← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

١٥٠- فصل: الهوى يسوق إلى العصيان ٦٨٦- تأملت وقوع المعاصي من العصاة، فوجدتهم لا يقصدون العصيان؛ وإنما يقصدون موافقة هواهم، فوقع٣ العصيان تبعًا، فنظرت في سبب ذلك الإقدام مع العلم بوقوع المخالفة؛ فإذا به ملاحظتهم لكرم الخالق، وفضله الزاخر، ولو أنهم تأملوا عظمته وهيبته، ما انبسطت كف بمخالفته. فإنه ينبغي -والله- أن يحذر ممن أقل فعله تعميم الخلق بالموت، حتى إلقاء الحيوان البهيم للذبح، وتعذيب الأطفال بالمرض، وفقر العالم، وغنى الجاهل. ٦٨٧- فليعرض المقدم على الذنوب على نفسه الحذر ممن هذه صفته، فقد قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [ال عمران: ٢٨] . وملاحظة أسباب الخوف أدنى إلى الأمن من ملاحظة أسباب الرجاء، فالخائف آخذ بالحزم، والراجي متعلق بحبل طمع، وقد يخلف الظن!

стр. 352

١٥١- فصل: التكسب والقناعة . ٦٨٨- رأيت عموم أرباب الأموال يستخدمون العلماء، ويستذلونهم بشيء يسير

стр. 353

يعطونهم من زكاة أموالهم: فإن كان لأحدهم ختمة، قال: فلان ما حضر! وإن مرض، قال: فلان ما تردد! وكل منته عليه شيء نزر١ يجب تسليمه إلى مثله!! وقد رضي العلماء بالذل في ذلك لموضع الضرورة. فرأيت أن هذا جهل من العلماء بما يجب عليهم من صيانة العلم، ودواؤه من جهتين: إحداهما: القناعة باليسير، كما قيل: من رضي بالخل والبقل، لم يستعبده أحد. والثاني: صرف بعض الزمان المصروف في خدمة العلم إلى كسب الدنيا؛ فإنه يكون سببًا لإعزاز العلم، وذلك أفضل من صرف جميع الزمان في طلب العلم، مع احتمال هذا الذل٢. ومن تأمل ما تأملته، وكانت له أنفة، قدر قوته، واحتفظ بما معه، أو سعى في مكتسب يكفيه٣. ومن لم يأنف من مثل هذه الأشياء، لم يحظ من العلم إلا بصورته دون معناه.

стр. 354

١٥٢- فصل: مدار الأمر كله على العقل ٦٨٩- مدار الأمر كله على العقل؛ فإنه إذا تم العقل، لم يعمل صاحبه إلا على أقوى دليل، وثمرة العقل: فهم الخطاب، وتلمح المقصود من الأمر. ومن فهم المقصود، وعمل على الدليل، كان كالباني على أساس وثيق. ٦٩٠- وإني رأيت كثيرًا من الناس لا يعملون على دليل، بل كيف اتفق، وربما كان دليلهم العادات! وهذا أقبح شيء يكون.

стр. 355

٦٩١- ثم رأيت خلقًا كثيرًا لا يتبعون الدليل بطريق إثباته، كاليهود والنصارى؛ فإنهم يقلدون الآباء، ولا ينظرون فيما جاء من الشرائع، هل صحيح أم لا؟! وكذلك يثبتون الإله، ولا يعرفون ما يجوز عليه مما لا يجوز، فينسبون إليه المولد! ويمنعون جواز تغييره ما شرع! وهؤلاء لم ينظروا حق النظر، لا في غثبات الصانع وما يجوز عليه، ولا في الدليل على صحة النبؤات، فتقع أعمالهم ضائعة، كالباني على رمل. ٦٩٢- ومن هذا القبيل في المعنى قوم يتعبدون ويتزهدون، وينصبون أبدانهم في العمل١ بأحاديث باطلة، ولا يسألون عنها من يعلم! ٦٩٣- ومن الناس من يثبت الدليل، ولا يفهم المقصود الذي دل عليه الدليل، ومن هذا الجنس قوم سمعوا ذم الدنيا، فتزهدوا، وما فهموا المقصود، فظنوا أن الدنيا تذم لذاتها، وأن النفس تجب عداوتها، فحملوا على أنفسهم فوق ما يطاق، وعذبوها بكل نوع، ومنعوها حظوظها، جاهلين بقوله ﷺ : "إن لنفسك عليك حقًّا"، وفيهم من أدته الحال إلى ترك الفرائض، ونحول الجسم، وضعف القوى! وكل ذلك لضعف الفهم المقصود، والتلمح للمراد. ٦٩٤- كما روي عن داود الطائي: أنه كان يترك ماء في دن تحت الأرض، فيشرب منه، وهو شديد الحر! وقال لسفيان: إذا كنت تأكل اللذيذ الطيب، وتشرب الماء البارد المبرد، فمتى تحب الموت والقدوم على الله؟! وهذا جهل بالمقصود، فإن شرب الماء الحار يورث أمراضًا في البدن، ولا يحصل به الري، وما أمرنا بتعذيب أنفسنا "على هذه"٢ الصورة، بل بخلاف ما تدعو إليه مما نهى الله عنه. وفي الحديث الصحيح: إن أبا بكر ﵁ لما حلب له الراعي في طريق الهجرة، صب الماء على القدح حتى برد أسفله، ثم سقى رسول الله ﷺ ، وفرش له في ظل صخرة. وكان يستعذب لرسول الله ﷺ الماء، وقال: "إن كان عندكم ماء بات

стр. 356

في شَنٍّ؛ وَإِلَّا كَرَعْنَا"١. ولو فهم داود ﵀ أن إصلاح علف الناقة متعين لقطع المسافة، لم يفعل هذا. ألا ترى إلى سفيان الثوري، فإنه كان شديد المعرفة والخوف، وكان يأكل اللذيذ، ويقول: إن الدابة إذا لم يحسن إليها، لم تعمل. ٦٩٥- ولعل بعض من يسمع كلامي هذا يقول: هذا ميل على الزهاد! فأقول: كن مع العلماء، وانظر إلى طريق الحسن وسفيان ومالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي، وهؤلاء أصول الإسلام، ولا تقلد دينك من قل علمه، وإن قوي زهده، واحمل أمره على أنه كان يطيق هذا، ولا تقتد بهم فيما لا تطيقه، فليس أمرنا إلينا، والنفس وديعة عندنا، فإن أنكرت ما شرحته، فأنت ملحق بالقوم الذين أنكرت عليهم. هذا رمز إلى المقصود، والشرح يطول.

стр. 357

١٥٣- فصل: الواجب على العاقل أن يتبع الدليل ٦٩٦- الواجب على العاقل أن يتبع الدليل، ثم لا ينظر فيما يجني من مكروه. مثاله: أنه قد ثبت بالدليل القاطع حكمة الخالق وملكه وتدبيره؛ فإذا رأى الإنسان عالمًا محرومًا، وجاهلًا مرزوقًا، أوجب عليه الدليل المثبت حكمة الخالق التسليم إليه، ونسبة العجز عن معرفة الحكمة إلى نفسه، فإن أقوامًا لم يفعلوا ذلك جهلًا منهم! أفتراهم بماذا حكموا بفساد هذا التدبير؟! أليس بمقتضى عقولهم؟! أوما عقولهم من جملة مواهبة؟! فكيف يحكم على حكمته وتدبيره ببعض مخلوقاته التي هي بالغضافة إليه أنقص من كل شيء؟! ٦٩٧- ولقد بلغني عن اللعين ابن الرواندي١ أنه كان جالسًا على الجسر،

стр. 358

وفي يده رغيف يأكله، فجازت خيل وأموال، فقال: لمن هذه؟ فقيل: لفلان الخادم١. ثم جازت خيل وأموال، فقال: لمن هذه؟ فقيل: لفلان الخادم، فلما مر الخادم، رأى شخصًا محتقرًا، فرمى الرغيف إلى ناحيته، وقال: وهذا لفلان! ما هذه القسمة؟! ٦٩٨- ولو فكر المعترض٢، لبانت له وجوه، أقلها: جهله بمن يدعي معرفته، وقلة تعظيمه له، وذلك يوجب عليه أشد مما كان فيه من تضييق العيش؛ ولكنه ميراث إبليس، حيث اعتقد سوء التدبير في تفضيل آدم ﵇. فالعجب من تلميذ يتعالم على أستاذه، ومن مملوك يتيه على سيده! ٦٩٩- ومما ينبغي أن يتبع فيه الدليل، ولا يلتفت إلى ما جنت الحال: أن العلم أشرف مكتسب. وقد رأى جماعة من الجهلة قلة حظوظ العلماء من الدنيا، فأزروا على العلم، وقالوا: لا فائدة فيه! وذلك لجهلهم بمقدار العلم، فإن تابع الدليل لا يبالي ما جنى؛ وإنما يبين الاختبار بفقد الغرض. ولو لم يكن من الدليل على صدق نبينا ﷺ إلا إعراضه عن الدنيا، وتضييق العيش عليه، ثم لم يخلف شيئًا، وحرم أهله الميراث، لكفاه ذلك دليلًا على صدق طلبه لمطلوب آخر. ٧٠٠- وربما رأى الجاهل قومًا من العلماء يفعلون خطيئة، فيزري٣ على العلم، ويدعيه ناقصًا، وهذا غلط كبير. فليتق الله العاقل، وليعمل بمقتضى العقل فيما يأمر به من طاعة الله تعالى والعمل بالعلم، وليعلم أن الابتلاء في الصبر على فوات المطلوبات، وليلزم اتباع الدليل، وإن جنى مكروها، والله الموفق.

стр. 359

١٥٤- فصل: أكل الأرباح في الصبر . ٧٠١- قرأت سورة يوسف ﵇، فتعجبت من مدحه ﵇ على صبره، وشرح

стр. 360

قصته للناس، ورفع قدره بترك ما ترك. فتأملت خبيئة الأمر، فإذا هي مخالفة للهوى المكروه. فقلت: وا عجبًا! لو وافق هواه، من كان يكون؟! ولما خالفه، لقد صار أمرًا عظيمًا، تضرب الأمثال بصبره، ويفتخر على الخلق باجتهاده، وكل ذلك قد كان بصير ساعة، فيا له عزًّا وفخرًا [أن تملك نفسك١] ساعة الصبر عن المحبوب [وهو قريب] ٢! وبالعكس منه حالة آدم في موافقته هواه، لقد عادت نقيصة في حقه أبدًا، لولا التدارك: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] ! فلتلمحوا -رحمكم الله- عاقبة الصبر ونهاية الهوى! فالعاقل من ميز بين الأمرين، الحلوين والمرين، فإن عدل ميزانه، ولم تمل به كفة الهوى، رأى كل الأرباح في الصبر، وكل الخسران في موافقة النفس، وكفى بهذا موعظة في مخالفة الهوى لأهل النهى، والله الموفق.

стр. 361

١٥٥- فصل: الرقائق والنظر في سير الصالحين . ٧٠٢- رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب؛ إلا أن يمزج بالرقائق، والنظر في سير السلف الصالحين. فأما مجرد العلم بالحلال والحرام، فليس له كبير عمل في رقة القلب؛ وإنما ترق القلوب بذكر رقائق الأحديث، وأخبار السلف الصالحين؛ لأنهم تناولا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها. وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق، لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي، وتكثير الأجزاء، وجمهور الفقهاء في علوم الجدل، وما يغالب به الخصم. وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء؟!

стр. 362

٧٠٣- وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه هديه وسمته. فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا، ليكون سببًا لرقة قلبك. ٧٠٤- وقد جمعت لكل واحد من مشاهير الأخيار كتابًا فيه أخباره وآدابه، فجمعت كتابًا في أخبار الحسن، وكتابًا في أخبار سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، وبشر الحافي، وأحمد بن حنبل، ومعروف، وغيرهم من العلماء والزهاد. والله الموفق للمقصود. ٧٠٥- ولا يصلح العمل مع قلة العلم، فهما في ضرب المثل كسائق وقائد، والنفس بينهما حرون١، ومع جد السائق والقائد ينقطع المنزل، ونعوذ بالله من الفتور.

стр. 363

١٥٦- فصل: لا حرج في الترخص ما لم يخرق إجماعًا ٧٠٦- ترخصت في شيء يجوز في بعض المذاهب، فوجدت في قلبي قسوة عظيمة، وتخايل لي نوع طرد عن الباب، وبعد وظلمة تكاثفت. فقالت نفسي: ما هذا؟! أليس ما خرجت عن إجماع الفقهاء١؟! فقلت لها: يا نفس السوء! جوابك من وجهين: أحدهما: أنك تأولت ما لا تعتقدين، فلو استفتيت، لم تفتِ٢ بما فعلت. قالت: لو لم أعتقد جواز ذلك، ما فعلته. قلت: إلا أن اعتقادك ما ترضينه لغيرك في الفتوى. والثاني: أنه ينبغي لك الفرح بما وجدت من الظلمة عقيب ذلك؛ لأنه لولا نور في قلبك، ما أثر مثل هذا عندك. قالت: فلقد استوحشت بهذه الظلمة المتجددة

стр. 364

في القلب. قلت: فاعزمي على الترك، وقدري ما تركت جائزًا بالإجماع، وعدي هجره ورعًا، وقد سلمت.

стр. 365

١٥٧- فصل: احتياج الخلق بعضهم إلى بعض ٧٠٧- مما أفادتني تجارب الزمان أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحدًا ما١ استطاع؛ فإنه ربما يحتاج إليه، [مهما كانت منزلته] ٢. وإن الإنسان ربما لا يظن الحاجة إلى مثله يومًا ما، كما لايحتاج إلى عويد٣ منبوذ، لا يلتفت إليه؛ لكن كم من محتقر احتيج إليه! فإذا لم تقع الحاجة إلى ذلك الشخص في جلب نفع، وقعت الحاجة في دفع ضر. ولقد احتجت في عمري إلى ملاطفة أقوام ما خطر لي قط وقوع الحاجة إلى التلطف بهم. ٧٠٨- واعلم أن المظاهرة بالعداوة قد تجلب أذى من حيث لا يعلم؛ لأن المظاهر بالعداوة كشاهر السيف ينتظر مضربًا، وقد يلوح منه مضرب خفي، وإن اجتهد المتدرع في ستر نفسه، فيغتنمه ذلك العدو. فينبغي لمن عاش في الدنيا أن يجتهد في ألا يظاهر بالعداوة أحدًا، لما بينت من وقوع احتياج الخلق بعضهم إلى بعض، وإقدار بعضهم على ضرر بعض. وهذا فضل مفيد، تبين فائدته للإنسان مع تقلب٤ الزمان.

стр. 366

١٥٨- فصل: عليك بالقناعة مهما أمكن ٧٠٩- رأيت النفس تنظر إلى لذات أرباب الدنيا العاجلة، وتنسى كيف حصلت، وما يتضمنها من الآفات.

стр. 367

٧١٠- وبيان هذا: أنك إن رأيت صاحب إمارة سلطنة، فتأملت نعمته؛ وجدتها مشوبة بالظلم: فإن لم يقصده هو؛ حصل من عماله. ثم هو خائف، منزعج في كل أموره، حذر من عدوان أن يسمه، قلق ممن هو فوقه أن يعزله، ومن نظيره أن يكيده. ثم أكثر زمانه يمضي في خدمة من يخافه من السلاطين، وفي حساب أموالهم، وتنفيذ أوامرهم، التي لا تخلو من أشياء منكرة. وإن عزل، أربى١ ذلك على جميع ما نال من لذة. ثم تلك اللذة تكون مغمورة بالحذر فيها ومنها وعليها. ٧١١- وإن رأيت صاحب تجارة، رأيته قد تقطع في البلاد، فلم ينل ما نال إلا بعد علو السن، وذهاب زمان اللذة، كما حكي أن رجلًا من الرؤساء كان حال شبيبته فقيرًا؛ فلما كبر، استغنى، وملك أموال، واشترى عبيدًا من الترك وغيرهم، وجوار من الروم، فقال هذه الأبيات في شرح حاله: ما كنت أرجوه إذ كنت ابن عشرين ... ملكته بعد أن جاوزت سبعينَا تطوف بي من الأتراك أغزلة ... مثل الغصون على كثبان يبرينا٢ وخرد من بنات الروم رائعة ... يحكين بالحسن حور الجنة العينا٣ يغمزنني بأساريع منعمة ... تكاد تعقد من أطرافها لينَا٤ يردن إحياء ميت لاحراك به ... وكيف يحيين ميتًا صار مدفونَا قالوا: أنينك طوال الليل يسهرنا ... فما الذي تشتكي؟ قلت: الثمانِيْنَا ٧١٢- وهذه الحالة هي الغالبة؛ فإن الإنسان لا يكاد يجتمع له كل ما يحبه إلا عند قرب رحيله، فإن بدر ما يحب في بداية شبابه، فالصبوة٥ مانعة من فهم التدبير أو حسن الالتذاذ.

стр. 368

٧١٣- والإنسان في حالة الصبوة لا يدري أين هو؛ إلا أن يبلغ: فإذا بلغ، كانت همته في المنكوح كيفما اتفق. وإن تزوج، جاء الأولاد، فمنعوه اللذة، وانكسر في نفسه، وافتقر إلى الكسب عليهم. فبينما هو قد دعك١ في تلك المديدة القريبة "من" الثلاثين وخطة الشيب٢، فانفرق من نفسه، لعلمه أن النساء يتفرقن منه، كما قال ابن المعتز بالله٣: لقد أتعبت نفسي في مشيبي ... فكيف تحبني الخرد الكعاب٤ فإذا فهم المتمتع بالمستحسنات، وخرج من طلب صورة النكاح؛ لم يجد مالًا يبلغ به المراد، فإن كسب ضاع زمن تمتعه، وإذا تم المطلوب، فالشيب أقبح قذى٥، وأعظم مبغض. ٧١٤- ثم إن صاحب المال خائف على ماله، محاسب لمعامليه، مذموم إن أسرف وإن قتر، ولده يرصد٦ موته، وجاريته قد لا ترضى بشخصه، وهو مشغول بحفظ حواشيه٧؛ فقد مضى زمانه في محن، واللذات فيها خلس٨ معتادة، لا لذة فيها. ثم في القياة يحشر الأمير والتاجر [خزايا] إلا من عصم الله، فإياك إياك أن تنظر إلى صورة نعيمهم؛ فإنك تستطيبه لبعده عنك، ولو نلته برد عندك٩، ثم في ضمنه من محن الدنيا والآخرة ما لا يوصف، فعليك بالقناعة مهما أمكن، ففيها سلامة الدنيا والدين. وقد قيل لبعض الزهاد، وعنده خبز يابس: كيف تشتهي هذا؟ فقال: أتركه حتى أشتهيه.

стр. 369

١٥٩- فصل: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا . ٧١٥- وقع بيني وبين أرباب الولايات نوع معاداة لأجل المذهب، فإني كنت في مجلس التذكير أنصر١: أن القرآن كلام الله، وأنه قديم، وأقدم أبا بكر، وأتفق على أرباب الولايات من يميل إلى مذهب الأشعري، وفيهم من يميل إلى مذهب الروافض، وتمالئوا علي في الباطن. فقلت يومًا في مناجاتي للحق : سيدي! نواصي الكل بيدك، وما فيهم من يقدر لي على ضر، إلا أن تجربه على يده. وأنت قلت سبحانك: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وطيبت قلب المبتلي بقولك: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] . فإن أجريت على أيدي بعضهم ما يوجب خذلاني، كان خوفي على ما نصرته أكثر من خوفي على نفسي، لئلا يقال: لو كان على حق ما خذل. وإن نظرت إلى تقصيري وذنوبي، فإني مستحق للخذلان، غير أني أعيش بما نصرته من السنة، فأدخلني في خفارته٢. وقد استودعني إياك خلق من صالحي عبادك، فإن لم تحفظني بي، فاحفظني بهم. سيدي! انصرني على من عاداني، فإنهم لا يعرفونك كما ينبغي، وهم معرضون عنك على كل حال. وأنا على تقصيري إليك أنسب.

стр. 370

١٦٠- فصل: الأحمق يتقاوى على الله ٧١٦- روي عن الحلاج الصوفي١ أنه كان يقعد في الشمس في الحر الشديد، وعرقة يسيل؛ فجاز به بعض العقلاء، فقال له: يا أحمق! هذا تقاوٍ٢ على الله تعالى.

стр. 371

وما أحسن ما قال هذا! فإنه ما وضع التكليف إلا على خلاف الأغراض، وقد يخرج صاحبه إلى أن يعجز عن الصبر، فالجاهل الأحمق من تقاوى، أو من يسأل البلاء، كما قال ذلك الأبله: فكيفما شئت؛ فاختبرني!!

стр. 372

١٦١- فصل: السعيد من ذل الله ٧١٧- و السعيد من ذل لله ، وسأل العافية؛ فإنه لا يوهب العافية على الإطلاق؛ إذ لا بد من بلاء، ولا يزال العاقل يسأل العافية، لتغلب على جمهور أحواله، فيقرب الصبر على يسير البلاء. ٧١٨- وفي الجملة: ينبغي للإنسان أن يعلم أنه لا سبيل إلى محبوباته [خالصة] ؛ ففي كل جرعة غصص، وفي كل لقمة شَجًى١: وكم من يعشق الدنيا قديمًا ... ولكن لا سبيل إلى الوصالِ ٧١٩- وعلى الحقيقة، ما الصبر إلا على الأقدار، وقل أن تجري الأقدار إلا على خلاف مراد النفس. فالعاقل من دارى نفسه في الصبر بوعد الأجر، وتسهيل الأمر، ليذهب زمان البلاء، سالمًا من شكوى، ثم يستغيث بالله تعالى سائلًا العافية. فأما المتجلد٢، فما عرف الله قط. نعوذ بالله من الجهل به، ونسأله عرفانه، إنه كريم مجيب.

стр. 373

١٦٢- فصل: الاقتداء بصاحب الشرع ٧٢٠- الجادة السليمة والطريق القويمة: الاقتداء بصاحب الشرع، والبدار إلى الاستنان به، فهو الكامل الذي لا نقص فيه. ٧٢١- فإن خلقًا كثيرًا انحرفوا إلى جادة الزهد، وحملوا أنفسهم فوق الجهد،

стр. 374

فأفاقوا في أواخر العمر، والبدن قد نهك، وفاتت أمور مهمة من العلم وغيره. ٧٢٢- وإن أقوامًا انحرفوا إلى صورة العلم، فبالغوا في طلبه، فأفاقوا في أواخر قدم١، وقد فاتهم العمل به. ٧٢٣- فطريق المصطفى ﷺ العلم والعمل، والتلطف بالبدن، كما أوصى عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال له: "إن لنسك عليك حقًّا، ولزوجك عليك حقًّا". فهذه هي الطريق الوسطى والقول الفصل، فأما اليبس٢ المجرد، فكم فوت من علم، لو حصل نيل به أكثر مما نيل بالعمل؛ فإن مثل العالم كرجل يعرف الطريق، والعابد جاهل بها، فيمشي العابد من الفجر إلى العصر، ويقوم العالم قبيل العصر، فيلتقيان، وقد سبق العالم فضل شوطه. ٧٢٤- فإن قال قائل: بين لي هذا؟! قلت: صورة التعبد خدمة لله تعالى، وذلك له، وربما لم يطلع العابد على معنى تلك الصورة؛ لأنه ربما ظن أنه أهل لوجود الكرامة على يده، وأنه مستحق تقبيل يده، أو أنه خير من كثير من الناس، وذلك كله لقلة العلم. وأعني بالعلم: فهم أصول العلم، لا كثرة الرواية، ومطالعة مسائل الخلاف. فإذا طالع العالم الأصولي، سبق هذا العابد بحسن خلق، ومداراة الناس، وتواضعه في نفسه، وإرشاده الخلق إلى الله تعالى، فيعسر هذا على العابد، وهو في ليل جهله بالحال راقد. ٧٢٥- ربما تزوج العابد، ثم حمل نفسه على التجفف٣، فحبس زوجته عن مطلوبها، ولم يطلقها، وصار كالتي حبست الهرة، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض٤.

стр. 375

٧٢٦- ومن تأمل حالة الرسول ﷺ ، رأى كاملًا من الخلق، يعطي كل ذي حق حقه: فتارة يمزح، وتارة يضحك، ويداعب الأطفال١، ويسمع الشعر٢، ويتكلم بالمعاريض٣، ويحسن معاشرة النساء، ويأكل ما قدر عليه، وأتيح٤ له، وإن كان لذيذًا كالعسل، ويتسعذب له الماء، ويفرش له في الظل، ولم ينكر ذلك، ولم يسمع عنه بمثل ما حدث بعده من جهال المتصوفة والمتزهدين من منع النفس شهواتها على الإطلاق، فقد كان يأكل البطيخ بالرطب٥، ويقبل ويمص اللسان٦، ويطلب المستحسنات. فأما أكل خبز الشعير، وزن المأكول، وتجفيف البدن، وهجر كل مشتهى؛ فإنه تعذيب للنفس، وهدم للبدن، لا يقتضيه عقل، ولا يمدح شرع! وإنما اقتنع أقوام بالقليل لأسباب، مثل أن حدثت شبهة فتقللوا، أو اختلط طعام بطعام فتورعوا. ٧٢٧- ثم كان النبي ﷺ يوفي العباد حقها بقيام الليل، والاجتهاد في الذكر، فعليك بطريقته، التي هي أكمل الطرق، وبشرعته التي لا شوب فيها، ودع حديث فلان وفلان من الزهاد، واحمل أمرهم على أحسن محمل، وأقم لهم الأعذار مهما قدرت؛ فإن لم تجد عذرًا، فهم محجوجون بفعله، إذ هو قدرة الخلق، وسيد العقلاء، وهل فسد الناس إلا بالانحراف عن الشريعة؟! ولقد حدثت آفات من المتصوفة والمتزهدين، خرقوا بها شبكة الشريعة،

стр. 376

وعبروا: فمنهم من يدعي المحبة والشوق، ولا يعرف المحبوب، فتراه يصيح، ويستغيث، ويمزق ثيابه، ويخرج عن حد الشرع بدعواه ومضمونها!! ومنهم من حمل على نفسه بالجوع والصوم الدائم، وقد صح عن النبي ﷺ : أنه قال لعبد الله بن عمرو: "صم يومًا وأفطر يومًا" فقال: أريد أفضل من ذلك. فقال: "لا أفضل". وفيهم من خرج إلى السياحة، فأفات نفسه الجماعة١. وفيهم من دفن كتب العلم، وقعد يصلي ويصوم، ولم يعلم أن دفنها خطأ قبيح؛ لأن النفس تغفل، وتحتاج إلى التذكير في كل وقت، ونعم المذكر كتب العلم. وإنما دخل إبليس على كل قوم منهم من حيث قدر، وكان مقصوده بدفن الكتب إطفاء المصباح، ليسير العابد في الظلمه. ٧٢٨- وما أحسن ما قال بعض العلماء لرجل سأله فقال: أريد أن أمضي إلى حبل اللُّكَّامِ٢؟ فقال: هذه "هوكلة" وهي كلمة عامية معناها: حب البطالة. ٧٢٩- وعلى الحقيقة: الزهاد في مقام الخفافيش، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير؛ من جماعة، واتباع جنازة، وعيادة مريض. إلا أنها حالة الجبناء، فأما الشجعان؛ فهم يتعلمون ويعلمون، وهذه مقامات الأنبياء ﵈. ٧٣٠- أترى كم بين العابد إذا نزلت به حادثة وبين الفقيه؟ بالله، لو مال الخلق إلى التعبد، لضاعت الشريعة، على أنه لو فهم معنى التعبد؛ لم يقتصر به على الصلاة والصوم! فرب ماش في حاجة مسلم فضل تعبده ذلك على صوم سنة. والعمل بالبدن سعي الآلات الظاهرة، والعلم سعي الآلات الباطنة من العقل والفكر والفهم، فلذلك كان أشرف. ٧٣١- فإن قلت: كيف تذم المعتزلين للشر، [وتنفي عنهم] التعبد؟! قلت: ما أذمهم، بل حدثت منهم حوادث اقتضاها الجهل، من الدعاوى والآفات التي سبها

стр. 377

قلة العلم، وحملوا على أنفسهم -التي ليست لهم، وعن غير إذن الآمر- ما لم يجز! حتى إن أحدهم يرى أن فعل ما يؤذي النفس على الإطلاق فضيلة!! وحتى قال بعض الحمقى: دخلت الحمام فوجدت غفلة، فآليت ألا أخرج حتى أسبح كذا وكذا تسبيحة، فطال الأمر، فمرضت!! وهذا رجل خاطر بنفسه في فعل ما ليس له. ٧٣٢- ومن المتصوفة والزهاد من قنع بصورة اللباس، وركب من الجهل في الباطن ما لا يسعه كتاب!! طهر الله الأرض منهم، وأعان العلماء عليهم، فإن أكثر الحمقى معهم؛ فلو أنكر عالم على أحدهم، مال العوام على العالم بقوة الجهل. ٧٣٣- ولقد رأيت كثيرًا من المتعبدين -وهو في مقام العجائز- يسبح تسبيحات لا يجوز النطق بها، ويفعل في صلاته ما لم ترد به السنة! ٧٣٤- ولقد دخلت يومًا على بعض من كان يتعبد، وقد أقام إمامًا، وهو خلفه في جماعة يصلي بهم صلاة الضحى، ويجهر! فقلت لهم: إن النبي ﷺ قال: "صلاة النهار عجماء"١! فغضب ذلك الزاهد، وقال: كم ينكر هذا علينا! وقد دخل فلان وأنكر، وفلان وأنكر، نحن نرفع أصواتنا حتى لا ننام. فقلت: وا عجبًا! ومن قال لكم: لا تناموا؟! أليس "في الصحيحين" من حديث ابن عمرو: أن النبي ﷺ قال له: "قم ونم"؟! وقد كان رسول الله ﷺ ينام، ولعله ما مضت عليه ليلة إلا ونام فيها!! ٧٣٥- ولقد شاهدت رجلًا كان يقال له حسين القزويني بجامع المنصور، وهو يمشي في الجامع مشيًا كثيرًا دائمًا، فسألت: ما السبب في هذا المشي؟! فقيل لي: حتى لا ينام! ٧٣٦- وهذه كلها حماقات أوجبتها قلة العلم؛ لأنه إذا لم تأخذ النفس حظها من النوم، اختلط العقل، وفات المراد من التعبد، لبعد الفهم.

стр. 378

٧٣٧- ولقد حدثني بعض الصالحين المجاورين بجامع المنصور: أن رجلًا اسمه كثير دخل عليهم الجامع، فقال: إني عاهدت الله على أمر ونقضته، وقد جعلت عقوبتي لنفسي ألا آكل شيئًا أربعين يومًا! قال: فمكث منها عشرة أيام قريب الحال، يصلي في جماعة، ثم في العشر الثاني بأن ضعفه، وكان يداري الأمر، ثم صار في العشر الثالث يصلي قاعدًا، ثم استطرح١ في العشر الرابع، فلما تمت الأربعون، جيء بنقوع٢، فشربه، فسمعنا صوته في حلقة مثلما يقع الماء على المقلاة٣، ثم مات بعد أيام. فقلت: يا لله! العَجَب! انظروا ما فعل الجهل بأهله، ظاهر هذا أنه في النار؛ إلا أن يعفى عنه، ولو فهم العلم وسأل العلماء، لعرفوه أنه يجب عليه أن يأكل، وأن ما فعله بنفسه حرام، ولكن، من أعظم الجهل استبداد الإنسان بعلمه! ٧٣٨- وكل هذه الحوادث نشأت قليلًا قليلًا حتى تمكنت، فأما السرب الأول، فلم يكن فيه من هذا شيء، وما كانت الصحابة تفعل شيئًا من هذه الأشياء، وقد كانوا يؤثرون، ويأكلون دون الشبع، ويصبرون إذا لم يجدوا، فمن أراد الاقتداء؛ فعليه برسول الله ﷺ وأصحابه، ففي ذلك الشفاء والمطلوب. ٧٣٩- ولا ينبغي أن يخلد العاقل إلى تقليد معظم شاع اسمه، فيقول: قال أبو يزيد، وقال الثوري، فإن المقلد أعمى. وكم قد رأينا أعمى يأنف من حمل عصًا! فمن فهم هذا المشار إليه، طلب الأفضل والأعلى. والله الموفق.

стр. 379

١٦٣- فصل: جاء الدخل من الفلسفة والرهبانية ٧٤٠- تأملت الدخل١ الذي دخل في ديننا من ناحيتي العلم والعمل، فرأيته من طريقين قد تقدما هذا الدين، وأنس الناس بهما:

стр. 380

١٦٤- فصل: أعوذ بالله من صحبة البطالين ٧٤١- أعوذ بالله من صحبة البطالين! لقد رأيت خلقًا كثيرًا يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد خدمة، ويطلبون الجلوس، ويجرون فيه أحاديث الناس، وما لا يعني، وما يتخلله غيبة! وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور، وتشوق إليه، واستوحش من الوحدة، وخصوصًا في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام، بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان.

стр. 381

فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهابه بفعل الخير، كرهت ذلك، وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم، وقعت وحشة، لموضع قطع المألوف! وإن تقبلته منهم، ضاع الزمان! فصرت أدافع اللقاء جهدي: فإذا غلبت، قصرت في الكلام، لأتعجل الفراق. ثم أعددت أعمالًا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم، لئلا يمضي الزمان فارغًا، فجعلت من المستعد للقائهم: قطع الكاغد١، وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر، وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم، لئلا يضيع شيء من وقتي. نسأل الله أن يعرفنا شرف أوقات العمر، وأن يوفقنا لاغتنامه. ٧٤٢- ولقد شاهدت خلقًا كثيرًا لا يعرفون معنى الحياة: فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله، فهو يقعد في السوق أكثر النهار، ينظر إلى الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر! ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج! ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحديث عن٢ السلاطين، والغلاء والرخص، إلى غير ذلك: فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمة اغتنام ذلك. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] .

стр. 382

١٦٥- فصل: التصنيف المفيد ومراحل عمر العالم ٧٤٣- رأيت من الرأي القويم أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة؛ لأني أشافه في عمري عددًا من المتعلمين، وأشافه بتصنيفي خلقًا لا تحصى ما خلقوا بعد، ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدونه من مشايخهم. ٧٤٤- فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وفق للتصنيف المفيد؛ فإنه ليس كل من صنف صنف، وليس المقصود جمع شيء كيف كان، وإنما هي أسرار

стр. 383

يطلع الله عليها من شاء من عباده، ويوفقه لكشفها، فيجمع ما فرق، أو يرتب ما شتت، أو يشرح ما أهمل، هذا هو التصنيف المفيد. ٧٤٥- وينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر؛ لأن أوائل العمر زمن الطلب، وآخره كلال١ الحواس. وربما خان الفهم والعقل من قدر عمره؛ وإنما يكون التقدير على العادات الغالبة؛ لأنه لا يعلم الغيب. فيكون زمان الطلب والحفظ والتشاغل إلى الأربعين. ٧٤٦- ثم يبتدئ بعد الأربعين بالتصانيف والتعليم، هذا إذا كان قد بلغ مع ما يريد من الجمع والحفظ، وأعين على تحصيل المطالب. فأما إذا قلت الآلات عنده من الكتب، أو كان في أول عمره ضعيف الطلب، فلم ينل ما يريده في هذا الأوان، أخر التصانيف إلى تمام خمسين سنة، ثم ابتدأ بعد الخمسين في التصنيف والتعليم إلى رأس الستين. ٧٤٧- ثم يزيد فيما بعد الستين في التعليم، ويسمع الحديث والعلم، ويقلل٢ التصانيف إلا٣ أن يقع مهم إلى رأس السبعين. ٧٤٨- فإذا جاوز السبعين، جعل الغالب عليه ذكر الآخرة والتهيؤ للرحيل، فيوفر نفسه على نفسه، إلا من تعليم يحتسبه، أو تصنيف يفتقر إليه؛ فذلك أشرف العدد للآخرة. ولتكن همته في تنظيف نفسه، وتهذيب خلاله٤، والمبالغة في استدراك زلاته، فإن اختطف في خلال ما ذكرناه، فـ"نيبة المؤمن خير من عمله"، وإن بلغ إلى هذه المنازل، فقد بينا ما يصلح لكل منزل. ٧٤٩- وقد قال سفيان الثوري: من بلغ سن رسول الله ﷺ ، فليتخذ لنفسه كَفَنًا. وقد بلغ جماعة من العلماء سبعًا وسبعين سنةً، منهم أحمد بن حنبل، فإن

стр. 384

بلغها، فيلعلم أنه على شفير القبر، وأن كل يوم يأتي بعدها مستطرف١. ٧٥٠- فإن تمت له الثمانون، فيلجعل همته كلها مصروفة إلى تنظيف خلاله، وتهيئة زاده، وليجعل الاستغفار حليفه، والذكر أليفه، وليدقق في محاسبة النفس، وفي بذل العلم، أو مخالطة الخلق، فإن قرب الاستعراض للجيش يوجب عليه الحذر من العارض، وليبالغ في إبقاء أثره قبل رحيله، مثل بث علمه، وإنفاق كتبه، وشيء من ماله. ويعد: فمن تولاه الله علمه، ومن أراده ألهمه. نسأل الله أن ينعم علينا بأن يتولانا، ولا يتولى عنا، إنه قريب مجيب.

стр. 385

١٦٦- فصل: العادات غلبت على الناس ٧٥١- رأيت عادات الناس قد غلبت على عملهم بالشرع، فهم يستوحشون من فعل الشيء، لعدم جريان العادة لا لنهي الشرع! فكم من رجل يوصف بالخير، يبيع ويشري، فإذا حصلت له القراضة١، باعها بالصحيح من غير تقليد لإمام، أو عمل برخصة، عادة من القوم، واستثقالًا للاستفتاء! ونرى خلقًا يحافظون على صلاة الرغائب٢، ويتوانون عن الفرائض. ٧٥٢- وكثيرًا من المتصوفين لا يستوحشون من ظلم الناس، ثم يتصدقون على الفقراء، وربما توانوا عن إخراج الزكاة، وتكاسلوا باستعمال التأويلات فيها، ثم إذا حضر أحدهم مجلس وعظ، بكى، كأنه يصانع بتلك الحال. ومنهم: من يخرج بعض الزكاة مصانعة عمَّا لم يخرجه. ومنهم: من يعلم أن أصل ماله حرام، ويصعب عليه فراقه للعادة. وفيهم: من يحلف بالطلاق، ويحنث، ويرى الفراق صعبًا، فربما

стр. 386

تَأَوَّلَ، وربما تكاسل عن التأويل اتكالًا على عفو الله تعالى، ووعدًا من النفس بالتوبة! ومنهم: من يرى أن استعمال الشرع ربما كان سببًا في تضييق معاشه، وقد ألف التفسح١، فلا يسهل عليه فراق ما قد ألف! والعادات في الجملة هي المهلكة. ٧٥٣- ولقد حضر عندي رجل شيخ ابن ثمانين سنةً، فاشتريت منه دكانًا، وعقدت معه العقد، فلما افترقنا؛ غدر بعد أيام، فطلبت منه الحضور عند الحاكم، فأبى، فأحضرته، فحلف اليمين الغموس٢: أن ما بعته! فقلت: ما تدور عليه السنة٣! وأخذ يبرطل٤ لمن يحول بيني وبينه من الظلمة، فرأيت من العوام من قد غلبت عليه العادات، فلا يلتفت معها إلى قول فقيه، يقول: هذا ما قبض الثمن، فكيف يصح البيع؟! وآخر يقول: كيف يجوز لك أن تأخذ دكانًا بغير رضاه؟! وآخر يقول: يجب عليك أن تقيله البيع٥!. فلما لم أقله، أخذ هو وأقاربه يأخذون عرضي، ورأى أنه يحامي عن ملكه. ثم سعى بي إلى السلطان سعاية يحرض فيها من الكذب ما أدهشني، ويبرطل مالًا ليخلق من الظلمة، فبالغوا، وسعوا؛ إلا أن الله تعالى نجاني من شرهم. ثم إني أقمت عليه البينة عند الحاكم، فقال بعض أرباب الدنيا للحاكم: لا تحكم له! فوقف عن الحكم بعد ثبوت البينة عنده!! فرأيت من هذا الحاكم ومن حاكم آخر أعلى منه من ترك إنفاذ الحق حفظًا لرئاستهم ما هون عندي ما فعله ذلك الشيخ حفظًا لماله، لجهله وعلم هؤلاء. فتجلى لي من الأمر أن العادات غلبت على الناس، وأن الشرع أعرض عنه، وإن وقعت موافقة للشرع، فكما اتفق، أو لأجل العادة، فإن الإنسان لو ضرب بالسياط ما أفطر في رمضان، عادة قد استمرت، ويأخذ أعراض الناس وأموالهم، عادةً غالبَةً!

стр. 387

فكم قد رأيت هذا الشيخ يصلي، ويحافظ على الصلاة، ثم لما خاف فوت غرضه، ترك الشرع جانبًا! وكم قد رأيت أولئك الحكام يتعبدون، ويطلبون العلم، غير أنهم لما خافوا على رئاستهم أن تزول، تركوا جانب الدين! ثم إن الله تعالى نصرني عليه، وتقدم إلى الحاكم بإنفاذ ما ثبت عنده، ودارت السنة، فمات الشيخ علي قل١. فنسأله التوفيق للانقياد لشرعه ومخالفة أهوائنا.

стр. 388

١٦٧- فصل: الواجب على العالم صيانة علمه ٧٥٤- ما أعرف للعالم قط لذة ولا عزًّا ولا شرفًا ولا راحةً ولا سلامة أفضل من العزلة، فإنه ينال بها سلامة بدنه ودينه وجاهه عند الله وعند الخلق؛ لأن الخلق يهون عليهم من يخالطهم، ولا يعظم عندهم قدر المخالط لهم، ولهاذا عظم قدر الخلفاء لاحتجابهم، وإذا رأي العوام أحد العلماء مترخصًا في أمر مباح، هان عندهم. فالواجب عليه صيانة علمه، وإقامة قدر العلم عندهم. فقد قال بعض السلف: كنا نمزح ونضحك؛ فإذا صرنا؛ يقتدى بنا، فما أراه يسعنا ذلك. ٧٥٥- وقال سفيان الثوري: "تعلموا هذا العلم، واكظموا عليه، ولا تخلطوه بهزل فتمحجه القلوب"١. ٧٥٦- فمراعاة الناس لا ينبغي أن تنكر. وقد قال ﷺ لعائشة: "لولا حدثان قومك في الكفر، لنقضت الكعبة، وجعلت لها بابين ... "٢. وقال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب: رأيت الناس يكرهونهما فتركتهما. ولا تسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء، إنما هي صيانة للعلم. وبيان هذا أنه لو خرج العالم إلى الناس مكشوف الرأس، أو في يده كسرة

стр. 389

يأكلها؛ قل عندهم، وإن كان مباحًا، فيصير بمثابة تخليط الطبيب الآمر بالحمية. فلا ينبغي للعالم أن ينبسط عند العوام، حفظًا لهم، ومتى أراد مباحًا؛ فليستتر به عنهم. ٧٥٧- وهذا القدر الذي لاحظه أبو عبيدة حين رأى عمر بن الخطاب ﵁ قد قدم الشام راكبًا على حمار، ورجلاه من جانب، فقال: يا أمير المؤمنين! يتلقاك عظماء الناس! فما أحسن ما لاحظ! إلا أن عمر ﵁ أراد تأديب أبي عبيدة بحفظ الأصل؛ فقال: إن الله أعزكم بالإسلام، فمهما طلبتم العز في غيره، أذلكم. والمعنى: ينبغي أن يكون طلبكم العز بالدين، لا بصور الأفعال. ٧٥٨- وإن كانت الصور تلاحظ، فإن الإنسان يخلو في بيته عريانًا، فإذا خرج إلى الناس، لبس ثوبين وعمامة ورداء. ومثل هذا لا يكون تصنعًا، ولا ينسب إلى كبر. وقد كان مالك بن أنس يغتسل، ويتطيب، ويقعد للحديث. ٧٥٩- ولا تلتفت -يا هذا- إلى ما ترى من بذل العلماء على أبواب السلاطين؛ فإن العزلة أصون للعالم والعلم، وما يخسره العلماء في ذلك أضعاف ما يربحونه. وقد كان سيد الفقهاء سعيد بن المسيب لا يغشى الولاة، وعن قول هذا سكتوا عنه، وهذا فعل الحازم. ٧٦٠- فإن أردت اللذة والراحة؛ فعليك أيها العالم بعقر بيتك، وكن معتزلًا عن أهلك، يطب لك عيشك، واجعل للقاء الأهل وقتًا، فإذا عرفوه، تصنعوا للقائك، فكانت المعاشرة بذلك أجود. ٧٦١- وليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه، وتحادث سطور كتبك، وتجري في حلبات فكرك! واحترس من لقاء الخلق، وخصوصًا العوام! واجتهد في كسب يعفك عن الطمع! فهذه نهاية لذة العالم في الدنيا. ٧٦٢- وقد قيل لابن المبارك: ما لك لا تجالسنا؟ فقال: أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين. وأشار بذلك إلى أنه ينظر في كتبه. ٧٦٣- ومتى رزق العالم الغنى عن الناس والحلوة؛ فإن كان له فهم يجلب

стр. 390

التصانيف، فقد تكاملت لذته، وإن رزق فهما يرتقي إلى معاملة الحق ومناجاته؛ فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات. نسأل الله همة عالية تسمو إلى الكمال، وتوفيقًا لصالح الأعمال، فالسالكون طريق الحق أفراد.
следующие страницы →