٌّ حلا مذاقة في فيه، لمعرفته بالمبتلي، وإن سأل فتعوق مقصوده، صار مراده ما جرى به القدر، علا منه بالمصلحة، بعد يقينه بالحكمة، وثقته بحسن التدبير. ٤٤١- وصفة العارف: أن قلبه مراقب لمعروفه١، قائم بين يديه، ناظر بعين اليقين إليه، فقد سرى من بركة معرفته إلى الجوارح ما هذبها. فإن نطقت فلم أنطق بغيركم ... وإن سكت فأنتم عقد إضماري

стр. 229

٤٤٢- إذا تسلط على العارف أَذًى، أعرض نظره عن السبب، ولم ير سوى المسبب، فهو في أطيب عيش معه: إن سكت، تفكر في إقامة حقه، وإن نطق، تكلم بما يرضيه، لا يسكن قلبه إلى زوجة ولا إلى ولد، ولا يتشبث بذيل محبة أحدٍ؛ وإنما يعاشر الخلق ببدنه، وروحه عند مالك روحه. فهذا الذي لا هَمَّ عليه في الدنيا، ولا غم عنده وقت الرحيل عنها، ولا وحشة له في القبر، ولا خوف عليه يوم المحشر. ٤٤٣- فأما من عدم المعرفة، فإنه معثر: لا يزال يضج من البلا؛ لأنه لا يعرف المبتلي، ويستوحش لفقد غرضه؛ لأنه لا يعرف المصلحة، ويستأنس بجنسه؛ لأنه لا معرفة بينه وبين ربه، ويخاف من الرحيل؛ لأنه لا زاد له، ولا معرفة بالطريق. ٤٤٤- وكم من عالم وزاهد لم يرزقا من المعرفة إلا ما رزقه العامي البطال! وربما زاد عليهما! وكم من عامي رزق منها ما لم يرزقاه مع اجتهادهما! وإنما هي مواهب وأقسام١: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] .

стр. 230

٨٩- فصل: لا تبع عزَّ التقوى بذل المعاصي ٤٤٥- بالله عليك يا مرفوع القدر بالتقوى، لا تبع عزها بذل المعاصي! وصابر عطش الهوى في هجير١ المشتهى، وإن أمض٢ وأرمض٣، فإن بلغت النهاية من الصبر، فاحتكم وقل، فهو مقام "من لو أقسم على الله لأبره". ٤٤٦- تالله لولا صبر عمر، ما انبسطت يده بضرب الأرض بالدرة٤. ولولا جد أنس بن النضر في ترك هواه، وقد سمعت من آثار عزمته: "لئن أشهدني الله مشهدًا؛ ليرين الله ما أَصْنَعُ" فأقبل يوم أُحُدٍ يقاتل حتى قتل، فلم يعرف إلا ببنانه٥،

стр. 231

فلولا هذا العزم، ما كان انبساط وجهه١ يوم حلف: والله، لا تكسر سن الربيع٢. ٤٤٧- بالله عليك، تذوق حلاوة كف الكف عن المنهيِّ؛ فإنها شجرة تثمر عز الدنيا وشرف الآخرة، ومتى اشتد عطشك إلى ما تهوى، فابسط أنامل الرجاء إلى من عنده الري الكامل، وقل: قد عيل صبر٣ الطبع في سنيه العجاف٤، فعجل لي العام الذي فيه أغاث وأعصر. ٤٤٨ بالله عليك، تفكر فيمن قطع أكثر العمر في التقوى والطاعة، ثم عرضت له فتنة في الوقت الأخير، كيف نطح مركبه الجرف٥ فغرق وقت الصعود! أف والله للدنيا -لا بل للجنة- إن أوجب نيلها إعراض الحبيب! ٤٤٩ إنما نسب العامي باسمه واسم أبيه، أما ذوو الأقدار، فالألقاب قبل الأنساب قل لي: من أنت؟ وما عملك؟ وإلى أي مقام ارتفع قدرك؟ ٤٥٠ يا من لا يصبر لحظة عما يشتهي! بالله عليك، أتدري من الرجل؟! الرجل -والله- من إذا خلا بما يحب من المحرم، وقدر عليه، وتقلقل عطشًا إليه، نظر إلى نظر الحق إليه، فاستحى من إجالة همة فيما يكرهه، فذهب العطش. ٤٥١ كأنك لا تترك لنا إلا ما لا تشتهي، أو ما لا تصدق الشهوة فيه، أو ما لا تقدر عليه!! كذا والله عادتك! إذا تصدقت، أعطيت كسرة لا تصلح لك، أو في جماعة يمدحونك.

стр. 232

هيهات! والله، لا نلت ولا يتنا حتى تكون معاملتك لنا خالصةً، تبذل أطايبك، وتترك مشتهياتك، وتصبر على مكروهاتك، عِلْمًا منك -إن كنت معاملًا- بأنك أجير، وما غربت الشمس١ فإن كنت محبًّا، رأيت ذلك قليلًا في جنب رضا حبيبك عنك. وما كلامنا مع الثالث٢.

стр. 233

٩٠- فصل: ثبتت حكمة الله في حكمه وملكه ٤٥٢- رأيت في العقل نوع منازعة للتطلع إلى [معرفة] جميع حكم الحق في حكمه! فربما لم يتبين له بعضها -مثل النقض بعد البناء- فيقف متحيرًا! وربما انتهز الشيطان تلك الفرصة، فوسوس إليه: أين الحكمة من هذا؟! فقلت له: احذر أن تخدع يا مسكين! فإنه قد ثبت [عندك] بالدليل القاطع -لما رأيت من إتقان الصنائع-[مبلغ] حكمة الصانع؛ فإن خفي عليك بعض الحكم، فلضعف إدراكك. ٤٥٣- ثم ما زالت للملوك أسرار، فمن أنت حتى تطلع بضعفك على جميع حكمه؟! يكفيك الجمل! وإياك إياك أن تتعرض لما يخفي عليك، فإنك بعض موضوعاته، وذرة من مصنوعاته، فكيف تتحكم على من صدرت عنه؟! ٤٥٤- ثم قد ثبتت عندك حكمته في حكمه وملكه، فأعمل آلتك على قدر قوتك في مطالعة ما يمكن من الحكم، فإنه سيورثك الدهش! وغمض عما يخفى عليك، فحقيق بذي البصر الضعيف ألا يقاوي١ نور الشمس.

стр. 234

٩١- فصل: أعجب الأشياء مجاهدة النفس ٤٥٥- أعجب الأشياء مجاهدة النفس؛ لأنها تحتاج إلى صناعة عجيبةٍ: فإن

стр. 235

أقوامًا أطلقوها فيما تحب، فأوقعتهم فيما كرهوا، وإن أقوَامًا بالغوا في خلافها، حتى منعوها حقَّهَا، وظلموها، وأثر ظلمهم لها في تعبداتهم، فمنهم: من أساء غذاءها، فأثر ذلك ضعف بدنها عن إقامة واجبها، ومنهم: من أفردها في خلوة، أثمرت الوحشة من الناس، وآلت إلى ترك فرض أوفضل، من عيادة مريض، أو بر والدة. وإنما الحازم من تعلم منه نفسه الجد وحفظ الأصول، فإذا فسح لها في مباح، لم تتجاسر أن تتعداه، فيكون معها كالملك إذا مازح بعض جنده، فإنه لاينبسط إليه الغلام، فإن انبسط، ذكر هيبة المملكة. فكذلك المحقق، يعطيها حظها، ويستوفي منها ما عليها.

стр. 236

٩٢- فصل: البدار البدار قبل الفوات ٤٥٦- رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعًا عجيبًا: إن طال الليل، فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب فيه غزاة وسمر! وإن طال النهار، فبالنوم! وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق! فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة، وهي تجري بهم، وما عندهم خبر! ٤٥٧- ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود، فهم في تعبئة الزاد، والتأهب للرحيل، إلا أنهم يتفاوتون، وسبب تفاوتهم قلة العلم وكثرته، بما ينفق في بلد الإقامة١، فالمتيقظون منهم يتطلعون إلى الأخبار بالنافق هناك، فيستكثرون منه، فيزيد ربحهم، والغافلون منهم يحملون ما اتفق، وربما خرجوا لا مع خفير٢، فكم ممن قد قطعت عليه الطريق فبقي مفلسًا! فالله الله في مواسم العمر! والبدار البدار قبل الفوات! واستشهدوا العلم، واستبدلوا الحكمة، ونافسوا الزمان، وناقشوا النفوس، واستظهروا بالزاد، فكان قد حَدَا الحادي، فلم يفهم صوته من وقع دمع الندم.

стр. 237

٩٣- فصل: تخليط أرباب الآخرة ٤٥٨- أضر ما على المريض التخليط١، وما من أحد إلا وهو مريض بالهوى. والحمية عنه رأس الدواء، والتخليط يديم المرض. ٤٥٩- وتخليط أرباب الآخرة على ضربين: أحدهما: تخليط العلماء، وهو إما لمخالطة الأضداد كالسلاطين، فإنهم يضعفون قوى يقينهم، كلما زادت المخالطة، "ويفقدون"٢ دليلهم عند المريدين، فإني إذا رأيت طبيبًا يخلط ويحميني، شككت أو وقفت. والثاني: تخليط الزهاد، وقد يكون بمخالطة أرباب الدنيا، وقد يكون بحفظ الناموس في إظهار التخشع، لاجتلاب محبة العوام. فالله الله، فإن ناقد الجزاء بصير، والإخلاص في الباطن، والصدق في القلب، ونعم طريق السلامة ستر الحال.

стр. 238

٩٤- فصل: أنفع المشايخ في صحبته العامل بعلمه ٤٦٠- لقيت مشايخ، أحوالهم مختلفة، يتفاوتون في مقاديرهم في العلم، وكان أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعلمه، وإن كان غيره أعلم منه. ٤٦١- ولقيت جماعةً من علماء الحديث يحفظون ويعرفون، ولكنهم كانوا يتسامحون بغيبة يخرجونها مخرج جرح وتعديل، ويأخذون على قراءة الحديث أجرة، ويسرعون بالجواب، لئلا ينكسر الجاه، وإن وقع خطأ. ٤٦٢- ولقيت عبد الوهاب الأنماطيَّ، فكان على قانون السف، لم تسمع في مجلسه غيبةٌ، ولا كان يطلب أجرًا على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق، بكى، واتصل بكاؤه، فكان -وأنا صغير السن حينئذ- يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل.

стр. 239

٤٦٣- ولقيت الشيخ أبا منصور الجَوَالِيْقِيَّ١، فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما يقول، متقنًا، محققًا، وربما سئل المسألة الظاهرة، التي يبادر بجوابها بعض غلمانه، فيتوقف فيها حتى يتيقن، وكان كثير الصوم والصمت، فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول. ٤٦٤- ورأيت مشايخ كانت لهم خلوات في انبساط ومزاح، فراحوا عن القلوب، وبدد تفريطهم ما جمعوا من العلم، فقل الانتفاع بهم في حياتهم، ونسوا بعد مماتهم، فلا يكاد أحد يلتفت٢ إلى مصنفاتهم. فالله الله في العلم بالعمل، فإنه الأصل الأكبر. والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به، ففاتته لذات الدنيا وخيرات الآخرة، فقدم مفلسًا، على قوة الحجة عليه.

стр. 240

٩٥- فصل: إن الله يمهل ليبلو صبر الصابر ٤٦٥- سبحان الملك العظيم، الذي من عرفه خافه، وما أمن مكره قط من١ عرفه. ٤٦٦- لقد تأملت أمرًا عظيمًا: أنه يمهل حتى كأنه يهمل، فترى أيدي العصاة مطلقة، كأنه لا مانع؛ فإذا زاد الانبساط، ولم ترعو٢ العقول، أخذ أخذ جبار؛ وإنما كان ذلك الإمهال ليبلو صبر الصابر، وليملي في الإمهال للظالم، فيثبت هذا على صبره، ويجزي هذا بقبيح فعله، مع أن هنالك من الحلم في طي ذلك ما لا نعلمه، فإذا أخذ أخذ عقوبة، رأيت على كل غلطة تبعة، وربما جمعت، فضرب العاصي بالحجر الدامغ.

стр. 241

وربما خفي على الناس سبب عقوبته، فقيل: فلان من أهل الخير، فما وجه ما جرى له؟! فيقول القدر: حدود لذنوب خفية، صار استيفاؤها ظاهرًا. فسبحان من ظهر حتى لا خفاء به، واستتر حتى كأنه لا يعرف، وأمهل حتى طمع في مسامحته، وناقش حتى تحيرت العقول من مؤاخذته، لا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 242

٩٦- فصل: الجمع بين العلم والمعاملة ٤٦٧- تأملت العلم والميل إليه، والتشاغل به؛ فإذا هو يقوي القلب قوة تميل به إلى نوع قساوة، ولولا قوة القلب، وطول الأمل، لم يقع التشاغل به، فإني أكتب الحديث أرجو أن أرويه، وأبتدئ بالتصنيف أرجو أن أتمه. فإذا تأملت باب المعاملات١، قل الأمل٢، ورق القلب، وجاءت الدموع، وطابت المناجاة، وغشيت السكينة، وصرت كأني في مقام المراقبة. إلا أن العلم أفضل، وأقوى حجة، وأعلى رتبة، وإن حدث منه ما شكوت منه. والمعاملة؛ وإن كثرت الفوائد التي أشرت إليها منها، فإنها قريبة إلى أحوال الجبان الكسلان، الذي قد اقتنع بصلاح نفسه عن هداية غيره، وانفرد بعزلته عن اجتذاب الخلق إلى ربهم. فالصواب العكوف على العلم، مع تلذيع النفس بأسباب المرفقات تلذيعًا لا يقدح في كمال التشاغل بالعلم. فإني لأكره لنفسي من وجهة ضعف قلبي ورقته أن أكثر زيارة القبور، وأن أحضر المحتضرين؛ لأن ذلك يؤثر في فكري، ويخرجني من حيز المتشاغلين بالعلم إلى مقام الفكر في الموت، ولا أنتفع بنفسي مدة. ٤٦٨- وفصل الخطاب في هذا أنه ينبغي أن يقاوم المرض بضده: فمن كان قلبه قاسيًا شديد القسوة، وليس عنده من المراقبة ما يكفه عن الخطأ، قوم ذلك بذكر الموت، ومحاضرة المحتضرين. فأما من قلبه شديد الرقة، فيكفيه ما به؛ بل ينبغي له أن يتشاغل بما ينسيه

стр. 243

ذلك، لينتفع بعيشه، وليفهم ما يفتي به، وقد كان الرسول ﷺ يمزح١، ويسابق عائشة رضي الله عنها٢، ويتلطف بنفسه٣. فمن سار سيرته ﵊، فهم من مضمونها ما قلته من ضرورة التلطف بالنفس.

стр. 244

٩٧- فصل: نعوذ بالله من طول الأمل ٤٦٩- أظرف الأشياء إفاقة المحتضر عند موته؛ فإنه ينتبه انتباهًا لا يوصف، ويقلق قلقًا لا يحد، ويتلهف على زمانه الماضي، ويود لو ترك "كي يتدارك ما فاته"١، ويصدق "في" توبته على مقدار يقينه بالموت، ويكاد يقتل نفسه قبل موتها بالأسف. ولو وجدت ذرة من تلك الأحوال في أوان العافية، حصل كل مقصود من العمل بالتقوى. فالعاقل من مثل تلك الساعة، وعمل بمقتضى ذلك؛ فإن لم يتهيأ تصوير ذلك على حقيقته، تخايله على قدر يقظته، فإنه يكف كف الهوى، ويبعث على الجد. ٤٧٠- فَأَمَّا من كانت تلك الساعة نصب عينيه، كان كالأسير لها، كما روي عن حبيب العجمي٥: أنه كان إذا أصبح، يقول لامرأته: إذا مت اليوم، ففلان يغسلني، وفلان يحملني. ٤٧١ وقال معروف لرجل: صل بنا الظهر! فقال: إن صليت بكم الظهر، لم أصل بكم العصر: فقال: وكأنك تؤمل أن تعيش إلى العصر؟! نعوذ بالله من طول الأمل. وذكر رجل رجلًا بين يديه بغيبةٍ، فجعل معروف يقول له: اذكر القطن إذا وضعوه على عينيك!

стр. 245

٩٨- فصل: أخذ الإشارات من الأشعار ٤٧٢- ربما أخذ المتيقظ بيت شِعْرٍ، فأخذ منه إشارةً، فانتفع بها، قال الجُنَيْدُ: ناولني سري رقعة، مكتوب فيها: سمعت حاديًا١ في طريق مكة شرفها الله تعالى يقول: أَبْكِي وما يدريك ما يبكيني ... أبكي حذار أن تفارقيني وتقطعي حبلي وتهجريني فانظر -رحمك الله ووفقك- إلى تأثير هذه الأبيات عند سَرِيٍّ، حتى أحب أن يطلع منها الجنيد على ما اطلع عليه، ولم يصلح للاطلاع على مثلها إلا الجنيد. فإن أقوامًا فيهم كثافة طبع وخشونة فهم، قال بعضهم لما سمع مثل هذه: إلام يشار بهذه؟ إن كان إلى الحق، فالحق لا يشار إليه بلفظ تأنيث، وإن كان إلى امرأة، فأين الزهد؟! ولعمري إن هذا حداء أهل الغفلة إذا سمعوا مثل هذا، ولذلك ينهى عن سماع القصائد وأقوال أهل الغناء؛ لأن الغالب حمل تلك الأبيات على مقاصد النفس وغلبات الهوى. ومن أين لنا مثل الجنيد وَسَرِيٍّ؟! وإذا وجدنا مثلهما، فهما خبيران بما يسمعان. ٤٧٣- وأما اعتراض هذا الكثيف الطبع، فالجواب: أن سريا لم يأخذ الإشارة من اللفظ، ولم يقس ذلك على مطلوبه، فيصيره تأنيثًا أو تذكيرًا؛ وإنما أخذ الإشارة من المعني، فكأنه يخاطب حبيبه بمعنى الأبيات، فيقول: أبكي حذارًا من إعراضك وإبعادك! فهذا الحاصل له، وما التفت قط إلى تذكير ولا إلى تأنيث، فافهم هذا٢! ٤٧٤- وما زال المتيقظون يأخذون الإشارة من مثل هذا، حتى كانوا يأخذونها من هذا الذي تقوله العامة ويلقبونه بـ "كان وكان"٣.

стр. 246

فرأيت بخط ابن عقيل، عن بعض مشايخه الكبار أنه سمع امرأةً تنشدُ: غسلت له طول الليل ... فركت له طول النهار خرج يعاين غيري ... زلق وقع في الطين فأخذ من ذلك إشارة معناها: يا عبدي! إني حسنت خلقك، وأصلحت شأنك، وقومت بنيتك، فأقبلت على غيري، فانظر عواقب خلافك لي! وقال ابن عقيل: وسمعت امرأة تقول من هذا "الكان وكان"١، "وكانت" كلمة بقيت في قلقها٢ مدةً: كم كنت بالله أقول لك ... لذا التواني غائله وللقبيح خميره ... تبين بعد قليل قال ابن عقيل: فما أوقعه من تخجيل على إهمالنا لأمور غدًا تبين خمائرها٣ بين يدي الله تعالى!

стр. 247

٩٩- فصل: الورع الأخذ بالأحوط في اتقاء الشبهات ٤٧٥- أمكنني تحصيل شيءٍ من الدنيا بنوع من أنواع الرخص، فكنت كلما حصل شيء منه، فاتني من قلبي شيء، وكلما استنارت لي طريق التحصيل، تجدد في قلبي ظلمة. فقلت: يا نفس السوء! الإثم حواز القلوب١، وقد قال "النبي ﷺ ": "استفت قلبك"٢، فلا خير في الدنيا كلها إذا كان في القلب من تحصيلها شيء أوجب نوع كدر، وإن الجنة لو حصلت بسبب يقدح في الدين أو في المعاملة، ما لذت! والنوم على المزابل مع سلامة القلب من الكدر ألذ من تكأة الملوك.

стр. 248

٤٧٦- ومازلت أغلب نفسي تارةً، وتغلبني أخرى، ثم تدعي الحاجة إلى تحصيل ما لا بد لها منه، وتقول: فما أتعدى في الكسب المباح في الظاهر! فقلت لها: أو ليس الورع يمنع من هذا؟ قالت: بلى، قلت: أليست القسوة في القلب تحصل به؟ قالت: بلى. قلت: فلا خير لك في شيء هذا ثمرته! ٤٧٧- فخلوت يومًا بنفسي، فقلت لها: ويحك! اسمعي أحدثك! إن جمعت شيئًا من الدنيا من وجه فيه شبهة، أفأنت على يقين من إنفاقه؟ قالت: لا. قلت: فالمحنة أن يحظى به الغير، ولا تنالين إلا الكدر العاجل، والوزر الذي لا يؤمن. ويحك! اتركي هذا الذي يمنع منه الورع لأجل الله، فعامليه بتركه. وكأنك لا تريدين أن١ تتركي إلا ما هو محرم فقط، أو ما لا يصح وجهه؟ أو ما سمعت أن: "من ترك شيئًا للهِ، عوضه الله خيرًا منه"٢؟! أما لك عبرة في أقوام جمعوا، فحازه سواهم، وأملوا فما بلغو مناهم؟! كم من عالم جمع كُتُبًا كثيرةً ما انتفع بها! وكم من منتفع ما عنده عشرة أجزاءٍ! وكم من طيب العيش لا يملك دينارين! وكم ن ذي قناطير مُنَغَّصٍ! أما لك فطنة تتلمح أحوال من يترخص من وجهٍ، فيسلب منها من أوجهٍ؟! ربما نزل المرض بصاحب الدار، أو ببعض من فيها، فأنفق في سنته أضعاف ما ترخيص في كسبه، والمتقي معافًى. فضجت النفس من لومي، وقالت: إذا لم أتعد واجب الشرع، فما الذي تريد مني؟! فقلت لها: أضن بك عن الغبن، وأنت أعرف بباطن أمرك. قالت: فقل لي: ما أصنع؟ قلت: عليك بالمراقبة لمن يراك، ومثلي نفسك بحضرة معظم من الخلق؛ فإنك بين يدي الملك الأعظم، يرى من باطنك ما لا يراه المعظمون من ظاهرك، فخذي بالأحوط، واحذري من الترخص في بيع اليقين والتقوى بعاجل الهوى، فإن ضاق الطبع مما تلقين، فقولي له: مهلًا، فما انقضت مدة الإشارة! والله مرشدك إلى التحقيق، ومعينك بالتوفيق.

стр. 249

١٠٠- فصل: إن العقوبة بالمرصاد ٤٧٨- مازلت أسمع عن جماعة من الأكابر وأرباب المناصب أنهم: يشربون الخمور، ويفسقون، ويظلمون، ويفعلون أشياء توجب الحدود! فبقيت أتفكر، أقول: متى يثبت على مثل هؤلاء ما يوجب حدًّا؟ فلو ثبت، فمن يقيمه؟ وأستبعد هذا في العادة؛ لأنهم في مقام احترام لأجل مناصبهم. فبقيت أتفكر في تعطيل الحد الواجب عليهم، حتى رأيناهم قد نكبوا، وأخذوا مرات، ومرت عليهم العجائب، فقوبل ظلمهم بأخذ أموالهم، وأخذت منهم الحدود مضاعفة بعد الحبس الطويل، والقيد الثقيل، والذل العظيم، وفيهم من قتل بعد ملاقاة كل شدة! فعلمت أنها ما يهمل شيء! فالحَذَرَ الحَذَرَ، فإن العقوبة بالمرصاد.

стр. 250

١٠١- فصل: اجتهاد العاقل فيما يصلحه لازم ٤٧٩- اجتهاد العاقل فيما يصلحه لازم له بمقتضى العقل والشرع. فمن ذلك حفظ ماله، وطلب تنميته، والرغبة في زياداته -لأن١ سبب بقاء الإنسان ماله- فقد نهي عن التبذير فيه: فقيل له: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فاعلم أنه سبب لبقائه: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] ، أي: قوامًا لمعاشكم. وقال : ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] . وقال تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] . وقال تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] . ٤٨٠- ومن فضيلة المال: أن الله تعالى قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، وقال تعالى: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٦١] ، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ [الحديد: ١٠] . ٤٨١- وجعل المال نعمة، وزكاته تطهيرًا: فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً
следующие страницы →