← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

التقصير، الممكن دفعه عن النفس، فلو كانت النبوة مثلًا تأتي بكسب؛ لم يجز له أن يقنع بالولاية، أو تصور أن يكون مثلًا خليفة، لم يحسن به أن يقتنع بإمارة، ولو صح له أن يكون ملكًا، لم يرض أن يكون بشرا، والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل. ٥٤٧- وقد علم قصر العمر، وكثرة العلم: فيبتدئ بالقرآن وحفظه، وينظر في تفسيره نظرًا متوسطًا، لا يخفى عليه بذلك منه شيء، وإن صح له قراءة القراءات السبع، وأشياء من النحو، وكتب اللغة، وابتدأ بأصول الحديث من حيث النقل، كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث، كمعرفة الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك، وقد رتبت العلماء من ذلك ما يستغني به الطالب عن التعب. ٥٤٨- ولينظر في التواريخ، ليعرف ما لا يستغنى عنه، كنسب الرسول ﷺ وأقاربه به وأزواجه وما جرى له. ٥٤٩- ثم ليقبل على الفقه، فلينظر في المذهب والخلاف، وليكن اعتماده على مسائل الخلاف، فلينظر في المسألة وما تحتوي عليه، فيطلبه من مظانه، كتفسير آية وحديث وكلمة لغة. ويتشاغل بأصول الفقه وبالفرائض، وليعلم أن الفقه عليه مدار العلو. ٥٥٠- ويكفيه من النظر في الأصول١ ما يستدل به على وجود الصانع، فإذا أثبته بالدليل، وعرف ما يجوز عليه مما لا يجوز، وأثبت إرسال الرسل، وعلم وجوب القبول منهم؛ فقد احتوى على المقصود من علم الأصول. فإن اتسع الزمان للتزيد من العلم، فليكن من الفقه، فإنه الأنفع. ٥٥١- ومهما فسح له في المهل، فأمكنه تصنيف في علم، فإنه يخلف بذلك خلفه خلفًا صالحًا. مع اجتهاده في التسبب إلى اتخاذ الولد. ٥٥٢- ثم يعلم أن الدنيا معبرة، فيلتفت إلى فهم معاملة الله ، فإن مجموع ما حصله من العلم يدله عليه. فإذا تعرض لتحقيق معرفته، ووقف على باب معاملته،

стр. 282

فَقَلَّ أن يقف صادق إلا ويجذب إلى مقام الولاية، ومن أريد وفق، وإن لله أقوامًا يتولى تربيتهم، ويبعث إليهم في زمن الطفولية مؤدبًا؟ ويسمى العقل، ومقومًا، ويقال له: الفهم، ويتولى تأديبهم وتثقيفهم، ويهيء لهم أسباب القرب منه؛ فإن لاح قاطع قطعهم عنه، حماهم منه، وإن تعرضت بهم فتنة؛ دفعها عنهم. فنسأل الله أن يجعلنا منهم، ونعوذ به من خذلان لا ينفع معه اجتهاد.

стр. 283

١١٥- فصل: إن للخلوة تأثيرات تبيَّن في الجلوة ٥٥٣- إن للخلوة تأثيراتٍ تبين في الجلوة، كم من مؤمن بالله ، يحترمه عند الخلوات، يفترك ما يشتهي حذرًا من عقابه، أو رجاء لثوابه، أو إجلالًا له، فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عودًا هنديًّا على مجمرٍ، فيفوح طيبه، فيستنشقه الخلائق، ولا يدرون أين هو؟ ٥٥٤- وعلى قدر المجاهدة في ترك ما [يهوى] تقوى محبته، أو على مقدار زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطيب، ويتفاوت تفاوت العود، فترى عيون الخلق تعظم هذا الشخص، وألسنتهم تمدحه، ولا يعرفون لهم؟ ولا يقدورن على وصفه: لبعدهم عن حقيقة معرفته. ٥٥٥- وقد تمتد هذه الأراييح ١ بعد الموت على قدرها؛ فمنهم من يذكر بالخير مدة مديدة ثم ينسى، ومنهم من يذكر مئة سنة، ثم يخفى ذكره وقبره، ومنهم أعلام يبقى ذكرهم أبدًا. ٥٥٦- وعلى عكس هذا من هاب الخلق، ولم يحترم خلوته بالحق، فإنه على قدر مبارزته بالذنوب، وعلى مقادير تلك الذنوب، يفوح منه ريح الكراهة، فتمتقته القلوب: فإن قل مقدار ما جنى، قل ذكر الألسن له بالخير، وبقي مجرد تعظيمه. وإن كثر، كان قصارى الأمر سكوت الناس عنه، لا يمدحونه ولا يذمونه. ٥٥٧- ورب خال بذنب كان سبب وقوعه في هوة شقوة في عيش الدنيا

стр. 284

والآخرة، وكأنه قيل له: ابْقَ بما آثرت! فيبقى أبدًا في التخبيط. فانظروا إخواني إلى المعاصي أثرت وعثرت. قال أبو الدرداء ﵁: إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى، فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، فتلمحوا ما سطرته، واعرفوا ما ذكرته، ولا تهملوا خلواتكم، ولا سرائركم، فإن الأعمال بالنية، والجزاء على مقدار الإخلاص.

стр. 285

١١٦- فصل: من عرف جريان الأقدار ثبت لها ٥٥٨- من عرف جريان الأقدار، ثبت لها١، وأجهل الناس بعد هذا من قاواها؛ لأن مراد المقدر الذل له، فإذا قاويت القدر، فنلت مرادك من ذلك؛ لم يبق لك ذل. مثال هذا: أن يجوع الفقير، فيصبر قدر الطاقة، فإذا عجز، خرج إلى سؤال الخلق، مستحيًا من الله كيف يسألهم، وإن كان له عذر بالحاجة التي ألجأته، غير أنه يرى أنه مغلوب الصبر، فيبقى معتذرًا مستحيًا، وذاك المراد منه. أو ليس بخروج النبي ﷺ من مكة فلا يقدر على العود إليها، حتى يدخل في خفارة٢ المطعم بن عدي وهو كافر [عبرة في ذلك] ٣؟! فسبحان من ناط٤ الأمور بالأسباب، ليحصل ذل العارف بالحاجة إلى التسبب.

стр. 286

١١٧- فصل: الابتلاء لمعرفة الصبر وإظهار الفضل ٥٥٩- سبحان المتصرف في خلقه بالاغتراب والإذلال ليبلو صبرهم، ويظهر جواهرهم في الابتلاء! هذا آدم ﵇ تسجد له الملائكة، ثم بعد قليل يخرج من الجنة، وهذا نوح ﵇ يضرب حتى يغشى عليه، ثم بعد قليل ينجو في السفينة،

стр. 287

ويهلك أعداؤه، وهذا الخليل ﵇ يلقى في النار، ثم بعد قليل يخرج إلى السلامة، وهذا الذبيح١ يضطجع مستسلمًا، ثم يسلم، ويبقى المدح، وهذا يعقوب ﵇ يذهب بصره بالفراق، ثم يعود بالوصول. وهذا الكليم٢ ﵇ يشتغل بالرعي، ثم يرقى إلى التكليم، وهذا نبينا محمد ﷺ يقال له بالأمس: اليتيم، ويقلب في عجائب يلاقيها من الأعداء تارة، ومن مكايد الفقر أخرى، وهو أثبت من جبل حراء، ثم لما تم له مراده من الفتح، وبلغ الغرض من أكبر الملوك وأهل الأرض، نزل به ضيف النقلة، فقال: "واكرباه"٣. فمن تلمح بحر الدنيا، وعلم كيف تتلقى الأمواج، وكيف يصبر على مدافعة الأيام، لم يستهون نزول بلاء، ولم يفرح بعاجل رخاء.

стр. 288

١١٨- فصل: عليكم من العمل بما تطيقون ٥٦٠- ينبغي للعاقل ألا يقدم على العزائم حتى يزن نفسه: هل يطيقها؟ ويجرب نفسه في ركوب بعضها سرًّا من الخلق، فإنه لا يأمن أن يرى في حالة لا يصبر عليها، ثم يعود فيفتضح! مثاله: رجل سمع بذكر الزهاد، فرمى ثيابه الجميلة، ولبس الدون، وانفرد في زاوية، وغلب على قلبه ذكر الموت والآخرة؛ فلم يلبث متقاضي الطبع١ أن ألح بما جرت به العادة، فمن القوم من عاد بمرة إلى أكثر مما كان عليه، كأكل الناقة٢ من مرض، ومنهم من توسط الحال، فبقي كَالمُذَبْذَبِ.

стр. 289

٥٦١- وإنما العاقل هو الذي يستر نفسه بين الناس بثوب وَسَطٍ، لا يخرجه من أهل الخير، ولا يدخله في زي أهل الفاقة، فإن قويت عزيمته، عمل في بيته ما يطيق، وترك ثوب التجمل لستر الحال، ولم يظهر شيئًا للخلق؛ فإنه أبعد من الرياء، وأسلم من الفضيحة. ٥٦٢- وفي الناس من غلب عليه قصر الأمل، وذكر الآخرة، حتى دفن كتب العلم! وهذا الفعل عندي من أعظم الخطإ وإن كان منقولًا عن جماعة من الكبار! ولقد ذكرت هذا لبعض مشايخنا؟ فقال: أخطؤوا كلهم، وقد تأولت لبعضهم بأنه كان فيها أحاديث عن قوم ضعفاء، ولم يميزوها، كما روي عن سفيان في دفن كتبه، أو كان فيها شيء من الرأي، فلم يحبوا أن يؤخذ عنهم، فكان من جنس تحريق عثمان بن عفان ﵁ للمصاحف، لئلا يؤخذ بشيء مما فيها من المجمع على غيره. وهذا التأويل يصح في حق علمائهم. فأما غسل أحمد بن أبي الحواري كتبه وابن أسباط، فتفريط محض. فالحذر الحذر من فعل يمنع منه الشرع، أو من ارتكاب ما يظن عزيمة، وهو خطيئة، أو من إظهار ما لا يقوى عليه المظهر فيرجع القهقري. و "عليكم من العمل بما تطيقون"١، كما قال ﷺ .

стр. 290

١١٩- فصل: لا خير في لذة من بعدها النار ٥٦٣- أجهل الجهال من آثر عاجلًا على آجل لا يأمن سوء مغبته. فكم قد سمعنا عن سلطان، وأمير، وصاحب مال أطلق نفسه في شهواتها، ولم ينظر في حلال وحرام، فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذ، ولقي من مرير الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرة منه٢ كل لذة. ولو كان هذا فحسب: لكفى حزنًا، كيف، والجزاء الدائم بين يديه؟!

стр. 291

٥٦٤- فالدنيا محبوبة للطبع، لا ريب في ذلك، ولا أنكر على طالبها ومؤثر شهواتها، ولكن ينبغي له أن ينظر في كسبها، ويعلم وجه أخذها، لتسلم له عاقبة لذته، وإلا، فلا خير في لذة من بعدها النار. ٥٦٥- وهل عد في العقلاء قط من قيل له: اجلس في المملكة سنةً، ثم نقتلك؟! هيهات، بل الأمر بالعكس، وهو أن العاقل من صابر مرارة الجهد سنة، بل سنين، ليستريح في عاقبته، وفي الجملة: أف للذةٍ أعقبت عقوبةً! ٥٦٦- وقد أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب١، قال: أخبرنا الحسن بن أبي طالب، قال: حدثنا يوسف بن عمر القواس، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل إملاء، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثنا محمد بن مسلمة البلخي، قال: حدثنا محمد بن علي القوهستاني، قال: حدثنا دلف بن أبي دلف٢، قال: رأيت كأن آتيًا أتى بعد موت أبي، فقال: أجب الأمير! فقمت معه، فأدخلني دار وحشة، وعرة، سوداء الحيطان، مقلعة السقوف والأبواب، ثم أصعدني درجًا فيها، ثم أدخلني غرفة، فإذا في حيطانها أثر النيران، وإذا في أرضها أثر الرماد، وإذا أبي عريان واضعًا رأسه بين ركبتيه، فقال لي كالمستفهم: دُلَفٌ؟ قلت: نعم، أصلح الله الأمير. فأنشأ يقول: أبلغن أهلنا ولا تخف عنهمْ ... ما لقينا في البرزح الخفاقِ قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا ... فارحموا وحشتي وما قد ألاقِي أفهمت؟ قلت: نعم. فأنشأ يقول: فلو أنا إذا متنا تركْنَا ... لكان الموت راحة كل حيِّ ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيِّ

стр. 292

١٢٠- فصل: لذتا الحس والعقل ٥٦٧- اللذات كلها بين حسي وعقلي؛ فنهاية اللذات الحسية وأعلاها النكاح، وغاية اللذات العقلية العلم، فمن حصلت له الغايتان في الدنيا، فقد نال النهاية، وأنا أرشد الطالب إلى أعلى المطلوبين. ٥٦٨- غير أن للطالب المرزوق علامةً، وهو أن يكون مرزوقًا علو الهمة، وهذه الهمة تولد مع الطفل، فتراه من زمن طفولته يطلب معالي الأمور، كما يروى في الحديث: "أنه كان لعبد المطلب مفرش في الحجر١، فكان النبي ﷺ يأتي وهو طفل، فيجلس عليه، فيقول عبد المطلب: إن لابني هذا شأنًا٢". ٥٦٩- فإن قال قائل: فإذا كانت لي همة، ولم أرزق ما أطلب، فما الحيلة؟ فالجواب: أنه إذا امتنع الرزق من نوع، لم يمتنع من نوع آخر، ثم من البعيد أن يرزقك همة، ولا يعينك! فانظر في حالك: فلعله أعطاك شيئًا ما شكرته، أو ابتلاك بشيء من الهوى ما صبرت عنه. ٥٧٠- واعلم أنه ربما زوى٣ عنك من لذات الدنيا كثيرًا ليؤثرك بلذات العلم، فإنك ضعيف، ربما لا تقوى على الجمع، فهو أعلم بما يصلحك. ٥٧١- "وأما ما أردت شرحه لك: فإن الشاب المبتدئ في طلب العلم ينبغي له أن يأخذ من كل علم طرفًا، ويجعل علم الفقه الأهم، ولا يقصر في معرفة النقل، فيه تبين سير الكاملين، وإذا رزق فصاحة من حيث الوضع، ثم أضيف إليها معرفة اللغة والنحو، فقد شحذت شفرة لسانه على أجواد مسن. ومتى أدى العلم لمعرفة الحق وخدمة الله ، فتحت له أبواب لا تفتح لغيره". ٥٧٢- وينبغي له بالتلطف أن يجعل جزءًا من زمانه مصروفًا إلى توفير الاكتساب والتجارة، مستنيبًا فيها، غير مباشر لها، مع التدبير في العيش الممتنع من

стр. 293

الإسراف والتبذير، فإن رواية العلم والعمل به إلى درجة المعرفة لله "آسرة للمشاعر"، فربما شغلته لذة ما وصل إليه عن كل شيء ويا لها حالةٌ سليمةٌ من آفةٍ! ٥٧٣- وإن وجد من طبعه منازعًا إلى الشوق في النكاح، فليتخير السراري، فإن الحرائر في الأغلب غل١. ٥٧٤- وليعزل عن المملوكات إلى أن يجرب خلقهن ودينهن، فإن رضيهن، طلب الولد منهن، وإلا، فالاستبدال بهن سهل. ٥٧٥- ولا يتزوج حرة، إلا أن يعلم أنها تصبر على التزويج عليها والتسري، وليكن قصده الاستمتاع بها، لا إجهاد النفس في الإنزال، فإن ذلك يهدم قوته، فيضعف الأصل، فهذه الحالة الجامعة من لذتي الحس والعقل، ذكرتها على وجه الإشارة، وفهم الذكي يملي عليه ما لم أشرحه.

стр. 294

١٢١- فصل: تعليم حفظ العلم . ٥٧٦- اعلم أن المتعلم يفتقر إلى دوام الدراسة، ومن الغلط الانهماك في الإعادة ليلًا ونهار؛ فإنها لا يلبث صاحب هذه الحال إلا أيامًا، ثم يفتر أو يمرض. ٥٧٧- وقد روينا أن الطبيب دخل على أبي بكر بين الأنباري١ في مرض موته، فنظر إلى ما به٢، وقال: قد كنت تفعل شيئًا لا يفعله أحد! ثم خرج فقال: ما يجيء منه شيء٣، فقيل له: ما الذي كنت تفعل؟ قال: كنت أعيد كل أسبوع عشرة آلاف ورقة؟ ٥٧٨- ومن الغلط [تحميل القلب] حفظ الكثير أو الحفظ من فنون شتى، فإن القلب جارحة من الجوارح، وكما أن من الناس من يحمل المائة رطل، ومنهم من يعجز عن عشرين رطلًا، فكذلك القلوب. فيأخذ الإنسان على قدر قوته ودونها،

стр. 295

فإنه إذا استنفدها في وقتٍ، ضاعت منها أوقات: كما أن الشره يأكل فضل لقيماتٍ، فيكون سببًا إلى منع أكلاتٍ! والصواب أن يأخذ قدر ما يطيق، ويعيده في وقتين من النهار والليل، ويرفه القوى في بقية الزمان. ٥٧٩- والدوام أصل عظيم، فكم ممن ترك الاستذكار بعد التحفظ، فضاع زمن طويل في استرجاع محفوظ قد نسي. ٥٨٠- وللحفظ أوقات من العمر، فأفضلها الصبا، وما يقاربه من أوقات الزمان، وأفضلها عادة الأسحار، وأنصاف النهار، والعدوات خير من العشيات، وأوقات الجوع خير من أوقات الشبع. ٥٨١- ولا يحمد الحفظ بحضرة خضرة، وعلى شاطئ نهر؛ لأن ذلك يلهي، والأماكن العالية للحفظ خير من السوافل. ٥٨٢- والخلوة أصل. وجمع الهم أصل الأصول، وترفيه النفس من الإعادة يومًا في الأسبوع: ليثبت المحفوظ، وتأخذ النفس قوة، كالبنيان يترك أيامًا حتى يستقر، ثم يبنى عليه. ٥٨٣- وتقليل المحفوظ مع الدوام أصل عظيم. وألا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله. ومن لم يجد نشاطًا للحفظ، فليتركه، فإن مكابرة النفس لا تصلح. ٥٨٤- وإصلاح المزاج من الأصول العظيمة، فإن للمأكولات أثرًا في الحفظ١: قال الزهري: ما أكلت خلًّا منذ عالجت الحفظ. وقيل لأبي حنيفة: بم يستعان على حفظ الفقه؟ قال: بجمع الهم. وقال حماد بن سلمة٢: بقلة الغَمِّ.

стр. 296

وقال مكحول١: من نظف ثوبه، قَلَّ هَمُّهُ، ومن طابت ريحه، زاد عقله، ومن جمع بينهما: زادت مروءته. ٥٨٥- وأختار للمبتدئ في طلب العلم أن يدافع النكاح مهما أمكن، فإن أحمد بن حنبل لم يتزوج حتى تمت له أربعون سنة، وهذا لأجل جمع الهم، فإن غلب عليه الأمر، تزوج، واجتهد في المدافعة٢ بالفعل، لتتوفر القوة على إعادة العلم. ٥٨٦- ثم لينظر ما يحفظ من العلم، فإن العمر عزيز، والعلم غزير، وإن أقوامًا يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه، وإن كان كل العلوم حسنًا؛ ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل. وأفضل ما تشوغل به حفظ القرآن، ثم الفقه، وما بعد هذا بمنزلة تابع. ومن رزق يقظة، دلته يقظته، فلم يحتج إلى دليل. ومن قصد وجه الله تعالى بالعلم، دله المقصود على الأحسن: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .

стр. 297

١٢٢- فصل: أعظم المحن الاغترار بالسلامة بعد الذنب ٥٨٧- من أراد دوام العافية والسلامة فليتق الله ، فإنه ما من عبد أطلق نفسه في شيء ينافي التقوى، وإن قل، إلا وجد عقوبته عاجلة أوآجلة. ومن الاغترار أن تسيء، فترى إحسانًا، فتظن أنك قد سومحت، وتنسى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وربما قالت النفس: إنه يغفر، فتسامحت! ولا شك أنه يغفر، ولكن لمن يشاء. ٥٨٨- وأنا أشرح لك حالًا، فتأمله بفكرك تعرف معنى المغفرة. وذلك أن من هفا هفوة، لم يقصدها، ولم يعزم عليها قبل الفعل، ولا عزم على العود بعد الفعل، ثم انتبه لما فعل، فاستغفر الله، كان فعله -وإن دخله عمدًا- في مقام خطإٍ، مثل أن

стр. 298

يعرض له مستحسن، فيغلبه الطبع، فيطلق النظر، وتشاغل في حال نظره بالتذاذ الطبع عن تلمح معنى النهي، فيكون كالغائب أو كالسكران، فإذا انتبه لنفسه، ندم على فعله، فقام الندم بغسل تلك الأوساخ، التي كانت كأنها غلطة لم تقصد، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] . فأما المداوم على تلك النظرة، المردد لها، المصر عليها، فكأنه في مقام متعمد للنهي، مبارز بالخلاف، فالعفو يبعد عنه بمقدار إصراره، ومن البعد ألا يرى الجزاء على ذلك، كما قال ابن الجلاء: رآني شيخي وأنا قائم أتأمل حدثا نصرانيًّا، فقال: ما هذا؟! لترين غبها ولو بعد حين. فنسيت القرآن بعد أربعين سنة. ٥٨٩- واعلم أنه من أعظم المحن الاغترار بالسلامة بعد الذنب، فإن العقوبة تتأخر. ومن أعظم العقوبة ألا يحس اإنسان بها، وأن تكون في سلب الدين، وطمس القلوب، وسوء الاختيار للنفس، فيكون من آثارها سلامة البدن، وبلوغ الأغراض. ٥٩٠- قال بعض المعتبرين: أطلقت نظري فيما لا يحل لي، ثم كنت أنتظر العقوبة، فألجئت إلى سفر طويل، لا نية لي فيه، فلقيت المشاق، ثم أعقب ذلك موت أعز الخلق عندي، وذهاب أشياء كان لها وقع عظيم عندي، ثم تلافيت أمري بالتوبة، فصلح حالي. ثم عاد الهوى، فحملني على إطلاق بصري مرة أخرى، فطمس قلبي، وعدمت رقته، واستلب مني ما هو أكثر من فقد الأول، ووقع لي تعويض عن المفقود بما كان فقده أصلح. فلما تأملت ما عوضت وما سلب مني، صحت من ألم تلك السياط، فها أنا أنادي من على الساحل: إخواني! احذروا لجة هذا البحر، ولا تغتروا بسكونه، وعليكم بالساحل، ولازموا حصن التقوى، فالعقوبة مرة. واعلموا أن في ملازمة التقوى مرارات من فقد الأغراض والمشتهيات، غير أنها في ضرب المثل كالحمية تعقب صحة، والتخليط ربما جلب موت الفجأة. وبالله، لو نمتم على المزابل مع الكلاب في طلب رضا المبتلي، كان قليلًا في

стр. 299

نيل رضاه، ولم بلغتم نهاية الأماني من أغراض الدنيا، مع إعراضه عنكم، كانت سلامتكم هلاكًا، وعافيتكم مرضا، وصحتكم سقمًا، والأمر بآخره، والعاقل من تلمح العواقب. وصابروا رحمكم الله تعالى هجير البلاء، فما أسرع زواله! والله الموفق، إذ لا حول إلا به، ولا قوة إلا بفضله.

стр. 300

١٢٣- فصل: للباطل جولة وللحق صولة ٥٩١- قدم إلى بغداد جماعة من أهل البدع الأعاجم، فارتقوا منابر التذكير للعوام، فكان معظم مجالسهم أنهم يقولون: ليس لله في الأرض كلام! وهل المصحف إلا ورق وعفص١ وزاج٢؟! وإن الله ليس في السماء! وإن الجارية التي قال لها النبي ﷺ : "أين الله؟ "٣: كانت خرساء، فأشارت إلى السماء، أي: ليس هو من الأصنام التي تعبد في الأرض! ثم يقولون: أين الحروفية الذين يزعمون أن القرآن حرف وصوت؟! هذا عبارة جبريل!! فما زالوا كذلك، حتى هان تعظيم القرآن في صدور أكثر العوام، وصار أحدهم يسمع فيقول: هذا هو الصحيح؛ وإلا، فالقرآن شيء يجيء به جبريل في كيس! فشكا إلى جماعة من أهل السنة، فقلت لهم: اصبروا، فلا بد للشبهات أن ترفع رأسها في بعض الأوقات، وإن كانت مدموغة٤، وللباطل جولة، وللحق صولة، والدجالون كثير، ولا يخلو بلد ممن يضرب البهرج٥ على مثل سكة السلطان.

стр. 301

٥٩٢- قَالَ قَائِلٌ: فما جوابنا عن قولهم؟ قلت: اعلم -وفقك الله تعالى- أن الله ورسوله قنعا من الخلق بالإيمان بالجمل، ولم يكلفا معرفة التفاصيل: إما؛ لأن الاطلاع على التفاصيل يخبط العقائد، وإما؛ لأن قوى البشر تعجز عن مطالعة ذلك. ٥٩٣- فأول ما جاء به الرسول ﷺ إثبات الخالق، ونزل عليه القرآن بالدليل على وجود الخالق، بالنظر في سنعه: فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا﴾ [النمل: ٦١] ، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وما زال يستدل على وجوده بمخلوقاته، وعلى قدرته بمصنوعاته. ٥٩٤- ثم أثبت نبوة نبيه ﷺ بمعجزته، وكان من أعظمها القرآن الذي جاء به، فعجز الخلائق عن مثله، واكتفى بهذه الأدلة جماعة من الصحابة، ومضى على ذلك القرن الأول، والمشرب صاف لم يتكدر. ٥٩٥- وعلم الله ما سيكون من البدع، فبالغ في إثبات الأدلة، وملأ بها القرآن. ٥٩٦- ولما كان القرآن هو منبع العلوم، وأكبر المعجزات للرسول ﷺ ، أكد الأمر فيه: فقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] ، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] ، فأخبر أنه كلامه بقولة تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] ، وأخبر أنه مسموع بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ، وأخبر أنه محفوظ، فقال تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] ، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] ، وأخبر أنه مكتوب ومتلو، فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ، إلى ما يطول شرحه من تعدد الآيات في هذه المعاني، التي توجب إثبات القرآن. ٥٩٧- ثم نزه نبيه ﷺ عن أن يكون أتى به من قبل نفسه، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [السجدة: ٣] ، وتوعده لو فعل، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة] ، وقال

стр. 302

في حق الزاعم أنه كلام الخلق حين قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر] . ٥٩٨- ولما عذب كل أمة بنوع عذاب تولاه بعض الملائكة، كصيحة جبريل ﵇ بثمود، وإرسال الريح على عاد، والخسف بقارون، وقلب جبريل ديار قوم لوط ﵇، وإرسال الطير الأبابيل على من قصد تخريب الكعبة١، تولى هو بنفسه، عقاب المكذبين بالقرآن، فقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] ، ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وهذا؛ لأنه أصل هذه الشرائع، والمثبت لكل شريعة تقدمت؛ لأن جميع الملل ليس عندهم ما يدل على صحة ما كانوا فيه إلا كتابنا؛ لأن كتبهم غيرت وبدلت. ٥٩٩- وقد علم كل ذي عقل أن القائل: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] : إنما أشار إلى ما سمعه، ولا يختلف أولو الألباب وأهل الفهم للخطاب أن قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ كناية عن القرآن، وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ﴾ : كناية أيضًا عنه، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ : إشارة إلى حاضر، وهذا أمر مستقيم، لم يختلف فيه أحد من القدماء في زمن الرسول ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم. ٦٠٠- ثم دس الشيطان دسائس البدع، فقال قوم: هذا المشار إليه مخلوق! فثبت الإمام أحمد ﵀ ثبوتًا لم يثبته غيره على دفع هذا القول، لئلا يتطرق إلى القرآن ما يمحو بعض تعظيمه في النفوس، ويخرجه عن الإضافة إلى الله ، ورأى أن ابتداع ما لم يقل فيه لا يجوز استعماله، فقال: كيف أقول ما لم يقل؟! ٦٠١- ثم لم يختلف الناس في غير ذلك إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري، فقال مرة بقول المعتزلة، ثم عنَّ له٢، فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس٣! فأوجبت دعواه هذه أن ما عندنا مخلوق، وزادت فخبطت العقائد، فما زال أهل البدع يجوبون في تيارها إلى اليوم.

стр. 303

٦٠٢- والكلام في هذه المسألة مرتب بذكر الحجج والشبه في كتب الأصول، فلا أطيل به ها هنا، بل أذكر لك جملة تكفي من أراد الله هداه: وهو أن الشرع قنع منا بالإيمان جملة، وبتعظيم الظواهر، ونهى عن الخوض فيما يثير غبار شبهة١، ولا تقوى على قطع طريقه أقدام الفهم. وإذا كان قد نهى عن الخوض في القدر، فكيف يجوز الخوض في صفات المقدر؟! وما ذاك إلا لأحد الأمرين اللذين ذكرتهما: إما لخوف إثارة شبهة تزلزل العقائد، أو؛ لأن قوى البشر تعجز عن إدراك الحقائق. ٦٠٣- فإذا كانت ظواهر القرآن تثبت وجود القرآن؛ فقال قائل: ليس ها هنا قرآن، فقد رد الظواهر التي تعب الرسول ﷺ في إثباتها، وقرر وجودها في النفوس. وبماذا يحل ويحرم، ويبت ويقطع، وليس عندنا من الله تعالى تقدم بشيء؟! وهل للمخالف دليل إلا أن يقول: قال الله، فيعود، فيثبت ما نفى؟! فليس الصواب لمن وفق إلا الوقوف مع ظاهر الشرع. فإن اعترضه ذو شبهة، فقال: هذا صوتك، وهذا خطك، فأين القرآن؟! فليقل له: قد أجمعنا أنا وأنت على وجود شيء به نحتج جميعًا، وكما أنك تنكر عليَّ أن أثبت شيئًا لا يتحقق لي إثباته حسًّا، فأنا أنكر عليك كيف تنفي وجود شيء قد ثبت شرعًا؟! ٦٠٤- وأما قولهم: هل في المصحف إلا ورق وعفص وزاج؟! فهذا كقول القائل: هل الآدمي إلا لحم ودم؟! هيهات! إن معنى الآدمي هو الروح، فمن نظر إلى اللحم والدم، وقف مع الحس، فإن قال: فكذا أقول: إن المكتوب غير الكتابة. قلنا له: وهذا مما ننكره عليك؛ لأنه لا يثبت تحقيق هذا لك ولا لخصمك: فإن أردت بالكتابة الحبر وتخطيطه، فهذا ليس هو القرآن، وإن أردت المعنى القائم بذلك، فهذا ليس هو الكتابة. ٦٠٥- وهذه الأشياء لا يصلح الخوض فيها، فإن ما دونها لا يمكن تحقيقه

стр. 304

على التفصيل، كالروح مثلًا؛ فإنا نعلم وجودها في الجملة، فأما حقيقتها، فلا، فإذا جهلنا حقائقها، كنا لصفات الحق أجهل، فوجب الوقوف مع السمعيات، مع نفي ما لا يليق بالحق؛ لأن الخوض يزيد الخائض تخبيطًا، ولا يفيده تحصيلًا، بل يوجب عليه نفي ما يثبت بالسمع من غير تحقيق أمر عقلي، فلا وجه للسلامة إلا طريق السلف والسلام. ٦٠٦- وكذلك أقول: إن إثبات الإله بظواهر الآيات والسنن ألزم للعوام من تحديثهم بالتنزيه، وإن كان التنزيه لازمًا، وقد كان ابن عقيل يقول: الأصلح لاعتقاد العوام١ ظواهر الآي والسنن؛ لأنهم يأنسون بالإثبات، فمتى محونا ذلك من قلوبهم؛ زالت السياسات والحشمة، وتهافت العوام في الشبهة أحب إلى من إغراقهم في التنزيه؛ لأن التشبيه يغمسهم في الإثبات، فيطمعون ويخافون٢ شيئًا قد أنسوا إلى ما يخاف مثله ويرجى، والتنزيه يرمي بهم إلى النفي، ولا طمع ولا مخافة من النفي. ومن تدبر الشريعة، رآها غامسة لمكلفين في التشبيه بالألفاظ، التي يعطي ظاهرها سواه، كقول الأعرابي: أو يضحك رَبُّنا؟ قال: "نَعَمْ"؛ فلم يكفهر من هذا

стр. 305

١٢٤- فصل: البلاء على العارف ٦٠٧- أعظم البلايا أن: يعطيك همة عالية، ويمنعك من العمل بمقضتاها، فيكون من تأثير همتك الأنفة من قبول إرفاق الخلق١، استثقالًا لحمل مننهم، ثم يبتليك بالفقر، فتأخذ منهم! ويلطف مزاجك، لا تقبل من المأكولات ما سهل إحضاره، فتحتاج إلى فضل نفقة، ثم يقلل رزقك! ويعلق همتك بالمستحسنات، ويقطع بالفقر السبيل إليهن! ويريك العلوم في مقام معشوق، ويضعف بدنك عن

стр. 306

الإعادة ويخلي يديك من المال الذي تحصل به الكتب! ويقوي توقك١ إلى درجات العارفين والزهاد، ويحوجك إلى مخالطة أرباب الدنيا! وهذا البلاء المبين. ٦٠٨- وأما الخسيس الهمة، الذي لا يستنكف من سؤال الخلق، ولا يرى الاسبتدال بزوجته، ويكتفي بيسير من العلم، ولا يتوق إلى أحوال العارفين، فذاك لا يؤلمه فقد شيء، ويرى ما وجد هو الغاية، فهو يفرح فرح الأطفال بالزخارف، فما أهون الأمر عليه! ٦٠٩- إنما البلاء على العارف، ذي الهمة العالية، الذي تدعوه همته إلى جميع الأضداد، للتزيد من مقام الكمال، وتقصر خطاه عن مدارك مقصوده. فيا له من حال ينفد في طريقه زاد الصابرين! ولولا حالات غفلة تعتري هذا المبتلى يعيش بها؛ لكان دوام ملاحظته للمقامات يعمي بصره، واجتهاده في السلوك يخفي قدمه، لكن ملاحظات الإمداد له -تارة بلوغ بعض مراده، وتارة بالغفلة عما قصد- تهون عليه العيش، وهذا كلام عزيز، لا يفهمه إلا أربابه، ولا يعلم كنهه إلا أصحابه.

стр. 307

١٢٥- فصل: ميزان العدل تَبِين فيها الذرة ٦١٠- تراعنت١ عليَّ نفسي في طلبها شيئًا من أغراضها بتأويل فاسد، فقلت لها: بالله عليك تصبري، فإن في المعبر شغلًا بحذر الغرق من كثرة الموج عن التنزه في عجائب البحر! ٦١١- إذا هممت بفعل، فقدري حصوله، ثم تلمحي عواقبه، وما تجتنين من ثمراته، فأقل ذلك الندم على ما فعلت، ولا يؤمن أن يثمر غضب الحق ، وإعراضه عنك، فأفٍ للقاطع عنه ولو كان الجنة! ٦١٢- ثم اعلمي -أيتها النفس- أنه ما يمضي شيء جزافًا، وأن ميزان العدل تبين فيه الذرة. فتلمحي الأوات والأحياء، وانظري إلى من نشر ذكره بالخير

стр. 308

والشر، وزيادة ذلك ونقصانه، فسبحان من أظهر دليل الخلوات على أربابها، حتى إن حبات القلوب تتعلق بأهل الخير، وتنفر من أهل الشر، من غير مطالعة لشيء من أعمال الكل. ٦١٣- قال إبليس: أو تترك مرادك لأجل الخلق؟! قلت: لا؛ إنما هذا بعض الثمرات الحاصلة لا عن طريق الغرض، ونحن نرى من يمشي ثلاثين فرسخًا ليقال: ساع، فالمتقي قد نال شرف الذكر -وإن لم يقصد نيل ذلكح مترجحًا له في وزن الجزاء: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] . ٦١٤- قالت النفس: لقد أمرتني بالصبر على العذاب؛ لأن ترك الأغراض عذاب. قلت: لك عن الغرض عوض، ومن كل متروك بدل، وأنت في مقام مستعبد، ولا يصح للأجير أن يلبس ثبات الراحة في زمان الاستئجار، وكل زمان المتقي نهار صوم، ومن خاف العقاب، ترك المشتهة، ومن رام القرب، استعمل الورع، وللصبر حلاوة تبين في العواقب.

стр. 309

١٢٦- فصل: ابتعد عن أسباب الفتنة ٦١٥- من نازعته نفسه إلى لذة محرمة، فشغله نظره إليها عن تأمل عواقبها وعقابها، وسمع هتاف العقل يناديه: ويحك! لا تفعل! فإنك تقف عن الصعود، وتأخذ في الهبوط، ويقال لك: ابق بما اخترت! فإن شغله هواه، فلم يلتفت إلى ما قيل له، لم يزل في نزول، وكان مثله في سوء اختياره كالمثل المضروب: أن الكلب قال للأسد: يا سيد السباع! غير اسمي؛ فإنه قبيح، فقال له: أنت خائن، لا يصلح لك غير هذا الاسم، قال: فجربني، فأعطاه شقة لحم، وقال: احفظ لي هذه إلى غد، وأنا أغير اسمك. فجاع، وجعل ينظر إلى اللحم، ويصبر، فلما غلبته نفسه، قال: وأي شيء باسمي؟! وما كلب إلا اسم حسن. فأكل! وهكذا الخسيس الهمة، القنوع بأقل المنازل، المختار عاجل الهوى على آجل الفضائل.

стр. 310

٦١٦- فاللهَ اللهَ في حريق الهوى إذا ثار! وانظر كيف تطفئه؟ فرب زَلَّةٍ أوقعت في بئر بوار١، ورب أثر لم ينقلع٢، والفائت لا يستدرك على الحقيقة، فابعد عن أسباب الفتنة، فإن المقاربة محنة لا يكاد صاحبها يسلم، والسلام.

стр. 311

١٢٧- فصل: البشر كلهم في حرب ٦١٧- رأيت الخلق كلهم في صف محاربة، والشياطين يرمونهم بنبل الهوى، ويضربونهم بأسياف اللذة، فأمّا المخلطون، فصرعى من أول وقت اللقاء، وأما المتقون، ففي جهد جهيد من المجاهدة! فلابد مع طول الوقوف في المحاربة من جراح، فهم يجرحون ويداوون، إلا أنهم من القتل محفوظون١، بلى، إن الجراحة في الوجه شين باق، ليحذر ذلك المجاهدون.

стр. 312

١٢٨- فصل: الدنيا فخ والجاهل يقع بأول نظرة ٦١٨- الدنيا فخ، والجاهل بأول نظرة يقع، فأما العاقل المتقي، فهو يصابر المجاعة، ويدور حول الحب، والسلامة بعيدة؛ فكم من صابر اجتهد سنين، ثم في آخر الأمر وقع! فالحذر الحذر، فقد رأينا من كان على سنن الصواب١، ثم زل على شفير القبر٢.

стр. 313

١٢٩- فصل: للذنوب تأثيرات قبيحة ٦١٩- اعلموا -إخواني، ومن يقبل نصيحتي! - أن للذنوب تأثيرات قبيحة، مرارتها تزيد على حلاوتها أضعافًا مضاعفة، والمجازي بالمرصاد، لا يسبقه شيء،

стр. 314

ولا يفوته، أو ليس يروى في التفسير أن كل واحد من أولاد يعقوب ﵈ -وكانوا اثني عشر- ولد له اثنا عشر ولدًا، إلا يوسف، فإنه ولد له أحد عشر، وجوزي بتلك الهمة١، فنقص ولدًا. ٦٢٠- فوا أَسَفَا لمضروب بالسياط ما يحس بالألم! ولمثخنٍ بالجراح، وما عنده من نفسه خبر! ولمتقلب في عقوبات ما يدري بها! ولعمري إن أعظم العقوبة أن لا يدري بالعقوبة. ٦٢١- فَوَا عَجَبًا للمغالط نفسه! يرضي ربه بطاعة، ثم يرضي نفسه بشهوة٢، ويقول: حسنة وسيئة! ٦٢٢- ويحك! من كيسك تنفق، ومن بضاعتك تهدم، ووجه جاهك تشين! رب جراحة قتلت، ورب عثرة أهلكت، ورب فارط٣ لا يستدرك. ٦٢٣- ويحك! انتبه لنفسك، ما الذي تنتظر بأوبتك؟ وماذا تترقب بتوبتك؟ المشيب؟ فها هو ذا أوهن العظم! وهل بعد رحيل الأهل والأولاد والأقارب إلا اللحاق؟! قدر أن ما تؤمله من الدنيا قد حصل، فكان ماذا؟! إما هو عاجل، فشغلك عاجلًا، ثم آخر جرعة اللذة شرقة٤! وإما أن تفارق محبوبك أو يفارقك، فيا لها جرعة مريرة تود عندها أن لو لم تره! ٦٢٤- آهٍ لمحجوب العقل عن التأمل، ولمصدود عن الورود، وهو يرى المنهل! أما في هذه القبول نذير؟! أما في كرور الزمان زاجرٌ؟! أين من ملك وبلغ المنى فيما أمل؟! نادهم في ناديهم! هيهات، صموا عن مناديهم، فلو أن ما بهم الموت، إنما القبول هنية. العمل حصل يا معدومًا بالأمس! يا متلاشي الأشلاء في الغد!

стр. 315

بأي وجهٍ تلقى ربك؟! أيساوي ما تناله من الهوى لفظ عِتَابٍ؟! ٦٢٥- بالله، إن الرحمة بعد المعاتبة ربما لم تستوف قلع١ البغضة من صميم القلب، فكيف إن أعقب العتاب عقاب؟! ٦٢٦- وقد أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا محمد بن الحسين المعدل، قال: أخبرنا أبو الفضل الزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا أبو العباس بن واصل المقرئ، قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الصيرفي، قال: رأى جار لنا يحيى بن أكثم٢ بعد موته في منامه، فقال: ما فعل بك ربك؟ فقال: وقفت بين يديه، فقال له: سوءة لك يا شيخ! فقلت: يا رب! إن رسولك قال: إنك لتستحي من أبناء الثمانين أن تعذبهم٣، وأنا ابن ثمانين، أسير الله في الأرض. فقال لي: صدق رسولي، فقد عفوت عنك. وفي رواية أخرى عن محمد بن سلم الخواص، قال: رأيت يحيى بن أكثم في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقال لي: يا شيخ السوء! لولا شيبتك، لأحرقتك بالنار. والمقصود من هذا النظر بعين الاعتبار، هل يفي هذا بدخول الجنة، فضلًا عن لذات الدنيا؟ فنسأل الله أن ينبهنا من رقدات الغافلين، وأن يرينا الأشياء كما هي، لنعرف عيوب الذنوب. والله الموفق.

стр. 316

١٣٠- فصل: من يتوكل على الله فهو حسبه ٦٢٧- ضاق بي أمر أوجب غمًّا لازمًا دائمًا، وأخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم بكل حيلة وبكل وجه، فما رأيت طريقًا للخلاص، فعرضت

стр. 317

لي هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ، فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل غم، فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى، فوجدت المخرج. فلا نبغي لمخلوقٍ أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله تعالى، وامتثال أمره، فإن ذلك سبب لفتح كل مرتج١. ثم أعجبه أن يكون من حيث لم يقدره المتفكر المحتال المدبر، كما قال : ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] . ٦٢٨- ثم يبنغي للمتقي أن يعلم أن الله كافيه، فلا يعلق قلبه بالأسباب، فقد قال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] .

стр. 318

١٣١- فصل: نظف طرق الإجابة من أدران الذنوب ٦٢٩- من العجب إلحاحك في طلب أغراضك! وكلما زاد تعويقها، زاد إلحاحك! وتنسى أنها قد تمتنع لأحد أمرين: إما لمصلحتك، فربما طلبت معجل أذى، وإما لذنوبك، فإن صاحب الذنوب بعيد عن الإجابة. فنظف طرق الإجابة من أوساخ المعاصي، وانظر فيما تطلبه، هل هو لإصلاح دينك، أو لمجرد هواك؟ فإن كان للهوى المجرد، فاعلم أن من اللطف بك والرحمة لك تعويقه، وأنت في إلحاحك بمثابة الطفل يطلب ما يؤذيه، فيمنع رفقًا به. وإن كان لصلاح دينك، فربما كانت المصلحة تأخيره، أو كان صلاح الدين بعدمه. وفي الجملة، تدبير الحق لك خير من تدبيرك، وقد يمنعك ما تهوى ابتلاء، ليبلو صبرك، فأره الصبر الجميل، تر عن قربٍ ما يسر. ومتى نظفت طرق الإجابة عن أدران الذنوب، وصبرت على ما يقضيه لك، فكل ما يجري أصلح لك، عطاءً كان أو منعًا.

стр. 319

١٣٢- فصل: الاستعداد للموت ٦٣٠- يجب على من لا يدري من يبغته الموت أن يكون مستعدًّا، ولا يغتر

стр. 320

بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت الشبان، ولهذا يندر من يكبر، وقد أنشدوا. يُعَمَّرُ وَاحِدٌ فَيَغُرُّ قَوْمًا ... وَيُنْسَي مَنْ يَمُوْتُ مِنَ الشَّبَابِ ٦٣١- ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفة أعظم منه، فإنه لولا طول الأمل، ما وقع إهمال أصلًا، وإنما تقدم المعاصي، وتؤخر التوبة، لطول الأمل، وتبادر الشهوات، وتنسى الإنابة، لطول الأمل. ٦٣٢- وإن لم تستطع قصر الأمل، فاعمل عمل قصير الأمل: ولا تنس حتى تنظر فيما مضى من يومك، فإن رأيت زلة، فامحها بتوبة، أو خرقًا، فارقعه باستغفار. وإذا أصبحت، فتأمل ما مضى في ليلك. وإياك والتسويف، فإنه أكبر جنود إبليس. وخذ لك منك على مهلةٍ ... ومقبل عيشك لم يدبرِ وخف هجمةً لا تقيل العثَار ... وتطوي الورود على المصدرِ ومثل لنفسك أي الرعيل ... يضمك في حلْبة المحشر ثم صور لنفسك قصر العمر، وكثرة الأشغال، وقوة الندم على التفريط عند الموت، وطول الحسرة على البدار بعد الفوات. وصور ثواب الكاملين وأنت ناقص، والمجتهدين وأنت متكاسل. ٦٣٣- ولا تخل نفسك من موعظة تسمعها، وفكرة تحادثها بها، فإن النفس كالفرس المتشيطن١: إن أهملت لجامه، لم تأمن أن يرمي بك. وقد والله دنستك أهواؤك، وضيعت عمرك. فالبدار البدار في الصيانة قبل تلف الباقي بالصبابة٢، فكم تعرقل في فخ الهوى جناح حازمٍ! وكم وقع في بئر بوار مخمور٣! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
следующие страницы →