← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فرأيت بخط ابن عقيل، عن بعض مشايخه الكبار أنه سمع امرأةً تنشدُ: غسلت له طول الليل ... فركت له طول النهار خرج يعاين غيري ... زلق وقع في الطين فأخذ من ذلك إشارة معناها: يا عبدي! إني حسنت خلقك، وأصلحت شأنك، وقومت بنيتك، فأقبلت على غيري، فانظر عواقب خلافك لي! وقال ابن عقيل: وسمعت امرأة تقول من هذا "الكان وكان"١، "وكانت" كلمة بقيت في قلقها٢ مدةً: كم كنت بالله أقول لك ... لذا التواني غائله وللقبيح خميره ... تبين بعد قليل قال ابن عقيل: فما أوقعه من تخجيل على إهمالنا لأمور غدًا تبين خمائرها٣ بين يدي الله تعالى!

стр. 247

٩٩- فصل: الورع الأخذ بالأحوط في اتقاء الشبهات ٤٧٥- أمكنني تحصيل شيءٍ من الدنيا بنوع من أنواع الرخص، فكنت كلما حصل شيء منه، فاتني من قلبي شيء، وكلما استنارت لي طريق التحصيل، تجدد في قلبي ظلمة. فقلت: يا نفس السوء! الإثم حواز القلوب١، وقد قال "النبي ﷺ ": "استفت قلبك"٢، فلا خير في الدنيا كلها إذا كان في القلب من تحصيلها شيء أوجب نوع كدر، وإن الجنة لو حصلت بسبب يقدح في الدين أو في المعاملة، ما لذت! والنوم على المزابل مع سلامة القلب من الكدر ألذ من تكأة الملوك.

стр. 248

٤٧٦- ومازلت أغلب نفسي تارةً، وتغلبني أخرى، ثم تدعي الحاجة إلى تحصيل ما لا بد لها منه، وتقول: فما أتعدى في الكسب المباح في الظاهر! فقلت لها: أو ليس الورع يمنع من هذا؟ قالت: بلى، قلت: أليست القسوة في القلب تحصل به؟ قالت: بلى. قلت: فلا خير لك في شيء هذا ثمرته! ٤٧٧- فخلوت يومًا بنفسي، فقلت لها: ويحك! اسمعي أحدثك! إن جمعت شيئًا من الدنيا من وجه فيه شبهة، أفأنت على يقين من إنفاقه؟ قالت: لا. قلت: فالمحنة أن يحظى به الغير، ولا تنالين إلا الكدر العاجل، والوزر الذي لا يؤمن. ويحك! اتركي هذا الذي يمنع منه الورع لأجل الله، فعامليه بتركه. وكأنك لا تريدين أن١ تتركي إلا ما هو محرم فقط، أو ما لا يصح وجهه؟ أو ما سمعت أن: "من ترك شيئًا للهِ، عوضه الله خيرًا منه"٢؟! أما لك عبرة في أقوام جمعوا، فحازه سواهم، وأملوا فما بلغو مناهم؟! كم من عالم جمع كُتُبًا كثيرةً ما انتفع بها! وكم من منتفع ما عنده عشرة أجزاءٍ! وكم من طيب العيش لا يملك دينارين! وكم ن ذي قناطير مُنَغَّصٍ! أما لك فطنة تتلمح أحوال من يترخص من وجهٍ، فيسلب منها من أوجهٍ؟! ربما نزل المرض بصاحب الدار، أو ببعض من فيها، فأنفق في سنته أضعاف ما ترخيص في كسبه، والمتقي معافًى. فضجت النفس من لومي، وقالت: إذا لم أتعد واجب الشرع، فما الذي تريد مني؟! فقلت لها: أضن بك عن الغبن، وأنت أعرف بباطن أمرك. قالت: فقل لي: ما أصنع؟ قلت: عليك بالمراقبة لمن يراك، ومثلي نفسك بحضرة معظم من الخلق؛ فإنك بين يدي الملك الأعظم، يرى من باطنك ما لا يراه المعظمون من ظاهرك، فخذي بالأحوط، واحذري من الترخص في بيع اليقين والتقوى بعاجل الهوى، فإن ضاق الطبع مما تلقين، فقولي له: مهلًا، فما انقضت مدة الإشارة! والله مرشدك إلى التحقيق، ومعينك بالتوفيق.

стр. 249

١٠٠- فصل: إن العقوبة بالمرصاد ٤٧٨- مازلت أسمع عن جماعة من الأكابر وأرباب المناصب أنهم: يشربون الخمور، ويفسقون، ويظلمون، ويفعلون أشياء توجب الحدود! فبقيت أتفكر، أقول: متى يثبت على مثل هؤلاء ما يوجب حدًّا؟ فلو ثبت، فمن يقيمه؟ وأستبعد هذا في العادة؛ لأنهم في مقام احترام لأجل مناصبهم. فبقيت أتفكر في تعطيل الحد الواجب عليهم، حتى رأيناهم قد نكبوا، وأخذوا مرات، ومرت عليهم العجائب، فقوبل ظلمهم بأخذ أموالهم، وأخذت منهم الحدود مضاعفة بعد الحبس الطويل، والقيد الثقيل، والذل العظيم، وفيهم من قتل بعد ملاقاة كل شدة! فعلمت أنها ما يهمل شيء! فالحَذَرَ الحَذَرَ، فإن العقوبة بالمرصاد.

стр. 250

١٠١- فصل: اجتهاد العاقل فيما يصلحه لازم ٤٧٩- اجتهاد العاقل فيما يصلحه لازم له بمقتضى العقل والشرع. فمن ذلك حفظ ماله، وطلب تنميته، والرغبة في زياداته -لأن١ سبب بقاء الإنسان ماله- فقد نهي عن التبذير فيه: فقيل له: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فاعلم أنه سبب لبقائه: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] ، أي: قوامًا لمعاشكم. وقال : ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] . وقال تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] . وقال تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] . ٤٨٠- ومن فضيلة المال: أن الله تعالى قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، وقال تعالى: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٦١] ، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ [الحديد: ١٠] . ٤٨١- وجعل المال نعمة، وزكاته تطهيرًا: فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً

стр. 251

تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، قال ﷺ : "نعم المال الصالح للرجل الصالح"، وقال: "ما نفعني مال كمال أبي بَكْرٍ". وكان أبو بكر ﵁ يخرج إلى التجارة، ويترك رسول الله ﷺ ، فلا ينهاه عن ذلك. ٤٨٢- وقال عمر بن الخطاب ﵁: "لأن أموت بين شعبتي جبل، أطلب كفاف وجهي؛ أحب إلي من أن أموت غازيًا في سبيل الله". ٤٨٣- وكان جماعة من الصحابة ﵃ يتجرون، ومن سادات التابعين سعيد بن المسيب، مات وخلف مالًا، وكان يحتكر الزيت١. وما زال السلف على هذا. ٤٨٤- ثم قد تعرض نوائب -كالمرض- يحتاج فيها إلى شيءٍ من المال، فلا يجد الإنسان بدًّا من الاحتيال في طلبه٢، فيبذل عرضه أو دينه. ٤٨٥- ثم للنفس قوة بدنية عند وجود المال، وهو معدود عند الأطباء من الأدوية، حكمة وضعها الواضع. ٤٨٦- وإنما نبغ أقوام، طلبوا طريق الراحة، فادعوا أنهم متوكلة، وقالوا: نحن لا نمسك شيئًا، ولا نتزود لسفر، ورزق الأبدان يأتي! وهذا على مضادة الشرع: فإن رسول الله ﷺ نهى عن إضاعة المال٣، وموسى ﵇ لما سافر في طلب الخضر تزود٤، ونبينا ﷺ لما هاجر تزود٥، وأبلغ من هذا قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] ٦. ثم يدعي هؤلاء المتصوفة بغض الدنيا، فلا يفهمون ما الذي يبتغي أن يبغض، ويرون زيادة الطلب للمال حرصًا وشرهًا!!

стр. 252

وفي الجملة، إنما اخترعوا بآرائهم طريقًا: فيها شيء من الرهبانية إذا صدقوا، وشيء من البهرجة١ [إذ] ٢ نصبوا شباك الصيد بالتزهد! فسموا ما يصل إليهم من الأرزاق فتوحًا٣!! ٤٨٧- قال ابن قتيبة٤ في "غريب الحديث" عند شرح قوله ﷺ : "واليد العليا ... "٥، قال: "هي المعطية". قال: "فالعجب عندي من قوم يقولون: هي الآخذة! ولا أرى هؤلاء القوم إلا قومًا استطابوا السؤال، فهم يحتجون للدناءة، فأما الشرائع، فإنها بريئة من حالهم". ٤٨٨- وفي الحديث٦: ضاق البلد بمواشي إبراهيم وَلُوْطٍ ﵉ فافْتَرَقا. ٤٨٩- وكان شعيب ﵇ كثير المال، ثم قد ند طمعه في زيادة الأجر من موسى ﵇، فقال: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧] . ٤٩٠- وكان ابن عقيل ﵀ يقول: من قال: إني لا أحب الدنيا، فهو كذاب، فإن يعقوب ﵇ لما طلب منه ابنه بنْ يامين٧، قال: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٤] فقالوا: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] فقال: خُذُوْهُ. ٤٩١- وقال بعض السلف: من ادعى بغض الدنيا، فهو عندي كذاب إلى أن يثبت صدقه، فإذا ثبت صدقه، فهو مجنون. ٤٩٢- وقد نفر جماعة من المتصوفة خلقًا من الخلق عن الكسب، وأوحشوا بينهم وبينه، وهو دأب الأنبياء والصالحين، وإنما طلبوا طريق الراحة، وجلسوا على الفتوح، فإذا شبعوا، رقصوا، فإذا انهضم الطعام، أكلوا، فإذا لاحت لهم حيلة على

стр. 253

غنيٍّ، أوجبوا عليه دعوةً، إما بسبب شكر، أو بسبب استغفار. وأَطَمُّ الطامات ادعاؤهم أن هذا قربةٌ! وقد انعقد إجماع العلماء أن من ادعى الرقص قربة إلى الله تعالى، كفر، فلو أنهم قالوا: مباح، كان أقرب حالًا! وهذا؛ لأن القرب لا تعرف إلا بالشرع، وليس في الشرع أمر بالرقص، ولا ندب إليه١. ٤٩٣- ولقد بلغني عن جماعةٍ منهم أنهم كانوا يوقدون الشمع في وجوه المردان، وينظرون إليهم، فإذا سئلوا عن ذلك، سخروا بالسائل، فقالوا: نعتبر بخلق الله! أفتراهم أقوى من النبي ﷺ حين أجلس الشاب الذي وفد عليه من وراء ظهره، وقال: "وهل كانت فتنة داود إلا من النظر"٢؟! هيهات! لقد تملك الشيطان تلك الأزمة فقادها إلى ما أراد. ٤٩٤- والعجب ممن يذم الدنيا وهو يأكل فيشبع، ولا ينظر من أين المطعم! وما زال صالحوا السلف يفتشون عن المطعم: حتى كان إبراهيم بن أدهم يسهو هو وأصحابه، ويقولون: مع من نعمل إذا، وكان سري السقطي يعرف بطيب الغذاء، وله في الورع مقامات. ٤٩٥- فجاء قوم يتسمون بالصوفية، يدعون اتباع أولئك السادة، ويأكلون من مال فلان، وهم يعرفون أصول تلك الأموال، ويقولون: رزقنا! فوا عَجَبًا! إذ كان الآكل لا يبالي به من أين، ولا لديه امتناع من شهوة ولا تقلل، ولا يخلو الرباط٣ من المطبخ، ولا ينقطع ليلة، وأصله من مال قد عرف من أين هو، والحمام دائر، والمغني يدق بدف فيه جلاجل٤، ورفيقه بالشَّبَّابةِ٥،

стр. 254

وسعدى وليلى في الإنشاد، والمردان في الشمع، ثم يذم الدنيا بعد هذا، فقولوا لنا: من يتلهى بالناس "إلا هؤلاء"؟! ولكن، من مرت عليه زرجنتهم١، فإنه أخس منهم.

стр. 255

١٠٢- فصل: لو صحَّت النفوس لذابت من خوف الله أو لغابت في محبته ٤٩٦- عرض لي في طريق الحج خوف من العرب٢، فسرنا على طريق خيبر٣، فرأيت من الجبال الهائلة، والطرق العجيبة ما أذهلني، وزادت عظمة الخالق في صدري، فصار يعرض لي عند ذكر تلك الطرق نوع تعظيم لا أجده عند ذكر غيرها. فصحت بالنفس: ويحك! اعبري إلى البحر، وانظري إليه، وإلى عجائبه بعين الفكر، تشاهدي أهوالًا هي أعظم من هذه. ثم اخرجي إلى الكون، والتفتي إليه، فإنك ترينه بالإضافة إلى السماوات والأفلاك كذرة في فلاة، ثم جولي في الأفلاك، وطوفي حول العرش، وتلمحي ما في الجنان والنيران. ثم اخرجي عن الكل، والتفتي إليه، فإنك تشاهدين العالم٤ في قبضة القادر الذي لا تقف قدرته عند حد. ثم التفتي إليك، فتلمحي بدايتك ونهايتك، وتفكري فيما قبل البداية، وليس إلا العدم، وفيما بعد البلى، وليس إلا التراب. فكيف يأنس بهذا الوجود من نظر بعين فكره المبدأ والمنتهى؟! وكيف يغفل أرباب٥ القلوب عن ذكر هذا الإله العظيم؟! وبالله، لو صحت النفوس من سكر هواها، لذابت من خوفه، أو لغابت في حبه؛ غير أن الحس غلب، فعظمت قدرة الخالق عند رؤية جبل، وإن الفطنة لو تلمحت المعاني، لدلت القدرة عليه أوفى من

стр. 256

دليل الجبل، سبحان من شغل أكثر الخلق بما هم فيه عَمَّا خلقوا له! سبحانه!

стр. 257

١٠٣- فصل: الواجب الصبر وإن كان الدعاء مشروعًا ٤٩٧- للبلاء نهايات معلومة الوقت عند الله ، فلا بد للمبتلى من الصبر إلى أن ينقضي أوان البلاء، فإن تقلقل١ قبل الوقت، لم ينفع التقلقل، كما أن المادة إذا انحدرت إلى عضو، فإنها لن ترجع، فلا بد من الصبر إلى حين البطالة. فاستعجال زوال البلاء مع تقدير مدته لا ينفع؛ فالواجب الصبر، وإن كان الدعاء مشروعًا، ولا ينفع إلا به. ٤٩٨- إلا أنه لا ينبغي للداعي أن يستعجل، بل يتعبد بالصبر والدعاء، والتسليم إلى الحكيم، ويقطع المواد التي كانت سببًا للبلاء، فإن غالب البلاء أن يكون عقوبة. فأما المستعجل، فمزاحم للمدبر، وليس هذا مقام العبودية؛ وإنما المقام الأعلى هو الرضا، والصبر هو اللازم، والتلاجي٢ بكثرة الدعاء نعم المعتمدة، والاعتراض حرام، والاستعجال مزاحمة للتدبير، فافهم هذه الأشياء، فإنها تهون البلاء.

стр. 258

زاد الصبر ... ١٠٤- فصل: زاد الصابر ٤٩٩- ليس في الوجود شيء أصعب من الصبر: إما عن المحبوب، أو على المكروهات، وخصوصًا إذا امتد الزمان، أو توقع اليأس من الفرج، وتلك المدة تحتاج إلى زاد يقطع به سفرها. ٥٠٠- والزاد يتنوع من أجناس: فمنه: تلمح مقدار البلاء، وقد يمكن أن يكون أكثر، ومنه: أنه في حال فوقها أعظم منه، مثل أن يبتلى بفقد ولد، وعنده. أعز منه، ومن ذلك: رجاء العوض في الدنيا، ومنه: تلمح الأجر في الآخرة، ومنه: التلذذ بتصوير المدح والثناء من الخلق فيما يمدحون عليه، والأجر من الحق .

стр. 259

ومن ذلك أن الجزع لا يفيد، بل يفضح صاحبه. إلى غير ذلك من الأشياء التي يقدحها العقل والفكر، فليس في طريق الصبر نفقة سواها، فينبغي للصابر أن يشغل بها نفسه، ويقطع بها ساعات ابتلائه، وقد صبح المنزل.

стр. 260

١٠٥- فصل: المدعو مالك حكيم ٥٠١- ينبغي لمن وقع في شدة، ثم دعا أن لا يختلج في قلبه أمر من تأخير الإجابة أو عدمها؛ لأن الذي عليه١ أن يدعو، والمدعو مالك حكيم، فإن لم يجب، فعل ما يشاء في ملكه، وإن أخر، فعل بمقتضى حكمته، فالمعترض عليه في سره خارج عن صفة عبد، مزاحم [لمرتبته] ٢، مستحق [لعقوبته] . ٥٠٢- ثم ليعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه. فربما سأل سيلًا سال به! وفي الحديث: "أن رجلًا كان يسأل الله أن يرزقه الجهاد، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت، أسرت، وإن أسرت، تنصرت". فإذا سلم العبد تحكيمًا لحكمته وحكمه، وأيقن أن الكل ملكه، طاب قلبه، قضيت حاجته، أو لم تقض. ٥٠٣- وفي الحديث: "ما من مسلم دعا الله تعالى إلا أجابه: فإما أن يعجلها، وإما أن يؤخرها، وإما أن يدخرها له في الآخرة"٣. فإذا رأى يوم القيامة أن ما أجيب فيه قد ذهب، وما لم يجب فيه قد بقي ثوابه، قال: ليتك لم تجب لي دعوة قط، فافهم هذه الأشياء! وسلم قلبك من أن يختلج فيه ريب أو استعجال.

стр. 261

١٠٦- فصل: رتبة العلماء على الزهاد ٥٠٤- من أراد أن يعرف رتبة العلماء على الزهاد، فلينظر في رتبة جبريل

стр. 262

وميكائيل، ومن خص من الملائكة بولاية تتعلق بالخلق: وباقي الملائكة قيام للتعبد، في مراتب الرهبان في الصوامع. وقد حظي أولئك بالتقريب على مقادير علمهم بالله تعالى. فإذا مر أحدهم بالوحي، انزعج أهل السماء، حتى يخبرهم بالخبر، فـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٢٣] ، كما إذا انزعج الزاهد من حديث يسمعه، سأل العلماء عن صحته ومعناه. فسبحان من خص فريقًا بخصائص شرفوا بها على جنسهم! ٥٠٥- ولا خصيصة أشرف من العلم، بزيادته صار آدم مسجودًا له، وبنقصانه صارت الملائكة ساجدة، فأقرب الخلق من الله العلماء. ٥٠٦- وليس العلم بمجرد صورته هو النافع، بل معناه: وإنما ينال معناه من تعلمه للعمل به، فكلما دله على فضل، اجتهد في نيله، وكلما نهاه عن نقص، بالغ في مباعدته١، فحينئذ يكشف العلم له سره، ويسهل عليه طريقه، فيصير كمجتذب يحث الجاذب، فإذا حركه، عجل في سيره. والذي لا يعمل بالعلم٢، لا يطلعه العلم على غوره، ولا يكشف له عن سره، فيكون كمجذوب لجاذب جاذبه. فافهم هذا المثل، وحسن قصدك، وإلا فلا تتعب.

стр. 263

١٠٧- فصل: أصلح الأمور الاعتدال في كل شيءٍ ٥٠٧- اعلم أن أصلح الأمور الاعتدال في كل شيء، وإذا رأينا أرباب الدنيا قد غلبت آمالهم، وفسدت في الخير أعمالهم، أمرناهم بذكر الموت والقبول والآخرة. ٥٠٨- فأما إذا كان العالم لا يغيب عن ذكره الموت، وأحاديث الآخرة تقرأ عليه، وتجري على لسانه، فتذكاره الموت -زيادة على ذلك- لا يفيد إلا انقطاع بالمرة.

стр. 264

بل ينبغي لهذا العالم الشديد الخوف من الله تعالى، الكثير الذكر للآخرة، أن يشاغل نفسه عن ذكر الموت، ليمتد نفس أمله قليلًا، فيصنف، ويعمل أعمال خير، ويقدر على طلب ولد، فأما إذا لهج بذكر الموت، كانت مفسدته عليه أكثر من مصلحته. ألم تسمع أن النبي ﷺ سابق عاشة ﵂ فسبقته، وسابقها فسبقها، وكان يمزح ويشاغل نفسه؟ فإن مطالعة الحقائق على التحقيق تفسد البدن، وتزعج النفس، وقد روي عن أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: أنه سأل الله تعالى أن يفتح عليه باب الخوف، ففتح عليه، فخاف على عقله، فسأل الله أن يرد ذلك عنه. فتأمل هذا الأصل، فإنه لابد من مغالطة النفس١، وفي ذلك صلاحها. والله الموفق، والسلام.

стр. 265

١٠٨- فصل: الفكر يدل على أشرف المقامات ٥٠٩- من أعمل فكره الصافي؛ دله على طلب أشرف المقامات، ونهاه عن الرضا بالنقص في كل حال، وقد قال أبو الطيب المتنبي١: ولم أر في عيوب الناس عيبًا ... كنقص القادرين على التمام فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه: فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات، لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد، رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض، غير أنه إذا لم يمكن ذلك، فينبغي أن يطلب الممكن. والسيرة الجميلة عند الحكماء: خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل. ٥١٠- وأنا أشرح من ذلك ما يدل مذكوره على مغفله٢: أما في البدن، فليست الصورة داخلة تحت كسب الآدمي، بل يدخل تحت كسبه تحسينها وتزيينها،

стр. 266

فقبيح بالعاقل إهمال نفسه. وقد نبه الشرع على الكل بالبعض، فأمر بقص الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ونهى عن أكل الثوم والبصل النيء، لأجل الرائحة. وينبغي له أن يقيس على ذلك ويطلب غاية النظافة ونهاية الزينة. وقد كان النبي ﷺ يعرف مجيئة بريح الطيب١، فكان الغاية في النظافة والنزاهة. ولست آمر بزيادة التنظف٢، الذي يستعمله الموسوس، ولكن التوسط هو المحمود. ٥١١- ثم ينبغي له أن يرفق ببدنه، الذي هو راحلته، ولا ينقص من قوتها، فتنقض قوتها، ولست آمر بالشبع الذي يوجب الجشاء٣؛ إنما آخر بالتوسط، فإن قوى الآدمي كعين جارية، كم فيها من منفعة لصاحبها ولغيره ويعين صانعًا٤، ولا يلتفت إلى قول الموسوسين من المتزهدين، الذين جدوا في التقلل، فضعفوا عن الفرائض، وليس ذلك من الشرع، ولا نقل عن الرسول ﷺ ولا أصحابه؛ وإنما كان الرسول ﷺ وأصحابه إذا لم يجدوا، جاعوا، وربما آثروا فصبروا ضرورة. ٥١٢- وكذلك ينبغي أن ينظر لهذه الراحلة في علفها، فرب لقمة منعت لقمات، فلا يعطيها ما يؤذيها، بل ينظر لها في الأصلح، ولا يلتفت ٥ إلى متزهد يقول: لا أبلغها الشهوات، فإن النظر ينبغي أن يكون في حل المطعم، وأخذ ما يصلح بمقدار. ٥١٣- ولم ينقل عن الرسول ﷺ ولا أصحابه ﵃ ما أحدثه الموسوسون في ترك المشتهيات على الإطلاق، إنما نقل عنهم تركها لسبب: إما للنظر في حلها، أو للخوف من مطالبة النفس بها في كل وقت، ويجوز ذلك. ٥١٤- وينبغي له أن يجتهد في التجارة والكسب، ليفضل على غيره، ولا يفضل غيره عليه، وليبلغ من ذلك غاية لا تمنعه عن العلم. ٥١٥- ثم ينبغي له أن يطلب الغاية في العلم، ومن أقبح النقص التقليد؛ فإن

стр. 267

قويت همته، رقته إلى أن يختار لنفسه مذهبًا، ولا يتمذهب لأحدٍ، فإن المقلد أعمى، يقود مقلده. ثم ينبغي أن يطلب الغاية في معرفة الله تعالى ومعاملته. وفي الجملة، لا يترك فضيلة يمكن تحصيلها إلا حصلها؛ فإن القنوع حال الأرذال. فكن رجلًا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثُّرَيَّا ولو أمكنك عبور كل أحد من العلماء والزهاد فافعل فإنهم كانوا رجالًا وأنت رجل، وما قعد من قعد إلا لدناءة الهمة وخساستها. ٥١٦- واعلم أنك في ميدان سباق، والأوقات تنتهب، ولا تخلد إلى كسل، فما فات من فات إلا بالكسل، ولا نال من نال إلا بالجد والعزم، وإن الهمة لتغلي في القلوب غليان ما في القدور. وقد قال بعض من سلف: ليس لي مال سوى كرمي ... فبه أحيا من العدم١ قنعت نفسي بما رزقت ... وتمطت في العلا هممي

стр. 268

ما أكمل العلم والمال في المؤمن ... ١٠٩- فصل: ما أكمل العالم والمال في المؤمن ٥١٧- ليس في الدنيا أنفع للعلماء من جمع المال للاستغناء عن الناس؛ فإنها إذا ضم إلى العلم، حيز الكمال. ٥١٨- وإن جمهور العلماء شغلهم العلم عن الكسب، فاحتاجوا إلى ما لا بد منه، وقل الصبر، فدخلوا مداخل شانتهم، وإن تأولوا فيها، إلا أن غيرها كان أحسن لهم! فالزهري١ مع عبد الملك٢، وأبو عبيد٣ مع طاهر بن الحسين٤، وابن أبي

стр. 269

الدنيا١ مؤدب المعتضد٢، وابن قتيبة صدر كتابه بمدح الوزير "ابن خاقان"٣. ٥١٩- وما زال خلف من العلماء والزهاد يعيشون في ظل جماعة من المعروفين بالظلم، وهؤلاء وإن كانوا سلكوا طريقًا من التأويل؛ فإنهم فقدوا من قلوبهم وكمال دينهم أكثر مما نالوا من الدنيا. ٥٢٠- وقد رأينا جماعة من المتصوفة والعلماء يغشون الولاة لأجل نيل ما في أيديهم، فمنهم: من يداهن ويرائي، ومنهم: من يمدح بما لا يجوز، ومنهم: من يسكت عن منكرات، إلى غير ذلك من المداهنات، وسببها الفقر، فعلمنا أن كمال العز، وبعد الرياء، إنما يكون في البعد عن العمال الظلمة. ٥٢١- ولم نر من صح له هذا إلا في أحد رجلين: أما من كان له مال: كسعيد بن المسيب، كان يتجر في الزيت وغيره، وسفيان الثوري، كانت له بضائع، وابن المبارك٤. وأما من كان شديد الصبر، قنوعًا بما رزق، وإن لم يكفه، كبشر الحافي، وأحمد بن حنبل. ومتى لم يجد الإنسان كصبر هذين، ولا كمال أولئك؛ فالظاهر تقلبه في المحن والآفات، وربما تلف دينه. ٥٢٢- فعليك -ياطالب العلم- بالاجتهاد في جمع المال للغنى عن الناس؛ فإنه يجمع لك دينك! فما رأينا في الأغلب منافقًا في التدين والتزهد والتخشع ولا آفة طرأت على عالم، إلا بحب الدنيا، وغالب ذلك الفقر. فإن كان من له مال يكفيه، ثم يطلب بتلك المخالطة الزيادة، فذلك معدود في أهل الشره، خارج عن حيز العلماء، نعوذ بالله من تلك الأحوال.

стр. 270

١١٠- فصل: الفقه أفضل العلوم . ٥٢٣ أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته، ومن تأمل ثمرة الفقه، علم أنه أفضل العلوم. فإن أرباب المذاهب فاقوا بالفقه الخلائق أبدًا، وإن كان في زمن أحدهم من هو أعلم منه بالقرآن أو بالحديث أو باللغة. واعتبر هذا بأهل زماننا؛ فإنك ترى الشاب يعرف مسائل الخلاف الظاهرة، فيستغني، ويعرف من حكم الله تعالى في الحوادث مالا يعرفه النحرير١ من باقي العلماء! ٥٢٤- وكم رأينا مبرزًا في علم القرآن، أو في الحديث، أو في التفسير، أو في اللغة لا يعرف -مع الشيخوخة- معظم أحكام الشرع، وربما جهل علم ما ينويه في صلاته! ٥٢٥- على أنه ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبيًّا عن باقي العلوم، فإنه لا يكون فقيهًا، بل يأخذ من كل علم بحظ، ثم يتوفر على الفقه، فإنه عز الدنيا والآخرة.

стр. 271

١١١- فصل: على العاقل أن يحذر الهوى ٥٢٦- رأيت كثيرًا من الناس يتحرزون من رشاش نجاسة، ولا يتحاشون من غيبة! ويكثرون من الصدقة، ولا يبالون بمعاملات الربا! ويتهجدون بالليل، ويؤخرون الفريضة عن الوقت في أشياء يطول عددها، من حفظ فروع، وتضييع أصول، فبحثت عن سبب ذلك؟ فوجدته من شيئين: أحدهما: العادة. والثاني: غلبة الهوى في تحصيل المطلوب، فإنه قد يغلب، فلا يترك سمعًا ولا بصرًا. ٥٢٧- ومن هذا القبيل: أن إخوة يوسف قالوا -حين سمعوا صوت المنادي: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] : ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣] ، فجاء في التفسير: أنهم لما دخلوا مصر، كمموا١ أفواه

стр. 272

إبلهم، لئلا تتناول ما ليس لهم، فكأنهم قالوا: قد رأيتم ما صنعنا بإبلنا، فكيف نسرق؟! ونسوا هم تفاوت ما بين الورع واختطاف أكلة لا يملكونها، وبين إلقاء يوسف ﵇ في الجب١ وبيعه بثمن بخس!! ٥٢٨- وفي الناس من يطيع في صغار الأمور، دون كبارها، وفيما كلفته عليه خفيفة أو معتادة، وفيما لا ينقص شيئًا من عادته في مطعم وملبس، نرى أقوامًا يأخذون الربا، ويقول أحدهم: كيف يراني عدوي بعد أن بعت داري، أو تغير ملبوسي ومركوبي؟! ٥٢٩- ونرى أقوامًا يوسوسون في الطهارة، ويستعملون الكثير من الماء، ولا يتحاشون من غيبة! وأقوامًا يستعملون التأويلات الفاسدة في تحصيل أغراضهم، مع علمهم أنها لا تجوز! حتى إني رأيت رجلًا من أهل الخير والتعبد، أعطاه رجل مالًا ليبني به مسجدًا، فأخذه لنفسه، وأنفق عوض الصحيح قراضة٢، فلما احتضر، قال لذلك الرجل: اجعلني في حل، فإني فعلت كذا وكذا!! ونرى أقوامًا يتركون الذنوب لبعدهم عنها؛ فقد ألفوا الترك، وإذا قربوا منها، لم يتمالكوا، وفي الناس من هذه الفنون عجائب يطول ذكرها. ٥٣٠- وقد علمنا أن خلقًا من علماء اليهود كانوا يحملون ثقل التعبد في دينهم، فلما جاء الإسلام، وعرفوا صحته، لم يطيقوا مقاومة أهوائهم في محو رئاستهم٣. وكذلك قيصر؛ فإنه عرف رسول الله ﷺ بالدليل، ثم لم يقدر على مقاومة هواه وترك ملكه٤. فالله الله في تضييع الأصول، ومن إهمال سرح الهوى، فإنه إن أهملت ماشيته،

стр. 273

نفشت١ في زروع التُّقَى. ٥٣١- وما مثل الهوى إلا كسبع في عنقه سلسلة، فإن استوثق منه ضابطه، كفه، وربما لاحت له شهواته الغالبة عليه، فلم تقاومها السلسلة، فأفلت، على أن من الناس من يكف هواه بسلسلة، ومنهم من يكفه بخيط! فينبغي للعاقل أن يحذر شياطين الهوى، وأن يكون بصيرًا بما يقوى عليه من أعدائه، وبمن يقوى عليه.

стр. 274

١١٢- فصل: آفة الصداقة الحسد . ٥٣٢- من أعظم الغلط: الثقة بالناس، والاسترسال إلى الأصدقاء، فإن أشد الأعداء وأكثرهم أذى الصديق المنقلب عدوًا؛ لأنه قد اطلع على خفي السر، قال الشاعر١: احذر عدوك مرةً ... واحذر صديقك ألف مرهْ فلربما انقلب الصديْـ ... ـق فكان أعلم بالمضرهْ ٥٣٣- واعلم أن من الأمر الموضوع في النفوس الحسد على النعم، أو الغبطة٢، وحب الرفعة! فإذا رآك من يعتقدك مثلًا له، وقد ارتقيت عليه، فلا بد أن يتأثر، وربما حسد؛ فإن إخوة يوسف ﵈ من هذا الجنس، جرى لهم ما شأنهم. فإن قلت: كيف يبقى الإنسان بلا صديق؟! قلت لك: أتراك ما تعلم أن المجانس يحسد، وأن أكثر العوام يعتقدون في العالم أنه لا يتبسم، ولا يتناول من شهوات الدنيا شيئًا؛ فإذا رأوا بعض انبساطه في المباح، هبط من أعينهم؟! فإذا كانت هذه حالة العوام، وتلك حالة الخواص، فمع من تكون المعاشرة؟! لا، بل والله ما تصح المعاشرة مع النفس؛ لأنها متلونة.

стр. 275

٥٣٤- وليس إلا المداراة للخلق، والاحتراز منهم، واتخاذ المعارف من غير طمع في صديق صادق، فإن ندر، فليكن غير مماثل؛ لأن الحسد إليه أسبق، وليكن مرتفعًا عن رتبة العوام، غير طامع في نيل مقامك. ٥٣٥- وإن كانت معاشرة هذا لا تشفي؛ لأن المعاشرة ينبغي أن تكون بين العلماء المجانس؛ فلزمهم من الإشارات في المخالطة ما تطيب به المجالسة، ولكن لا سبيل إلى الوصال. ٥٣٦- ومثل هذه الحال أنك إن استخدمت الأذكياء، عرفوا باطنك، وإن استخدمت البله، انعكست مقاصدك. فاجعل الأذكياء لحوائجك الخارجة، والبله لحوائجك في منزلك، لئلا يعلموا أسرارك، واقنع من الأصدقاء بمن وصفته لك، ثم لا تلقه إلا متدرعًا درع الحذر، ولا تطلعه على باطن يمكن أن يستر عنه، وكن كما يقال عن الذئب: ينام بإحدى مقلتيه وَيَتَّقِي ... بأخرى الأعادي، فهو يقظان هاجِعُ

стр. 276

١١٣- فصل: من أحسن فيما مضى يحسن فيما بقي ٥٣٧- رأيت جماعة ممن أفنى أوائل عمره وريعان شبابه في طلب العلم، يصبر على أنواع الأذى، وهجر فنون الراحات، أنفة من الجهل ورذيلته، وطلبًا للعلم وفضيلته، فلما نال منه طرفًا رفعه عن مراتب أرباب الدنيا، ومن لا علم له إلا بالعاجل، ضاق به معاشه، [أو قل ما ينشده لنفسه من حظوظ] ، فسافر [في] البلاد، يطلب من الأراذل، ويتواضع للسفلة وأهل الدناءة والمكاس١. وغيرهم! ٥٣٨- فخاطبت بعضهم، وقلت: ويحك! أين تلك الأنفة من الجهل، التي سهرت لأجلها، وأظمأت نهارك بسببها؟! فلما ارتفعت وانتفعت، عدت إلى أسفل سافلين! أفما بقي عندك ذرة من الأنفة تنبؤ بها عن مقامات الأراذل؟! ولا معك يسير من العلم يسير بك عن مناخ الهوى؟! ولا حصلت بالعلم قوة تجذب بها زمام النفس

стр. 277

عن مراعي السوء؟! على أنه يبين لي أن سهرك وتعبك كأنهما كانا١ لنيل الدنيا؟ ٥٣٩- ثم إني أراك تزعم أنك تريد شيئًا من الدنيا تستعين به على طلب العلم! فاعلم أن التفاتك إلى نوع كسب تستغني به عن الأراذل أفضل من التزيد في علمك، فلو عرفت ما ينقص به "دينك"، لم تر فيما قد عزمت عليه زيادةً، مما يحتوي عليه هذا العزم: السفر الذي كله مخاطرة بالنفس، وبذل الوجه -الذي طالما صين- لمن لا يصلح التفات مثلك إلى مثله. ٥٤٠- وبعيد أن تقنع بعد شروعك في هذا الأمر بقدر الكفاف، وقد علمت ما في السؤال بعد الكفاف من إثم! وأبعد منه أن تقدر على الورع في المأخوذ! ومن لك بالسلامة والرجوع إلى الوطن؟! وكم رمى فقر في بواديه من هالك٢! ثم ما تحصله يفنى، ويبقى منه ما أعطي، وعيب المتقين إياك، واقتداء الجاهلين بك، ويكفيك أنك عدت على ما علمت من ذم الدنيا بشينه، إذ فعلت ما ينقاضه، خصوصًا وقد مر أكثر العمر، ومن أحسن فيما مضى يحسن فيما بقي.

стр. 278

١١٤- فصل: الشره في تحصيل الأشياء يفوِّت مقصودها ٥٤١- رأيت الشره في تحصيل الأشياء يفوِّت [لأعلى] الشره مقصوده، وقد رأينا من كان شرهًا في جمع المال، فحصل له الكثير منه، وهو مع ذلك حريص على الازدياد، ولو فهم، علم أن المراد من المال إنفاقه في العمر؛ فإذا أنق العمر في تحصيله، فات المقصودان جميعًا! وكم رأينا ممن جمع المال، ولم يتمتع به، فأبقاه لغيره، وأفنى نفسه، كما قال الشاعر: كَدُودَةِ القَزِّ ما تَبْنيهِ يَهْدِمُهَا ... وَغَيْرُهَا بِالَّذِي تَبْنِيْهِ يَنْتَفِعُ

стр. 279

٥٤٢- وكذلك رأينا خلقًا كثيرًا يحرصون على جمع الكتب، فينفقون أعمارهم في كتابتها. وكدأب أهل الحديث، ينفقون الأعمار في النسخ والسماع إلى آخر العمر، ثم ينقسمون: فمنهم من يتشاغل بالحديث وعلمه وتصحيحه، ولعله لا يفهم جواب حادثة، ولعل عنده لحديث "أسلم سالمها الله" ١ مائة طريق، وقد حكي لي عن بعض أصحاب الحديث أنه سمع "جزء ابن عرفة"٢ عن مائة شيخ، وكان عنده سبعون نسخة. ومنهم من يجمع الكتب ويسمعها، ولا يدري ما فيها، لا من حيث صحتها، ولا من فهم معناها، فتراه يقول: الكتاب الفلاني سماعي، وعندي "منه"٣ نسخة، والكتاب الفَلاني، والفُلاني ... فلا يعرف علم ما عنده من حيث فهم صحيحه من سقيمه، وقد صده اشتغاله بذلك عن المهم من العلم! فهم كما لقال الحطيئة٤. زوامل للأخبار لا علم عندها ... بمثقلها إلا كعلم الأباعر٥ لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح: ما في الغرائز٦ ثم ترى منهم من يتصدر، "بإتقانه للرواية وحدها" ٧، فيمد يده إلى ما ليس من شغله؛ فإن أفتى أخطأ، وإن تكلم في الأوصل خلط! ولولا أني لا أحب ذكر الناس، لذكرت من أخبار كبار علمائهم، وما خلطوا ما يعتبره به، ولكنه لا يخفى على المحقق حالهم. ٥٤٣- فإن قال قائل: أليس في الحديث: "منهومان لا يشبعان: طالب علم

стр. 280

وَطَالِبُ دُنْيَا"١؟! قلت: أمّا العالم، فلا أقول له: اشبع من العلم، ولا اقتصر على بعضه، بل أقول له: قدم المهم؛ فإن العاقل من قدر عمره، وعمل بمقضتاه، وإن كان لا سبيل إلى العلم بمقدار العمر، غير أنه يبني على الأغلب، فإن وصل، فقد أعد لكل مرحلة زادًا، وإن مات قبل الوصول، فنيته تسلك به٢. ٥٤٤- فإذا علم العاقل أن العمر قصير، وأن العلم كثير، فقبيح بالعاقل الطالب لكمال الفضائل أن يتشاغل مثلًا بسماع الحديث ونسخه، ليحصل كل طريق، وكل رواية، وكل غريب، وهذا لا يفرغ من مقصوده منه في خمسين سنة، خصوصًا إن تشاغل بالنسخ، ثم لا يحفظ القرآن، أو يتشاغل بعلوم القرآن، ولا يعرف الحديث، أو بالخلاف في الفقه، ولا يعرف النقل الذي عليه مدار المسألة. ٥٤٥- فإن قال قائل: فدبر لي ما تختار لنفسك. فأقول: ذو الهمة لا يخفى من زمان الصبا، كما قال سفيان بن عيينه٣: قال لي أبي، وقد بلغت خمس عشرة سنة: إنه قد أنقضت عنك شرائع الصبا، فاتبع الخير، تكن من أهله. فجعلت وصية أبي قبلة أميل إليها، ولا أميل عنها. ٥٤٦- ثم قبل شروعي في الجواب أقول: ينبغي لمن له أنفة أن يأنف من

стр. 281

التقصير، الممكن دفعه عن النفس، فلو كانت النبوة مثلًا تأتي بكسب؛ لم يجز له أن يقنع بالولاية، أو تصور أن يكون مثلًا خليفة، لم يحسن به أن يقتنع بإمارة، ولو صح له أن يكون ملكًا، لم يرض أن يكون بشرا، والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل. ٥٤٧- وقد علم قصر العمر، وكثرة العلم: فيبتدئ بالقرآن وحفظه، وينظر في تفسيره نظرًا متوسطًا، لا يخفى عليه بذلك منه شيء، وإن صح له قراءة القراءات السبع، وأشياء من النحو، وكتب اللغة، وابتدأ بأصول الحديث من حيث النقل، كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث، كمعرفة الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك، وقد رتبت العلماء من ذلك ما يستغني به الطالب عن التعب. ٥٤٨- ولينظر في التواريخ، ليعرف ما لا يستغنى عنه، كنسب الرسول ﷺ وأقاربه به وأزواجه وما جرى له. ٥٤٩- ثم ليقبل على الفقه، فلينظر في المذهب والخلاف، وليكن اعتماده على مسائل الخلاف، فلينظر في المسألة وما تحتوي عليه، فيطلبه من مظانه، كتفسير آية وحديث وكلمة لغة. ويتشاغل بأصول الفقه وبالفرائض، وليعلم أن الفقه عليه مدار العلو. ٥٥٠- ويكفيه من النظر في الأصول١ ما يستدل به على وجود الصانع، فإذا أثبته بالدليل، وعرف ما يجوز عليه مما لا يجوز، وأثبت إرسال الرسل، وعلم وجوب القبول منهم؛ فقد احتوى على المقصود من علم الأصول. فإن اتسع الزمان للتزيد من العلم، فليكن من الفقه، فإنه الأنفع. ٥٥١- ومهما فسح له في المهل، فأمكنه تصنيف في علم، فإنه يخلف بذلك خلفه خلفًا صالحًا. مع اجتهاده في التسبب إلى اتخاذ الولد. ٥٥٢- ثم يعلم أن الدنيا معبرة، فيلتفت إلى فهم معاملة الله ، فإن مجموع ما حصله من العلم يدله عليه. فإذا تعرض لتحقيق معرفته، ووقف على باب معاملته،

стр. 282

فَقَلَّ أن يقف صادق إلا ويجذب إلى مقام الولاية، ومن أريد وفق، وإن لله أقوامًا يتولى تربيتهم، ويبعث إليهم في زمن الطفولية مؤدبًا؟ ويسمى العقل، ومقومًا، ويقال له: الفهم، ويتولى تأديبهم وتثقيفهم، ويهيء لهم أسباب القرب منه؛ فإن لاح قاطع قطعهم عنه، حماهم منه، وإن تعرضت بهم فتنة؛ دفعها عنهم. فنسأل الله أن يجعلنا منهم، ونعوذ به من خذلان لا ينفع معه اجتهاد.

стр. 283

١١٥- فصل: إن للخلوة تأثيرات تبيَّن في الجلوة ٥٥٣- إن للخلوة تأثيراتٍ تبين في الجلوة، كم من مؤمن بالله ، يحترمه عند الخلوات، يفترك ما يشتهي حذرًا من عقابه، أو رجاء لثوابه، أو إجلالًا له، فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عودًا هنديًّا على مجمرٍ، فيفوح طيبه، فيستنشقه الخلائق، ولا يدرون أين هو؟ ٥٥٤- وعلى قدر المجاهدة في ترك ما [يهوى] تقوى محبته، أو على مقدار زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطيب، ويتفاوت تفاوت العود، فترى عيون الخلق تعظم هذا الشخص، وألسنتهم تمدحه، ولا يعرفون لهم؟ ولا يقدورن على وصفه: لبعدهم عن حقيقة معرفته. ٥٥٥- وقد تمتد هذه الأراييح ١ بعد الموت على قدرها؛ فمنهم من يذكر بالخير مدة مديدة ثم ينسى، ومنهم من يذكر مئة سنة، ثم يخفى ذكره وقبره، ومنهم أعلام يبقى ذكرهم أبدًا. ٥٥٦- وعلى عكس هذا من هاب الخلق، ولم يحترم خلوته بالحق، فإنه على قدر مبارزته بالذنوب، وعلى مقادير تلك الذنوب، يفوح منه ريح الكراهة، فتمتقته القلوب: فإن قل مقدار ما جنى، قل ذكر الألسن له بالخير، وبقي مجرد تعظيمه. وإن كثر، كان قصارى الأمر سكوت الناس عنه، لا يمدحونه ولا يذمونه. ٥٥٧- ورب خال بذنب كان سبب وقوعه في هوة شقوة في عيش الدنيا

стр. 284

والآخرة، وكأنه قيل له: ابْقَ بما آثرت! فيبقى أبدًا في التخبيط. فانظروا إخواني إلى المعاصي أثرت وعثرت. قال أبو الدرداء ﵁: إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى، فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، فتلمحوا ما سطرته، واعرفوا ما ذكرته، ولا تهملوا خلواتكم، ولا سرائركم، فإن الأعمال بالنية، والجزاء على مقدار الإخلاص.

стр. 285

١١٦- فصل: من عرف جريان الأقدار ثبت لها ٥٥٨- من عرف جريان الأقدار، ثبت لها١، وأجهل الناس بعد هذا من قاواها؛ لأن مراد المقدر الذل له، فإذا قاويت القدر، فنلت مرادك من ذلك؛ لم يبق لك ذل. مثال هذا: أن يجوع الفقير، فيصبر قدر الطاقة، فإذا عجز، خرج إلى سؤال الخلق، مستحيًا من الله كيف يسألهم، وإن كان له عذر بالحاجة التي ألجأته، غير أنه يرى أنه مغلوب الصبر، فيبقى معتذرًا مستحيًا، وذاك المراد منه. أو ليس بخروج النبي ﷺ من مكة فلا يقدر على العود إليها، حتى يدخل في خفارة٢ المطعم بن عدي وهو كافر [عبرة في ذلك] ٣؟! فسبحان من ناط٤ الأمور بالأسباب، ليحصل ذل العارف بالحاجة إلى التسبب.
следующие страницы →