← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٩٠٧- والجسد ليس هو الآدمي؛ وإنما هو مركبه، فالأرواح لا ينالها البلى، والأبدان ليست بشيء. واعتبر هذا بما إذا قلعت ضرسك، ورميته في حفرة، فهل عندك خبر مما يلقى في مدة حياتك؟! فحكم الأبدان حكم ذلك الضرس، لا تدري النفس ما يلقى. ولا ينبغي أن تغتم بتمزيق جسد المحبوب وبلاه، واذكر تنعم الأرواح وقرب التجديد، وعاجل اللقاء؛ فإن الفكر في تحقيق هذا يهون الحزن، ويسهل الأمر.

стр. 457

١٩٧- فصل: حفظ اللسان ٩٠٨- ينبغي للعاقل ألا يتكلم في الخلوة عن أحد بشيء، حتى يمثل ذلك الشيء ظاهرًا معلنًا به، ثم ينظر فيما يجني! فرب رجل وثق بصديق، فتكلم أمامه عن سلطان بأمر، فبلغه، فأهلكه. أو عن صديق، فبلغه، فوقعت الواقعة. ٩٠٩- وكذلك ينبغي كتم المذاهب، فإنه ما يربح مظهرها إلا المعاداة. ولما صرح الشريف أبو جعفر١ في زمان المقتدي٢ بمخالفة الأشاعرة٣، أخذ، وحبس حتى مات، وكان المقصود قطع الفتن، وإصلاح الرعية، فإنه أهم إلى السلطان من التعصب لمذهب.

стр. 458

١٩٨- فصل: حكمة الله أوفى من كل حكيم ٩١٠- رأيت كثيرًا من المغفلين يظهر عليهم السخط بالأقدار، وفيهم من قل إيمانه، فأخذ يعترض! وفيهم من خرج إلى الكفر، ورأى أن ما يجري كالعبث، وقال: ما فائدة الإعدام بعد الإيجاد، والابتلاء ممن هو غني عن أذانا؟! فقلت لبعض من كان يرمز إلى هذا: إن حضر عقلك وقلبك، حدثتك، وإن كنت تتكلم بمجرد واقعك، من غير نظر وإنصاف، فالحديث معك ضائع. ويحك! أحضر عقلك! واسمع ما أقول: أليس قد ثبت أن الحق سبحانه مالك، وللمالك أن يتصرف كيف يشاء؟! أليس قد ثبت أنه حكيم، والحكيم لا يعبث؟! وأنا أعلم أن في نفسك من هذه الكلمة شيئًا، فإنه قد سمعنا عن جالينوس١ أنه قال: ما أدري، أحكيم هو أم لا؟! والسبب في قوله هذا؟ أنه رأى نقضًا بعد إحكام، فقاس الحال على أحوال الخلق، وهو أن من بنى ثم نقض لا لمعنى؛ فليس بحكيم. وجوابه -لو كان حاضرًا- أن يقال: بماذا بان لك أن النقض ليس بحكمة؟ أليس بعقلك الذي وهبه الصانع لك؟ وكيف يهب لك الذهن الكامل، ويفوته هو الكمال؟! ٩١١- وهذه هي المحنة التي جرت لإبليس، فإنه أخذ يعيب الحكمة بعقله، فلو تفكر، علم أن واهب العقل أعلى من العقل، وأن حكمته أو فى من كل حكيم؛ لأنه بحكمته التامة أنشأ العقول. فهذا إذا تأمله المنصف، زال عنه الشك، وقد أشار سبحانه إلى نحو هذا في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ، أي: أجعل لنفسه الناقصات، وأعطاكم الكاملين؟! فلم يبق إلا أن نضيف العجز عن فهم ما يجري إلى نفسنا، ونقول: هذا فعل عالم حكيم، ولكن ما يبين لنا معناه. ٩١٢- وليس هذا بعجب، فإن موسى ﵇ خفي عليه وجه الحكمة في نقض

стр. 459

السفينة الصحيحة، وقتل الغلام الجميل، فلما بين له الخضر وجه الحكمة، أذعن. فلنكن مع الخالق كموسى مع الخضر. ٩١٣- أولسنا نرى المائدة المستحسنة بما عليها من فنون الطعام النظيف الظريف يقطع ويمضغ، "ويصير إلى ما نعلم"، ولسنا نملك ترك تلك الأفعال، ولا تنكر الإفساد له، لعلمنا بالمصلحة الباطنة فيه. فما المانع أن يكون فعل الحق سبحانه له باطن لا نعلمه؟! ٩١٤- ومن أجهل الجهال العبد المملوك إذا طلب أن يطلع على سر مولاه، فإن فرضه التسليم لا الاعتراض. ولو لم يكن في الابتلاء بما تنكره الطباع إلا أن يقصد إذعان العقل وتسليمه، لكفى. ٩١٥- ولقد تأملت حالة عجيبة، يجوز أن يكون المقصود بالموت هي، وذلك أن الخالق سبحانه في غيب لا يدركه الإحساس، فلو أنه لم ينقض هذه البينة، لتخايل للإنسان أنه صنع لا بصانع، فإذا وقع الموت، عرفت النفس نفسها، التي كانت لا تعرفها، لكونها في الجسد، وتدرك عجائب الأور بعد رحيلها، فإذا ردت إلى البدن، عرفت ضرورة أنها مخلوقة لمن أعادها، وتذكرت حالها في الدنيا -فإن الأفكار تعاد كما تعاد الأبدان-، فيقول قائلهم: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ، ومتى رأت ما قد وعدت به من أمور الآخرة، أيقنت يقينًا لا شك معه -ولا يحصل هذا بإعادة ميت سواها؛ وإنما يحصل برؤية هذا الأمر فيها-، فتبنى بنية تقبل البقاء، وتسكن جنة لا ينقضي دوامها، فيصلح بذلك اليقين أن تجاور الحق؛ لأنها آمنت بما وعد، وصبرت بما ابتلى، وسلمت لأقداره، فلم تعترض، ورأت في غيرها العبر، ثم في نفسها، فهذه هي التي يقال لها: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر] . ٩١٦- فأما الشاك والكافر، فيحق لهما الدخول إلى النار، واللبث فيها؛ لأنهما رأيا الأدلة، ولم يستفيدَا، ونازعا الحكيم، واعترضا عليه، فعاد شؤم كفرهما يطمس قلوبهما، فبقيت على ما كانت عليه، فلما لم تنتفع بالدليل في الدنيا، لم

стр. 460

تنتفع بالموت والإعادة، ودليل بقاء الخبث في القلوب قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] . فنسأل الله عقلًا مسلمًا، يقف على حده، ولا يعترض على خالقه وموجده، ثم الويل للمعترض! أيرد اعتراضه الأقدار؟! فما يستفيد إلا الخزي! نعوذ بالله ممن خذل.

стр. 461

١٩٩- فصل: على المؤمن التصبّر مهما أمكن ٩١٧- لا ينبغي للمؤمن أن ينزعج من مرض أو نزول موت، وإن كان الطبع لا يملك، إلا أنه ينبغي له التصبر مهما أمكن: ما لطلب الأجر بما يعاني، أو لبيان أثر الرضا بالقضاء، وما هي إلا لحظات ثم تنقضي. ٩١٨- وليتفكر المعافى من المرض في الساعات التي كان يقلق فيها: أين هي في زمان العافية؟! ذهب البلاء، وحصل الثواب، كما تذهب حلاوة اللذات المحرمة، ويبقى الوزر، ويمضي زمان التسخط بالأقدار، ويبقى العتاب. وهل الموت إلا آلام تزيد، فتعجز النفس عن حملها، فتذهب؟! فليتصور المريض وجود الراحة بعد رحيل النفس، وقد هان ما يلقى، كما يتصور العافية بعد شرب الشربة المرة. ٩١٩- ولا ينبغي أن يقع جزع بذكر البلى، فإن ذلك شأن المركب١، أما الراكب٢، ففي الجنة أو النار، وإنما ينبغي أن يقع الاهتمام الكلي بما يزيد في درجات الفضائل، قبل نزول المعوق عنها، فالسعيد من وفق لاغتنام العافية، ثم يختار تحصيل الأفضل فالأفضل في زمن الاغتنام. ٩٢٠- وليعلم أن زيادة المنازل في الجنة على قدر التزيد من الفضائل هاهنا، والعمر قصير، والفضائل كثيرة، فليبالغ في البدار، فيا طول راحة التعب! ويا فرحة المغموم! ويا سرور المحزون! ومتى تخايل دوام اللذة في الجنة من غير منغص ولا قاطع، هان عليه كل بلاء وشدة.

стр. 462

٢٠٠- فصل: الغفلة المحمودة والغفلة المذمومة . ٩٢١- حضرنا يومًا جنازة شاب مات أحسن ما كانت الدنيا له، فرأيت من ذم الناس للدنيا، وعيب من سكن إليها، والتقبيح للغافلين عن الاستعداد لهذا المصرع أمرًا كبيرًا من الحاضرين، فقلت: نعم ما قلتم، ولكن اسمعوا مني ما لم تسمعوه: أعجب الأشياء أن العاقل إذا علم قرب هذا المصرع منه، أوجب عليه عقله البدار بالعمل، والقلق من الخوف. وقد اشتد ذلك بأقوام، فهاموا في البراري، وطووا الأيام بالمجاعة، وداموا على سهر الليل، ولازموا المقابر، فهلكوا سريعًا، ولعمري، إن ما خافوه يستحق أكثر من هذا الفعل. ولكن نرى العقل الذي أوجب هذا القلق، قد أمر بما يوجب السكون، فقال: إنما خلق هذا البدن ليحمل النفس، كما تحمل الناقة الراكب، ولا بد من التلطف بالناقة، ليحصل المقصود من السير. ولا يحسن في العقل دوام السهر، وطول القلق؛ لأنه يؤثر في البدن، فيفوت أكثر المقصود. كيف وقد خلق بدن الآدمي خلقًا لطيفًا، فإذا هجر الدسم، نشف الدماغ، وإذا دام على السهر، قوي اليبس، وإذا لازم الحزن، مرض القلب؟! فلا بد من التلطف بالبدن، بتناول ما يصلحه، وبالقلب، بما يدفع الحزن المؤذي له؛ وإلا فمتى دام المؤذي، عجل التلف. ثم يأتي الشرع بما قد قاله العقل: فيقول: "إن لنفسك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، فصم وأفطر، وقم ونم". ويقول: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يفوت". ويحث على النكاح١. ٩٢٢- ودوام القلق واليبس يترك الزوجة كالأرملة، والولد كاليتيم، ولا وجه للتشاغل بالعلم مع هذا القلق. ومن أراد مصداق ما قلته، فيلتأمل حالة الرسول ﷺ ، فإنه كان يعدل ما عنده من الخوف فيمازح، ويسابق عائشة، ويكثر من التزوج، وكان

стр. 463

يتلطف ببدنه، فيختار الماء البائت١، ويحب الحلوى واللحم. ٩٢٣- ولولا مساكنة نوع غفلة، لما صنف العلماء، ولا حفظ العلم، ولا كتب الحديث؛ لأن من يقول: ربما مت اليوم، كيف يكتب؟ وكيف يسمع ويصنف؟! فلا يهولنكم ما ترون من غفلة الناس عن الموت، وعدم ذكره حق ذكره؛ فإنها نعمة من الله سبحانه، بها تقوم الدنيا ويصلح الدين. ٩٢٤- وإنما تذم قوة الغفلة الموجبة للتفريط، وإهمال المحاسبة للنفس، وتضييع الزمان في غير التزود، وربما قويت فحملت على المعاصي. فأما إذا كانت بقدر، كانت كالملح في الطعام، لا بد منه، فإن كثر؛ صار الطعام زعاقًا٢. فالغفلة تمدح إذا كانت بقدر كما بينا، ومتى زادت، وقع الذم. فافهم ما قلته، ولا تقل: فلان شديد اليقظة ما ينال الليل، وفلان غافل ينام أكثر الليل، فإن غفلة توجب مصلحة البدن والقلب لا تذم والسلام.

стр. 464

٢٠١- فصل: من راءى الخلق عبدهم وهو لا يعلم ٩٢٥- ما يكاد يحب الاجتماع بالناس إلا فارغ؛ لأن المشغول القلب بالحق يفر من الخلق، ومتى تمكن فراغ القلب من معرفة الحق، امتلأ بالخلق، فصار يعمل لهم، ومن أجلهم، ويهلك بالرياء، ولا يعلم. ٩٢٦- وإني لأتامل بعض٣ من يتزيا بالفقر والتصوف، وهو يلبس ثيابًا لا تساوي دينارًا، وعنده المال الكثير، وقد أمرح٤ نفسه في المطاعم الشهية، وهو عامل بمقتضى الكبر والتصدر، فيتقرب إلى أرباب الدنيا، ويستزري أرباب العلم، ويزور أولئك دونهم؛ وإنما يرد ما يعطى ليشيع له اسم زاهدٍ، فتراه يربي الناموس، وهو في احتياله كثعلب، وفي نهوضه إلى أغراضه في الباطن كلب شري. فأقول:

стр. 465

سبحان الله! ما يزهد إلا الثياب! أترى ما سمع قول النبي ﷺ : "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"١؟! ٩٢٧- وأعوذ بالله من رؤية النفس ورؤية الخلق: فإن من رأى نفسه، تكبر، والمتكبر أحمق؛ لأنه ما من شيء يتكبر به إلا ولغيره أكثر منه. ومن راءى الخلق، عبدهم وهو لا يعلم! ٩٢٨- فأما العامل لله سبحانة وتعالى، فهو بعيد من الخلق؛ فإن تقربوا إليه، ستر حاله بما يوجب بعدهم عنه. ٩٢٩- وقد رأينا من يرائي ولا يدري، فيمتنع من المشي في السوق، ومن زيارة الإخوان، ومن أن يشتري شيئًا بنفسه! وتوهمه نفسه أني أكره مخالطة السوقة!! وإنما هذا يربي جاهًا بين العلماء، إذ لو خالطهم، لامتُحِي جاهه، وبطل تقبيل يده! ٩٣٠- وقد كان بشر الحافي يجلس في مجلس عند العطار، وأبلغ من هذا كله أن نبينا ﷺ كان يشتري حاجته ويحملها. وخرج علي بن أبي طالب ﵁، وهو أمير المؤمنين إلى السوق، فاشترى ثوبًا. ٩٣١- وقد كان طلحة بن مصرف قارئ أهل الكوفة؛ فلما كثر الناس عليه، مشى إلى الأعمش٢، فقرأ عليه، فمال الناس إلى الأعمش، وتركوا طلحة٣. هذا والله الكبريت الأحمر ٤ والإكسير٥، لا ما يظن إكسيرًا في الكيمياء. والمعاملة مع الله تعالى هكذا تكون.

стр. 466

٩٣٢- فأما ضد هذه الحال، فحالة عابد لخلق ملبس. وقد عم هذا جمهور الخلق، حاشا السلف. أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب

стр. 467

٢٠٢- فصل: كل المعاصي قبيحة ٩٣٣- كل المعاصي قبيحة، وبعضها أقبح من بعض: فإن الزنا من أقبح الذنوب، فإنه يفسد الفرش، ويغير الأنساب. وهو بالجارة أقبح: فقد روي في الصحيحين١ من حديث ابن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله! أي ذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". وقد روى البخاري في تاريخه من حديث المقداد بن الأسود عن النبي ﷺ : أنه قال: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر من أن يزني بامرأة جاره؛ ولأن يسرق من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره" ٢. وإنما كان هذا؛ لأنه يضم إلى معصية الله انتهاك حق الجار. ٩٣٤- ومن أقبح الذنوب أن يزني الشيخ، ففي الحديث: "إن الله يبغض الشيخ الزاني" ٣؛ لأن شهوة الطبع قد ماتت، وليس فيها قوة تغلب، فهو يحركها ويبالغ، فكانت معصيته عنادًا. ٩٣٥- ومن المعاصي التي تشبه المعاندة لبس الرجل الحرير والذهب، خصوصًا خاتم الذهب، الذي يتحلى به الشيخ، وإنه من أبرد الأفعال، وأقبح الخطايا. ٩٣٦- ومن هذا الفن الرياء والتخاشع، وإظهار التزهد للخلق؛ فإنه كالعبادة

стр. 468

لهم، مع إهمال جانب الحق ، وكذلك المعاملة بالربا الصريح، خصوصًا من الغني الكثير المال. ٩٣٧- ومن أقبح الأشياء أن يطول المرض بالشيخ الكبير، ولا يتوب من ذنب، ولا يعتذر من زلة، ولا يقضي دينًا، ولا يوصي بإخراج حق عليه! ٩٣٨- ومن قبائح الذنوب أن يتوب السارق أو الظالم ولا يرد المظالم. والمفرط في الزكاة، أو في الصلاة، ولا يقضي. ٩٣٩- ومن أقبحها أن يحنث في يمين طلاقه، ثم يقيم مع المرأة! وقس على ما ذكرته، فالمعاصي كثيرة، وأقبحها لا يخفى، وهذه المستقبحات -فضلًا عن القبائح- تشبه العناد للآمر، فيستحق صاحبها اللعن، ودوام العقوبة. ٩٤٠- وإني لأرى شرب الخمر من ذلك الجنس؛ لأنها ليست مشتهاة لذاتها، ولا لريحها، ولا لطعمها -فيما يذكر-، إنما لذتها -فيما يقال- بعد تجرع مرارتها، فالإقدام على ما لا يدعو إليه الطبع -إلى أن يصل التناول إلى اللذة- معاندة. نسأل الله إيمانًا يحتجز بيننا وبين مخالفته، وتوفيقًا لما يرضيه؛ فإنما نحن به وله.

стр. 469

٢٠٣- فصل: التحذير من الإعجاب بالنفس ٩٤١- اعتبرت على أكثر العلماء والزهاد أنهم يبطنون الكبر، فهذا ينظر في موضعه، وارتفاع غيره عليه، وهذا لا يعود مريضًا فقيرًا، يرى نفسه خيرًا منه. حتى إني رأيت جماعة يومأ١ إليهم: منهم من يقول: لا أدفن إلا في دكة أحمد بن حنبل٢! ويعلم أن في ذلك كسر عظام الموتى، ثم يرى نفسه أهلًا لذلك التصدر. ومنهم من يقول: ادفنوني إلى جانب مسجدي! ظنًّا منه أنه يصير بعد موته مزارًا، كمعروف الكرخي. وهذه خلة مهلكة! ولا يعلمون!! قال النبي ﷺ : "من ظن أنه خير من غيره،

стр. 470

فقد تكبره" ١. وقل من رأيت إلا وهو يرى نفسه٢! ٩٤٢- والعجب كل العجب ممن يرى نفسه! أتراه بماذا رآها؟! إن كان بالعلم؛ فقد سبقه العلماء، وإن كان بالتعبد، فقد سبقه العباد، أو بالمال، فإن المال لا يوجب بنفسه فضيلة دينية. فإن قال: قد عرفت ما لم يعرف غيري من العلم في زمني، فما علي ممن تقدم؟ قيل له: ما نأمرك يا حافظ القرآن أن ترى نفسك في الحفظ كمن يحفظ النصف، ولا يا فقيه أن ترى نفسك في العلم كالعامي؛ إنما نحذر عليك أن ترى نفسك خيرًا من ذلك الشخص المؤمن، وإن قل علمه، فإن الخيرية بالمعاني لا بصورة العلم والعبادة. ٩٤٣- ومن تلمح خصال نفسه وذنوبها؛ علم أنه على يقين من الذنوب والتقصير، وهو من حال غيره على وشك، فالذي يحذر منه الإعجاب بالنفس، ورؤية التقدم في أحوال الآخرة. ٩٤٤- والمؤمن لا يزال يحتقر٣ نفسه. وقد قيل لعمر بن عبد العزيز ﵁: إن مت، ندفنك في حجرة رسول الله ﷺ ؟ فقال: لأن ألقى الله بكل ذنب غير الشرك أحب إلى من أن أرى نفسي أهلًا لذلك. ٩٤٥- وقد روينا: أن رجلًا من الرهبان رأى في المنام قائلًا يقول له: فلان الإسكافي خير منك! فنزل من صومعته، فجاء إليه، فسأله عن عمله، فلم يذكر كبير عمل! فقيل له في المنام: عد إليه، وقل له: مم صفرة وجهك؟ فعاد، فسأله؟ فقال: ما رأيت مسلمًا إلا وظننته خيرًا مني. فقيل له: فبذاك ارتفع.

стр. 471

٢٠٤- فصل: الغضبان كالسكران لا يُؤاخذ بما يقول . ٩٤٦- متى رأيت صاحبك قد غضب، وأخذ يتكلم بما لا يصلح، فلا ينبغي

стр. 472

أن تعقد على ما يقوله خنصرًا١، ولا أن تؤاخذه به، فإن حاله حال السكران، لا يدري ما يجري. بل اصبر لفورته، ولا تعول عليها؛ فإن الشيطان قد غلبه، والطبع قد هاج، والعقل قد استتر٢. ٩٤٧- ومتى أخذت في نفسك عليه، أو أجبته بمقتضى فعله، كنت كعاقل واجه مجنونًا، أو كمفيق عاتب مغمى عليه، فالذنب لك. بل انظر بعين الرحمة، وتلمح تصريف القدر له، وتفرج في لعب الطبع به، واعلم أنه إذا انتبه، ندم على ما جرى، وعرف لك فضل الصبر. وأقل الأقسام أن تسلمه فيما يفعل في غضبه إلى ما يستريح به. ٩٤٨- وهذه الحالة ينبغي أن يتلمحها الولد عند غضب الوالد، والزوجة عند غضب الزوج، فتتركه يشتفي بما يقول، ولا تعول على ذلك، فسيعود نادمًا معتذرًا. ومتى قوبل على حالته ومقالته؛ صارت العداوة متمكنة، وجازى في الإفاقة على ما فعل في حقه وقت السكر. ٩٤٩- وأكثر الناس على غير هذه الطريق: متى رأوا غضبان، قابلوه بما يقول ويعمل، وهذا على غير مقتضى الحكمة، بل الحكمة ما ذكرته، ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] .

стр. 473

٢٠٥- فصل: لا ينبغي أن تعادي أحدًا . ٩٥٠- ليس في الدنيا أبله ممن يسيء إلى شخصٍ، ويعلم أنه قد بلغ إلى قلبه بالأذى، ثم يصطلحان في الظاهر، فيعلم أن ذلك الأثر محي بالصلح! وخصوصًا الملوك، فإن لذتهم الكبرى ألا يرفتع عليهم أحد، ولا ينكسر لهم غرض، فإذا جرى شيء من ذلك، لم ينجبر.

стр. 474

٩٥١- واعتبر هذا بأبي مسلم الخراساني، فإنه غض من قدر المنصور١ قبل ولايته، فحمل ذلك في نفسه، فقتله. ومن نظر في التواريخ، رأى جماعة قد جرى لهم مثل هذا. ٩٥٢- ولا ينبغي لمن أساء إلى ذي سلطان أن يقع في يده، فإنه إذا رام التخلص، لم يقدر، فيبقى ندمه على ترك احترازه، وحسرته على مساكنة الضمان للسلامة أشد عليه من كل ما يلقى به من الهوان والأذى. ٩٥٣- ومن هذا الجنس الأصدقاء المتماثلون؛ فإنك متى آذيت شخصًا، وبلغ إلى قلبه أذاك، فلا تثق بمودته، فإن أذاك نصب عينه، فإن لم يحتل عليك، لم يصف لك. ٩٥٤- ولا تخالط إلا من أنعمت عليه فحسب، فهو لم ير منك إلا خيرًا، فيكون في نفسه. وكذلك الولد والزوجة والمعاملون. ٩٥٥- ويلحق بهذا أن أقول: لا ينبغي أن تعادي أحدًا ولا تتكلم في حقه، فربما صارت له دولة فاشتفى، وربما احتيج إليه فلم يقدر عليه. فالعاقل يصور في نفسه كل ممكن، ويستر ما في قلبه من البغض والود، ويداري مع الغيظ والحقد. هذه مشاورة العقل إن قبلت.

стр. 475

٢٠٦- فصل: كامل العقل من يتلمَّح العواقب . ٩٥٦- كل من لا يتلمح العواقب، ولا يستعد لما يجوز وقوعه؛ فليس بكامل العقل! واعتبر هذا في جميع الأحوال! مثل أن يغتر بشبابه، ويدوم على المعاصي، ويسوف بالتوبة، فربما أخذ بغتة، ولم يبلغ بعض ما أمل. وكذلك إذا سوف بالعمل، أو بحفظ العلم، فإن الزمان ينقضي بالتسويف، ويفوت المقصود. وربما عزم على فعل خير، أو وقف شيء من ماله، فسوف، فبغت٢.

стр. 476

فالعاقل من أخذ بالحزم في تصوير ما يجوز وقوعه، وعمل بمقتضى ذلك؛ فإن امتد الأجل، لم يضره، وإن وقع المخوف، كان محترزًا. ٩٥٧- ومما يتعلق بالدنيا: أن يميل مع السلطان، ويسيء إلى بعض حواشيه، ثقة بقربه منه، فربما تغير ذلك السلطان، فارتفع عدوه، فانتقم منه. وقد يعادي بعض الأصدقاء، ولا يبالي به؛ لأنه دونه في الحالة الحاضرة، فربما صعدت مرتبة ذلك، فاستوفى ما أسلفه إليه من القبيح وزاد. فالعاقل من نظر فيما يجوز وقوعه، ولم يعاد أحدًا: فإن كان بينهما ما يوجب المعاداة، كتم ذلك، فإن صح له أن يثب على عدوه، فينتقم منه انتقامًا يبيحه الشرع؛ جاز؛ على أن العفو أصلح في باب العيش. ولهذا ينبغي أن يخدم البطال، فإنه ربما عمل، فعرف ذلك لمن خدم، وقس على أنموذج ما ذكرته من جميع الأحوال.

стр. 477

٢٠٧- فصل: بقدر صعود الإنسان في الدنيا تنزل مرتبته في الآخرة ٩٥٨- بقدر صعود الإنسان في الدنيا تنزل مرتبته في الآخرة. وقد صرح بهذا ابن عمر ﵄، فقال: والله، لا ينال أحد من الدنيا شيئًا، إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عنده كريمًا. ٩٥٩- فالسعيد من اقتنع بالبلغة١، فإن الزمان أشرف من أن يضيع في طلب الدنيا، اللهم إلا أن يكون متورعًا في كسبه، معينًا لنفسه عن الطمع، قاصدًا إعانة أهل الخير، والصدقة على المحتاجين، فكسب هذا أصلح من بطالته. فأما الصعود الذي سببه مخالطة السلاطين، فبعيد أن يسلم معه الدين، فإن وقعت سلامته ظاهرًا، فالعاقبة خطرة. ٩٦٠- قال أبو محمد التميمي: ما غبطت أحدًا، إلا الشريف أبا جعفر يوم

стр. 478

مات القائم بأمر الله١؛ فإنه غسله، وخرج ينفض أكمامه، فقعد في مسجده لا يبالي بأحد، ونحن منزعجون لا ندري ما يجري علينا. وذاك أن التميمي كان متعلقًا على السلطان، يمضي له في الرسائل، فخاف مغبة القرب٢. وقد رأينا جماعة من العلماء خالطوا السلطان، فكانت مغبتهم سيئة. ولعمري، إنهم طلبوا الراحة، فأخطئوا طريقها؛ لأن غموم القلب لا توازيها لذة مال، ولا لذة مطعم، هذا في الدنيا قبل الآخرة. ٩٦١- ومن أشرف وأطيب عيشًا من منفرد في زاوية، لا يخالط السلاطين، ولا يبالي أطاب مطعمه أم لم يطب؟! فإنه لا يخلو من كسرة وقعب٣ ماء، ثم هو سليم من أن تقال له كلمة تؤذيه، أو يعيبه الشرع حين دخوله عليهم أو الخلق. ٩٦٢- ومن تأمل حال أحمد بن حنبل في انقطاعه، وحال ابن أبي داود٤ ويحيى بن أكثم، عرف الفرق في طيب العيش في الدنيا، والسلامة في الآخرة. ٩٦٣- وما أحسن ما قال ابن أدهم: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من لذيذ العيش، لجالدونا عليه بالسيوف٥. ولقد صدق ابن أدهم؛ فإن السلطان إن أكل شيئًا، خاف أن يكون قد طرح له فيه سم، وإن نام، خاف أن يغتال، وهو وراء المغاليق، لا يمكنه أن يخرج لفرجة٦؛ فإن خرج، كان منزعجًا من أقرب الخلق إليه، واللذة التي ينالها تبرد عنده، ولا تبقى له لذة مطعم ولا منكح، وكلما استظرف المطاعم، أكثر منها، ففسدت معدته، وكلما استجد الجواري، أكثر منهن، فذهبت قنوته، ولا يكاد يبعد ما بين الوطء والوطء، فلا يجد في الوطء كبير لذة؛ لأن لذة الوطء بقدر بعد ما بين الزمانين، وكذلك لذة الأكل؛ فإن من أكل على شبع، ووطئ

стр. 479

من غير صدق شهوة وقلق؛ لم يجد اللذة التامة التي يجدها الفقير إذا جاع، والعزب إذا وجد امرأة، ثم إن الفقير يرمي نفسه على الطريق في الليل فينام، ولذة الأمن قد حرمها الأمراء، فلذتهم ناقصة، وحسابهم زائد. ٩٦٤- والله، ما أعرف من عاش رفيع القدر بالغًا من اللذات ما لم يبلغ غيره؛ إلا العلماء المخلصين؛ كالحسن وسفيان وأحمد، والعباد المحققين، كمعروف؛ فإن لذة العلم تزيد على كل لذة، وأما ضرهم إذا جاعوا، أو ابتلوا بأذى، فإن ذلك يزيد في رفعتهم، وكذلك لذة الخلوة والتعبد. ٩٦٥- فهذا معروف، كان منفردًا بربه، طيب العيش معه، لذيذ الخلوة به، ثم قد مات منذ نحو أربع مائة سنة، فما يخلو أن يهدى إليه كل يوم ما تقدير مجموعة أجزاء من القرآن! وأقله من يقف على قبره فيقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ... ﴾ ويهديها له، والسلاطين تقف بين يدي قبره ذليلة، هذا بعد الموت، ويوم الحشر تنشر الكرامات التي لا توصف! وكذلك قبور العلماء المحققين. ٩٦٦- ولما بليت أقوام بمخالطة الأمراء، أثر ذلك التكدير في أحوالهم كلها: فقال سفيان بن عيينة: منذ أخذت من مال فلان الأمير، منعت ما كان وهب لي من فهم القرآن. وهذا أبو يوسف القاضي١ لا يزور قبره اثنان. فالصبر عن مخالطة الأمراء -وإن أوجب ضيق العيش من وجه- يحصل طيب العيش من جهات، ومع التخليط لا يحصل مقصودًا، فمن عزم جزم. ٩٦٧- كان أبو الحسن القزويني٢ لا يخرج من بيته إلا وقت الصلاة، فربما جاء السلطان، فيقعد لانتظاره ليسلم عليه، ومد النفس٣ في هذا ربما أضجر السامع، ومن ذاق عرف.

стр. 480

٢٠٨- فصل: أكثر الناس يمشون مع العادة ٩٦٨- من عرف الشرع كما ينبغي، وعلم حالة الرسول ﷺ وأحوال الصحابة وأكابر العلماء، علم أن أكثر الناس على غير الجادة؛ وإنما يمشون مع العادة، يتزاورون، فيغتاب بعضهم بعضًا، ويطلب كل واحد منهم عورة أخيه، ويحسده إن كانت نعمة، ويشمت به إن كانت مصيبة، ويتكبر عليه إن نصح له، ويخادعه لتحصيل شيء من الدنيا، ويأخذ عليه العثرات إن أمكن. هذا كله يجري بين المنتمين إلى الزهد لا الرعاع. ٩٦٩- فالأولى بمن عرف الله سبحانه، وعرف الشرع، وسير السلف الصالحين: الانقطاع عن الكل. فإن اضطر إلى لقاء منتسب إلى العلم والخير، تلقاه، وقد لبس درع الحذر، ولم يطل معه الكلام، ثم عجل الهرب منه إلى مخالطة الكتب التي تحوي تفسيرًا لنطاق الكمال.

стр. 481

٢٠٩- فصل: الكمال عزيز ٩٧٠- الكمال عزيز، والكامل قليل الوجود. فأول أسباب الكمال: تناسب أعضاء البدن، وحسن صورة الباطن، فصورة البدن تسمى خلقًا، وصورة الباطن تسمي خلقًا. ودليل كمال صورة البدن: حسن السمت، واستعمال الأدب. ودليل صورة الباطن: حسن الطبائع والأخلاق: فالطبائع: العفة، والنزاهة، والأنفة من الجهل، ومباعدة الشره. والأخلاق: الكرم، والإيثار، وستر العيوب، وابتداء المعروف، والحلم عن الجاهل. فمن رزق هذه الأشياء، رقته إلى الكمال، وظهر عنه أشرف الخلال، وإن نقصت خلة، أوجبت النقص.

стр. 482

٢١٠- فصل: من أراد السلامة ما عرف التكليف ٩٧١- ليس في الدنيا أبله ممن يريد معاملة الحق سبحانه على بلوغ الأغراض. فأين تكون البلوى إذن؟! لا والله، لا بد من انعكاس المرادات، ومن توقف أجوبة السؤالات، ومن تشفي الأعداء في أوقات. فأما من يريد أن تدوم له السلامة، والنصر على من يعاديه، والعافية من غير بلاء، فما عرف التكليف، ولا فهم التسليم. أليس الرسول ﷺ ينصر يوم بدر، ثم يجري عليه ما جرى يوم أحد؟! أليس يصد عن البيت ثم قهر بعد ذلك؟! ٩٧٢- فلا بد من جيد ورديء، والجيد يوجب الشكر، والرديء يحرك إلى السؤال والدعاء؛ فإن امتنع الجواب، أريد نفوذ البلاء، والتسليم للقضاء. وها هنا يبين الإيمان، ويظهر في التسليم جواهر الرجال. فإن تحقق التسليم باطنًا وظاهرًا، فذلك شأن الكامل. وإن وجد في الباطن انعصار من القضاء لا من المقضي -فإن الطبع لا بد أن ينفر من المؤذي؛ دل على ضعف المعرفة، فإن خرج الأمر إلى الاعتراض باللسان، فتلك حال الجهال، نعوذ بالله منها.

стр. 483

٢١١- فصل: من الابتلاء العظيم إقامة الرجل في غير مقامه ٩٧٣- من الابتلاء العظيم إقامة الرجل في غير مقامه. مثل أن يحوج الرجل الصالح إلى مداراة الظالم والتردد إليه، وإلى مخالطة من لا يصلح، وإلى أعمال لا تليق به، أو إلى أمور تقطع عليه مراده الذي يؤثره، مثل أن يقال للعام: تردد إلى الأمير؛ وإلا خفنا عليك سطوته! فيتردد، فيرى ما لا يصلح له، ولا يمكنه أن ينكر. ٩٧٤- أو يحتاج إلى شيء من الدنيا -وقد منع حقه- فيحتاج إلى أن يعرض بذكر ذلك، أو يصرح لينال بعض حقه، ويحتاج إلى مداراة من تصعب مداراته، بل يتشتت همه لتلك الضرورات.

стр. 484

٩٧٥- وكذلك يفتقر إلى الدخول في أمور لا تليق به، مثل أن يحتاج إلى الكسب، فيتردد إلى السوق، أو يخدم من يعطيه أجرته! وهذا لا يحتمله قلب المراقب لله سبحانه، لأجل ما يخالطه من الأكدار، أو يكون له عائلة وهو فقير، فيتفكر في إغنائهم، فيدخل في مداخل كلها عنده عظيمة. ٩٧٦- وقد يبتلى بفقد من يحب، أو ببلاء في بدنه، أو بعكس أغراضه، وتسليط معاديه عليه، فيرى الفاسق يقهره، والظالم يذله! وكل هذه الأشياء تكدر عليه العيش، وتكاد تزلزل القلب. ٩٧٧- وليس في الابتلاء بقوة الأشياء إلا التسليم، واللجأ إلى المقدر في الفرج، فيرى الرجل المؤمن الحازم يثبت لهذه العظائم، ولا يتغير قلبه، ولا ينطق بالشكوى لسانه. أوليس الرسول ﷺ يحتاج أن يقول: "من يؤويني؟ من ينصرني؟ " ١، ويفتقر إلى أن يدخل مكة في جوار كافر٢، ويلقى السلى على ظهره٣، ويقتل أصحابه، ويداري المؤلفة، ويشتد جوعه، وهو ساكن لا يتغير؟! وما ذاك إلا أنه علم أن الدنيا دار ابتلاء، لينظر الله فيها كيف تعملون؟ ومما يهون هذه الأشياء علم العبد بالأجر، وأن ذلك مراد الحق. ................................. ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم٤

стр. 485

٢١٢- فصل: العالم الذي يجمع المال من وجوه قبيحة ٩٧٨- لا ينكر أن الطباع تحب المال؛ لأنه سبب بقاء الأبدان؛ لكنه يزيد حبه في بعض القلوب، حتى يصير محبوبًا لذاته، لا للتوصل به إلى المقاصد! فترى

стр. 486

البخيل يحمل على نفسه العجائب، ويمنعها اللذات، وتصير لذاته في جمع المال! وهذه جبلة١ في خلق كثير، وليس العجب أن تكون في الجهال. ٩٧٩- وينبغي أن يؤثر فيها عند العلماء المجاهدة للطبع ومخالفته، خصوصًا في الأفعال اللازمة في جمع المال، فأما أن يكون العالم جامعًا للمال من وجوه قبيحة، ومن شبهات قوية، وبحرص شديد، وبذل في الطلب، ثم يأخذ من الزكوات، ولا تحل له مع الغنى، ثم يدخره، ولا ينفع به: فهذه بهيمية تخرج عن صفات الآدمية، بل البهيمية أعذر؛ لأنها بالرياضة تتغير طباعها، وهؤلاء ما غيرتهم الرياضة، ولا أفادهم العلم! ٩٨٠- ولقد كان أبو الحسن البسطامي٢ مقيمًا في رباط البسطاميِّ٣ الذي على نهر عيسى، وكان لا يلبس إلا الصوف شتاءً وصيفًا، وكان يحترم ويقصد، فخلف مالًا يزيد على أربعة آلاف دينار! ٩٨١- ورأينا بعض أشياخنا، وقد بلغ الثمانين، وليس له أهل ولا ولد، وقد مرض، فألقى نفسه عند بعض أصدقائه، يتكلف له ذلك الرجل ما يشتهيه وما يشفيه، فمات، فخلف أموالًا عظيمةً! ٩٨٢- ورأينا صدقة بن الحسين٤ الناسخ، وكان على الدوام يذم الزمان وأهله، ويبالغ في الطب من الناس، ويتجفف، وهو في المسجد وحده، ليس له من يقوم بأمره، فمات، فخلف فيما قيل ثلاث مائة دينار. ٩٨٣- وكان يصحبنا أبو طالب بن المؤيد الصوفي٥، وكان يجمع المال، فسرق منه نحو مائة دينار، فتلهف عليها، وكان ذلك سبب هلاكه. ٩٨٤- ومن أحوال الناس أنك ترى أقوامًا جلسوا على صفة القوم، يطلبون

стр. 487

الفتوح، فيأتيهم منها الكثير، الذي يصيرون به من الأغنياء، وهم لا يمتنعون من أخذ زكاة، ولا من طلب! وكذلك القصاص، يخرجون إلى البلاد، ويطلبون، فيحصل لهم المال الكثير، فلا يتركون الطلب عادة. فيا سبحان الله! أي شيء أفاد العلم؟! بل الجهل كان لهؤلاء أعذر! ٩٨٥- ومن أقبح أحوالهم لزومهم الأسباب التي تجلب لهم الدنيا، من التخاشع، والتنسك في الظاهر، وملازمة حث العزلة عن المخالطة! وكل هؤلاء بمعزل عن الشرع. ٩٨٦- ولقد تأملت على بعضهم من القدح في نظيره إلى أن يبلغ إلى التعرض به للهلاك. فالويل لهم! ما أقل ما يتمتعون بظواهر الدنيا! وإن كان مقلب القلوب، قد صرف القلوب عن محبتهم -لأن الحق لا يميل بالقلوب إلا إلى المخلصين؛ فقد فاتتهم الدنيا على الحقيقة، وما حصلوا إلا صورة الحطام! نسأل الله عقلًا يدبر دنيانا، ويحصل لنا آخرتنا، والرزاق قادر.

стр. 488

٢١٣- فصل: من عرف شرف الوجود يحصل أفضل الموجود . ٩٨٧- ينبغي لمن عرف شرف الوجود أن يحصل أفضل الموجود. هذا العمر موسم، والتجارات تختلف، والعامة تقول: عليكم بما خف حمله، وكثر ثمنه، فينبغي للمستيقظ ألا يطلب إلا الأنفس. ٩٨٨- وأنفس الأشياء في الدنيا معرفة الحق . فمن العارفين السالكين من وافى في طريقه بغيته في السفر. ومنهم من همته متعلقة بطلب ربحه. ومنهم من ينظر إلى ما يرضي الحبيب، فيجلبه إلى بلد المعاملة، ويرضى بالقبول ثمنًا، ويرى أن كل البضائع لا تفي بحق الخفارة١، ومنهم من يرى لزوم الشكر في اختياره [هذا] السلوك دون غيره، فيقر بالعجز. وقد ارتفع قوم عن هذه الأحوال، قرأوا مجرد التوفيق يشغلهم عن النظر إلى

стр. 489

العمل، أولئك الأقلون عددًا، وإن الأعظمين قدرًا أقل نسلًا من عنقاء مغرب١.

стр. 490

٢١٤- فصل: البدار البدار فقد قرب الرحيل ٩٨٩- من علم قرب الرحيل عن مكة، استكثر من الطواف خصوصًا إن كان لا يؤمل العود، ليكبر سنه، وضعف قوته. فكذلك ينبغي لمن قاربه ساحل الأجل بعلو سنه أن يبادر اللحظات، وينتظر الهاجم١ بما يصلح له، فقد كان في قوس الأجل منزع٢ زمان الشباب، واسترخى الوتر في المشيب عن سية القوس٣، فانحدر إلى القاب٤، وضعفت القوى، وما بقي إلا الاستسلام لمحارب التلف. فالبدار البدار إلى التنظيف، ليكون القدوم على طهارة. ٩٩٠- وأي عيش في الدنيا يطيب لمن أيامه السليمة تقربه إلى الهلاك، وصعود عمره نزول عن الحياة، وطول بقائه نقص مدى المدة؟! فليتفكر فيما بين يديه، وهو أهم مما ذكرناه. أليس في "الصحيح": "ما منكم أحد إلا ويعرض عليه مقعده بالغداة والعشي من الجنة أو النار، فيقال: هذا مقعدك، حتى يبعثك الله"٥؟! فوا أسفا لمهددٍ كم يقتل قبل القتل! ويا طيب عيشٍ لموعود بأزيد المنى! وليعلم من شارف السبعين أن النفس أنين! أعان الله من قطع عقبة العمر على رمل زرود٦ الموت.

стр. 491

٢١٥- فصل: رضا الرسول ﷺ عن ربّه . ٩٩١- من أراد أن يعلم حقيقة الرضا عن الله في أفعاله، وأن يدري من أين ينشأ الرضا، فليتفكر في أحوال رسول الله ﷺ . فإنه لما تكاملت معرفته بالخالق سبحانه، رأى أن الخالق مالك، وللمالك التصرف في مملوكه، ورآه حكيمًا لا يصنع شيئًا عبثًا، فسلم تسليم مملوك لحكيم؛ فكانت العجائب تجري عليه، ولا يوجد منه تغير، ولا من الطبع تأفف، ولا يقول بلسان الحال: لو كان كذا! بل يثبت للأقدار ثبوت الجبل لعواصف الرياح. ٩٩٢- هذا سيد الرسل ﷺ بعث إلى الخلق وحده، والكفر قد ملأ الآفاق، لجعل يفر من مكان إلى مكان، واستتر في دار الخيزران١، وهم يضربونه إذا خرج، ويدمون عقبه٢، وألقى٣ السلى على ظهره، وهو ساكت ساكن ويخرج كل موسم فيقول:"من يؤويني؟ من ينصرني؟ " ... ثم خرج من مكة، فلم يقدر على العود إلا في جوار كافر٤. ولم يوجد من الطبع تأفف، ولا من الباطن اعتراض، إذ لو كان غيره، لقال: يا رب! أنت مالك الخلق، وقادر على النصر، فلم أذل؟! كما قال عمر ﵁ يوم صلح الحديبية: ألسنا على الحق؟! فلم نعطي الدنية في ديننا؟! ولما قال هذا، قال له الرسول ﷺ : "إني عبد الله، ولن يضيعني" ٥. فجمعت الكلمتان الأصلين اللذين ذكرناهما: فقوله: "إني عبد الله": إقرار بالملك، وكأنه قال: أنا مملوك يفعل بي ما يشاء. وقوله: "لن يضيعني": بيان حكمته، وأنه لا يفعل شيئًا عبثًا. ثم يبتلى بالجوع، فيشد الحجر٦، ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المنافقون: ٧] .

стр. 492

ويقتل أصحابه، ويشج وجهه، وتكسر رباعيته١، ويمثل بعمه٢ ... وهو ساكت. ثم يرزق ابنًا، ويسلب منه٣، فيتعلل٤ بالحسن والحسين، فيخبر بما سيجري عليهما٥. ويسكن بالطبع إلى عائشة ﵂، فينغص عيشه بقذفها٦. ويبالغ في إظهار المعجزات، فيقام في وجهه مسيلمة٧ والعنسي٨ وابن صياد٩. ويقيم ناموس الأمانة والصدق، فيقال: كذاب! ساحر! ثم يعلقه المرض كما يوعك رجلان، وهو ساكن ساكت١٠. فإن أخبر بحاله، فليعلم الصبر. ثم يشدد عليه الموت، فيسلب روحه الشريفة، وهو مضطجع في كساءٍ ملبَّدٍ، وإزارٍ غليظٍ، وليس عندهم زيت يوقد به المصباح ليلتئذٍ١١. هذا الشيء ما قدر على الصبر عليه كما ينبغي نبي قبله، ولو ابتليت به الملائكة، ما صبرت. ٩٩٣- هذا آدم ﵇ تباح له الجنة سوى شجرة، فلا يقع ذباب حرصه "١٢" إلا على العقر "١٣"، ونبينا ﷺ يقول في المباح: "ما لي وللدنيا؟! " ١٤.

стр. 493

وهذا نوح ﵇ يضج مما لاقى، فيصيح من كمد وجده: ﴿لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ، ونبينا ﷺ يقول: "اللهم! اهد قومي، فإنهم لا يعلمون" ١. ٩٩٤- هذا الكليم موسى ﷺ ، يستغيث عند عبادة قومه العجل على القدر قائلًا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ، ويوجه إليه ملك الموت فيقلع عينه٢. وعيسى ﷺ يقول: إن صرفت الموت عن أحد، فاصرفه عني، ونبينا ﷺ يخير بين البقاء والموت، فيختار الرحيل إلى الرفيق الأعلى٣. ٩٩٥- هذا سليمان ﷺ يقول: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] ، ونبينا ﷺ يقول: "اللهم! اجعل رزق آل محمد قوتًا"٤. هذا والله فعل رجل عرف الوجود والموجد، فماتت أغراضه، وسكنت اعتراضاته، فصار هواه فيما يجري.

стр. 494

٢١٦- فصل: أكثر شهوات الحسِّ النِّسَاءُ ٩٩٦- أكثر شهوات الحس النساء. وقد يرى الإنسان امرأة في ثيابها، فيتخايل له أنها أحسن من زوجته، أو يتصور بفكره المستحسنات، وفكره لا ينظر إلا إلى الحسن من المرأة، فيسعى في التزوج والتسري، فإذا حصل له مراده، لم يزل ينظر في العيوب الحاصلة، التي ما كان يتفكر فيها، فيمل، ويطلب شيئًا آخر، ولا يدري أن حصول أغراضه في الظاهر ربما اشتمل على محن، منها أن تكون الثانية لا دين لها، أو لا عقل، أو لا محبة لها، أو لا تدبير، فيفوت أكثر مما حصل! وهذا المعنى هو الذي أوقع الزناة في الفواحش؛ لأنهم يجالسون المرأة حال استتار عيوبها عنهم، وظهور محاسنها، فتلذهم تلك الساعة، ثم ينتقلون إلى أخرى!

стр. 495

٩٩٧- فيلعلم العاقل أن لا سبيل إلى حصول مراد تام، كما يريد، ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ، وما عيب نساء الدنيا بأحسن من قوله : ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] . ٩٩٨- وذو الأنفة يأنف من الوسخ صورة، وعيب الخلق معنى، فليقنع بما باطنه الدين، وظاهره الستر والقناعة، فإنه يعيش مرفه السر، طيب القلب، ومتى استكثر؛ فإنما يستكثر من شغل قلبه، ورقة دينه.
следующие страницы →