١٣٠- فصل: من يتوكل على الله فهو حسبه
٦٢٧- ضاق بي أمر أوجب غمًّا لازمًا دائمًا، وأخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم بكل حيلة وبكل وجه، فما رأيت طريقًا للخلاص، فعرضت
стр. 317
لي هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ، فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل غم، فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى، فوجدت المخرج.
فلا نبغي لمخلوقٍ أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله تعالى، وامتثال أمره، فإن ذلك سبب لفتح كل مرتج١. ثم أعجبه أن يكون من حيث لم يقدره المتفكر المحتال المدبر، كما قال : ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] .
٦٢٨- ثم يبنغي للمتقي أن يعلم أن الله كافيه، فلا يعلق قلبه بالأسباب، فقد قال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] .
стр. 318
١٣١- فصل: نظف طرق الإجابة من أدران الذنوب
٦٢٩- من العجب إلحاحك في طلب أغراضك! وكلما زاد تعويقها، زاد إلحاحك! وتنسى أنها قد تمتنع لأحد أمرين: إما لمصلحتك، فربما طلبت معجل أذى، وإما لذنوبك، فإن صاحب الذنوب بعيد عن الإجابة. فنظف طرق الإجابة من أوساخ المعاصي، وانظر فيما تطلبه، هل هو لإصلاح دينك، أو لمجرد هواك؟
فإن كان للهوى المجرد، فاعلم أن من اللطف بك والرحمة لك تعويقه، وأنت في إلحاحك بمثابة الطفل يطلب ما يؤذيه، فيمنع رفقًا به.
وإن كان لصلاح دينك، فربما كانت المصلحة تأخيره، أو كان صلاح الدين بعدمه.
وفي الجملة، تدبير الحق لك خير من تدبيرك، وقد يمنعك ما تهوى ابتلاء، ليبلو صبرك، فأره الصبر الجميل، تر عن قربٍ ما يسر.
ومتى نظفت طرق الإجابة عن أدران الذنوب، وصبرت على ما يقضيه لك، فكل ما يجري أصلح لك، عطاءً كان أو منعًا.
стр. 319
١٣٢- فصل: الاستعداد للموت
٦٣٠- يجب على من لا يدري من يبغته الموت أن يكون مستعدًّا، ولا يغتر
стр. 320
بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت الشبان، ولهذا يندر من يكبر، وقد أنشدوا.
يُعَمَّرُ وَاحِدٌ فَيَغُرُّ قَوْمًا ... وَيُنْسَي مَنْ يَمُوْتُ مِنَ الشَّبَابِ
٦٣١- ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفة أعظم منه، فإنه لولا طول الأمل، ما وقع إهمال أصلًا، وإنما تقدم المعاصي، وتؤخر التوبة، لطول الأمل، وتبادر الشهوات، وتنسى الإنابة، لطول الأمل.
٦٣٢- وإن لم تستطع قصر الأمل، فاعمل عمل قصير الأمل: ولا تنس حتى تنظر فيما مضى من يومك، فإن رأيت زلة، فامحها بتوبة، أو خرقًا، فارقعه باستغفار. وإذا أصبحت، فتأمل ما مضى في ليلك. وإياك والتسويف، فإنه أكبر جنود إبليس.
وخذ لك منك على مهلةٍ ... ومقبل عيشك لم يدبرِ
وخف هجمةً لا تقيل العثَار ... وتطوي الورود على المصدرِ
ومثل لنفسك أي الرعيل ... يضمك في حلْبة المحشر
ثم صور لنفسك قصر العمر، وكثرة الأشغال، وقوة الندم على التفريط عند الموت، وطول الحسرة على البدار بعد الفوات. وصور ثواب الكاملين وأنت ناقص، والمجتهدين وأنت متكاسل.
٦٣٣- ولا تخل نفسك من موعظة تسمعها، وفكرة تحادثها بها، فإن النفس كالفرس المتشيطن١: إن أهملت لجامه، لم تأمن أن يرمي بك. وقد والله دنستك أهواؤك، وضيعت عمرك.
فالبدار البدار في الصيانة قبل تلف الباقي بالصبابة٢، فكم تعرقل في فخ الهوى جناح حازمٍ! وكم وقع في بئر بوار مخمور٣! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 321
١٣٣- فصل: الحذر من المعاصي
٦٣٤- الحذر الحذر من المعاصي؛ فإن عواقبها سيئة. وكم من معصية لا يزال صاحبها في هبوط أبدًا، مع تعثير أقدامه، وشدة فقره، وحسراته على ما يفوته من الدنيا، وا حسرة لمن نالها، فلو قارب زمان جزائه على قبيحه لذي ارتكبه، كان اعتراضه على القدر في فوات أغراضه يعيد العذاب جديدًا!
٦٣٥- فوا أسفا لمعاقب لا يحس بعقوبته! وآهٍ من عقاب يتأخر حتى ينسى سببه. أو ليس ابن سيرين يقول: عيرت رجلًا بالفقر، فافتقرت بعد أربعين سنة؟! وابن الجلاء يقول: نظرت إلى شاب مستحسن، فنسيت القرآن بعد أربعين سنةً.
فوا حسرة لمعاقب لا يدري أن أعظم العقوبة عدم الإحساب بها!
٦٣٦- فالله الله في تجويد التوبة، عساها تكف كف الجزاء.
والحذر الحذر من الذنوب، خصوصًا ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه. وأصلح ما بينك وبينه في السر، وقد أصلح لك أحوال العلانية، ولا تغتر بستره -أيها العاصي- فربما يجذب من عورتك١، ولا بحلمه فربما بغت٢ العقاب.
٦٣٧- وعليك بالقلق واللجإ إليه والتضرع؛ فإن نفع شيء، فذلك، وتقوت بالحزن، وتمرز٣ كأس الدمع، واحفر بمعول الأسى قليب قلب٤ الهوى، لعلك تنبط٥ من الماء ما يغسل جرم٦ جرمك٧.
стр. 322
١٣٤- فصل: من عظم الله عظم الله قدره
٦٣٨- إخواني! اسمعوا نصيحة من قد جرب وخبر. إنه بقدر إجلالكم الله عز وجل
стр. 323
يجلكم، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقدراكم وحرمتكم.
٦٣٩- ولقد رأيت -والله- من أنفق عمره في العلم، إلى أن كبرت سنه، ثم تعدى الحدود، فهان عند الخلق، وكانوا لا يلتفتون إليه، مع غزارة علمه، وقوة مجاهدته.
ولقد رأيت من كان يراقب الله في صبوته١ مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم -فعظم الله قدره في القلوب، حتى علقته٢ النفوس، ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير.
ورأيت من كان يرى الاستقامة إذا استقام٣: فإذا زاغ، مال عنه اللطف. ولولا عموم الستر، وشمول رحمة الكريم، لافتضح هؤلاء المذكورون. غير أنه في الأغلب تأديب أو تلطب في العقاب، كما قيل:
ومن كان في سخطه مُحْسِنًا ... فَكَيْفَ يَكُوْنُ إِذَا مَا رَضِي
غير أن العدل لا يحابي، وحاكم الجزاء لا يجور، وما يضيع عند الأمين شيء.
стр. 324
١٣٥- فصل: ملازمة مجلس الإنابة
٦٤٠- أيها المذنب! إذا أحسست نفحات الجزاء، فلا تكثرن الضجيج، ولا تقولن: قد تبت وندمت، فهلا زال عني من الجزاء ما أكره! فلعل توبتك ما تحققت.
وإن للمجازاة زمان يمتد امتداد المرض الطويل، فلا تنجع فيه الحيل، حتى ينقضي أوانه، وإن بين زمان: ﴿وَعَصَى﴾ [طه: ١٢١] إلى إبان: ﴿فَتَلَقَّى﴾ [البقرة: ٣٧] مدةً مديدةً١.
٦٤١- فاصبر أيها الخاطئ حتى يتخلل ماء عينيك خلال ثوب القلب المتنجس؛ فإذا عصرته كف الأسى، ثم تكررت دفع الغسلات، حكم بالطهارة.
стр. 325
٦٤٢- بقي آدم يبكي على زلته ثلاث مئة سنةٍ. ومكث أيوب ﵇ في بلائه ثماني عشرة سنةً، وأقام يعقوب يبكي على يوسف ﵇ ثمانين سنةً، وللبلايا أوقات، ثم تنصرم. ورب عقوبة امتدت إلى زمان الموت.
٦٤٣- فاللازم لك أن تلازم محراب الإنابة، وتجلس جلسة المستجدي، وتجعل طعامك القلق، وشرابك البكاء، فربما قدم بشير القبول، فارتد يعقوب الحزن بصيرًا، وإن مت في سجن شجنك، فربما ناب حزن الدنيا عن حزن الآخرة، وفي ذلك ربح عظيم.
стр. 326
١٣٦- فصل: دموع الندم تطفئ نيران الذنوب
٦٤٤- الواجب على العاقل أن يحذر مغبة المعاصي، فإن نارها تحت الرماد. وربما تأخرت العقوبة، ثم فجأت، وربما جاءت مستعجلة. فيلبادر بإطفاء ما أوقد من نيران الذنوب، ولا ماء يطفئ تلك النار إلا ما كان من عين العين، لعل خصم الجزاء يرضى قبل أن يبت الحاكم في حكمه.
стр. 327
١٣٧- فصل: اقبل نصحي يا مخدوعًا بغرضه .
٦٤٥- واعجبًا من عارف بالله يحالفه، ولو في تلف نفسه! هل العيش إلا معه؟! هل الدنيا والآخرة إلا له؟!
٦٤٦- أف لمترخص في فعل ما يكره لنيل ما يحب! تالله، لقد فاته أضعاف ما حصل. أقبل على ما أقوله يا ذا الذوق! هل وقع لك تعثير في عيش، وتخبيط في حال إلا حال مخالفته؟!
ولا انْثَنَى عَزْمِيَ عن بَابِكُمْ ... إِلَّا تَعَثَّرْتُ بِأَذْيَالِي
٦٤٧- أما سمعت تلك الحكاية عن بعض السلف: أنه قال: رأيت على سور بيروت شابًّا يذكر الله تعالى، فقلت له: ألك حاجة؟ فقال: إذا وقعت لي حاجة، سألته إياها بقلبي فقضاها.
стр. 328
٦٤٨- يا أرباب المعاملة! بالله عليكم، لا تكدروا المشرب! قفوا على باب المراقبة وقوف الحراس! وادفعوا ما لا يصلح أن يلج فيفسد! واهجروا أغراضكم لتحصيل محبوب الحبيب، فإن أغراضكم تحصل، على أنني أقول: أُفٍّ لمن ترك بقصد الجزاء! أهذا شرط العبودية؟! كلا، إنما ينبغي لي إذا كنت مملوكًا أن أفعل ليرضى لا لأعطى، فإن كنت محبًّا، رأيت قطع الآراب١ في رضاه وصلًا.
٦٤٩- اقبل نصحي يا مخدوعًا بغرضه!
إن ضعفت عن حمل بلائه٢، فاستغث به، وإن آلمك كرب اختياره، فإنك بين يديه، ولا تيأس من روحه، وإن قوي خناق البلاء. بالله، إن موت الخادم في الخدمة حسن عند العقلاء.
٦٥٠- إخواني! لنفسي أقول، فمن له شرب٣ معي، فليرد:
أيتها النفس! لقد أعطاك ما لم تؤملي وبلغك ما لم تطلبي، وستر عليك من قبيحك ما لو فاح، ضجت المشام٤! فما هذا الضجيج من فوات كمال الأغراض؟! أمملوكة أنت أم حرة؟! أما علمت أنك في دار التكليف؟!
وهذا الخطاب ينبغي أن يكون للجهال، فأين دعواك المعرفة؟! أتراه لو هبت نفحة فأخذت البصر، كيف كانت تطيب لك الدنيا؟! وَا أَسَفَا عليك! لقد عشيت البصيرة التي هي أشرف، وما علمت كم أقول: عسى ولعل؟ وأنت في الخطإ إلى قدام.
قربت سفينة العمر من ساحل القبر، وما لك في المركب بضاعة تربح. تلاعبت في بحر العمر ريح الضعف، ففرقت تلفيق القوى، وكأن قد فصلت المركب٥.
بلغت نهاية الأجل، وعين هواك تتلفت إلى الصبا. بالله عليك، لا تشمتي بك الأعداء! هذا أقل الأقسام، وأوفى منها أن أقول: بالله عليك، لا يفوتنك قدم سابق مع قدرتك على قطع المضمار.
стр. 329
الخلوة الخلوة! واستحضري قرين العقل، وجولي في حيرة الفكر، واستدركي صبابة الأجل١، قبل أن تميل بك، الصبابة٢ عن الصواب.
وا عَجَبًا! كلما صعد العمر نزلت! وكلما جد الموت هزلت! أتراك ممن ختم له بفتنة، وقضيت عليه عند آخر عمره المحنة؟! كان أول عمرك خيرًا من الأخير، كنت في زمن الشباب أصلح منك في زمن أيام المشيب: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] نسأل الله ما لا يحصل إلا به، وهو توفيقه، إنه سميع مجيب.
стр. 330
١٣٨- فصل: حُسنُ جزاء مَنْ خافَ مقامَ ربِّه
٦٥١- قدرت في بعض الأيام على شهوة للنفس هي عندما أحلى من الماء الزلال١ في فم الصادي٢، وقال التأويل: ما هاهنا مانع ولا معوق إلا نوع ورع! وكان ظاهر الأمر امتناع الجواز، فترددت بين الأمرين، فمنعت النفس عن ذلك، فبقيت حيرتي لمنع ما هو الغاية في غرضها من غير صاد عنه بحال، إلا حذر المنع الشرعي، فقلت لها: يا نفس! والله، ما من سبيل إلى ما تودين ولا ما دونه! فتقلقلت، فصحت بها: كم وافقتك في مراد ذهبت لذته، وبقي التأسف على فعله! فقدري بلوغ الغرض من هذا المراد، أليس الندم يبقى في مجال اللذة أضعاف زمانها؟! فقالت: كيف أصنع؟ فقلت:
صبرت ولا والله ما بي جلادة ... على الحب، لكني صبرت على الرغم
وها أنا ذا أنتظر من الله حسن الجزاء على هذا الفعل.
٦٥٢- وقد تركت باقي هذه الوجة البيضاء، أرجو أن أرى حسن الجزاء على الصبر، فأسطره٣ فيه إن شاء الله تعالى؛ فإنه قد يعجل جزاء الصبر، وقد يؤخره:
стр. 331
فَإِنْ عُجِّلَ، سطرته، وإن أخر، فما أشك في حسن الجزاء لمن خاف مقام ربه؛ فإنه من ترك شيئًا لله، عوضه الله خيرًا منه.
والله، إني ما تركته إلا لله تعالى، ويكفيني تركه ذخيرة، حتى لو قيل لي: أتذكر يومًا آثرت الله على هواك؟ قلت: يوم كذا وكذا.
فافتخري أيتها النفس بتوفيقك، واحمدي من وفقك، فكم قد خذل سواك! واحذري أن تخذلي في مثلها! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
٦٥٣- وكان هذا في سنة إحدى وستين وخمس مائة، فلما دخلت سنة خمس وستين١، عوضت خيرًا من ذلك بما لا يقارب مما لا يمنع منه ورع ولا غيره؛ فقلت: هذا جزاء الترك لأجل الله سبحانه في الدنيا: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف: ٥٧] ، والحمد لله.
стр. 332
١٣٩- فصل: المحنة على من طلب اللذة من طريق الحرام
٦٥٤- لا أنكر على من طلب لذة الدنيا من طريق المباح؛ لأنه ليس كل أحد يقوى على الترك. إنما المحنة على من طلبها، فلم يجدها أو أكثرها إلا من طريق الحرام، فاجتهد في تحصيلها، ولم يبال كيف حصلت. فهذه المحنة التي بخس العقل فيها حقه، ولم ينتفع صاحبه بوجوده؛ لأنه لو وزن ما آثر وعقابه، طاشت كفة اللذة، التي فنيت عند أول ذرة من أجزائها.
٦٥٥- وكم قد رأينا ممن آثر شهوته، فسلبت دينه! فليعجب العاقل حين التصفح لأحوالهم، كيف آثروا شيئًا ما أقاموا معه، وصاروا إلى عقاب لا يفارقهم؟! فَاللهَ اللهَ في بخس العقول حقها! ولينظر السالك أين يضع القدم، فرب مستعجل وقع في بئر بوارٍ، ولتكن عين التيقظ مفتوحة، فإنكم في صف حرب، لا يدري فيه من أين يتلقى النبل، فأعينوا أنفسكم، ولا تعينوا عليها.
стр. 333
١٤٠- فصل: الحق أقرب إلى عبده من حبل الوريد
٦٥٦- الحق أقرب إلى عبده من حبل الوريد؛ لكنه عامل العبد معاملة الغائب عنه، البعيد منه، فأمره بقصد بيته، ورفع اليدين إليه، والسؤال له.
فقلوب الجُهَّالِ تستشعر البعد، ولذلك تقع منهم المعاصي، إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر، لكفوا الأكف عن الخطايا، والمتيقظون علموا قربه، فحضرتهم المراقبة، وكفتهم عن الانبساط.
ولولا نوع تغطية على عين المراقبة الحقيقية، لما انبسطت كف بأكل، ولا قدرت عين على نظر. ومن هذا الجنس: "إنَّهُ لَيُغَانُ عَلى قَلْبِي"١.
وَمَتَى تحققت المراقبة، حصل الأنس؛ وإنما يقع الأنس بتحقيق الطاعة؛ لأن المخالفة توجب الوحشة، والموافقة مبسطة المستأنسين، فيا لذة٢ عيش المستأنسين! ويا خسارة المستوحشين!
٦٥٧- وليست الطاعة كما يظن أكثر الجهال أنها مجرد الصلاة والصيام، إنما الطاعة الموافقة بامتثال الأمر، واجتناب النهي، هذا هو الأصل والقاعدة الكلية. فكم من متعبد بعيد؛ لأنه مضيع الأصل، وهادم القواعد بمخالفة الأمر، وارتكاب النهي، وإنما المحقق من أمسك ذؤابة٣ ميزان المحاسبة للنفس، فأدى ما عليه، واجتنب ما نهي عنه، فإن رزق زيادة تنفل؛ وإلا لم يضره. والسلام.
стр. 334
١٤١- فصل: على الإنسان ألا ينافس بلذات الدنيا
٦٥٨- والدنيا في الجملة معبر؛ فينبغي للإنسان ألا ينافس بلذاتها، وأن يعبر
стр. 335
الأيام بها. فإنه لو تفكر في كيفية الذبائح، ووسخ من يباشرها، وعمل الكامخ١. وغيرها من المأكولات، ما طابت له. ولو تفكر في جولان اللقمة مختلطة بالريق، ما قدر على إساغتها.
٦٥٩- والمرء لا يخلو من حالين: إما أن يريد التنعم باللذات المباحات، أو يريد دفع الوقت بالضرورات، وأيهما طلب، فلا يبنغي له أن يبحث فيما يناله عن باطنه؛ فإنه لو نظر إلى عورة الزوجة نبا عنها٢، وقد قالت عائشة ﵂: "ما رأيته من رسول الله ﷺ ولا رآه مني"٣.
٦٦٠- فينبغي للعاقل أن يكون له وقت معلوم يأمر زوجته بالتصنع له فيه، ثم يغمض عن التفتيش، ليطيب له عيشه، وينبغي لها أن تتفقد من نفسها هذا، فلا تحضره إلا على أحسن حال. وبمثل هذا يدوم العيش. فأما إذا حصلت البذلة٤، بانت بها العيوب، فنبت النفس، وطلبت الاستبدال، ثم يقع في الثانية٥ مثل ما يقع في الأولى، وكذلك ينبغي أن يتصنع لها كتصنعها له، ليدوم الود بحسن الائتلاف٦.
стр. 336
٦٦١- ومتى لم يجر الأمر على هذا في حق من له أنفةٌ من شيء تنبو عنه النفس، وقع في أحد أمرين، إما الإعراض عنها، وإما الاستبدال بها، ويحتاج في حالة الإعراض إلى صبر عن أغراضه، وفي حالة الاستبدال إلى فضل مؤنة، وكلاهما يؤذي.
ومتى لم يستعمل ما وصفنا، لم يطلب له عيش في متعة، ولم يقدر على دفع الزمان كما ينبغي.
стр. 337
١٤٢- فصل: معاذ الله إنه ربي
٦٦٢- نازعتني نفسي إلى أمر مكروه في الشرع، وجعلت تنصب لي التأويلات، وندفع الكراهة، وكانت تأويلاتها فاسدة، والحجة ظاهرة على الكراهة.
فلجأت إلى الله تعالى في دفع ذلك عن قلبي، وأقبلت على القراءة١، وكان درسي٢ قد بلغ سورة يوسف، فاتحتها، وذلك الخاطر قد شغل قلبي، حتى لا أدري ما أقرأ. فلما بلغت إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] ، انتبهت لها، وكأني خوطبت بها، فأفقت من تلك السكرة، فقلت: يا نفس! أفهمت؟ هذا حر بيع ظلمًا، فراعي حق من أحسن إليه، وسماه مالكًا، وإن لم يكن له عليه ملك، فقال: ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ ، ثم زاد في بيان موجب كف كفه عما يؤذيه، فقال: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ . فكيف بك، وأنت عبد على الحقيقة لمولى ما زال يحسن
стр. 338
إليك من ساعة وجودك، وإن ستره عليك الزلل أكثر من عدد الحصى؟!
أفما تذكرين كيف رباك، وعلمك، ورزقك، ودافع عنك، وساق الخير إليك، وهداك أقوم طريق، ونجاك من كل كيد، وضم إلى حسن الصورة الظاهرة جودة الذهن الباطن، وسهل لك مدارك العلوم، حتى نلت في قصير الزمان رزقك بلا كلفة تكلف، ولا كدر من، رغدًا غير نزرٍ٣؟!
فوالله، ما أدري أي نعمة عليك أشرح لك، حسن الصورة، وصحة الآلات؟ أم سلامة المزاج، واعتدال التركيب؟ أم لطف الطبع الخالي عن خساسة؟ أم إلهام الرشاد منذ الصغر؟ أم الحفظ بحسن الوقاية عن الفواحش والزلل؟ أم تحبيب طريق النقل، واتباع الأثر، من غير جمود على تقليد لمعظم، ولا انخراط في سلك مبتدع؟ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [ابراهيم: ٣٤] .
كم كايد نصب لك المكايد فوقاك؟ كم عدو حط منك بالذم فرقاك؟ كم أعطش من شراب الأماني خلقًا وسقاك؟ كم أمات من لم يبلغ بعض مرادك وأبقاك؟ فأنت تصبحين وتمسين سليمة البدن، محروسة الدين، في تزيد من العلم، وبلوغ الأمل. فإن منعت مرادًا، فرزقت الصبر عنه بعد أن تبين لك وجه الحكمة في المنع، فسلمي حتى يقع اليقين بأن المنع أصلح.
ولو ذهبت أعد من هذه النعم ما سنح٤ ذكره، امتلأت الطروس٥ ولم تنقطع الكتابة، وأنت تعلمين أن ما لم أذكره أكثر، وأن ما أومأت إلى ذكره لم يشرح، فكيف يحسن بك التعرض لما يكرهه؟! ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣] .
стр. 339
١٤٣- فصل: قطع أسباب الفتن
٦٦٣- ما رأيت أعظم فتنة من مقاربة الفتنة، وقل أن يقاربها إلا من يقع فيها: "ومن حام حول الحمى، يوشك أن يقع فيه"١.
٦٦٤- قال بعض المعتبرين: قدرت مرة على لذة ظاهرها التحريم، وتحتمل الإباحة؛ إذ الأمر فيها مردد، فجاهدت النفس، فقالت: أنت ما تقدر؛ فلهذا تترك، فقارب المقدرو عليه، فإذا تمكنت، فتركت، كنت تاركًا حقيقة، ففعلت، وتركت.
ثم عاودت مرة أخرى في تأويل، أرتني فيه الجواز، وإن كان الأمر يحتمل، قلمًا وافقتها، أثر ذلك لظمة في قلبي، لخوف أن يكون الأمر محرمًا.
فرأيت أنها تارة تقوى علي بالترخص والتأويل، وتارة أقوى عليها بالمجاهدة والامتناع؛ فإذا ترخصت، لم آمن أن يكون ذلك الأمر محظورًا، ثم أرى عاجلًا تأثير ذلك الفعل في القلب.
فلما لم آمن عليها التأويل، تفكرت في قطع طمعها من ذلك الأمر المؤثر، فلم أر ذلك إلا بأن قلت لها: قدري أن هذا الأمر مباح قطعًا، فوالله الذي لا إله إلا هو، لا عدت إليه. فانقطع طمعها باليمين والمعاهدة. وهذا أبلغ دواء وجدته في امتناعها؛ لأن تأويلها لا يبلغ إلى أن تأمر بالحنث والتكفير. فأجود الأشياء قطع أسباب الفتن، وترك الترخص فيما يجوز، إذا كان حاملًا ومؤديًا إلى ما لا يجوز، والله الموفق.
стр. 340
١٤٤- فصل: من بالغ في الاحتراز من المعاصي سلم
٦٦٥- لولا غيبة العاصي في وقت المعاصي، كان كالمعاند، غير أن الهوى يحول بينه وبين الفهم للحال، فلا يرى إلا قضاء شهوته؛ وإلا فلو لاحت له المخالفة، خرج من الدين بالخلاف، فإنما يقصد هواه، فيقع الخلاف ضمنًا وتبعًا.
стр. 341
٦٦٦- وأكثر ما يقع هذا في مقاربة الفتنة، وقل من يسلم عند المقاربة؛ لأنه كتقديم نار إلى حلفاء١.
٦٦٧- ثم لو ميز العاقل بين قضاء وطره لحظة، وانقضاء باقي العمر بالحسرة على قضاء ذلك الوطر: لما قرب منه، ولو أعطي الدنيا، غير أن سكرة الهوى تحول بين الفكر وذلك.
٦٦٨- آهٍ، كم معصية مضت في ساعتها كأنها لم تكن، ثم بقيت آثارها، وأقلها ما لا يبرح من المرارة في الندم! والطريق الأعظم في الحذر أن لا يتعرض لسب فتنة، ولا يقاربه. فمن فهم هذا وبالغ في الاحتراز، كان إلى السلامة أقرب.
стр. 342
١٤٥- فصل: البلايا على مقادير الرجال
٦٦٩- البلايا على مقادير الرجال. فكثير من الناس تراهم ساكتين، راضين بما عندهم من دين ودنيا، وأولئك قوم لم يرادوا لمقامات الصبر الرفيعة، أو علم ضعفهم عن مقاومة البلاء فلطف بهم.
ثم تبتلي بنفس تميل إلى المباحات، وتدعي أنها تجمع بذلك همها، وتشفي مرضها، لتقبل مزاحة العلة١ على تحصيل الفضائل.
وهاتان الحالتان كضدين؛ لأن الدنيا والآخرة ضرتان.
واللازم في هذا المقام مراعاة الواجبات، وأن لا يفسح للنفس في مباح لا يمؤمن أن يتعدى منه إعراض عن واجب ورع، المبتلى يصيح، فلأن يبكي الطفل خير من أن يبكي الوالد.
стр. 343
٦٧٠- واعلم أن فتح باب المباحات ربما جر أذى كثيرًا في الدين، فأوثق السكر١ قبل فتح الماء، والبس الدرع قبل لقاء الحرب، وتلمح عواقب ما تجني قبل تحريك اليد، واستظهر في الحذر باجتناب ما يخاف منه، وإن لم يتيقن.
стр. 344
اللازم في العالم طلب المهم
...
١٤٦- فصل: اللازم في العلم طلب المهم
٦٧١- ينبغي لطالب العلم أن يكون جل همته مصروفًا إلى الحفظ والإعادة؛ فلو صح صرف الزمان إلى ذلك، كان الأولى، غير أن البدن مطية، وإجهاد١ السير مظنة الانقطاع، ولما كانت القوى تكل، فتحتاج إلى تجديد، وكان النسخ والمطالعة والتصنيف لا بد منه، مع أن المهم الحفظ، وجب تقسيم الزمان على الأمرين: فيكون الحفظ في طرفي النهار، وطرفي الليل، ويوزع بالباقي بين عمل بالنسخ، والمطالعة، وبين راحة للبدن، وأخذ لحظة.
٦٧٢- ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء: فإنه متى أخذ أحدهم فوق حقه، أثر الغبن، وبان أثره.
٦٧٣- وإن النفس لتهرب إلى النسخ والمطالعة والتصنيف عن الإعادة والتكرار؛ لأن ذلك أشهى وأخلف عليها.
٦٧٤- فليحذر الراكب من إهمال الناقة٢، ولا يجوز له أن يحمل عليها ما لا تطيق.
٦٧٥- ومع العدل والإنصاف يتأتى كل مراد، ومن انحراف عن الجادة، طالت طريقه، ومن طوى منازل في منزل، أوشك أن يفوته ما جد لأجله. على أن الإنسان إلى التحريض أحوج؛ لأن الفتور ألصق به من الجد٣.
٦٧٦- وبعد، فاللازم في العلم طلب المهم، فرب صاحب حديث حفظ مثلًا
стр. 345
لحديث: "من أتى الجمعة، فليغتسل" ١ عشرين طريقًا، والحديث قد ثبت من طريق واحد، فشغله ذلك عن معرفة آداب الغسل، والعمر أقصر وأنفس من أن يفرط منه في نفس، وكفى بالعقل مرشدًا إلى الصواب٢. وبالله التوفيق.
стр. 346
١٤٧- فصل: إذا صحّ قصد العالم استراح من التكلّف .
٦٧٧- إذا صح قصد العالم، استراح من كلف التكلف. فإن كثيرًا من العلماء يأنفون من قول: لا أدري، فيحفظون بالفتوى جاههم عند الناس، لئلا يقال: جهولًا الجواب، وإن كانوا على غير يقين مما قالوا، وهذا نهاية الخذلان.
٦٧٨- وقد روي عن مالك بن أنس: أن رجلًا سأله عن مسأله، فقال: لا أدري! فقال: سافرت البلدان إليك! فقال: ارجع إلى بلدك، وقل: سألت مالكًا، فقال: لا أدري. فانظر إلى دين هذا الشخص وعقله، كيف استراح من الكلفة، وسلم عند الله ﵁.
٦٧٩- ثم إن كان المقصود الجاه عندهم، فقلوبهم بيد غيرهم.
والله، لقد رأيت من يكثر الصلاة والصوم والصمت، ويتخشع في نفسه ولباسه، والقلوب تنبو عنه، وقدره في النفوس ليس بذاك!
ورأيت من يلبس فاخر الثياب، وليس له كبير نفل، ولا تخشع، والقلوب تتهافت على محبته، فتدبرت السبب، فوجدته السريرة. كما روي عن أنس بن مالك: أنه لم يكن له كبير عمل من صلاة وصوم؛ وإنما كانت له سريرة.
فمن أصلح سريرته، فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر.
стр. 347
الدنيا دار ابتلاء واختيار
...
١٤٨- فصل: الدنيا دار ابتلاء واختبار
٦٨٠- نزلت في شدة، وأكثرت من الدعاء أطلب الفرج والراحة، وتأخرت
стр. 348
الإجابة، فانزعجت النفس، وقلقت! فصحت بها: ويلك! تأملي أمرك! أمملوكة أنت أم حرة مالكة؟! أمدبرة أنت أم مدبرة؟! أما علمت أن الدنيا دار ابتلاء واختبار؛ فإذا طلبت أغراضك، ولم تصبري على ما ينافي مرادك، فأين الابتلاء؟! وهل الابتلاء إلا الإعراض، وعكس المقاصد؟ فافهمي معنى التكليف، وقد هان عليك ما عز، وسهل ما استصعب!
فلما تدبرت ما قلته، سكنت بعض السكون. فقلها لها: وعندي جواب ثان، وهو أنك تقتضين الحق بأغراضك، ولا تقتضين نفسك بالواجب له، وهذا عين الجهل؛ وإنما كان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس؛ لأنك مملوكة، والمملوك العاقل يطالب نفسه بأداء حق المالك، ويعلم أنه لا يجب على المالك تبليغه ما يهوى.
فسكنت أكثر من ذلك السكون. فقلت لها: وعندي جواب ثالث، وهو أنك قد استبطأت الإجابة، وأنت سددت طرقها بالمعاصي، فلو قد فتحت الطريق، أسرعت. كأنك ما علمت أن سبب الراحة التقوى! أو ما سمعت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ﴾ [الطلاق: ٢-٣] ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] ؟! أو ما فهمت أن العكس بالعكس؟! آه من سكر غفلة صار أقوى من كل سكر في وجه مياه المراد، يمنعها من الوصول إلى زرع الأماني!
فعرفت النفس أن هذا حق، فاطمأنت. فقلت: وعندي جواب رابع، وهو أنك تطلبين ما لا تعلمين عاقبته، وربما كان فيه ضررك، فمثلك كمثل طفل محمود يطلب الحلوى، والمدبر لك أعلم بالمصالح، كيف وقد قال الله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ؟!
فلما بان الصواب للنفس في هذه الإجابة، زادت طمأنينتها. فقلت لها: وعندي جواب خامس، وهو أن هذا المطلوب ينقص من أجرك، ويحط من مرتبتك، فمنع الحق لك ما هذا سبيله عطاء منه لك، ولو أنك طلبت ما يصلح آخرتك، كان أولى لك. فأولى لك أن تفهمي ما قد شرحت. فقالت: لقد سرحت في رياض ما شرحت، فهمت١ إذ فهمت٢.
стр. 349
١٤٩- فصل: العالم الذي يتكسب يصون عرضه ودينه
٦٨١- حضرنا بعض أغدية أرباب الأموال، فرأيت العلماء أذل الناس عندهم، العلماء يتواضعون لهم، ويذلون لموضع طمعهم فيهم، وهم لا يحفلون بهم، لما يعلمونه من احيتاجهم إليهم. فرأيت هذا عيبًا في الفريقين: أما في أهل الدنيا، فوجه العيب أنهم كان١ ينبغي لهم تعظيم العلم، ولكن لجهلهم بقدره، فاتهم، وآثروا عليه كسب الأموال؛ فلا ينبغي أن يطلب منهم تعظيم ما لا يعرفون، ولا يعلمون قدره.
وإنما أعود باللوم على العلماء، وأقول: ينبغي لكم أن تصونوا أنفسكم التي شرفت بالعلم عن الذل للأنذال. وإن كنتم في غنى عنهم، كان الذل لهم، والطلب منهم حرامًا عليكم. وإن كنتم في كفاف، فلم لم تؤثروا التنزه عن الذل بالعفة عن الحطام الفاني الحاصل بالذلة.
٦٨٢- إلا أنه يتخيل لي من هذا الأمر أني علمت قلة صبر النفس على الكفاف، والعزوف عن الفضول، فإن وجد ذلك منها في وقت، لم يوجد على الدوام. فالأولى للعالم أن يجتهد في طلب الغنى، ويبالغ في الكسب، وإن ضاع بذلك عليه كثير من زمان طلب العلم؛ فإنه يصون بعرضه عرضه. وقد كان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت، وخلف مالًا. وخلف سفيان الثوري مالًا، وقال: لولاك لتمندلوا بي٢.
٦٨٣- وقد سبق في كتابي هذا في بعض الفصول شرف المال٣، ومن كان من الصحابة والعلماء يقتنيه، والسر في فعلهم ذلك، وحتى طالبي العلم على ذلك، ما بينته من أن النفس لا تثبت على التعفف، ولا تصبر على دوام التزهد.
٦٨٤- وكم قد رأينا من شخص قويت عزيمته على طلب الآخرة، فأخرج ما في يده، ثم ضعفت، فعاد يكتسب من أقبح وجه! فالأولى ادخار المال، والاستغناء
стр. 350
عن الناس، فيخرج الطمع من القلب، ويصفو نشر العلم من شائبة ميلٍ.
٦٨٥- ومن تأمل أخبار الأخيار من الأحبار، وجدهم على هذه الطريقة؛ وإنما سلك طريق الترفه١ عن الكسب من لم يؤثر عنده بذل الدين والوجه، فطلب الراحة، ونسي أنها في المعنى عناء٢، كما فعل جماعة من جهال المتصوفة في إخراج ما في أيديهم، وادعاء التوكل! وما علموا أن الكسب لا ينافي التوكل! وإنما طلبوا طريق الراحة، وجعلوا التعرض للناس كسبًا! وهذه طريقة مركبة من شيئين: أحدهما: قلة الأنفة على العرض، والثاني: قلة العلم.
стр. 351
١٥٠- فصل: الهوى يسوق إلى العصيان
٦٨٦- تأملت وقوع المعاصي من العصاة، فوجدتهم لا يقصدون العصيان؛ وإنما يقصدون موافقة هواهم، فوقع٣ العصيان تبعًا، فنظرت في سبب ذلك الإقدام مع العلم بوقوع المخالفة؛ فإذا به ملاحظتهم لكرم الخالق، وفضله الزاخر، ولو أنهم تأملوا عظمته وهيبته، ما انبسطت كف بمخالفته.
فإنه ينبغي -والله- أن يحذر ممن أقل فعله تعميم الخلق بالموت، حتى إلقاء الحيوان البهيم للذبح، وتعذيب الأطفال بالمرض، وفقر العالم، وغنى الجاهل.
٦٨٧- فليعرض المقدم على الذنوب على نفسه الحذر ممن هذه صفته، فقد قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [ال عمران: ٢٨] . وملاحظة أسباب الخوف أدنى إلى الأمن من ملاحظة أسباب الرجاء، فالخائف آخذ بالحزم، والراجي متعلق بحبل طمع، وقد يخلف الظن!
يعطونهم من زكاة أموالهم: فإن كان لأحدهم ختمة، قال: فلان ما حضر! وإن مرض، قال: فلان ما تردد! وكل منته عليه شيء نزر١ يجب تسليمه إلى مثله!! وقد رضي العلماء بالذل في ذلك لموضع الضرورة.
فرأيت أن هذا جهل من العلماء بما يجب عليهم من صيانة العلم، ودواؤه من جهتين:
إحداهما: القناعة باليسير، كما قيل: من رضي بالخل والبقل، لم يستعبده أحد.
والثاني: صرف بعض الزمان المصروف في خدمة العلم إلى كسب الدنيا؛ فإنه يكون سببًا لإعزاز العلم، وذلك أفضل من صرف جميع الزمان في طلب العلم، مع احتمال هذا الذل٢.
ومن تأمل ما تأملته، وكانت له أنفة، قدر قوته، واحتفظ بما معه، أو سعى في مكتسب يكفيه٣. ومن لم يأنف من مثل هذه الأشياء، لم يحظ من العلم إلا بصورته دون معناه.
стр. 354
١٥٢- فصل: مدار الأمر كله على العقل
٦٨٩- مدار الأمر كله على العقل؛ فإنه إذا تم العقل، لم يعمل صاحبه إلا على أقوى دليل، وثمرة العقل: فهم الخطاب، وتلمح المقصود من الأمر. ومن فهم المقصود، وعمل على الدليل، كان كالباني على أساس وثيق.
٦٩٠- وإني رأيت كثيرًا من الناس لا يعملون على دليل، بل كيف اتفق، وربما كان دليلهم العادات! وهذا أقبح شيء يكون.
стр. 355
٦٩١- ثم رأيت خلقًا كثيرًا لا يتبعون الدليل بطريق إثباته، كاليهود والنصارى؛ فإنهم يقلدون الآباء، ولا ينظرون فيما جاء من الشرائع، هل صحيح أم لا؟! وكذلك يثبتون الإله، ولا يعرفون ما يجوز عليه مما لا يجوز، فينسبون إليه المولد! ويمنعون جواز تغييره ما شرع! وهؤلاء لم ينظروا حق النظر، لا في غثبات الصانع وما يجوز عليه، ولا في الدليل على صحة النبؤات، فتقع أعمالهم ضائعة، كالباني على رمل.
٦٩٢- ومن هذا القبيل في المعنى قوم يتعبدون ويتزهدون، وينصبون أبدانهم في العمل١ بأحاديث باطلة، ولا يسألون عنها من يعلم!
٦٩٣- ومن الناس من يثبت الدليل، ولا يفهم المقصود الذي دل عليه الدليل، ومن هذا الجنس قوم سمعوا ذم الدنيا، فتزهدوا، وما فهموا المقصود، فظنوا أن الدنيا تذم لذاتها، وأن النفس تجب عداوتها، فحملوا على أنفسهم فوق ما يطاق، وعذبوها بكل نوع، ومنعوها حظوظها، جاهلين بقوله ﷺ : "إن لنفسك عليك حقًّا"، وفيهم من أدته الحال إلى ترك الفرائض، ونحول الجسم، وضعف القوى! وكل ذلك لضعف الفهم المقصود، والتلمح للمراد.
٦٩٤- كما روي عن داود الطائي: أنه كان يترك ماء في دن تحت الأرض، فيشرب منه، وهو شديد الحر! وقال لسفيان: إذا كنت تأكل اللذيذ الطيب، وتشرب الماء البارد المبرد، فمتى تحب الموت والقدوم على الله؟!
وهذا جهل بالمقصود، فإن شرب الماء الحار يورث أمراضًا في البدن، ولا يحصل به الري، وما أمرنا بتعذيب أنفسنا "على هذه"٢ الصورة، بل بخلاف ما تدعو إليه مما نهى الله عنه.
وفي الحديث الصحيح: إن أبا بكر ﵁ لما حلب له الراعي في طريق الهجرة، صب الماء على القدح حتى برد أسفله، ثم سقى رسول الله ﷺ ، وفرش له في ظل صخرة. وكان يستعذب لرسول الله ﷺ الماء، وقال: "إن كان عندكم ماء بات