← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

تَأَوَّلَ، وربما تكاسل عن التأويل اتكالًا على عفو الله تعالى، ووعدًا من النفس بالتوبة! ومنهم: من يرى أن استعمال الشرع ربما كان سببًا في تضييق معاشه، وقد ألف التفسح١، فلا يسهل عليه فراق ما قد ألف! والعادات في الجملة هي المهلكة. ٧٥٣- ولقد حضر عندي رجل شيخ ابن ثمانين سنةً، فاشتريت منه دكانًا، وعقدت معه العقد، فلما افترقنا؛ غدر بعد أيام، فطلبت منه الحضور عند الحاكم، فأبى، فأحضرته، فحلف اليمين الغموس٢: أن ما بعته! فقلت: ما تدور عليه السنة٣! وأخذ يبرطل٤ لمن يحول بيني وبينه من الظلمة، فرأيت من العوام من قد غلبت عليه العادات، فلا يلتفت معها إلى قول فقيه، يقول: هذا ما قبض الثمن، فكيف يصح البيع؟! وآخر يقول: كيف يجوز لك أن تأخذ دكانًا بغير رضاه؟! وآخر يقول: يجب عليك أن تقيله البيع٥!. فلما لم أقله، أخذ هو وأقاربه يأخذون عرضي، ورأى أنه يحامي عن ملكه. ثم سعى بي إلى السلطان سعاية يحرض فيها من الكذب ما أدهشني، ويبرطل مالًا ليخلق من الظلمة، فبالغوا، وسعوا؛ إلا أن الله تعالى نجاني من شرهم. ثم إني أقمت عليه البينة عند الحاكم، فقال بعض أرباب الدنيا للحاكم: لا تحكم له! فوقف عن الحكم بعد ثبوت البينة عنده!! فرأيت من هذا الحاكم ومن حاكم آخر أعلى منه من ترك إنفاذ الحق حفظًا لرئاستهم ما هون عندي ما فعله ذلك الشيخ حفظًا لماله، لجهله وعلم هؤلاء. فتجلى لي من الأمر أن العادات غلبت على الناس، وأن الشرع أعرض عنه، وإن وقعت موافقة للشرع، فكما اتفق، أو لأجل العادة، فإن الإنسان لو ضرب بالسياط ما أفطر في رمضان، عادة قد استمرت، ويأخذ أعراض الناس وأموالهم، عادةً غالبَةً!

стр. 387

فكم قد رأيت هذا الشيخ يصلي، ويحافظ على الصلاة، ثم لما خاف فوت غرضه، ترك الشرع جانبًا! وكم قد رأيت أولئك الحكام يتعبدون، ويطلبون العلم، غير أنهم لما خافوا على رئاستهم أن تزول، تركوا جانب الدين! ثم إن الله تعالى نصرني عليه، وتقدم إلى الحاكم بإنفاذ ما ثبت عنده، ودارت السنة، فمات الشيخ علي قل١. فنسأله التوفيق للانقياد لشرعه ومخالفة أهوائنا.

стр. 388

١٦٧- فصل: الواجب على العالم صيانة علمه ٧٥٤- ما أعرف للعالم قط لذة ولا عزًّا ولا شرفًا ولا راحةً ولا سلامة أفضل من العزلة، فإنه ينال بها سلامة بدنه ودينه وجاهه عند الله وعند الخلق؛ لأن الخلق يهون عليهم من يخالطهم، ولا يعظم عندهم قدر المخالط لهم، ولهاذا عظم قدر الخلفاء لاحتجابهم، وإذا رأي العوام أحد العلماء مترخصًا في أمر مباح، هان عندهم. فالواجب عليه صيانة علمه، وإقامة قدر العلم عندهم. فقد قال بعض السلف: كنا نمزح ونضحك؛ فإذا صرنا؛ يقتدى بنا، فما أراه يسعنا ذلك. ٧٥٥- وقال سفيان الثوري: "تعلموا هذا العلم، واكظموا عليه، ولا تخلطوه بهزل فتمحجه القلوب"١. ٧٥٦- فمراعاة الناس لا ينبغي أن تنكر. وقد قال ﷺ لعائشة: "لولا حدثان قومك في الكفر، لنقضت الكعبة، وجعلت لها بابين ... "٢. وقال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب: رأيت الناس يكرهونهما فتركتهما. ولا تسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء، إنما هي صيانة للعلم. وبيان هذا أنه لو خرج العالم إلى الناس مكشوف الرأس، أو في يده كسرة

стр. 389

يأكلها؛ قل عندهم، وإن كان مباحًا، فيصير بمثابة تخليط الطبيب الآمر بالحمية. فلا ينبغي للعالم أن ينبسط عند العوام، حفظًا لهم، ومتى أراد مباحًا؛ فليستتر به عنهم. ٧٥٧- وهذا القدر الذي لاحظه أبو عبيدة حين رأى عمر بن الخطاب ﵁ قد قدم الشام راكبًا على حمار، ورجلاه من جانب، فقال: يا أمير المؤمنين! يتلقاك عظماء الناس! فما أحسن ما لاحظ! إلا أن عمر ﵁ أراد تأديب أبي عبيدة بحفظ الأصل؛ فقال: إن الله أعزكم بالإسلام، فمهما طلبتم العز في غيره، أذلكم. والمعنى: ينبغي أن يكون طلبكم العز بالدين، لا بصور الأفعال. ٧٥٨- وإن كانت الصور تلاحظ، فإن الإنسان يخلو في بيته عريانًا، فإذا خرج إلى الناس، لبس ثوبين وعمامة ورداء. ومثل هذا لا يكون تصنعًا، ولا ينسب إلى كبر. وقد كان مالك بن أنس يغتسل، ويتطيب، ويقعد للحديث. ٧٥٩- ولا تلتفت -يا هذا- إلى ما ترى من بذل العلماء على أبواب السلاطين؛ فإن العزلة أصون للعالم والعلم، وما يخسره العلماء في ذلك أضعاف ما يربحونه. وقد كان سيد الفقهاء سعيد بن المسيب لا يغشى الولاة، وعن قول هذا سكتوا عنه، وهذا فعل الحازم. ٧٦٠- فإن أردت اللذة والراحة؛ فعليك أيها العالم بعقر بيتك، وكن معتزلًا عن أهلك، يطب لك عيشك، واجعل للقاء الأهل وقتًا، فإذا عرفوه، تصنعوا للقائك، فكانت المعاشرة بذلك أجود. ٧٦١- وليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه، وتحادث سطور كتبك، وتجري في حلبات فكرك! واحترس من لقاء الخلق، وخصوصًا العوام! واجتهد في كسب يعفك عن الطمع! فهذه نهاية لذة العالم في الدنيا. ٧٦٢- وقد قيل لابن المبارك: ما لك لا تجالسنا؟ فقال: أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين. وأشار بذلك إلى أنه ينظر في كتبه. ٧٦٣- ومتى رزق العالم الغنى عن الناس والحلوة؛ فإن كان له فهم يجلب

стр. 390

التصانيف، فقد تكاملت لذته، وإن رزق فهما يرتقي إلى معاملة الحق ومناجاته؛ فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات. نسأل الله همة عالية تسمو إلى الكمال، وتوفيقًا لصالح الأعمال، فالسالكون طريق الحق أفراد.

стр. 391

١٦٨- فصل: ثمرات العلم ٧٦٤- تأملت أحوال الناس في حالة علو شأنهم، فرأيت أكثر الخلق تبين خسارتهم حينئذ، فمنهم من بالغ في المعاصي من الشباب، ومنهم من فرط في اكتساب العلم، ومنهم من أكثر من الاستمتاع باللذات: فكلهم نادم في حالة الكبر، حين فوات الاستدراك لذنوب سلفت، أو قوًى ضعفت، أو فضيلة فاتت، فيمضي زمان الكبر في حسرات؛ فإن كانت للشيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت، قال: وا أسفا على ما جنيت! وإن لم يكن له إفاقة، صار متأسفًا على فوات ما كان يلتذ به. ٧٦٥- فأما من أنفق عصر الشباب في العلم؛ فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جني ما غرس، ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئًا بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم، هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمل به إدارك المطلوب، وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها، كما قال الشاعر: أَهْتَزُّ عِنْدَ تَمَنِّي وَصْلِهَا طَرَبًا ... وَرُبَّ أُمْنِيَةٍ أَحْلَى مِنَ الظَّفْرِ ٧٦٦- ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه؛ إلا ما لو حصل لي، ندمت عليه. ثم تأملت حالي، فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم، وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم. فقال لي إبليس: ونسيت تعبك وسهرك؟! فقلت له: أيها الجاهل! تقطيع الأيدي لا وقع له عند رؤية يوسف، وما طالت طريق أدت إلى صديق.

стр. 392

جزى الله المسير إليه خيرًا ... وإن ترك المطايا كالمزاد١ ٧٦٧- ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل، لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى٢، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة، شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم. فأثمرت ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث سير الرسول ﷺ وأحواله وآدابه وأحوال أصحابه وتابعيهم، فصرت في معرفة طريقه كابن أجود٣. وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرك بالعلم، حتى إنني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة٤ والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله ، ولولا خطايا لا يخلو منها البشر، لقد كنت أخاف على نفسي من العجب؛ غير أنه صانني وعلمني وأطلعني من أسرار العلم على معرفته، وإيثار الخلوة به، حتى إنه لو حضر معي معروف وبشر، لرأيتهما زحمة. ٧٦٨- ثم عاد فغمسني في التقصير والتفريط، حتى رأيت أقل الناس خيرًا مني، وتارة يوقظني لقيام الليل ولذة مناجاته، وتارة يحرمني ذلك مع سلامة بدني، ولولا بشارة العلم بأن هذا نوع تهذيب وتأديب، لخرجت إما إلى العجب عند العمل، وإما إلى اليأس عند البطالة؛ لكن رجائي في فضله قد عادل خوفي منه. ٧٦٩- وقد يغلب الرجاء بقوة أسبابه؛ لأني رأيت أنه قد رباني منذ كنت طفلًا، فإن أبي مات وأنا لا أعقل والأم لم تلتفت إلي، فركز في طبعي حب العلم، وما زال يوقعني على المهم فالمهم، ويحملني إلى من يحملني على الأصوب، حتى قوم أمري، وكم قد قصدني عدو فصده عني، وإذ رأيته قد نصرني

стр. 393

وبصرني، ودافع عني، ووهب لي: قوي رجائي في المستقبل بما قد رأيت في الماضي. ولقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف، وأسلم علي يدي أكثر من مائتي نفس، وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسيل، ويحق لمن تلمح هذا الإنعام أن يرجو التمام. ٧٧٠- وربما لاحت أسباب الخوف بنظري إلى تقصيري وزللي. ولقد جلست يومًا، فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف، ما فيهم إلا من قد رق قلبه، أو دمعت عينه، فقلت لنفسي: كيف بك إن نجوا وهلكت؟! فصحت بلسان وجدي: إلهي وسيدي! إن قضيت علي بالعذاب غدًا، فلا تعلمهم بعذابي، صيانة لكرمك، لا لأجلي، لئلا يقولوا: عذب من دل عليه. إلهي! قد قيل لنبيك ﷺ : اقتل ابن أُبَيٍّ المنافق! فقال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"١. إلهي! فاحفظ حسن عقائدهم في بكرمك أن تعلمهم بعذاب الدليل عليك. حاشاك والله يا رب من تكدير الصافي. لا تبر عودًا أنت ريشته ... حاشا لباني الجود أن ينقضا٢ لا تعطش الزرع الذي نبته ... بصوب إنعامك قد روضا٣

стр. 394

١٦٩- فصل: أصلح المقامات التوسط ٧٧١- من الأمور التي تخفى على العاقل: أن يرى أنه متى لم تكن عنده امرأة أو جارية يهواها هوى شديدًا، أنه لا يلتذ بالدنيا؛ فإذا صور محبوبًا مملوكًا، تخايل لذة عظيمة، وإذا كان عنده من لا يميل إليه، اعتقد نفسه محرومًا.

стр. 395

٧٧٢- وهذا أمر شديد الخفاء، فينبغي أن يوضح: وهو أن المملوك مملول، ومتى قدر الإنسان على ما يشتهيه، مله ومال إلى غيره: تارة لبيان عيوبه، التي تكشفها المخالطة؛ فإنه قد قال الحكماء: العشق يعمي من عيوب المحبوب. وتارة لمكان القدرة عليه، والنفس لا تزال تتطلع إلى ما لا تقدر عليه. ٧٧٣- ثم لو قدرنا دوام المحبة مع القدرة؛ فإنها قد تكون، ولكن ناقصة بمقدار، وإنما يقويها تجني المحبوب، فيكون تجنيه كالامتناع، أو امتناعه من الموافقة. فإذا صفا، فلا بد من أكدار: منها الحذر عليه، ومنها قلة ميله إلى هذا العاشق، وربما يتكلف القرب منه، ويعلم الإنسان بقلة ميل محبوبه إليه، فينغص١، بل يبغض. فإن خاف منه خيانة، احتاج إلى حراسة، فقويت النغص. ٧٧٤- وأصلح المقامات التوسط، وهو اختيار ما تميل النفس إليه، ولا يرتقي إلى مقام العشق، فإن العاشق في عذاب، وإنما يتخايل٢ الفارغ من العشق التذاذ العاشق، وليس كذلك، فإنه كما قيل: وما في الأرض أشقى من محبٍّ ... وإن وجد الهوى عذب المذاقِ تراه باكيًا في كل وقتٍ ... مخافة فرقة أو لاشتياقِ فيبكي إن نأوا شوقًا إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراقِ فتسخن عينه عند التدانِي ... وتسخن عينه عند الفراقِ

стр. 396

١٧٠- فصل: علو الهمة ٧٧٥- ما ابتلي الإنسان قط بأعظم من علو همته؛ فإن من علت همته يختار المعالي، وربما لا يساعده الزمان، وقد تضعف الآلة، فيبقى في عذاب. وإني أعطيت من علو الهمة طرفًا، فأنا به في عذاب، ولا أقول: ليته لم يكن؛ فإنه إنما يحلو العيش بقدر عدم العقل، والعاقل لا يختار زيادة اللذة بنقصان العقل. ٧٧٦- ولقد رأيت أقومًا يصفون علو هممهم، فتأملتها، فإذا بها في فن

стр. 397

واحدٍ، ولا يبالون بالنقص فيما هو أهم. قال الرَّضِيُّ١: ولكل جسم في النحول بلية ... وبلاء جسمي من تفاوت همتِي فنظرت، فإذا غاية أمله الإمارة. ٧٧٧- وكان أبو مسلم الخراساني٢ في حال شبيبته لا يكاد ينام، فقيل له في ذلك؟ فقال: ذهن صاف، وهم بعيد، ونفس تتوق إلى معالي الأمور، مع عيش كعيش الهمج الرعاع! قيل: فما الذي يبرد غليلك؟ قال: الظفر بالملك. قيل: فاطلبه. قال: لا يطلب إلا بالأهوال. قيل: فاركب الأهوال. قال: العقل مانع. قيل: فما تصنع؟ قال: سأجعل من عقلي جهلًا، وأحوال به خطرًا، لا ينال إلا بالجهل، وأدبر بالعقل ما لا يحفظ إلا به، فإن الخمول أخو العدم. فنظرت إلى حال هذا المسكين، فإذا هو قد ضيع أهم المهمات، وهو جانب الآخرة، وانتصب في طلب الولايات، فكم فتك وقتل حتى نال بعض مراده من لذات الدنيا! ثم اغتيل، ونسي تدبير العقل، فقتل، ومضى إلى الآخرة على أقبح حال. ٧٧٨- وكان المتنبي٣ يقول: وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده ولكن قلبًا بين جنبيَّ ما له ... مدًى ينتهي بي في مراد أحده يرى جسمه يسكى شفوفًا تربه ... فيختار أن يكسى دروعًا تهده فتأملت هذا الآخر، فإذا نهمته٤ فيما يتعلق بالدنيا فحسب. ٧٧٩- ونظرت إلى علو همتي، فرأيتها عجبًا، وذلك أنني أروم٥ من العلم ما

стр. 398

أتقن أني لا أصل إليه؛ لأنني أحب نيل كل العلوم على اختلاف فنونها، وأريد استقصاء كل فن! هذا أمر يعجز العمر عن بعضه؛ فإن عرض لي ذو همة في فن قد بلغ منتهاه، رأيته ناقصًا في غيره، فلا أعد همته تامة، مثل المحدث فاته الفقه، والفقيه فاته علم الحديث، فلا أرى الرضا بنقصان العلوم إلا حادثًا عن نقص الهمة. والفقيه فاته علم الحديث، فلا أرى الرضا بنقصان العلوم إلا حادثًا عن نقص الهمة. ٧٨٠- ثم إني أروم نهاية العمل بالعلم، فأتوق إلى ورع بشر، وزهادة معروف! وهذا مع مطالعة التصانيف، وإفادة الخلق، ومعاشرتهم - بعيد. ٧٨١- ثم إني أروم الغنى عن الخلق، وأستشرف الإفضال عليهم! والاشتغال بالعلم مانع من الكسب، وقبول المنن مما تأباه الهمة العالية. ٧٨٢- ثم إني أتوق إلى طلب الأولاد، كما أتوق إلى تحقيق التصانيف، ليبقى الخلفان نائبين عني بعد التلف! وفي طلب ذلك ما فيه من شغل القلب المحب للتفرد. ٧٨٣- ثم إني أروم الاستمتاع بالمستحسنات! وفي ذلك امتناع من جهة قلة المال، ثم لو حصل، فرق جمع الهمة. وكذلك أطلب لبدني ما يصلحه من المطاعم والمشارب؛ فإنه متعود للترفه والتلطف! وفي قلة المال مانع، وكل ذلك جمع بين أضداد١. ٧٨٤- فأين أنا وما وصفته من حال من كانت غاية همته الدنيا، وأنا لا أحب أن يخدش حصول شيء من الدنيا وجه ديني بسبب، ولا أن يؤثر في علمي، ولا في عملي؟! ٧٨٤- فأين أنا وما وصفته من حال من كانت غاية همته الدنيا، وأنا لا أحب أن يخدش حصول شيء من الدنيا وجه ديني بسبب، ولا أن يؤثر في علمي، ولا في عملي؟! فوا قلقي من طلب قيام الليل، وتحقيق الورع، مع إعادة العلم، وشغل القلب بالتصانيف، وتحصيل ما يلائم البدن من المطاعم!. ووا أسفي على ما يفوتني من المناجاة في الخلوة، مع ملاقاة الناس وتغليبهم!

стр. 399

ويا كدر الورع، مع طلب ما لا بد منه للعائلة! ٧٨٥- غير أني قد استسلمت لتعذيبي، ولعل تهذيبي في تعذيبي؛ لأن علو الهمة تطلب المعالي المقربة إلى الحق ، وربما كان الحيرة في الطلب دليلًا إلى المقصود. وها أنا أحفظ أنفاسي من أن يضيع منها نفس في غير فائدة. وإن بلغ همي مراده؛ وإلا فـ"نية المؤمن أبلغ من عمله".

стр. 400

١٧١- فصل: لا بد من مغالطة ليتم العيش ٧٨٦- لما سطرت هذا الفصل المتقدم، رأيت ادكار النفس بما لا بد لها في الطريق منه، وهو أنه لا بد لها من التلطف، فإن قاطع مرحلتين في مرحلة خليق بأن يقف، فينبغي أن يقطع الطريق بألطف ممكن، وإذا تعبت الرواحل، نهض الحادي يغنيها، وأخذ الراحة للجد جد، وغوص السابح في طلب الدر صعود، ودوام السير يحسر١ الإبل، والمفازة٢ صعبة. ٧٨٧- ومن أراد أن يرى التلطف بالنفس؛ فلينظر في سير الرسول ﷺ ، فإنه كان يتلطف بنفسه، ويمازح، ويخالط النساء، ويقبل، ويمص اللسان، ويختار المستحسنات، ويستعذب له الماء، ويختار الماء البارد، والأوفق من المطاعم، كلحم الظهر والذراع والحلوى. ٧٨٨- وهذا كله رفق بالناقة في طريق السير، فأما من جرد عليها السوط؛ فإنه يوشك ألا يقطع الطريق، وقد قال ﷺ : "إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى"٣. ٧٨٩- واعلم أنه يبنغي للعاقل أن يغالط نفسه فيما يكشف العقل عن

стр. 401

عواره١؛ فإن فكر المتيقظ يسبق قبل مباشرة المرأة إلى أنها اعتناق جسد يحتوي على قذارة، وقبل بلع اللقمة إلى أنها متقلبة في الريق، لو أخرجها اللسان [لفظها] ٢، ولو [فكر] ٣ في قرب الموت، وما يجري عليه بعده، لبغض عاجل لذته. فلا بد من مغالطة تجري لينتفع الإنسان بعيشه. كما قال لبيد٤: واكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل وقال البستي٥: أفد طبعك المكدود بالهم راحة ... تجم، وعلله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته ذاك فليكن ... بمقدار ما يعطى الطعام من الملح وقال أبو علي بن الشبل٦: وإذا هممت فناج نفسك بالمنى ... وعدًا فخيرات الجنان عدات واجعل رجاءك دون يأسك جنة ... حتى تزول بهمك الأوقات واستر عن الجلساء بثك إنما ... جلساؤك الحساد والشمات ودع التوقع للحوادث إنه ... للحي من قبل الممات ممات فالهم ليس له ثبات مثلما ... في أهله ما للسرور ثبات لولا مغالطة النفوس عقولها ... لم تصف للمتيقظين حياة وقال أيضًا:

стр. 402

بحفظ الجسم تبقى النفس فيه ... بقاء النار تحفظ بالوعاء فباليأس الممض فلا تمتها ... ولا تمدد لها طول الرجاء وعدها في شدائدها رخاء ... وذكرها الشدائد في الرخاء يعد صلاحها هذا وهذا ... وبالتركيب منفعة الدواء ٧٩٠- وقد كان عموم السلف يخضبون الشيب، لئلا يرى الإنسان منهم ما يكره، وإن كان الخضاب لا يعدم النفس علمها بذلك، ولكنه نوع مخادعة للنفس، وما زالت النفوس ترى الظاهر، وإنما الفكر والعقل مع الغائب. ٧٩١- ولا بد من مغالطة تجري ليتم العيش، ولو عمل العامل بمقتضى قصر الأمل، ما كتب العلم ولا صنف. ٧٩٢- فافهم هذا الفصل مع الذي تقدمه؛ فإن الأول في مقام العزيمة، وهذا في مكان الرخصة، ولا بد للتعب من راحة وإعانة، والله [معك] على قدر صدق الطلب، وقوة اللجإ، وخلع الحول والقوة، وهو الموفق.

стр. 403

١٧٢- فصل: في تعليم التدبير ٧٩٣- قوام الآدمي بشيئين: الحرارة والرطوبة. ومن شأن الحرارة أن تحلل الرطوبة وتفنيها، فالآدمي محتاج إلى تحصيل خلف للمتحلل. فأبدان النشء تغتذي بأكثر مما يتحلل منها، والأبدان المتناهية تغتذي بمقدار ما يتحلل منها أكثر مما تغتذي به. ٧٩٤- فينبغي للناشئ البالغ أن يحتفظ في النكاح؛ لأنه١ يربي قاعدة قوة يجد أثرها في الكبر. وأما المتوسط والواقف السن، فينبغي أن يحذر فضول الجماع، فإن حصل له

стр. 404

مثل ما يخرج منه، فأسرف؛ فاللازم أخذ من الحاصل، ويوشك أن يسرع النفاد. وأما الشيخ، فترك النكاح كاللازم له، خصوصًا إذا زاد علو السن؛ لأنه ينفق من الجوهر الذي لا يحصل مثله أبدًا. ٧٩٥- ثم ينبغي أن ينظر العاقل في ماله، فيكتسب أكثر مما ينفق، ليكون الفاضل مدخرًا لوقت العجز، وليحذر السرف، فإن العدل هو الأصلح. ٧٩٦- ثم ينظر في الزوجة، والمطلوب منها شيئان: وجود الولد، وتدبير المنزل، فإذا كانت مبذرة، فعيب لا يحتمل، فإن انضمت صفة العقر، فلا وجه للإمساك؛ إلا أن تكون مستحسة الصورة، فإن ضم إليها عقل وعفاف، حسن الإمساك، وإن كانت مما يحتاج أن تحفظ١، فتركها لازم. ٧٩٧- فأما الخدم، ليجتهد في تحصيل خادم لا تستبعده الشهوة؛ فإن عبد الشهوة له مولى غير سيده، ولينظر المالك في طبع المملوك، فمنهم: من لا يأتي إلا على الإكرام، فليكرمه، فإنه يربح محبته. ومنهم: من لا يأتي إلا على الإهانة، فليداره، وليعرض عن الذنوب؛ فإن لم يكن، عاتب بلطف، وليحذر العقوبة ما أمكن. وليجعل للمماليك زمن راحة. والعجب من يعني بدابته، وينسى مداراة جاريته! وأجود المماليك الصغار، وكذلك الزوجات؛ لأنهم متعودون خلق المشتري. ٧٩٨- وليحفظ نفسه بالهيبة من الانحراف مع الزوجة، ولا يطلعها على ماله، فإنها سفيهة، تطلب كثرة الإنفاق. ٧٩٩- وأما تدبير الأولاد، فحفظهم من مخالطة تفسد. ومتى كان الصبي ذا أنفة، حييًّا، رجي خيره. وليحمل على صحبة الأشراف والعلماء، وليحذر من مصاحبته الجهال والسفهاء، فإن الطبع لص. وليحذر الصبي من الكذب غاية التحذير، ومن المخالطة للصبيان، وليوصه بزيادة البر للوالدين، وليحفظ من مخالطة النساء. فإذا بلغ، ليزوج بصبية، فينتفعان.

стр. 405

٨٠٠- هذه الإشارة إلى تدبير أمور الدنيا. فأما تدبير العلم، فينبغي أن يحمل الصبي من حين يبلغ خمس سنين على التشاغل بالقرآن والفقه وسماع الحديث، ولتحصل له المحفوظات أكثر من المسموعات؛ لأن زمان الحفظ إلى خمس عشرة سنة، فإذا بلغ، تشتت همته، فليضرب تارة، ويرشى أخرى، ليبلغ وقد حصل محفوظات سنيَّةً. ٨٠١- وأول ما ينبغي أن يكلف حفظ القرآن متقنًا؛ فإنه يثبت، ويختلط باللحم والدم، ثم مقدمة من النحو، يعرف بها اللحن، ثم الفقه مذهبًا وخلافًا، وما أمكن بعد هذا من العلوم، فحفظه حسن. ٨٠٢- وليحذر من عادات أصحاب الحديث؛ فإنهم يفنون الزمان في سماع الأجزاء التي تتكرر فيها الأحاديث، فيذهب العمر، وما حصلوا فهم شيء! فإذا بلغوا سنًّا، طلبوا جواز فتوى أو قراءة جزء من القرآن، فعادوا القهقرى؛ لأنهم يحفظون بعد كبر السن، فلا يحصل مقصودهم. فالحفظ في الصبا للمهم من العلم أصل عظيم١. ٨٠٣- وقد رأينا كثيرًا ممن تشاغل بالمسموعات، وكتابة الأجزاء، ورأى الحفظ صعبًا، فمال إلى الأسهل، فمضى عمره في ذلك؛ فلما احتاج إلى نفسه، قعد يتحفظ على كبر، فلم يحصل مقصوده. فاليقظة لفهم ما ذكرت، وانظر في الإخلاص، فما ينفع شيء دونه.

стр. 406

١٧٣- فصل: بادر موسم الزرع ٨٠٤- اشتد الغلاء ببغداد في أول سنة خمس وسبعين١، وكلما جاء الشعير، زاد السعر، فتواقع٢ الناس على اشتراء الطعام. فاغتبط من يستعد كل سنة بزرع ما يقوته، وفرح من بادر في أول النسيان إلى اشتراء الطعام قبل أن يضاعف ثمنه،

стр. 407

وأخرج الفقراء ما في بيوتهم، فرموه في سوق الهوان، وبان ذل نفوس كانت عزيزة. فقلت: يا نفس! خذي من هذه الحال إشارة: ليغبطن من له عمل صالح وقت الحاجة إليه، وليفرحن من له جواب عند إقبال المسألة، وكل الويل على المفرط الذي لا ينظر في عاقبته! فتنبهي، فقد نبهت ناسًا في الدنيا على أمر الآخرة! وبادري موسم الزرع ما دامت الروح في البدن، فالزمان كله تشرين١، قبل أن يدخل نيسان الحصاد وما لك زرع، وحاجة المفتقرين إلى أموالهم تمنعهم من الإيثار.

стр. 408

١٧٤- فصل: المؤمن بين الخوف والرجاء ٨٠٥- تأملت حالةً أزعجتني، وهو أن الرجل قد يفعل مع امرأته كل جميل، وهي لا تحبه، وكذا يفعل مع صديقه، والصديق يبغضه، وقد يتقرب إلى السلطان بكل ما يقدر عليه، والسلطان لا يؤثره، فيبقى متحيرًا يقول: ما حيلتي؟! فخفت أن تكون هذه حالتي مع الخالق سبحانه، أتقرب إليه، وهو لا يريدني، وربما يكون قد كتبني شقيًّا في الأزل. ومن هذا خاف الحسن، فقال: أخاف أن يكون أطلع على بعض ذنوبي، فقال: لا غفرت لك. فليس إلا القلق والخوف، لعل سفينة الرجاء تسلم -يوم دخولها الشاطئ- من جرف٢.

стр. 409

١٧٥- فصل: عدد أحاديث رسول الله ﷺ ٨٠٦- جرى بيني وبين أحد أصحاب الحديث كلام في قول الإمام أحمد: "صح من الحديث عن رسول الله ﷺ سبع مائة ألف حديث". فقلت له: إنما يعني به الطرق. فقال: لا، بل المتون! فقلت: هذا بعيد التصور. ٨٠٧- ثم رأيت لأبي عبد الله الحاكم١ كلامًا ينصر ما قال ذلك الشخص،

стр. 410

وهو أنه قال في كتاب "المدخل إلى كتاب الإكليل": كيف يجوز أن يقال: إن حديث رسول الله ﷺ لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وقد روى عنه من أصحابه أربعة آلاف رجل وامرأة، صحبوه نيفًا وعشرين سنة بمكة، ثم بالمدينة، حفظوا أقواله، وأفعاله، ونومه، ويقظته، وحركاته، وغير ذلك، سوى ما حفظوا من أحكام الشريعة؟! واحتج بقول أحمد: "صح من الحديث عن رسول الله ﷺ سبع مائة ألف حديث وكسر"، وأن إسحاق بن راهوية١ كان يملي سبعين ألف حديث حفظًا، وأن أبا العباس بن عقدة٢ قال: أحفظ لأهل البيت ثلاث مائة ألف حديث. قال ابن عقدة: وظهر لابن كريب٣ بالكوفة ثلاث مائة ألف حديث. قلت: ولا يحسن أن يشار بهذا إلى المتون. وقد عجب كيف خفي هذا على الحاكم، وهو يعلم أن أجمع المسانيد الظاهرة مسند أحمد بن حنبل، وقد طاف الدنيا مرتين حتى حصله، وهو أربعون ألف حديث، منها عشرة آلاف مكررة. ٨٠٨- قال حنبل بن إسحاق٤: جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح٥ وعبد الله٦، وقرأ علينا "المسند"، وقال لنا: هذا كتاب جمعته من أكثر من سبع مائة ألف وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ ، فارجعوا إليه؛ فإن وجدتموه، وإلا فليس بحجة٧. أفترى يخفى على متيقظ أنه أراد بكونه جمعه من سبع مائة ألف أنه أراد الطرق؟! لأن السبع مائة الألف إن كانت من كلام رسول الله ﷺ ، فكيف أهملها؟!

стр. 411

٨٠٩- فإن قيل: فقد أخرج في مسنده أشياء ضيعفة، ثم أعوذ بالله أن يكون سبع مائة ألف ما تحقق منها سوى ثلاثين ألفًا! وكيف ضاعت هذه الجملة؟! ولم أهملت، وقد وصلت كلها إلى زمن أحمد، فانتقى منها، ورمى الباقي؟! وأصحاب الحديث قد كتبوا كل شيء من الموضوع والكذب. ٨١٠- وكذلك قال أبو داود١: جمعت كتاب "السنن" من ست مائة ألف حديث. ٨١١- ولا يحسن أن يقال: إن الصحابة الذين رووها ماتوا، ولم يحدثوا بها التابعين؛ فإن الأمر قد وصل إلى أحمد، فأحصى سبعمائة ألف حديث، وما كان الأمر ليذهب هكذا عاجلًا! ومعلوم أنه لو جمع الصحيح والمحال الموضوع وكل منقول عن رسول الله ﷺ ، ما بلغ خمسين ألفًا! فأين الباقي؟! ٨١٢- ولا يجوز أن يقال: تلك الأحاديث كلام التابعين، فإن الفقهاء نقلوا مذاهب القوم، ودونوها، وأخذوا بها، ولا وجه لتركها! ٨١٣- ففهم كل ذي لب أن الإشارة إلى الطرق، وأن ما توهمه الحاكم فاسد، ولو عرض هذا الاعتراض عليه، وقيل له: فأين الباقي؟! لم يكن له جواب؛ لكن الفهم عزيز، والله المنعم بالتوفيق. ٨١٤- ومثل هذا تغفيل قوم قالوا: إن البخاري لم يخرج كل ما صح عنده، وإن ما أخرج كالأنموذج؛ وإلا فكان يطول. وقد ذهب إلى نحو هذا أبو بكر الإسماعيلي٢، وحكى عن البخاري أنه قال: ما تركت من الصحيح أكثر؛ وإنما يعني الطرق. يدل على ما قلته أن الدارقطني٣ -وهو سيد الحفاظ- جمع ما يلزم البخاري ومسلمًا٤ إخراجه، "فبلغ" ما لم يذكراه أحاديث يسيرة، ولو كان كما قالوا، لأخرج مجلدات.

стр. 412

ثم قوله: "ما يلزم البخاري": دليل صريح ما قلته؛ لأنه من أخرج الأنموذج، لا يلزمه شيء. ٨١٥- وكذلك أخرج أبو عبد الله الحاكم كتابًا١ جمع فيه ما يلزم البخاري إخراجه، فذكر حديث الطائر، فلم يلتفت الحافظ إلى ما قاله٢. فما أقل فهم هؤلاء الذين شغلهم نقل الحديث عن التدقيق، الذي لا يلزم في صحة الحديث؛ وإنما وقع لقلة الفقه والفهم. ٨١٦- إن البخاري ومسلمًا تركًا أحاديث أقوام ثقات؛ لأنهم خولفوا في الحديث، فنقص الأكثرون من الحديث وزادوا، ولو كان ثم فقه، لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة! وتركوا أحاديث أقوام؛ لأنهم انفردوا بالرواية عن شخص، ومعلوم أن انفراد الثقة لا عيب فيه! وتركوا من ذلك الغرائب. وكل ذلك سوء فهم. ولهذا لم يلتزم الفقهاء هذا، وقالوا: الزيادة من الثقة مقبولة٣، ولا يقبل القدح حتى يبين سببه. ٨١٧- وكل من لم يخالط الفقهاء٤ وجهد مع المحدثين، تأذى، وساء فهمه!! فالحمد الله الذي أنعم علينا بالحالتين.

стр. 413

١٧٦- فصل: اللغة منطق العرب ٨١٨- اعلم أن الله وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل، فالنفوس تعلمها ضرورة، وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها. فإنه وضع في النفوس أن المصنوع لابد له من صانع، وأن المبنى لابد له من بان، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الجسم

стр. 414

الواحد لايكون في مكانين في حالة واحدة، ومثل هذه الأشياء لا تحتاج إلى دليل. ٨١٩- وألهم العرب النطق بالصواب من غير لحن، فهم يفرقون بين المرفوع والمنصوب بأمارات في جبلتهم١، وإن عجزوا عن النطق بالعلة٢. ٨٢٠- قال عثمان بن جني٣: سألت يومًا أبا عبد الله محمد بن عساف العقيلي٤ فقلت له: كيف تقول: "ضربت أخوك"؟ فقال: أقول: "ضربت أخاك". فأدرته على الرفع؛ فأبى، وقال: لا أقول "أخوك" أبدًا! قلت: فكيف تقول: "ضربني أخوك"؟ فرفع، فقلت: أليس زعمت أنك لا تقول "أخوك" أبدًا. فقال: إيش هذا؟! اختلفت جهتا الكلام! وهذا أدل شيء على تأملهم مواقع الكلام، وإعطائهم إياه في كل موضع حقه، وأنه ليس استرسالًا ولا ترخيمًا. ٨٢١- قال عثمان: واللغة هي أصوات، يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، والنحو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه، من إعراب وغيره، كالتثنية، والجمع، والتحقير٥، والتكسير، وغير ذلك، ليلحق من ليس من أهل اللغة أهلها.

стр. 415

١٧٧- فصل مفيد: العاقل ينظر في العواقب، والغافل لا يرى إلا الحاضر ٨٢٢- تدبرت أحوال الأخبار والأشرار، فرأيت سبب صلاح الأخيار النظر، وسبب فساد الأشرار إهمال النظر. وذاك أن العاقل ينظر، فيعلم أنه لا بد [للمصنوع] من صانع، وأن طاعته لازمة، ويتأمل معجزات رسول الله ﷺ ، فيسلم قيادة إلى الشرع، ثم ينظر فيما يقربه إليه، ويزلفه لديه؛ فإذا شق عليه إعادة العلم، تأمل ثمرته، فسهل ذلك. وإذا صعب عليه قيام الليل، فكذلك، وإذا رأى مشتهًى، تأمل

стр. 416

عاقبته، فعلم أن اللذة تفنى، والعار والإثم يبقيان، فيسهل عليه الترك، وإذا اشتهى الانتقام ممن يؤذيه، ذكر ثواب الصبر، وندم الغضبان على أفعاله في حال الغضب ثم لا يزال يتأمل سرعة ممر العمر، فيغتنمه بتحصيل أفضل الفضائل، فينال مناه. ٨٢٣- وأما الغافل؛ فإنه لا يرى إلا الشيء الحاضر، فمنهم من لم يتأمل في معنى المصنوع وإثبات الصانع، فجحدوا، وتركوا النظر، وجحدوا الرسل، وما جاءوا به، ونظروا إلى العاجل، ولم يتفكروا في مبدئه ومنتهاه؛ فليس عندهم من عرفان المطعم إلا الأكل، ولو تأملوا كيف أنشئ؟ ولماذا جعل حافظًا للأبدان؟ لعرفوا حقائق الأمور! وكذلك كل شهوة تعرض لهم، لا ينظرون في عاقبتها، بل في عاجل لذتها. وكم قد جنت عليهم، من وقوع حد، وقطع يد، وفضيحة! فتعجيل اللذة يفوت الفضائل، ويحصل الرذائل، وسببه عدم النظر في العواقب، وهذا شغل الغفل، وذاك المذموم شغل الهوى. نسأل الله يقظة ترينا العواقب، وتكشف لنا الفضائل والمعايب، إنه قادر على ذلك.

стр. 417

١٧٨- فصل: الآمال أكبر من الآجال ٨٢٤- خلقت لي همة عالية تطلب الغايات، بلغت السن وما بلغت ما أملت! فأخذت أسأل تطويل العمر، وتقوية البدن، وبلوغ الآمال، فأنكرت على العادات، وقالت: ما جرت عادة بما تطلب؛ فقلت: إنما أطلب من قادر يخرق العادات، وقد قيل لرجل: لنا حويجة١. فقال: اطلبوا لها رجيلًا٢ وقيل لآخر: جئناك في حاجة لا ترزؤك٣. فقال: هلا طلبتم لها سفاسف الناس! فإذا كان أهل الأنفة من أرباب الدنيا يقولون هذا، فلم لا نطمع في فضل كريم قادر؟! وقد سألته هذا السؤال في ربيع الآخر من سنة خمس وسبعين٤، فإن مد لي أجلي، وبلغت ما أملته، نقلت هذا الفصل إلى ما بعد، وبيضته، وأخبرت ببلوغ آمالي، وإن لم يتفق ذلك، فسيدي أعلم بالمصالح، فإنه لا يمنع بخلًا، ولا حول إلا به.

стр. 418

١٧٩- فصل: ما أقل من يعمل لله خالصًا ! ٨٢٥- ما أقل من يعمل لله تعالى خالصًا! لأن أكثر الناس يحبون ظهور عباداتهم، وسفيان الثوري كان يقول: لا أعتد بما ظهر من عملي! وكانوا يسترون أنفسهم، واليوم ثياب القوم تشهرهم! وقد كان أيوب السختياني١ يطول قميصه حتى يقع على قدميه، ويقول: كانت الشهرة في التطويل، واليوم الشهرة في التقصير. ٨٢٦- فاعلم أن ترك النظر إلى الخلق، ومحو الجاه من قلوبهم بالتعمل٢، وإخلاص القصد، وستر الحال: وهو الذي رفع من رفع، فقد كان أحمد بن حنبل يمشي حافيًا في وقت، ويحمل نعليه في يديه، ويخرج للقاط٣، وبشر يمشي حافيًا على الدوام وحده، ومعروف يلتقط النوى٤. ٨٢٧- واليوم صارت الرئاسات أكثر من كل حاجة، وما تتمكن الرئاسات حتى تتمكن من القلب الغفلة، ورؤية الخلق، ونسيان الحق، فحينئذ تطلب الرئاسة على أهل الدنيا. ٨٢٨- ولقد رأيت من الناس عجبًا، حتى من يتزيا بالعلم: إن رآني أمشي وحدي، أنكر علي، وإن رآني أزور فقيرًا، عظم ذلك، وإن رآني أنبسط بتبسم، نقصت من عينه، فقلت: فوا عجبًا! هذه كانت طريق الرسول ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم، فصارت أحوال الخلق نواميس لإقامة الجاه. لا جرم٥ والله سقطتم من عين الحق، فأسقطكم من عين الخلق. ٨٢٩- فكم ممن يتعب في تربية ناموس، ولا يلتفت إليه، ولا يحظى بمراده، ويفوته المراد الأكبر. فالتفتوا إخواني إلى إصلاح النيات، وترك التزين للخلق! ولتكن عمدتكم الاستقامة مع الحق، فبذلك صعد السف وسعدوا. وإياكم وما الناس عليه اليوم؛ فإنه بالإضافة إلى يقظة السلف نوم.

стр. 419

١٨٠- فصل: اعملوا فكل ميسر لما خلق له . ٨٣٠- والله، ما ينفع تأديب الوالد إذا لم يسبق اختيار الخالق لذلك الولد! فإنه سبحانه إذا أراد شخصًا رباه من طفولته، وهداه إلى الصواب، ودله على الرشاد، وحبب إليه ما يصلح، وصحبه من يصلح، وبغض إليه ضد ذلك، وقبح عنده سفساف الأمور، وعصمه من القبائح، وأخذ بيده كلما عثر. ٨٣١- وإذا أبغض شخصًا، تركه دائم التعثير، متخبطًا في كل حال، ولم يخلق له همة لطلب المعالي، وشغله بالرذائل عن الفضائل، وإن قال: لم خصصت بهذا؟! قال الخطاب الذي لا يجاب: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ "الشورى: ٣٠".

стр. 420

١٨١- فصل: وفي أنفسكم أفلا تبصرون ؟ ٨٣٢- من أكبر الدليل على وجود الخالق سبحانه هذه النفس الناطقة المميزة، المحركة للبدن على مقتضى إرادتها، والتي دبرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم، وشاهدت الصانع في المصنوع، فلم يحجبها ستر، وإن تكاثف! ولا يعرف مع هذا ماهيتها، ولا كيفيتها، ولا جوهرها، ولا محلها١، ولا يفهم من أين جاءت؟ ولا يدرى أين تذهب؟ ولا كيف تعلقت بهذا الجسد؟ وهذا كله يوجب عليها أن لها مدبرًا وخالقًا، وكفى بذلك دليلًا عليه؛ إذ لو كانت وجدت بها، لما خفيت أحوالها عليها، فسبحانه سبحانه.

стр. 421

١٨٢- فصل: العلماء حفظة الشريعة . ٨٣٣- سبحان من من على الخلق بالعلماء الفقهاء، الذين فهموا مقصود الأمر ومراد الشارع، فهم حفظة الشريعة، فأحسن الله جزاءهم.

стр. 422

٨٣٤- وإن الشيطان ليتجافاهم خوفًا منهم، فإنهم يقدرون على أذاه، وهو لا يقدر على أذاهم. ولقد تلاعب بأهل الجهل والقليلي الفهم، وكان من أعجب تلاعبه أن حسن لأقوام ترك العلم، ثم لم يقنعوا بهذا حتى قدحوا في المتشاغلين به، وهذا -لو فهموه- قدح في الشريعة؛ فإن رسول الله ﷺ يقول: "بلغو عني"١، وقد قال له ربه : ﴿بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧] ، فإذا لم يتشاغل بالعلم، فكيف يبلغ الشريعة إلى الخلق؟! ٨٣٥- ولقد نقل مثل هذا عن كبار الزهاد، كبشر الحافي! فإنه قال لعباس بن عبد العظيم: لا تجالس أصحاب الحديث٢. وقال لإسحاق بن الضيف٣: إنك صاحب حديث، فأحب أن لا تعود إلي. ثم اعتذر، فقال: إنما الحديث فتنة إلا لمن أراد الله به، وإذا لم يعمل به، فتركه أفضل. وهذا عجب منه! من أين له أن طلابه لا يريدون الله به، وأنهم لا يعملون به؟! أو ليس العمل به على ضربين: عمل بما يجب، وذلك لا يسع أحدًا تركه. والثاني: نافلة، ولا يلزم، والتشاغل بالحديث أفضل من التنفل بالصوم والصلاة. وما أظنه أراد إلا طريقة في دوام الجوع والتهجد، وذلك شيء لا يلام تاركه. فإن كان يريد أن لا يوغل في علوم الحديث، فهذا خطأ؛ لأن جميع أقسامه محمودة. أفترى لو ترك الناس طلب الحديث، كان بشر يفتي؟! فالله الله في الالتفات إلى قول من ليس بفقيه، ولا يهولنك تعظيم اسمه، فالله يعفو عنه.

стр. 423

١٨٣- فصل: العاقل من يحفظ جانب الله ٨٣٦- العاقل من يحفظ جانب الله ، وإن غضب الخلق. وكل من يحفظ

стр. 424

جانب المخلوقين، ويضيع حق الخالق، يقلب الله قلب الذي قصد أن يرضيه، فيسخطه عليه. ٨٣٧- قال المأمون١ لبعض أصحابه: لا تعص الله بطاعتي، فيسلطني عليك. ٨٣٨- ولما بالغ طاهر بن الحسين فيما فعل بالأمين٢، وفتك به، وصلب رأسه، وإن كان ذلك عن إرادة المأمون؛ ولكن بقي أثر ذلك في قلبه، فكان المأمون لا يقدر أن يراه. ولقد دخل عليه يومًا، فبكى المأمون، فقال له طاهر: لم تبكي -لا أبكى الله عينك- فلقد دانت لك البلاد؟ فقال: أبكي لأمر ذكره ذل، وسره حزن، ولن يخلو أحد من شجن. فلما خرج طاهر، أنفذ إلى حسين الخادم مائتي ألف درهم، وسأله أن يسأل المأمون: لم بكى؟ فلما تغدى المأمون، قال: يا حسين! اسقني. قال: لا والله، لا أسقيك حتى تقول لم بكيت حين دخل عليك طاهر؟ قال: يا حسين! وكيف عنيت بهذا حتى سألت عنه؟ قال: لغمي بذلك. قال: يا حسين! أمر: إن خرج من رأسك، قتلتك. قال: ياسيدي! ومتى أخرجت لك سرًّا؟ قال: إني ذكرت أخي محمدًا، وما ناله من الذلة، فخنقتني العبرة، فاسترحت إلى إفاضتها، ولن يفوت طاهرًا مني ما يكره. فأخبر حسين طاهرًا بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد، فقال له: إن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن عينه، قال: سأفعل. فدخل على المأمون، فقال: ما بت البارحة. قال: ولم؟ قال: لأنك وليت غسان بن عباد خراسان، وهو ومن معه أكلة رأس، فأخاف أن يخرج خارج من الترك فيصطلمه٣. قال: فمن ترى؟ قال: طاهر بن الحسين، فعقد له، فمضى.

стр. 425

فبقي مدةً، ثم قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة، فقال له صاحب البريد: ما دعوت لأمير المؤمنين. قال: سهو، فلا تكتب! ففعل ذلك في الجمعة الثانية والثالثة، فقال له: لا بد أن أكتب، لئلا يكتب التجار ويسبقوني، قال: اكتب، فكتب، فدعا المأمون أحمد بن أبي خالد، وقال: إنه لم يذهب على احتيالك في أمر طاهر، وأنا أعطي الله عهدًا، إن لم تشخص١ حتى توافيني به كما أخرجته من قبضتي، لتذمن عقباك. فشخص، وجعل يتلوم٢ في الطريق، ويعتل بالمرض، فوصل إلى الري وقد بلغته وفاة طاهر. ٨٣٩- قلت: ولما خرج الراشد٣ من بغداد، وأرادوا تولية المقتفي٤، شهد جماعة من الشهود بأن الراشد لا يصلح للخلافة، فنزعوه، وولوا المقتفي، فبلغني أنه ذكر للمقتفي بعض الشهود، فذمه، وقال: كان فيمن أعان على أبي جعفر٥. ٨٤٠- وعلى ضد هذا كل من يراعي جانب الحق والصواب، يرضى عنه من سخط عليه. ٨٤١- ولقد حدثني الوزير ابن هبيرة٦ أن المستنجد بالله٧ كتب إليه كتابًا، وهو يومئذ ولي عهد، وأراد أن يستره من أبيه، قال: فقلت للواصل به: والله، ما يمكنني أقرؤه، ولا أجيب عنه، فلما ولي الخلافة، دخلت عليه، فقلت: أكبر دليل على صدقي وإخلاصي أني ما حابيتك في أبيك، فقال: صدقت، أنت الوزير. ٨٤٢- وحدثني بعض الأصدقاء أن قومًا ألحقوا إلى المخزن بعض دين لهم
следующие страницы →