← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

١٨٢- فصل: العلماء حفظة الشريعة . ٨٣٣- سبحان من من على الخلق بالعلماء الفقهاء، الذين فهموا مقصود الأمر ومراد الشارع، فهم حفظة الشريعة، فأحسن الله جزاءهم.

стр. 422

٨٣٤- وإن الشيطان ليتجافاهم خوفًا منهم، فإنهم يقدرون على أذاه، وهو لا يقدر على أذاهم. ولقد تلاعب بأهل الجهل والقليلي الفهم، وكان من أعجب تلاعبه أن حسن لأقوام ترك العلم، ثم لم يقنعوا بهذا حتى قدحوا في المتشاغلين به، وهذا -لو فهموه- قدح في الشريعة؛ فإن رسول الله ﷺ يقول: "بلغو عني"١، وقد قال له ربه : ﴿بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧] ، فإذا لم يتشاغل بالعلم، فكيف يبلغ الشريعة إلى الخلق؟! ٨٣٥- ولقد نقل مثل هذا عن كبار الزهاد، كبشر الحافي! فإنه قال لعباس بن عبد العظيم: لا تجالس أصحاب الحديث٢. وقال لإسحاق بن الضيف٣: إنك صاحب حديث، فأحب أن لا تعود إلي. ثم اعتذر، فقال: إنما الحديث فتنة إلا لمن أراد الله به، وإذا لم يعمل به، فتركه أفضل. وهذا عجب منه! من أين له أن طلابه لا يريدون الله به، وأنهم لا يعملون به؟! أو ليس العمل به على ضربين: عمل بما يجب، وذلك لا يسع أحدًا تركه. والثاني: نافلة، ولا يلزم، والتشاغل بالحديث أفضل من التنفل بالصوم والصلاة. وما أظنه أراد إلا طريقة في دوام الجوع والتهجد، وذلك شيء لا يلام تاركه. فإن كان يريد أن لا يوغل في علوم الحديث، فهذا خطأ؛ لأن جميع أقسامه محمودة. أفترى لو ترك الناس طلب الحديث، كان بشر يفتي؟! فالله الله في الالتفات إلى قول من ليس بفقيه، ولا يهولنك تعظيم اسمه، فالله يعفو عنه.

стр. 423

١٨٣- فصل: العاقل من يحفظ جانب الله ٨٣٦- العاقل من يحفظ جانب الله ، وإن غضب الخلق. وكل من يحفظ

стр. 424

جانب المخلوقين، ويضيع حق الخالق، يقلب الله قلب الذي قصد أن يرضيه، فيسخطه عليه. ٨٣٧- قال المأمون١ لبعض أصحابه: لا تعص الله بطاعتي، فيسلطني عليك. ٨٣٨- ولما بالغ طاهر بن الحسين فيما فعل بالأمين٢، وفتك به، وصلب رأسه، وإن كان ذلك عن إرادة المأمون؛ ولكن بقي أثر ذلك في قلبه، فكان المأمون لا يقدر أن يراه. ولقد دخل عليه يومًا، فبكى المأمون، فقال له طاهر: لم تبكي -لا أبكى الله عينك- فلقد دانت لك البلاد؟ فقال: أبكي لأمر ذكره ذل، وسره حزن، ولن يخلو أحد من شجن. فلما خرج طاهر، أنفذ إلى حسين الخادم مائتي ألف درهم، وسأله أن يسأل المأمون: لم بكى؟ فلما تغدى المأمون، قال: يا حسين! اسقني. قال: لا والله، لا أسقيك حتى تقول لم بكيت حين دخل عليك طاهر؟ قال: يا حسين! وكيف عنيت بهذا حتى سألت عنه؟ قال: لغمي بذلك. قال: يا حسين! أمر: إن خرج من رأسك، قتلتك. قال: ياسيدي! ومتى أخرجت لك سرًّا؟ قال: إني ذكرت أخي محمدًا، وما ناله من الذلة، فخنقتني العبرة، فاسترحت إلى إفاضتها، ولن يفوت طاهرًا مني ما يكره. فأخبر حسين طاهرًا بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد، فقال له: إن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن عينه، قال: سأفعل. فدخل على المأمون، فقال: ما بت البارحة. قال: ولم؟ قال: لأنك وليت غسان بن عباد خراسان، وهو ومن معه أكلة رأس، فأخاف أن يخرج خارج من الترك فيصطلمه٣. قال: فمن ترى؟ قال: طاهر بن الحسين، فعقد له، فمضى.

стр. 425

فبقي مدةً، ثم قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة، فقال له صاحب البريد: ما دعوت لأمير المؤمنين. قال: سهو، فلا تكتب! ففعل ذلك في الجمعة الثانية والثالثة، فقال له: لا بد أن أكتب، لئلا يكتب التجار ويسبقوني، قال: اكتب، فكتب، فدعا المأمون أحمد بن أبي خالد، وقال: إنه لم يذهب على احتيالك في أمر طاهر، وأنا أعطي الله عهدًا، إن لم تشخص١ حتى توافيني به كما أخرجته من قبضتي، لتذمن عقباك. فشخص، وجعل يتلوم٢ في الطريق، ويعتل بالمرض، فوصل إلى الري وقد بلغته وفاة طاهر. ٨٣٩- قلت: ولما خرج الراشد٣ من بغداد، وأرادوا تولية المقتفي٤، شهد جماعة من الشهود بأن الراشد لا يصلح للخلافة، فنزعوه، وولوا المقتفي، فبلغني أنه ذكر للمقتفي بعض الشهود، فذمه، وقال: كان فيمن أعان على أبي جعفر٥. ٨٤٠- وعلى ضد هذا كل من يراعي جانب الحق والصواب، يرضى عنه من سخط عليه. ٨٤١- ولقد حدثني الوزير ابن هبيرة٦ أن المستنجد بالله٧ كتب إليه كتابًا، وهو يومئذ ولي عهد، وأراد أن يستره من أبيه، قال: فقلت للواصل به: والله، ما يمكنني أقرؤه، ولا أجيب عنه، فلما ولي الخلافة، دخلت عليه، فقلت: أكبر دليل على صدقي وإخلاصي أني ما حابيتك في أبيك، فقال: صدقت، أنت الوزير. ٨٤٢- وحدثني بعض الأصدقاء أن قومًا ألحقوا إلى المخزن بعض دين لهم

стр. 426

ليستخلص، فقال المسترشد١ لصاحب المخزن: خلصة لهم، وخذ ما ضمنوا لنا! فأحضر ابن الرطبي٢، وعرض الأمر عليه؟ فقال: هذا أمر بظلم، وما أحكم فيه فقال: إن السلطان قد تقدم٣، قال: ما أفعل؟ فأحضر قاضيًا آخر، فبت الحكم، فأخبر الخليفة بالحال، فقال: أما ابن الرطبي، فيشكر على ما قال، وأما الآخر، فيعزل، وذلك؛ لأنه بان له أن الحق ما قاله ابن الرطبي. ٨٤٣- وكذلك ما طلبه السلطان٤ من أن يلقب ملك الملوك، فاستفتى الفقهاء، فأجازوا ذلك، وامتنع من إجازته الماوردي٥، فعظم قدره عند السلطان، ومثل هذا إذا تتبع كثير. ٨٤٤- فينبغي أن يحسن القصد لطاعة الخالق، وإن سخط المخلوق؛ فإنه يعود صاغرًا، ولا يسخط الخالق، فإنه يسخط المخلوق، فيفوت الحظان جميعًا.

стр. 427

١٨٤- فصل: الأصول والصور ٨٤٥- ينبغي للعاقل أن ينظر إلى الأصول فيمن يخالطه، ويعاشره، ويشاركه، ويصادقه، ويزوجه، أو يتزوج إليه، ثم ينظر بعد ذلك في الصور؛ فإن صلاحها دليل على صلاح الباطن. ٨٤٦- أما الأصول، فإن الشيء يرجع إلى أصله، وبعيد ممن لا أصل له أن يكون فيه معنى مستحسن، وإن المرأة الحسناء إذا كانت من بيت رديء، فقل أن

стр. 428

تكون صينةً، وكذلك أيضًا المخالط والصديق والمباضع١ والمعاشر. فإياك أن تخالط إلا من له أصل يخاف عليه الدنس، فالغالب [معه] السلامة، وإن وقع غير ذلك، كان نادرًا. ٨٤٧- وقد قال عمر بن عبد العزيز ﵁ لرجل: أشر علي فيمن أستعمل، فقال: أما أرباب الدين، فلا يريدونك٢، وأما أرباب الدنيا، فلا تردهم؛ ولكن عليك بالأشراف، فإنهم يصونون شرفهم عمَّا لا يصلح٣. ٨٤٨- وقد روى أبو بكر الصولي٤، قال: حدثني الحسين بن يحيى، عن أبي إسحاق، قال: دعاني المعتصم٥ يومًا، فأدخلني معه الحمام، ثم خرج، فخلا بي، وقال: يا أبا إسحاق! في نفسي شيء أريد أن أسألك عنه: إن أخي المأمون اصطنع قومًا فأنجبوا، واصطفيت أنا مثلهم فلم ينجبوا؟ قلت: ومن هم؟ قال: اصطنع طاهرًا وبانة٦، وإسحاق وآل سهل، فقد رأيت كيف هم: واصطنعت أنا الأفشين٧، فقد رأيت إلى ما آل أمره، وأشناس٨، فلم أجده شيئًا، وكذلك إيتاخ ووصيف. قلت: يا أمير المؤمنين! ها هنا جواب، علي أمان من الغضب؟ قال: لك ذاك: قلت: نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها، فأنجبت فروعها، واستعملت فروعًا لا أصول لها،

стр. 429

فلم تنجب! فقال: يا أبا إسحاق! مقاساة ما مر بي طول هذه المدة أهون علي من هذا الجواب. ٨٤٩- أما الصور، فإنه متى صحت البنية، ولم يكن فيها عيب، فالغالب صحة الباطن، وحسن الخلق، ومتى كان فيها عيب، فالعيب في الباطن أيضًا، فاحذر من به عاهة، كالأقرع والأعمى وغير ذلك، فإن بواطنهم في الغالب ردية. ٨٥٠- ثم مع معرفة أصول المخالط، وكمال صورته، لابد من التجربة قبل المخالطة، واستعمال الحذر لازم، وإن كان كما ينبغي.

стр. 430

١٨٥- فصل: تحصيل المرادات لايتم إلا بالاحتيال ٨٥١- ينبغي أن يكون شغل العاقل النظر في العواقب، والتحرز، مما يمكن أن يكون. ومن الغلط النظر في الحالة الحاضرة، الموافقة لمعاشه، ولصحة بدنه، وربما لا يجري له مصحوبه١، فينبغي أن يعمل على انقطاع ذلك، فيكون مستعدًا لتغير الأحوال. وكذلك النظر في لذة تفنى، وتبقى تبعتها وعارها، وإيثار الكسل والدعة، لما يجيء بعدهما من بقاء الجهل. ٨٥٢- وكذلك تحصيل المرادات التي لا تحصل إلا بالتلطف في الاحتيال، خصوصًا إذا أريد من ذكي، فإنه يفطن بأقل تلويح. فمن أراد غلبة الذكي، دقق النظر، وتلطف في الاحتيال. ٨٥٣- وقد ذكر في كتب الحيل ما يشحذ الخواطر، وأتينا بجملة منه في كتاب الأذكياء. مثل ما روي أن رجلًا من الأشراف كان لا يقوم لأحد، ولا يخشى أحدًا؛ فجاز عليه بعض الوزراء [وحيَّا] ، فلم يرد ولم يقم. فقال ذاك الوزير

стр. 431

لرجل: أخبر فلانًا أني قد كلمت أمير المؤمنين في حقه، وقد أمر له بمائة ألف، فليحضر ليقبضها. فأخبره ذلك الرجل، فقال الشريف: إن كان أمر لي بشيءٍ، فلينفذه لي، وإنما مقصوده أن يضع مني بالتردد عليه. ٨٥٤-فمتى وقع الإنسان مع ذكي، فينبغي أن يتحرر منه، ويسرق أغراضه بصنوف الاحتيال، وينظر فيما يجوز وقوعه، ليحترز منه، كما ينظر صاحب الرقعة التنقلات١. ٨٥٥- وكثير من الأذكياء لم يقدروا على أغراضهم من ذكي، فأعطوه، وبالغوا في إكرامه ليصيدوه، فإن كان قليل الفطنة، وقع في الشرك، وإن كان أقوى منهم ذكاء؛ علم أن تحت هذه الجنية خبيئة، فزاده ذلك احترازًا. ٨٥٦- وأقوى ما ينبغي أن يكون الاحتراز من موتور، فإنك إذا أديت شخصًا، فقد غرست في قلبه عداوة، فلا تأمن تفريع تلك الشجرة، ولا تلتفت إلى ما يظهر من ود، وإن حلف، فإن قاربته، فكن منه على حذر. ٨٥٧- ومن التغفل أن تعاقب شخصًا، أو تسيء إليه إساءة عظيمة، وتعلم أن مثل ذلك يجدد الحقد، فتراه ذليلًا لك طائعًا تائبًا مقلعًا عما فعل، فتعود، فتستطيبه، وتنسى ما فعلت، وتظن أنه قد انمحى من قلبه ما أسلفت، فربما عمل لك المحن، ونصب لك المكايد، كما جرى لقصير مع الزباء، وأخباره معروفة٢. ٨٥٨- فإياك أن تساكن من آذيته، بل إن كان ولا بد، فمن خارج، فما نؤمن الأحقاد. ومتى رأيت عدوك فيه غفلة، لا يثنيه مثل هذا، فأحسن إليه؛ فإنه ينسى عداوتك، ولا يظن أنك قد أضمرت له جزاء على قبح فعله، فحينئذ تقدر على بلوغ كل غرض منه. ٨٥٩- ومن الخور٣ إظهار العداوة للعدو، ومن أحسن التدبير التلطف

стр. 432

بالأعداء إلى أن يمكن كسر شوكتهم، ولو لم يمكن ذاك، كان اللطف سببًا في كف أكفهم عن الأذى وفيهم من يستحيي لحسن فعلك، فيتغير قلبه لك. ٨٦٠- وقد كان جماعة من السلف إذا بلغهم أن رجلًا قد شتمهم، أهدوا إليه وأعطوه، فهم بالعاجل يكفون شره، ويحتالون في تقليب قلبه، ويقع بذلك لهم مهلة لتدبير الحيل عليه إن أرادوا. وكفى بالذهن الناظر إلى العواقب والتأمل لكل ممكن مؤدبًا.

стр. 433

٨٦١- فصل: في حفظ السرّ . ٨٦١- رأيت أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم، فإذا ظهر، عاتبوا من أخبروا به. فوا عجبًا! كيف ضاقوا بحبسه ذرعًا، ثم لاموا من أفشاه؟! وفي الحديث: "استعينوا على قضاء أموركم بالكتمان"١. ٨٦٢- ولعمري، إن النفس يصعب عليها كتم الشيء، وترى بإفشائه راحة، خصوصًا إذا كان مرضًا أو همًّا أو عشقًا، وهذه الأشياء في إفشائها قريبة٢؛ إنما اللازم كتمانه احتيال المحتال فيما يريد أن يحصل به غرضًا، فإن من سوء التدبير إفشاء ذلك قبل تمامه، فإنه إذا ظهر، بطل ما يراد أن يفعل، ولا عذر لمن أفشى هذا النوع. وقد كان النبي ﷺ إذا أراد سفرا، ورى بغيره٣. ٨٦٣- فإن قال قائل: إنما أحدث [من أثق به] . قيل له: وكل حديث جاوز الاثنين شائع، وربما لم يكتم صديقك، وكم قد سمعنا من يحدث عن الملوك بالقبض على صاحب٤، فنم٥ الحديث إلى الصاحب، وهرب، ففات السلطان مراده! وإنما الرجل الحازم الذي لا يتعداه سره، ولا يفشيه إلى أحد.

стр. 434

٨٦٤- ومن العجز إفشاء السر إلى الولد والزوجة، والمال من جملة السر، فاطلاعهم عليه: إن كان كثيرًا، فربما تمنوا هلاك المورث١، وإن كان قليلًا، تبرموا بوجوده، وربما طلبوا من الكثير على مقدار كثرته، فأتلفته النفقات. ٨٦٥- وستر المصائب من جملة كتمان السر؛ لأن إظهارها يسر الشامت، ويؤلم المحب. ٨٦٦- وكذلك ينبغي أن يكتم مقدار السن؛ لأنه إن كان كبيرًا، استهرموه، وإن كان صغيرًا، احتقروه. ٨٦٧- ومما قد انهال فيه كثير من المفرطين: أنهم يذكرون بين أصدقائهم أميرًا أو سلطانًا، فيقولون فيه، فيبلغ ذلك إليه، فيكون سبب الهلاك. وربما رأي الرجل من صديقه إخلاصًا وافيًا، فأشاع سره. وقد قيل٢: احذر عدوك مرةً ... واحذر صديقك ألف مره فلربما انقلب الصديـ ... ـق فكان أدرى بالمضره ٨٦٨- ورب مفشٍ سره إلى زوجة أو صديق، فيصير بذلك رهينًا عنده، ولا يتجاسر أن يطلق الزوجة، ولا أن يهجر الصديق، مخافة أن يظهر سره القبيح. فالحازم من عامل الناس بالظاهر، فلا يضيق [صدره بسره] ٣، فإن فارقته امرأة أو صديق أو خادم، لم يقدر أحد منهم أن يقول فيه ما يكره. ٨٦٩- ومن أعظم الأسرار الخلوات، ليحذر الحازم فيها من الانبساط بمرأى من مخلوق، ومن خلق له عقل ثاقب، دله على الصواب قبل الوصايا.

стр. 435

١٨٧- فصل: ما رأيت أصعب على النفس من الحفظ للعلم ! ٨٧٠- ما رأيت أصعب على النفس من الحفظ للعلم والتكرار [له] ، خصوصًا

стр. 436

تكرار ما ليس لها في تكراره وحفظه حظ، مثل مسائل الفقه، بخلاف الشعر والسجع، فإن لها لذة في إعادته، وإن كان يصعب؛ لأنها تلتذ به مرة ومرتين، فإذا زاد التكرار؛ صعب عليها، ولكن دون صعوبة الفقه وغيره من المستحسنات عند الطبع، فتراها تخلد إلى الحديث والشعر والتصانيف والنسخ؛ لأنه يمر بها كل لحظة ما لم تره، فهو في المعنى كالماء الجاري؛ لأنه جزء بعد جزء، وكذا من ينسخ ما يجب أن يسمعه أو يصنف، فإنه يلتذ بالجدة، ويستريح من تعب الإعادة. ٨٧١- إلا أنه ينبغي للعاقل أن يكون جل زمانه للإعادة، خصوصًا الصبي والشاب؛ فإنه يستقر المحفوظ عندهما استقرارًا لا يزول، ويجعل أوقات التعب من الإعادة للنسخ، ويحذر من تفلتها إلى النسخ عند الإعادة، فيقهرها، فإنه يحمد ذلك حمد السري وقت الصباح١. وسيندم من لم يحفظ ندم الكسعي٢ وقت الحاجة إلى النظر والفتوى. ٨٧٢- وفي الحفظ نكتة ينبغي أن تلحظ، وهو أن الفقيه يحفظ الدرس ويعيده، ثم يتركه فينساه، فيحتاج إلى زمان آخر لحفظه، فينبغي أن يحكم الحفظ، ويكثر التكرار، ليثبت قاعدة الحفظ.

стр. 437

١٨٨- فصل: العزلة إنما هي للعَالِم والزاهد ٨٧٣- ما أعرف نفعًا كالعزلة عن الخلق، خصوصًا للعالم والزاهد؛ فإنك لا تكاد ترى إلا شامتًا بنكبةٍ، أو حسودًا على نعمة، أو من يأخذ عليك غلطاتك! فيا للعزلة! ما ألذها! سلمت من كدر غيبة، وآفات تصنع، وأحوال المداجاة١، وتضييع الوقت، ثم خلا فيها القلب بالفكر؛ لأنه مستلذ عنه بالمخالطة، فدبر أمر دنياه وآخرته، فمثله كمثل الحمية، يخلو فيها المعي بالأخلاط فيذيبها.

стр. 438

٨٧٤- وما رأيت مثل ما يصنع المخالط؛ لأنه يرى حالته الحاضرة من لقاء الناس وكلامهم، فيشتغل بها عما بين يديه، فمثله كمثل رجل يريد سفرًا قد أزف١، فجالس أقوامًا، فشغلوه بالحديث، حتى ضرب البوق٢ وما تزود! فلو لم يكن في العزلة إلا التفكير في زاد الرحيل، والسلامة من شر المخالطة، كفى. ٨٧٥- ثم لا عزلة على الحقيقة إلا للعالم والزاهد، فإنهما يعلمان مقصود العزلة، وإن كانا لا في عزلة. أما العالم، فعلمه مؤنسه، وكتبه محدثه، والنظر في سير السلف مقومه، والتفكير في حوادث الزمان السابق فرجته، فإن ترقى بعلمه إلى مقام المعرفة الكاملة للخالق سبحانه، وتشبث بأذيال محبته: تضاعفت لذاته، واشتغل بها عن الأكوان وما فيها، فخلا بحبيبه، وعمل معه بمقتضى علمه. وكذلك الزاهد، تعبده أنيسه، ومعبوده جليسه، فإن كشف لبصره عن المعمول معه، غاب عن الخلق، وغابوا عنه؛ إنما اعتزلا ما يؤذي، فهما في الوحدة بين جماعةٍ. فهذان رجلان قد سلما من شر الخلق، وسلم الخلق من شرورهما؛ بل هما قدوة للمتعبدين، وعلم للسالكين، ينتفع بكلامهما السامع، وتجري موعظتهما المدامع، وتنشر هيبتهما في المجامع؛ فمن أراد أن يتشبه بأحدهما، فليصابر الخلوة، وإن كرهها، ليثمر له الصبر العسل. ٨٧٦- وأعوذ بالله من عالم مخالط للعالم، خصوصًا لأرباب المال والسلاطين، يجتلب ويجتلب٣، [ويختلب] ويختلب٤، فما يحصل له شيء من الدنيا إلا وقد ذهب من دينه أمثاله. ثم أين الأنفة من الذل للفساق؟!

стр. 439

فالذي لا يبالي بذلك هو الذي لا يذوق طعم العلم، ولا يدري ما المراد به، وكأنه به وقد وقع في بادية جزر١، وقفر مهلك في تلك البراري. ٨٧٧- وكذلك المتزهد إذا خالط وخلط؛ فإنه يخرج إلى الرياء والتصنع والنفاق، فيفوته الحظان، لا الدنيا ونعيمها تحصل له، ولا الآخرة، فنسأل الله خلوة حلوة، وعزلة عن الشر لذيذة، يستصلحنا فيها لمناجاته، ويلهم كلا منا طلب نجاته، إنه قريب مجيب.

стр. 440

١٨٩- فصل: الاستعداد للموت ٨٧٨- ما أبله من لا يعلم متى يأتيه الموت، وهو لا يستعد للقائه! وأشد الناس بلهًا وتغفيلًا من قد عبر الستين، وقارب السبعين -فإن ما بينهما هو معترك المنايا، ومن نازل المعترك، استعد- وهو مع ذلك غافل عن الاستعداد. قال الشباب: لعلنا في شيبنَا ... ندع الذنوبَ، فما يَقُوْلُ الأَشْيَبُ؟ والله، إن الضحك من الشيخ ما له معنى، وإن المزاح منه بارد المعنى، وإن تعرضه بالدنيا -وقد دفعته عنها- يضعف القوى، ويضعف الرأي. وهل بقي لابن ستين منزل؟! ٨٧٩- فإن طمع في السبعين؛ فإنما يرتقي إليها بعناء شديد: إن قام، دفع الأرض، وإن مشى، لهث، وإن قعد، تنفس، ويرى شهوات الدنيا، ولا يقدر على تناولها، فإن أكل، كد المعدة، وصعب الهضم، وإن وطئ، آذى المرأة، ووقع دنفًا١، لا يقدر على رد ما ذهب من القوة إلى مدة طويلة، فهو يعيش عيش الأسير. ٨٨٠- فإن طمع في الثمانين، فهو يزحف إليها زحف الصغير. وعشر الثمانين من خاضها ... فإن الملمات فيها فنون

стр. 441

٨٨١- فالعاقل من فهم مقادير الزمان؛ فإنه فيما قبل البلوغ صبي، ليس على عمره عيار١، إلا أن يرزق فطنة، ففي بعض الصبيان فطنة تحثهم من الصغر على اكتساب المكارم والعلوم. فإذا بلغ، فليعلم أنه زمان المجاهدة للهوى، وتعلم العلم، فإذا رزق الأولاد، فهو زمان الكسب للمعاملة، فإذا بلغ الأربعين، انتهى تمامه، وقضى مناسك الأجل، ولم يبق إلا الانحدار إلى الوطن. كأن الفتى يرقى من العمر سلمًا ... إلى أن يجوز الأربعين وينحطُّ فينبغي له عند تمام الأربعين أن يجعل جل همته التزود للآخرة، ويكون كل تلمحه لما بين يديه، ويأخذ في الاستعداد للرحيل، وإن كان الخطاب بهذا لابن عشرين، إلا أن رجاء التدارك في حق الصغير لا في حق الكبير. ٨٨٢- فإذا بلغ الستين؛ فقد أعذر الله إليه في الأجل، وجاز من الزمن٢، فليقبل بكليته على جمع زاده، وتهيئة٣ آلات السفر، وليعتقد أن كل يومٍ يحيا فيه غنيمة٤ ما هي في الحساب، خصوصًا إذا قوي عليه الضعف وزاد، فإنه لا محرك كهو٥. وكلما علت سنه، فينبغي أن يزيد اجتهاده. ٨٨٣- فإذا دخل في عشر الثمانين، ليس إلا الوداع، وما بقي من العمر إلا أسف على تفريط، أو تعبد على ضعف. نسأل الله يقظة تامة، تصرف عنا رقاد الغفلات، وعملًا صالحًا نأمن معه من الندم يوم الانتقال. والله الموفق.

стр. 442

١٩٠- فصل: على العاقل أن يكف عن التطلع إلى ما لا يطيق . ٨٨٤- ما نهى السلف عن الخوض في الكلام إلا لأمر عظيم، وهو أن

стр. 443

الإنسان يريد أن ينظر ما لا يقوى عليه بصره، فربما تحير، فخرج إلى الحجب. لأنا إذا نظرنا في ذات الخالق، حار العقل، وبهت الحس؛ لأنه لا يعرف شيئًا لا بداية له! [و] لا يعلم إلا الجسم والجوهر والعرض، فإثبات ما يخرج عن ذاك لا يفهمه. وإن نظرنا في أفعاله، رأيناه يحكم البناء ثم ينقضه! ولا نطلع على تلك الحكمة، فالأولى للعاقل أن يكف التطلع إلى ما لا يطيق النظر إليه. ومتى قام العقل، فنظر في دليل وجود الخالق بمصنوعاته، وأجاز بعثة نبي، واستدل بمعجزاته، كفاه ذلك أن يتعرض لما قد أغني عنه. وإذا قال: القرآن كلام الله تعالى، بدليل قوته: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ، كفاه. ٨٨٥- وأما من تحذلق فقال: التلاوة هي المتلو أو غير المتلو، والقراءة هي المقروء أو غير المقروء، فيضيع الزمان في غير تحصيل، والمقصود العمل بما فهم. ٨٨٦- وقد حكي أن ملكًا كتب إلى عماله في البلدان: إني قادم عليكم، فاعملوا كذا وكذا! ففعلوا، إلا واحدًا منهم، فإنه قعد يتفكر في الكتاب، فيقول: أترى كتبه بمداد أو بحبر؟! أترى كتبه قائمًا أو قاعدًا؟! فما زال يتفكر حتى قدم الملك، ولم يعمل مما أمره به شيئًا! فأحسن جوائز الكل، وقتل هذا.

стр. 444

١٩١- فصل: لذة العاقل ولذة الجاهل . ٨٨٧ لقد غفل طلاب الدنيا عن اللذة فيها، وما اللذة فيها، [إلا] شرف العلم، وزهرة العفة، وأنفة الحمية، وعز القناعة، وحلاوة الإفضال على الخلق. ٨٨٨- فأما الالتذاذ بالمطعم والمنكح، فشغل جاهل باللذة؛ لأن ذاك لا يراد لنسفه، بل لإقامة العوض في البدن والولد. وأي لذة في النكاح، وهي قبل المباشرة لا تحصل، وفي حال المباشرة قلق لا يثبت، وعند انقضائها كأن لم تكن، ثم تثمر الضعف في البدن؟!

стр. 445

وأي لذةٍ في جمع المال فضلًا عن الحاجة؛ فإنه مستعبد للخازن، يبيت حذرًا عليه، ويدعوه قليله إلى كثيره! وأي لذة في المطعم، وعند الجوع يستوي خشنه وحسنه، فإذا ازاداد الأكل، خاطر بنفسه؟! ٨٨٩- قال علي بن أبي طالب ﵁: بنيت الفتنة على ثلاث: النساء، وهن فخ إبليس المنصوب، والشراب، وهو سيفه المرهف، والدينار والدرهم، وهما سهماه المسمومان. فمن مال إلى النساء، لم يصف له عيش، ومن أحب الشراب، لم يمتع بعقله، ومن أحب الدينار والدرهم، كان عبدًا لهما ما عاش.

стр. 446

١٩٢- فصل: أصل كل محنة قياس صفات الخالق على صفات المخلوقين ٨٩٠- أصل كل محنة في العقائد قياس أمر الخالق على أحوال الخلق؛ فإن الفلاسفة لما رأوا إيجاد شيء لا من شيء، كالمستحيل في العادات، قالوا بقدم العالم! ولما عظم عندهم في العادة الإحاطة بكل شيء، قالوا: إنه يعلم الجمل لا التفاصيل! ولما رأوا تلف الأبدان بالبلاء، أنكروا إعادتها، وقالوا: الإعادة رجوع الأرواح إلى معادنها! ٨٩١- وكل من قاس صفة الخالق على صفات المخلوقين، خرج إلى الكفر، فإن المجسمة دخلوا في ذلك؛ لأنهم حملوا أوصافه على ما يعقلون. وكذلك تدبيره ، فإن من حمله على ما يعقل في العادات، رأى ذبح الحيوان لا يستحسن، والأمراض تستقبح، وقسمة الغني للأبله، والفقر لجلد العاقل أمرًا ينافي الحكمة. ٨٩٢- وهذا في الأوضاع بين الخلق، فأما الخالق سبحانه، فإن العقل لا ينتهي إلى حكمته. بلى، قد ثبت عنده وجوده، وملكه، وحكمته، فتعرضه بالتفاصيل على ما تجري به عادات الخلق جهل.

стр. 447

ألا ترى إلى أول المعترضين -وهو إبليس- كيف ناظر فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] ؟! وقول خليفته - وهو أبو العلاء المعري١: ...................................... ... رأى منك ما لا يشتهي فَتَزَنْدَقَا ونسأل الله توفيقًا للتسليم، وتسليمًا للحكيم، ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] . أترى نقدر على تعليل أفعاله فضلًا عن مطالعة ذاته؟! وكيف نقيس أمره على أحوالنا؟! فإذا رأينا نبينا ﷺ يسأل في أمه٢ وعمه٣، فلا يقبل منه، ويتقلب جائعًا، والدنيا ملك يده، ويقتل أصحابه، والنصر بيد خالقه، أوليس هذا مما يحير؟! فما لنا والاعتراض على مالك قد ثبتت حكمته واستقر ملكه؟!

стр. 448

١٩٣- فصل: كل نفيس يكثر التعب في تحصيله ٨٩٣- تأملت عجبًا، وهو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه، ويكثر التعب في تحصيله. فإن العلم لما كان أشرف الأشياء، لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار، وهجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي الهريسة١ لا أقدر؛ لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس! ونحو هذا تحصيل المال، فإنه يحتاج إلى المخاطرات والأسفار والتعب الكثير. وكذلك نيل الشرف بالكرم والجود، فإنه يفتقر إلى جهاد النفس في بذل

стр. 449

المحبوب، وربما آل إلى الفقر. وكذلك الشجاعة؛ فإنها لا تحصل إلا بالمخاطرة بالنفس. قال الشاعر١: لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قَتَّالُ ٨٩٤- ومن هذا الفن تحصيل الثواب في الآخرة؛ فإنه يزيد على قوة الاجتهاد والتعبد، أو على قدر وقع المبذول من المال في النفس، أو على قدر الصبر على فقد المحبوب، ومنع النفس من الجزع. وكذلك الزهد، يحتاج إلى صبر عن الهوى. والعفاف لا يكون إلا بكف كف الشره. ولولا ما عانى يوسف ﵇، ما قيل له: ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف:٤٦] . ٨٩٥- ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها، فهم يبالغون في كل علم، ويجتهدون في كل عمل، ويثابرون على كل فضيلة، فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك، قامت النيات نائبة، وهم لها سابقون. وأكمل أحوالهم إعراضهم عن أعمالهم؛ فهم يحتقرونها مع التمام، ويعتذرون من التقصير. ومنهم من يزيد على هذا، فيتشاغل بالشكر على التوفيق لذلك. ومنهم من لا يرى ما عمل أصلًا؛ لأنه يرى نفسه وعمله لسيده. ٨٩٦- وبالعكس من المذكور من أرباب الاجتهاد حال أهل الكسل والشره والشهوات، فلئن التذوا بعاجل الراحة، لقد أوجبت ما يزيد على كل تعب من الأسف والحسرة. ومن تلمح صبر يوسف ﵇، وعجلة ماعز٢، بان له الفرق، وفهم الريح من الخسران! ولقد تأملت نيل الدر من البحر، فرأيته بعد معاناة الشدائد. ومن تفكر فيما ذكرته مثلًا، بانت له أمثال. ٨٩٧- فالموفق من تلمح قصر الموسم المعمول فيه، وامتداد زمان الجزاء

стр. 450

الذي لا آخر له، فانتهب١ حتى اللحظة، وزاحم كل فضيلة، فإنها إذا فاتت، فلا وجه لاستدراكها، أوليس في الحديث: "يقال للرجل: اقرأ وارق، فمنزلك عند آخر آية تقرؤها"٢؟ فلو أن الفكر عمل في هذا حق العمل، حفظ القرآن عاجلًا.

стр. 451

١٩٤- فصل: المؤمن هو الكامل الإيمان ٨٩٨- ليس المؤمن بالذي يؤدي فرائض العبادات صورة، ويتجنب المحظورات فحسب! إنما المؤمن هو الكامل الإيمان، ولا يختلج في قلبه اعتراض، ولا يساكن [نفسه] فيما يجري وسوسة، وكلما اشتد البلاء عليه، زاد إيمانه، وقوي تسليمه، وقد يدعو، فلا يرى للإجابة أثرًا، وسره لا يتغير؛ لأنه يعلم أنه مملوك، وله مالك يتصرف بمقتضى إرادته. فإن اختلج في قلبه اعتراض، خرج من مقام العبودية إلى مقام المناظرة، كما جرى لإبليس. ٨٩٩- والإيمان القوي يبين أثره عند قوة البلاء؛ فأما إذا رأينا مثل يحيى بن زكريا، تسلط عليه فاجر، فيأمر بذبحه، فيذبح! وربما اختلج في الطبع أن يقول: فَهَلَّا رد عنه من جعله نبيًا؟! وكذلك كل تسلط من الكفار على الأنبياء والمؤمنين، وما وقع رد عنهم! فإن هجس بالفكر أن القدرة تعجز عن الرد عنهم، كان ذلك كفرًا. وإن علم أن القدرة متمكنة من الرد، وما ردت، ويجوع المؤمنين، ويشبع الكفار، ويعافي العصاة، ويمرض المتقين، لم يبق إلا التسليم للمالك، وإن أمض١ وأرمض٢. ٩٠٠- وقد ذهب يوسف بن يعقوب ﵇، فبكى يعقوب ثمانين سنة، ثم لم ييأس، فلما ذهب ابنه الآخر، قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣] .

стр. 452

وقد دعا موسى ﵇ على فرعون، فأجيب بعد أربعين سنة، وكان يذبح الأنبياء، ولا ترده القدرة القديمة العظيمة، وصلب السحرة، وقطع أيديهم. ٩٠١- وكم من بلية نزلت بمعظم القدر، فما زاده ذلك إلا تسليمًا ورضًا! فهناك يبين معنى قوله: ﴿﵃﴾ [البينة:٨] ، وها هنا يظهر قدر قوة الإيمان لا في ركعات. قال الحسن البصري: استوى الناس في العافية، فإذا نزل البلاء، تباينوا.

стр. 453

١٩٥- فصل: أضر ما على العوام المتكلّمون ٩٠٢- أضر ما على العوام المتكلمون، فإنهم يخلطون عقائدهم بما يسمعونه منهم. من أقبح الأشياء أن يحضر العامي -الذي لا يعرف أركان الصلاة، ولا الربا في البيع- مجلس الوعظ، فلا ينهاه عن التواني في الصلاة، ولا يعلمه الخلاص من الربا، بل يقول له: القرآن قائم بالذات! والذي عندنا مخلوق!! فيهون القرآن عند ذلك العامي، فيحلف به على الكذب. ٩٠٣- ويح المتكلم! لو كان له فهم، لعلم أن الله نصب أعلامًا١ تأنس بها النفوس، وتطمئن إليها، كالكعبة وسماها بيته، والعرش وذكر استواءه عليه، وذكر عن صفاته اليد، والسمع، والبصر، والعين، وينزل إلى السماء الدنيا، ويضحك، وكل هذا لتأنس النفوس بالعادات، وقد جل عما تضمنته هذه الصفات من الجوارح. وكذلك عظم أمر القرآن، ونهى المحدث أن يمس المصحف، قال الأمر بقوم من المتكلمين إلى أن أجازوا الاستنجاء به!! فهؤلاء على معاندة الشريعة؛ لأنهم يهينون ما عظم الشرع. وهل الإيغال٢ في الكلام مما يقرب إلى معرفة الحقائق، التي لا يمكن خلافها؟! هيهات! لو كان كذلك، ما وقع بين المتكلمين خلاف.

стр. 454

٩٠٤- أوليس السرب الأول ما تكلموا في شيء من هذا، وإن كانوا تعرضوا ببعض الأصول؟! ثم جاء فقهاء الأمصار، فنهوا عن الخوض في الكلام، لعلمهم ما يجلب وما يجتنب! ومن لم يقنع بعقيدةٍ مثل "عقيدة" الصحابة، ولا بطريق مثل طريق أحمد والشافعي في ترك الخوض، فلا كان من كان. ٩٠٥- ثم بالله تأملوا، أليس قد وجب علينا هجر الربا بقوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ [ال عمران: ١٣٠] ، وهجر الزنا بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء ٣٢] ؟! فأي فائدة لنا في ذكر قراءة ومقروء، وتلاوة ومتلو، وقديم ومحدث؟! فإن قيل: فلا بد من اعتقاده. قلنا: طريق السلف أوضح محجة؛ لأنا لا نقوله تقليدًا؛ بل بالدليل، ولكنا لم نستفده عن جوهر وعرض، وجزء لا يتجزأ، بل بأدلة النقل مع مساعدة العقل، من غير بحث عما لا يحتاج إليه. وليس هذا مكان الشرح.

стр. 455

الأجساد إلى البلى والأوراح إلى راحة ... ١٩٦- فصل: الأجساد إلى البلى والأرواح إلى راحة ٩٠٦- ما زلت على عادة الخلق في الحزن على من يموت من الأهل والأولاد، ولا أتخايل إلا بلى١ الأبدان في القبور، فأحزن لذلك. فمرت بي أحاديث قد كانت تمر بي، ولا أتفكر فيها، منها قول النبي ﷺ : "إنما نفس المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة، حتى يرده الله إلى جسده يوم يبعثه". فرأيت أن الرحيل إلى الراحة، وأن هذا البدن ليس بشيء؛ لأنه مركب تفكك وفسد، وسيبنى جديدًا يوم البعث، فلا ينبغي أن يتفكر في بلاه، ولتسكن النفس إلى أن الأرواح انتقلت إلى راحة، فلا يبقى كبير حزن، وأن اللقاء للأحباب عن قرب. وإنما يبقى الأسف لتعلق الخلق بالصور، فلا يرى الإنسان إلا جسدًا مستحسنًا قد نقض، فيحزن لنقضه.

стр. 456

٩٠٧- والجسد ليس هو الآدمي؛ وإنما هو مركبه، فالأرواح لا ينالها البلى، والأبدان ليست بشيء. واعتبر هذا بما إذا قلعت ضرسك، ورميته في حفرة، فهل عندك خبر مما يلقى في مدة حياتك؟! فحكم الأبدان حكم ذلك الضرس، لا تدري النفس ما يلقى. ولا ينبغي أن تغتم بتمزيق جسد المحبوب وبلاه، واذكر تنعم الأرواح وقرب التجديد، وعاجل اللقاء؛ فإن الفكر في تحقيق هذا يهون الحزن، ويسهل الأمر.

стр. 457

١٩٧- فصل: حفظ اللسان ٩٠٨- ينبغي للعاقل ألا يتكلم في الخلوة عن أحد بشيء، حتى يمثل ذلك الشيء ظاهرًا معلنًا به، ثم ينظر فيما يجني! فرب رجل وثق بصديق، فتكلم أمامه عن سلطان بأمر، فبلغه، فأهلكه. أو عن صديق، فبلغه، فوقعت الواقعة. ٩٠٩- وكذلك ينبغي كتم المذاهب، فإنه ما يربح مظهرها إلا المعاداة. ولما صرح الشريف أبو جعفر١ في زمان المقتدي٢ بمخالفة الأشاعرة٣، أخذ، وحبس حتى مات، وكان المقصود قطع الفتن، وإصلاح الرعية، فإنه أهم إلى السلطان من التعصب لمذهب.

стр. 458

١٩٨- فصل: حكمة الله أوفى من كل حكيم ٩١٠- رأيت كثيرًا من المغفلين يظهر عليهم السخط بالأقدار، وفيهم من قل إيمانه، فأخذ يعترض! وفيهم من خرج إلى الكفر، ورأى أن ما يجري كالعبث، وقال: ما فائدة الإعدام بعد الإيجاد، والابتلاء ممن هو غني عن أذانا؟! فقلت لبعض من كان يرمز إلى هذا: إن حضر عقلك وقلبك، حدثتك، وإن كنت تتكلم بمجرد واقعك، من غير نظر وإنصاف، فالحديث معك ضائع. ويحك! أحضر عقلك! واسمع ما أقول: أليس قد ثبت أن الحق سبحانه مالك، وللمالك أن يتصرف كيف يشاء؟! أليس قد ثبت أنه حكيم، والحكيم لا يعبث؟! وأنا أعلم أن في نفسك من هذه الكلمة شيئًا، فإنه قد سمعنا عن جالينوس١ أنه قال: ما أدري، أحكيم هو أم لا؟! والسبب في قوله هذا؟ أنه رأى نقضًا بعد إحكام، فقاس الحال على أحوال الخلق، وهو أن من بنى ثم نقض لا لمعنى؛ فليس بحكيم. وجوابه -لو كان حاضرًا- أن يقال: بماذا بان لك أن النقض ليس بحكمة؟ أليس بعقلك الذي وهبه الصانع لك؟ وكيف يهب لك الذهن الكامل، ويفوته هو الكمال؟! ٩١١- وهذه هي المحنة التي جرت لإبليس، فإنه أخذ يعيب الحكمة بعقله، فلو تفكر، علم أن واهب العقل أعلى من العقل، وأن حكمته أو فى من كل حكيم؛ لأنه بحكمته التامة أنشأ العقول. فهذا إذا تأمله المنصف، زال عنه الشك، وقد أشار سبحانه إلى نحو هذا في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ، أي: أجعل لنفسه الناقصات، وأعطاكم الكاملين؟! فلم يبق إلا أن نضيف العجز عن فهم ما يجري إلى نفسنا، ونقول: هذا فعل عالم حكيم، ولكن ما يبين لنا معناه. ٩١٢- وليس هذا بعجب، فإن موسى ﵇ خفي عليه وجه الحكمة في نقض

стр. 459

السفينة الصحيحة، وقتل الغلام الجميل، فلما بين له الخضر وجه الحكمة، أذعن. فلنكن مع الخالق كموسى مع الخضر. ٩١٣- أولسنا نرى المائدة المستحسنة بما عليها من فنون الطعام النظيف الظريف يقطع ويمضغ، "ويصير إلى ما نعلم"، ولسنا نملك ترك تلك الأفعال، ولا تنكر الإفساد له، لعلمنا بالمصلحة الباطنة فيه. فما المانع أن يكون فعل الحق سبحانه له باطن لا نعلمه؟! ٩١٤- ومن أجهل الجهال العبد المملوك إذا طلب أن يطلع على سر مولاه، فإن فرضه التسليم لا الاعتراض. ولو لم يكن في الابتلاء بما تنكره الطباع إلا أن يقصد إذعان العقل وتسليمه، لكفى. ٩١٥- ولقد تأملت حالة عجيبة، يجوز أن يكون المقصود بالموت هي، وذلك أن الخالق سبحانه في غيب لا يدركه الإحساس، فلو أنه لم ينقض هذه البينة، لتخايل للإنسان أنه صنع لا بصانع، فإذا وقع الموت، عرفت النفس نفسها، التي كانت لا تعرفها، لكونها في الجسد، وتدرك عجائب الأور بعد رحيلها، فإذا ردت إلى البدن، عرفت ضرورة أنها مخلوقة لمن أعادها، وتذكرت حالها في الدنيا -فإن الأفكار تعاد كما تعاد الأبدان-، فيقول قائلهم: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ، ومتى رأت ما قد وعدت به من أمور الآخرة، أيقنت يقينًا لا شك معه -ولا يحصل هذا بإعادة ميت سواها؛ وإنما يحصل برؤية هذا الأمر فيها-، فتبنى بنية تقبل البقاء، وتسكن جنة لا ينقضي دوامها، فيصلح بذلك اليقين أن تجاور الحق؛ لأنها آمنت بما وعد، وصبرت بما ابتلى، وسلمت لأقداره، فلم تعترض، ورأت في غيرها العبر، ثم في نفسها، فهذه هي التي يقال لها: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر] . ٩١٦- فأما الشاك والكافر، فيحق لهما الدخول إلى النار، واللبث فيها؛ لأنهما رأيا الأدلة، ولم يستفيدَا، ونازعا الحكيم، واعترضا عليه، فعاد شؤم كفرهما يطمس قلوبهما، فبقيت على ما كانت عليه، فلما لم تنتفع بالدليل في الدنيا، لم

стр. 460

تنتفع بالموت والإعادة، ودليل بقاء الخبث في القلوب قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] . فنسأل الله عقلًا مسلمًا، يقف على حده، ولا يعترض على خالقه وموجده، ثم الويل للمعترض! أيرد اعتراضه الأقدار؟! فما يستفيد إلا الخزي! نعوذ بالله ممن خذل.
следующие страницы →