← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

٢١٥- فصل: رضا الرسول ﷺ عن ربّه . ٩٩١- من أراد أن يعلم حقيقة الرضا عن الله في أفعاله، وأن يدري من أين ينشأ الرضا، فليتفكر في أحوال رسول الله ﷺ . فإنه لما تكاملت معرفته بالخالق سبحانه، رأى أن الخالق مالك، وللمالك التصرف في مملوكه، ورآه حكيمًا لا يصنع شيئًا عبثًا، فسلم تسليم مملوك لحكيم؛ فكانت العجائب تجري عليه، ولا يوجد منه تغير، ولا من الطبع تأفف، ولا يقول بلسان الحال: لو كان كذا! بل يثبت للأقدار ثبوت الجبل لعواصف الرياح. ٩٩٢- هذا سيد الرسل ﷺ بعث إلى الخلق وحده، والكفر قد ملأ الآفاق، لجعل يفر من مكان إلى مكان، واستتر في دار الخيزران١، وهم يضربونه إذا خرج، ويدمون عقبه٢، وألقى٣ السلى على ظهره، وهو ساكت ساكن ويخرج كل موسم فيقول:"من يؤويني؟ من ينصرني؟ " ... ثم خرج من مكة، فلم يقدر على العود إلا في جوار كافر٤. ولم يوجد من الطبع تأفف، ولا من الباطن اعتراض، إذ لو كان غيره، لقال: يا رب! أنت مالك الخلق، وقادر على النصر، فلم أذل؟! كما قال عمر ﵁ يوم صلح الحديبية: ألسنا على الحق؟! فلم نعطي الدنية في ديننا؟! ولما قال هذا، قال له الرسول ﷺ : "إني عبد الله، ولن يضيعني" ٥. فجمعت الكلمتان الأصلين اللذين ذكرناهما: فقوله: "إني عبد الله": إقرار بالملك، وكأنه قال: أنا مملوك يفعل بي ما يشاء. وقوله: "لن يضيعني": بيان حكمته، وأنه لا يفعل شيئًا عبثًا. ثم يبتلى بالجوع، فيشد الحجر٦، ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المنافقون: ٧] .

стр. 492

ويقتل أصحابه، ويشج وجهه، وتكسر رباعيته١، ويمثل بعمه٢ ... وهو ساكت. ثم يرزق ابنًا، ويسلب منه٣، فيتعلل٤ بالحسن والحسين، فيخبر بما سيجري عليهما٥. ويسكن بالطبع إلى عائشة ﵂، فينغص عيشه بقذفها٦. ويبالغ في إظهار المعجزات، فيقام في وجهه مسيلمة٧ والعنسي٨ وابن صياد٩. ويقيم ناموس الأمانة والصدق، فيقال: كذاب! ساحر! ثم يعلقه المرض كما يوعك رجلان، وهو ساكن ساكت١٠. فإن أخبر بحاله، فليعلم الصبر. ثم يشدد عليه الموت، فيسلب روحه الشريفة، وهو مضطجع في كساءٍ ملبَّدٍ، وإزارٍ غليظٍ، وليس عندهم زيت يوقد به المصباح ليلتئذٍ١١. هذا الشيء ما قدر على الصبر عليه كما ينبغي نبي قبله، ولو ابتليت به الملائكة، ما صبرت. ٩٩٣- هذا آدم ﵇ تباح له الجنة سوى شجرة، فلا يقع ذباب حرصه "١٢" إلا على العقر "١٣"، ونبينا ﷺ يقول في المباح: "ما لي وللدنيا؟! " ١٤.

стр. 493

وهذا نوح ﵇ يضج مما لاقى، فيصيح من كمد وجده: ﴿لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ، ونبينا ﷺ يقول: "اللهم! اهد قومي، فإنهم لا يعلمون" ١. ٩٩٤- هذا الكليم موسى ﷺ ، يستغيث عند عبادة قومه العجل على القدر قائلًا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ، ويوجه إليه ملك الموت فيقلع عينه٢. وعيسى ﷺ يقول: إن صرفت الموت عن أحد، فاصرفه عني، ونبينا ﷺ يخير بين البقاء والموت، فيختار الرحيل إلى الرفيق الأعلى٣. ٩٩٥- هذا سليمان ﷺ يقول: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] ، ونبينا ﷺ يقول: "اللهم! اجعل رزق آل محمد قوتًا"٤. هذا والله فعل رجل عرف الوجود والموجد، فماتت أغراضه، وسكنت اعتراضاته، فصار هواه فيما يجري.

стр. 494

٢١٦- فصل: أكثر شهوات الحسِّ النِّسَاءُ ٩٩٦- أكثر شهوات الحس النساء. وقد يرى الإنسان امرأة في ثيابها، فيتخايل له أنها أحسن من زوجته، أو يتصور بفكره المستحسنات، وفكره لا ينظر إلا إلى الحسن من المرأة، فيسعى في التزوج والتسري، فإذا حصل له مراده، لم يزل ينظر في العيوب الحاصلة، التي ما كان يتفكر فيها، فيمل، ويطلب شيئًا آخر، ولا يدري أن حصول أغراضه في الظاهر ربما اشتمل على محن، منها أن تكون الثانية لا دين لها، أو لا عقل، أو لا محبة لها، أو لا تدبير، فيفوت أكثر مما حصل! وهذا المعنى هو الذي أوقع الزناة في الفواحش؛ لأنهم يجالسون المرأة حال استتار عيوبها عنهم، وظهور محاسنها، فتلذهم تلك الساعة، ثم ينتقلون إلى أخرى!

стр. 495

٩٩٧- فيلعلم العاقل أن لا سبيل إلى حصول مراد تام، كما يريد، ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ، وما عيب نساء الدنيا بأحسن من قوله : ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] . ٩٩٨- وذو الأنفة يأنف من الوسخ صورة، وعيب الخلق معنى، فليقنع بما باطنه الدين، وظاهره الستر والقناعة، فإنه يعيش مرفه السر، طيب القلب، ومتى استكثر؛ فإنما يستكثر من شغل قلبه، ورقة دينه.

стр. 496

٢١٧- فصل: كل شخص شغله الله بفن ٩٩٩- سبحان من شغل كل شخص بفن لتنام العيون في الدنيا. فأما في العلوم، فحبب إلى هذا القرآن، وإلى هذا الحديث، وإلى هذا النحو ... إذ لولا ذلك، ما حفظت العلوم. وألهم هذا المتعيش أن يكون خبازًا، وهذا أن يكون هراسًا١، وهذا أن ينقل الشوك من الصحراء، وهذا أن ينقي البثار٢، ليلتئم أمر الخلق، ولو ألهم أكثر الناس أن يكونوا خبازين مثلًا، بات الخبز وهلك! أو هراسين، جفت الهرايس! بل يلهم هذا وذاك بقدر، لينتظم أمر الدنيا وأمر الآخرة. ١٠٠٠- ويندر من الخلق من يلهمه الكمال، وطلب الأفضل، والجمع بين العلوم والأعمال، ومعاملات القلوب. وتتفاوت أرباب هذه الحال. فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار. نسأله العفو إن لم يقع الرضا، والسلامة إن لم نصلح للمعاملة.

стр. 497

٢١٨- فصل: علم الحديث هو الشريعة ١٠٠١- علم الحديث هو الشريعة؛ لأنه مبين للقرآن، وموضح للحلال والحرام، وكاشف عن سير رسول الله ﷺ وسير أصحابه.

стр. 498

وقد مزجوه١ بالكذب، وأدخلوا في المنقولات كل قبيح؛ فإذا وفق الزاهد والواعظ، لم يذكر إلا ما شهدا بصحته. وإن حرما التوفيق، عمل الزاهد بكل حديث يسمعه، لحسن ظنه بالرواة! وقال الواعظ كل شيء يراه، لجهله بالتصحيح! ففسدت أحوال الزاهد، وانحرف عن جادة الهدى، وهو لا يعلم. وكيف لا، وعموم الأحاديث الدالة على الزهد لا تثبت؟! مثل حديث ابن عمر ﵁: "أيما امرئ مسلم، اشتهى شهوةً، فرد شهوته، وآثر على نفسه؛ غفر له". وهذا حديث موضوع٢، يمنع الإنسان ما أبيح له، مما يتقوى به على الطاعة. ومثل قوله: "من وضع ثيابًا حسانًا ... " ٣. وكذلك ما رووا: أن رسول الله ﷺ أقدم له أدمان، فقال: "أدمان في قدح؟! لا حاجة لي فيه، أكره أن يسألني الله عن فضول الدنيا" ٤. وفي "الصحيح"٥: أن رسول الله ﷺ أكل البطيخ بالرطب. ومثل هذا إذا تتبع كثير٦! فقد بنوا على فساده، ففسدت أحوال الواعظ والموعوظ؛ لأنه يبني كلامه على أشياء فاسدة ومحالات. ١٠٠٢- ولقد كان جماعة من المتزهدين، يعملون على أحاديث ومنقولات لا تصح، فيضيع زمانهم في غير المشروع، ثم ينكرون على العلماء استعمالهم للمباحات، ويرون أن التجفف هو الدين!

стр. 499

١٠٠٣- وكذلك الوعاظ يحدثون الناس بما لا يصح عن الرسول ﷺ لا أصحابه، فقد صار المحال عندهم شريعة. فسبحان من حفظ هذه الشريعة بأخبار أخيار، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين!

стр. 500

٢١٩- فصل: مسند الإمام أحمد فيه الصحيح وغيره ١٠٠٤- كان قد سألني بعض أصحاب الحديث: هل في مسند أحمد ما ليس بصحيح؟ فقلت: نعم. فعظم ذلك على جماعة ينسبون إلى المذهب! فحملت أمرهم على أنهم عوام، وأهملت فكر ذلك. وإذا بهم قد كتبوا فتاوى، فكتب فيها جماعة من أهل خراسان، -منهم أبو العلاء الهمذاني١- يعظمون هذا القول، ويردونه، ويقبحون قول من قاله! فبقيت دهشًا متعجبًا، وقلت في نفسي: وا عجبًا! صار المنتسبون إلى العلم عامة أيضًا! وما ذاك إلا أنهم سمعوا الحديث، ولم يبحثوا عن صحيحه وسقيمه، وظنوا أن من قال ما قلته تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد، وليس كذلك! فإن الإمام أحمد روى المشهور والجيد والرديء، ثم هو قدر رد كثيرًا مما روى، ولم يقبل به، ولم يجعله مذهبًا له. أليس هو القائل في حديث الوضوء بالنبيذ٢: مجهول؟! ١٠٠٥- ومن نظر في "كتاب العلل" الذي صنفه أبو بكر الخلال٣، رأى أحاديث كثيرة، كلها في "المسند"، وقد طعن فيها أحمد. ونقلت من خط القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء ٤ في مسألة النبيذ، قال: إنما روى أحمد في "مسنده" ما اشتهر، ولم يقصد الصحيح ولا السقيم ويدل

стр. 501

على ذلك أن عبد الله قال: قلت لأبي: ما تقول في حديث ربعي بن حراش عن حذيفة؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رواد١؟ قلت: نعم. قال: الأحاديث بخلافه. قلت: فقد ذكرته في "المسند"؟ قال: قصدت في "المسند" المشهور، فلو أردت أن أقصد ما صح عندي، لم أرد بهذا "المسند" إلا الشيء بعد الشيء اليسير؛ ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث، لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه. قال القاضي: وقد أخبر عن نفسه كيف طريقه في المسند؛ فمن جعله أصلًا للصحة، فقد خالفه، وترك مقصده. ١٠٠٦- قلت: قد غمني في هذا الزمان أن العلماء -لتقصيرهم في العلم- صاروا كالعامة، وإذا مر بهم حديث موضوع، قالوا: قد روي! والبكاء ينبغي أن يكون على خساسة الهمم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 502

٢٢٠- فصل: الأنفة من الرذائل . ١٠٠٧- بلغني عن بعض فساق القدماء أنه كان يقول: ما أرى العيش غير أن تتبع النفـ ... ـس هواها، فمخطئًا أو مصيبا فتدبرت حال هذا، وإذا به ميت النفس، ليس له أنفة على عرضه، ولا خوف عار! ومثل هذا ليس في مسلاخ٢ الآدميين! فإن الإنسان قد يقدم على القتل لئلا يقال: جبان. ويحمل الأثقال ليقال: ما قصر. ويخاف العار، فيصبر على كل آفة من الفقر، وهو يستر ذلك، حتى لا يرى بعين ناقصة. حتى إن الجاهل إذا قيل له: يا جاهل! غضب. واللصوص المتهيئون للحرام إذا قال أحدهم للآخر: لا تتكلم، فإن أختك تفعل وتصنع! أخذته الحمية، فقتل الأخت. ومن له نفس، لا يقف في مقام تهمة، لئلا يظن به.

стр. 503

فأما من لا يبالي أن يرى سكران، ولا يهمه إن شهر بين الناس، ولا يؤلمه ذكر الناس له بالسوء، فذاك في عداد البهائم، وهذا الذي يريد أن يتبع النفس هواها، لا يلتذ، إلا ألا يخاف عنتًا١ولا لومًا، ولا يكون له عرض يحذر عليه، فهو بهيمة في مسلاخ إنسان؛ وإلا فأي عيش لمن شرب الخمر، وأخذ عقيب ذلك، وضرب، وشاع في الناس ما قد فعل به؟! أما يفي ذلك باللذة؟! لا، بل يربو ذلك، وضرب، وشاع في الناس ما قد فعل به؟! أما يفي ذلك باللذة؟! لا، بل يربو عليها أضعافًا. وأي عيش لمن ساكن الكسل: إذا رأى أقرانه قد برزوا في العلم وهو جاهل، أو استغنوا بالتجارة وهو فقير؟! فهل يبقى للالتذاذ بالكسل والراحة معنى؟! ولو تفكر الزاني في الأحدوثة عنه، أو تصور أخذ الحد منه، لكف الكف، غير أنه يرى لذة حاضرة كأنها لمع برق، ويا شؤم ما أعقبت من طول الأسى! هذا كله في العاجل، فأما الآجل، فمنغصة العذاب دائمة، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى: ١٨] . نسأل الله أنفة من الرذائل، وهمة في طلب الفضائل، إنه قريب مجيب.

стр. 504

٢٢١- فصل: قد تبغت العقوبات، وقد يؤخرها الحلم . ١٠٠٨- قد تبغت العقوبات، وقد يؤخرها الحلم. والعاقل من إذا فعل خطيئة، بادرها بالتوبة. فكم مغرور بإمهال العصاة لم يمهل! ١٠٠٩- وأسرع المعاصي عقوبة ما خلا عن لذة تنسي النهى١، فتكون تلك الخطيئة كالمعاندة والمبارزة؛ فإن كانت توجب اعتراضًا على الخالق، أو منازعة له في عظمته: فتلك التي لا تتلافى، خصوصًا إن وقعت من عارف بالله، فإنه يندر إهماله. ١٠١٠- قال عبد المجيد بن عبد العزيز٢: كان عندنا بخراسان رجل كتب مصحفًا في ثلاثة أيام، فلقيه رجل، فقال: في كم كتب هذا؟ فأومأ بالسبابة

стр. 505

والوسطى والإبهام، وقال: في ثلاث، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [الشورى: ١٨] ، فجفت أصابعه الثلاث، فلم ينتفع بها فيما بعد. ١٠١١- وخطر لبعض الفصحاء أنه يقدر أن يقول مثل القرآن! فصعد إلى غرفة، فانفرد فيها، وقال: أمهلوني ثلاثًا! فصعدوا إليه بعد الثلاث، ويده قد يبست على القلم، وهو ميت. ١٠١٢- قال عبد المجيد: ورأيت رجلًا كان يأتي امرأته حائضًا؛ فحاض١، فلما كثر الأمر به، تاب، فانقطع عنه. ١٠١٣- ويلحق هذا أن يعير الإنسان شخصًا بفعل، وأعظمه أن يعيره بما ليس إليه، فيقول: يا أعمى! ويا قبيح الخلقة! وقال ابن سيرين: عيرت رجلًا بالفقر، فحبست علي دَيْنٍ. ١٠١٤- وقد تتأخر العقوبة وتأتي في آخر العمر، فيا طول التعثير مع كبر السن لذنوب كانت في الشباب! فالحذر الحذر من عواقب الخطايا، والبدار البدار إلى محوها بالإنابة، فلها تأثيرات قبيحة، إن أسرعت، وإلا، اجتمعت وجاءت.

стр. 506

٢٢٢- فصل: أسعد الناس من له قوت بقدر الكفاية ١٠١٥- أعلم أن الآدمي قد خلق لأمر عظيم، وهو مطالب بمعرفة خالقة بالدليل، ولا يكفيه التقليد، وذلك يفتقر إلى جمع الهم في طلبه، وهو مطالب بإقامة المفروضات، واجتناب المحارم، فإن سمت همة إلى طلب العلم، احتاج إلى زيادة جمع الهم. ١٠١٦- فأسعد الناس من له قوت دار بقدر الكفاية، لا من منن الناس وصدقاتهم، وقد قنع به. فإنه حينئذ يجتمع همه لمطلوباته من الدين والدنيا والعلم.

стр. 507

وأما إذا لم يكن له قوت يكفي، فالهم الذي يريد اجتماعه في تلك الأمور يتشتت، ويصير طالبًا للتحيل في "جمع" القوت، فيذهب العمر في تحصيل قوت البدن الذي يريد من بقائه غير بقائه، ويفوت المقصود بببقائه، وربما احتاج إلى الأنذال١. قال الشاعر: حسبي من الدهر ما كفاني ... يصون عرضي عن الهوان مخافة أن يقول قوم ... فضل فلان على فلان ١٠١٧- فينبغي للعاقل أن إذا رزق قوتًا، أو كان له مواد: أن يحفظها، ليتجمع همه، ولا ينبغي أن يبذر في ذلك، فإنه يحتاج فيتشتت همه، والنفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت؛ فإن لم يكن له مال، اكتسب بقدر كفايته، وقلل الغلو، ليجمع همه. وليقنع بالقليل؛ فإنه متى سمت همته إلى فضول المال، وقع المحذور من التشتت؛ لأن التشتت في الأول للعدم، وهذا التشتت يكون للحرص على الفضول، فيذهب العمر على البارد٢: ومن ينفق الأيام في حفظ ماله ... مخافة فقر، فالذي فعل الفقر ١٠١٨- فافهم هذا يا صاحب الهمة في طلب الفضائل؛ فإنك ما لم تعزل قوت الصبيان، شتتوا قلبك، وطبعك طفل، ففرغ همك من استعانته، واعرف قدر شرف المال الذي أوجب جمع همك، وصان عرضك عن الخلق، وإياك أن يحملك الكرم على فرط الإخراج، فتصير كالفقير المتعرض لك بالتعرض لغيرك. ١٠١٩- وفي الحديث: أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ ، فرأى عليه آثار الفقر، فعرض به، فأعطي شيئًا، فجاء فقير آخر، فآثره الأول ببعض ما أعطي، فرماه النبي ﷺ إليه، ونهاه عن مثل ذلك٣. ١٠٢٠- والقناعة بما يكفي، وترك التشوف إلى الفضول أصل الأصول. ولما

стр. 508

آيس الإمام أحمد بن حنبل نفسه من قبول الهدايا والصلات، اجتمع همه، وحسن ذكره، ولما أطمعها ابن المديني١ وغيره، سقط ذكره. ثم فيمن؟! إنما هو سلطان جائر، أو مزك منان، أو صديق مدل٢ بما يعطي. والعزل ألذ من كل لذة، والخروج عن ربقة المنن -ولو بسف التراب- أفضل.

стр. 509

٢٢٣- فصل: التجلد عن المصائب ١٠٢١- قد ركب في الطباع حب التفضيل على الجنس، فما أحد إلا وهو يحب أن يكون أعلى درجة من غيره. فإذا وقعت نكبة أوجبت نزوله عن مرتبة سواه، فينبغي له أن يتجلد بستر تلك النكبة، لئلا يرى بعين نقص، وليتجمل المتعفف حتى لا يرى بعين الرحمة، وليتحامل المريض لئلا يشمت به ذو العافية. ١٠٢٢- وقد قال ﷺ لأصحابه حين قدومه مكة، وقد أخذتهم الحمى، فخاف أن يشمت بهم الأعداء حين ضعفهم عن السعي، فقال: "رحم الله من أظهر من نفسه الجلد"١، فرملوا -والرَّمَلُ: شدة السعي- وزال ذلك السبب، وبقي الحكم، ليتذكر السبب، فيفهم معناه. ١٠٢٣- واستأذنوا على معاوية، وهو في الموت، فقال لأهله: أجلسوني! فقعد متمكنًا يظهر العافية، فلما خرج العواد، أنشد٢: وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع

стр. 510

١٠٢٤- وما زال العقلاء يظهرون التجلد عند المصائب والفقر والبلاء، لئلا يتحملوا مع النوائب شماتة الأعداء -وإنها الأشد من كل نائبة- وكان فقيرهم يظهر الغنى، ومريضهم يظهر العافية. ١٠٢٥- بلى، ثم نكتة ينبغي التفطن لها: ربما أظهر الإنسان كثرة المال، وسبوغ النعم، فأصابه عدوه بالعين، فلا يفي ما تبجح به بما يلاقي من انعكاس النعمة! والعين لا تصيب إلا ما يستحسن، ولا يكفي الاستحسان في إصابة العين حتى يكون من حاسد، ولا يكفي ذلك حتى يكون من شرير الطبع، فإذا اجتمعت هذه الصفات، خيف من إصابة العين. فليكن الإنسان مظهرًا للتجمل مقدار ما يأمن إصابة العين، ويعلم أنه في خير، وليحذر الإفراط في إظهار النعم، فإن العين هناك محذورة. وقد قال يعقوب لبنيه ﵈: ﴿لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧] ، وإنما خاف عليهم العين. فيلفهم هذا الفصل، فإنه ينفع من له تدبر.

стр. 511

٢٢٤- فصل: منازل المؤمنين في الآخرة على قدرهم . ١٠٢٦- إنما خلقنا لنحيا مع الخالق في معرفته ومحادثته ورؤيته في البقاء الدائم؛ وإنما ابتدئ كوننا في الدنيا؛ لأنها في مثال مكتب، نتعلم فيه الخط والأدب، ليصلح الصبي عند بلوغه للرتب. ١٠٢٧- فمن الصبيان بعيد الذهن، يطول مكثه في المكتب، ويخرج ما فهم شيئًا. وهذا مثال من لا يعلم وجوده، ولا نال المراد من كونه. ١٠٢٨- ومن الصبيان من يجمع مع بعد ذهنه، وقلة فهمه، وعدم تعلمه: أذى الصبيان، فهو يؤذيهم، ويسرق مطاعمهم، ويستغيثون من يده، فلا هو صلح، ولا فهم، ولا كف عن الشر. وهذا مثل أهل الشر والمؤذين. ١٠٢٩- ومن الصبيان من علق بشيء من الخط؛ لكنه ضعيف الاستخراج،

стр. 512

رديء الكتابة، فخرج، ولم يعلق إلا بقدر ما يعلق به حساب معاملته، وهذا مثل من فهم بعض الشيء، وفاتته الفصائل التامة. ١٠٣٠- ومنهم: من جود الخط، ولم يتعلم الحساب، وأتقن الآداب حفظًا، غير أنه قاصر في أدب النفس. فهذا يصلح أن يكون كاتبًا للسلطان على مخاطرة، لسوء ما في باطنه من الشره، وقلة التأدب. ١٠٣١- ومنهم من سمت همته إلى المعالي الكاملة، فهو مقدم الصبيان في المكتب، ونائب عن معلمهم، ثم يرتفع عنهم بعزة نفسه، وأدب باطنه، وكمال صناعة الآداب الظاهرة، ولا يزال حاث من باطنه يحثه على تعجيل التعلم، وتحصيل كل فضيلة، لعلمه أن المكتب لا يراد لنفسه، بل لأخذ الأدب منه، والرحلة إلى حالة الرجولية والتصرف، فهو يبادر الزمان في نيل كل فضيلة، فهذا مثل المؤمن الكامل، يسبق الأقران يوم التجاري١، ويعرض لوح عمله، جيد الخط، فيقول لبسان حاله: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] . ١٠٣٢- وكذلك الدنيا وأهلها: من الناس: هالك بعيد عن الحق، وهم الكفار، ومنهم خاطئ مع قليل من الإيمان، فهو معاقب، والمصير إلى خير، ومنهم سليم؛ لكنه قاصر. ومنهم تام، لكنه بالإضافة إلى من دونه، وهو ناقص بالإضافة إلى من فوقه. ١٠٣٣- فالبدار البدار يا أرباب الفهوم، فإن الدنيا معبر إلى دار إقامة، وسفر إلى "المستقر"، والقرب من السلطان ومجاورته، فتهيئوا للمجالسة، واستعدوا للمخاطبة، وبالغوا في استعمال الأدب، لتصلحوا للقرب من الحضرة، ولا يشغلنكم عن تضمير ٢ الخيل تكاسل، وليحملكم على الجد في ذلك تذكركم يوم السباق، فإن قرب المؤمنين من الخالق على قدر حذرهم في الدنيا، ومنازلهم على قدرهم، فإن قرب المؤمنين من الخالق على قدر حذرهم في الدنيا، ومنازلهم على قدرهم، فما منزل النفاط٣ كمنزل الحاجب، ولا منزل الحاجب، كمكان الوزير "جنتان من

стр. 513

ذهب، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما" ١، والفردوس الأعلى لآخرين، والذين في أرض الجنة ينظرون أهل الدرجات، كما يرون الكوكب الدري. ١٠٣٤- فليتذكر الساعي حلاوة التسليم إلى الأمين، وليتذكر في لذاذة المدح يوم السباق، وليحذر المسابق من تقصير لا يمكن استدراكه، وليخف من عيبٍ يبقى قبح ذكره، "هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن" ٢، "أزرى بهم أتباع الهوى، ثم لحقتهم العافية، فنجوا بعد لأي. فليتعظ"٣ وليصبر عن المشتهى٤، فالأيام قلائل. "يدخل فقراء المؤمنين قبل أغنيائهم إلى الجنة بخمس مائة عام" ٥. ١٠٣٥- فالجد الجد، يا أقدام المبادرة، فقد لاح العلم، خصوصًا لمن بانت له بانة٦ الوادي: إما بالعلم الدال على الطريق، وإما بالشيب الذي هو علم الرحيل، وهو ما يأمله أهل الجد. ١٠٣٦- وكان الجنيد يقرأ وقت خروج روحه، فيقال له: في هذا الوقت؟! فيقول: أبادر طي صحيفتي. وبعد هذا، فالمراد موفق، والمطلوب معان، وإذا أرادك لأمر هيأك له.

стр. 514

٢٢٥- فصل: الجزاء على قدر العمل ١٠٣٧- تأملت حالة عجيبة، وهو أن أهل الجنة الساكنين في أرضها في نقص عظيم بالإضافة إلى من فوقهم، وهم يعلمون فضل أولئك، فلو تفكروا فيها فاتهم من ذلك، وقعت الحشرات، غير أن ذلك لا يكون؛ لأن ذلك لا يقع لهم، لطيب منازلهم، ولا يقع في الجنة غم، ويرضى كل بما أعطي من وجهين:

стр. 515

أحدهما: أنه لا يظن أن يكون نعيم فوق ما هو فيه، وإن علت منزلة غيره. والثاني: أنه يحبب إليه، كما يحبب إليه ولده المستوحش الخلقة؛ فإنه يؤثره على الأجنبي المستحسن. ١٠٣٨- إلا أن تحت هذا معنى لطيفًا، وهو أن القوم خلقت لهم همم قاصرة في الدنيا عن طلب الفضائل، ويتفاوت قصورها: فمنهم من يحفظ بعض القرآن، ولا يتوق إلى التمام، ومنهم من يسمع يسيرًا من الحديث، ومنهم من يعرف قليلًا من الفقه، ومنهم من قد رضي من كل شيء بيسيره، ومنهم متقصر على الفرائض، ومنهم قنوع بصلاة ركعتين في الليل، ولو علت بهم الهمم، لجدت في تحصيل كل الفضائل، ونبت١ عن النقص، فاستخدمت البدن، كما قال الشاعر٢: ولكل جسم في النحول بليةٌ ... وبلاء جسمي من تفاوت همَّتِي ١٠٣٩- ويدل على تفاوت الهمم أن في الناس من يسهر في سماع سمر، ولا يسهل عليه السهر في سماع القرآن! والإنسان يحشر، ومعه تلك الهمة، فيعطى على مقدار ما حصلت في الدنيا، فكما لم تتق إلى الكمال، وقنعت بالدون، قنعت في الآخرة بمثل ذلك. ١٠٤٠- ثم إن القوم يتفكرون بعقولهم، فيعلمون أن الجزاء على قدر العمل، ولا يطمع من صلى ركعتين في ثواب من صلى ألفًا. ١٠٤١- فإن قال قائل: فكيف يتصور لها ألا تروم ما ناله من هو أفضل منها!! قلت: إن لم يتصور نيله، [فكيف] يتصور الحزن على فوته؟! وهل رأيت عاميًا يحزن على فوات الفقه حزنًا يفلقه؟! هيهات! لو كان ذلك الحزن عنده، لحركة إلى التشاغل! فليس عندهم همة توجب الأسف، مع أنهم قد رضوا بما هم فيه. فافهم ما قلته، وبادر، فهذا ميدان السباق.

стр. 516

٢٢٦- فصل: الحكمة من أخذ الجزية . ١٠٤٢- تفكرت في إبقاء اليهود والنصارى بيننا، وأخذ الجزية منهم؛ فرأيت في ذلك حكمًا عجيبةً: منها: ما قد ذكر أن الإسلام كان ضعيفًا، فتقوى بما يؤخذ من جزيتهم. ومنها: ظهور عزه بذلهم. إلى غير ذلك مما قد قيل. ووقع لي فيه معنى عجيب، وهو أن وجودهم وتعبدهم، وحفظهم شرع نبيهم ﷺ دليل على أنه قد كان أنبياء وشرائع، وأن نبينا ﷺ ليس ببدع من الرسل؛ فقد اجتمعت الجن وهم على إثبات صانع، وإقرار برسل، فبان أننا ما ابتدعنا ما لم يكن. وهم يصبرون على باطلهم، ويؤدون الجزية، فكيف لا نصبر على حق، والدولة لنا، وفي بقائهم احترام لما كان صحيحًا من الدين، وليرجع متبصر، وليستعمل مفكر.

стр. 517

٢٢٧- فصل: ينبغي للعالم أن يأخذ طرفًا من كل علم . ١٠٤٣- قد ثبت بالدليل شرف العلم وفضله، إلا أن طلاب العلم افترقوا، فكل تدعوه نفسه إلى شيء: فمنهم من أذهب عمره في القراءات، وذاك تفريط في العمر؛ لأنه إنما ينبغي أن يعتمد على المشهور منها لا على الشاذ، وما أقبح القارئ يسأل عن مسألة في الفقه، وهو لا يدري! وليس ما شغله عن ذلك إلا كثرة الطرق في روايات القراءات!! ومنهم من يتشاغل بالنحو وعلله فحسب، ومنهم من يكتب الحديث، ويكثر، ولا ينظر في فهم ما كتب. وقد رأينا في مشايخنا المحدثين من كان يسأل عن مسألة في الصلاة، فلا يدري ما يقول! وكذلك القراء! وكذلك أهل اللغة والنحو! ١٠٤٤- وحدثني عبد الرحمن بن عيسى الفقيه، قال: حدثني ابن المنصوري، قال: حضرنا مع أبي محمد بن الخشاب١، وكان إمام الناس في النحو واللغة،

стр. 518

فتذاكروا الفقه، فقال: سلوني عما شئتم! فقال له رجل: إن قيل لنا: رفع اليدين في الصلاة، ما هو؟ فماذا تقول؟ فقال: هو ركن! فدهشت الجماعة من قلة فقهه. وإنما ينبغي أن يأخذ من كل علم طرفًا، ثم يهتم بالفقه، ثم ينظر في مقصود العلوم، وهو المعاملة لله سبحانه، والمعرفة به، والحب له. ١٠٤٥- وما أبله من يقطع عمره في معرفة علم النجوم! وإنما ينبغي أن يعرف من ذلك التسيير والمنازل لعلم الأوقات١؛ فأما النظر فيما يدعي أنه القضاء والحكم، فجهل محض؛ لأنه لا سبيل إلى علم ذلك حقيقة، وقد جرب فبان جهل مدعيه، وقد تقع الإصابة في وقت، وعلى تقدير الإصابة! لا فائدة فيه إلا تعجيل الغم! فإن قال قائلٌ: يمكن دفع ذلك، فقد سلم أنه لا حقيقة له! ١٠٤٦- وأبله من هؤلاء من يتشاغل بعلم الكيمياء٢؛ فإنه هذيان فارغ، وإذا كان لا يتصور قلب الذهب نحاسًا، لم يتصور قلب النحاس ذهبًا، فإنما فاعل هذا مستحل للتدليس على الناس في النقود. هذا إذا صح له مراده! ١٠٤٧- وينبغي لطالب العلم أن يصحح قصده، إذ فقدان الإخلاص يمنع قبول الأعمال! وليجتهد في مجالسة العلماء، والنظر في الأقوال المختلفة، وتحصيل الكتب، فلا يخلو كتاب من فائدة! وليجعل همته للحفظ، ولا ينظر، ولا يكتب إلا وقت التعب من الحفظ! وليحذر صحبة السلطان! ولينظر في منهاج الرسول ﷺ والصحابة والتابعين! وليجتهد في رياضة نفسه، والعمل بعلمه! ومن تولاه الحق، وفقه.

стр. 519

٢٢٨- فصل: الكبر والحسد يغطيان نور العقل ١٠٤٨- طال تعجبي من أقوام لهم أنفة، وعندهم كبر زائد في الحد! خصوصًا العرب، الذين من كلمة ينفرون، ويحاربون، ويرضون بالقتل! حتى إن قومًا منهم

стр. 520

أدركوا الإسلام، فقالوا: كيف نركع ونسجد فتعلونا أستاهنا١؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود"٢، ومع هذه الأنفة، يذلون لمن هم خير منه، هذا يعبد حجرًا! وهذا يعبد خشبة! وقد كان قوم يعبدون الخيل والبقر! وإن هؤلاء لأخس من إبليس، فإن إبليس أنف -لادعائه الكمال- أن يسجد لناقص، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [ص: ٧٦] ! وفرعون أنف أن يعبد شيئًا أصلًا! فالعجب من ذل هؤلاء المفتخرين المتعاظمين المتكبرين لحجر أو خشبة! وإنما ينبغي أن يذل الناقص للكاملين!! وقد أشير إلى هذا في ذم الأصنام في قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] ، والمعنى: أنتم لكم هذه الآلات المدركة، وهم ليس لهم، فكيف يعبد الكامل الناقص؟! غير أن هوى القوم في متابعة الأسلاف، واستحلاء ما اخترعوه بآرائهم؛ غطى على العقول، فلم تتأمل حقائق الأمور! ١٠٤٩- ثم غطى الحسد على أقوام فتركوا الحق، وقد عرفوه! فأمية بن أبي الصلت٣ يقر برسول الله ﷺ ، ويقصده ليؤمن به، ثم يعود فيقول: لا أومن برسول ليس من ثقيف. وأبو جهل يقول: والله، ما كذب محمد قط، ولكن، إذا كانت السدانة والحجابة في بني هاشم، ثم النبوة، فما بقي لنا؟! وأبو طالب يرى المعجزات، ويقول: إني لأعلم أنك على الحق، ولولا أن تعيرني نساء قريش، لأقررت بها عينك٤. فتعوذ بالله من ظلمة حسد، وغيابة كبر، وحماقة هوى، تغطي على نور العقل، ونسأله إلهام الرشد، والعمل بمقتضى الحق.

стр. 521

٢٢٩- فصل: من الصالحين من غلب عليه الرفق ومنهم من غلب عليه الخوف ١٠٥٠- قد سمعنا بجماعة من الصالحين عاملوا الله على طريق السلامة والمحبة واللطف، فعاملهم كذلك؛ لأنهم لا يحتمل طبعهم غير ذلك، ففي الأوائل برخ العابد، خرج يستسقي، فقال [مناجيًا الله] : ما هذا الذي لا نعرفه منك؟! اسقنا الساعة فسقوا. وفي الصحابة أنس بن النضر، يقول: والله، لا تكسر سن الربيع. فجرى الأمر كما قال، فقال النبي ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره". وهؤلاء قوم غلب عليهم ملاحظة اللطف والرفق، فلطف بهم، وأجروا على ما اعتقدوا. ١٠٥١- وهناك أعلى من هؤلاء، يسألون فلا يجابون، وهم بالمنع راضون، ليس لأحدهم انبساط، بل قد قيدهم الخوف، ونكس رؤوسهم الحذر، ولم يروا ألسنتهم أهلًا للانبساط؛ فغاية آمالهم العفو، فإن انبسط أحدهم بسؤال، فلم ير الإجابة، عاد على نفسه بالتوبيخ، فقال: مثلك لا يجاب! وربما قال: لعل المصلحة في منعي. وهؤلاء الرجال حقًّا. ١٠٥٢- والأبله الذي يرى له من الحق أن يجاب؛ فإن لم يجب، تذمر في باطنه، كأنه يطلب أجرة عمله، وكأنه قد نفع الخالق بعبادته! وإنما العبد حقًّا من يرضى ما يفعله الخالق، فإن سأل، فأجيب، رأى ذلك فضلًا، وإن منع، رأى تصرف مالك في مملوك، فلم يجل في قلبه اعتراض بحال.

стр. 522

٢٣٠- فصل: العلم معرفة الأصول . ١٠٥٣- رأيت جماعة من العلماء يتفسحون١، ويظنون أن العلم يدفع عنهم!

стр. 523

وما يدرون أَنَّ العلم خصمهم! وأنه يغفر للجاهل سبعون ذنبًا قبل أن يغفر للعالم ذنب، وذاك؛ لأن الجاهل لم يتعرف بالحق، والعالم لم يتأدب معه. ١٠٥٤- ورأيت بعض القوم يقول: أنا قد ألقيت منجلي بين الحصادين ونمت! ثم كان يتفسح في أشياء لا تجوز!! فتفكرت؛ فإذا العلم -الذي هو معرفة الحقائق، والنظر في سير القدماء، والتأدب بآداب القوم، ومعرفة الحق، وما يجب له ليس عند القوم، إن ما عندهم صور ألفاظ، يعرفون بها ما يحل وما يحرم، وليس كذلك العلم النافع، إنما العلم فهم الأصول، ومعرفة المعبود وعظمته، وما يستحقه، والنظر في سير الرسول ﷺ وصحابته، والتأدب بآدابهم، وفهم ما نقل عنهم، هو العلم النافع الذي يدع أعظم العلماء أحقر عند نفسه من أجهل الجهال. ١٠٥٥- ورأيت بعض من تعبد مدة، ثم فتر، فبلغني أنه قال: عبدته عبادة ما عبده بها أحد!! والآن قد ضعفت. فقلت: ما أخوفني أن تكون كلمته هذه سببًا لرد الكل! لأنه قد رأى أنه عمل مع الحق شيئًا، وإنما وقف يسأل النجاة بطلب الدرجات، ففي حق نفسه فعل، وما مثله إلا كمثل من وقف يكدي١، فلا ينبغي أن يمن على المعطي. وإنما سبب هذا الانبساط الجهل بالحقائق. وأين هو من كبار علماء المعاملة، والذين كان فيهم مثل صلة بن أشيم٢، إذا رآه السبع، هرب منه، وهو يقول إذا انقضى الليل عند صلاته: يا رب! أجرني من النار، أو٣ مثلي يسأل الجنة؟! وأبلغ من ذا قول عمر: وددت أن أنجو كفافًا لا لي ولا علي ٤! وقول سفيان عند موته لحماد بن سلمة: أترجو لمثلي أن ينجو من النار. وقول أحمد: لا، بعد. ١٠٥٦- فأنا أحمد الله إذ تخلصت من جهل المتسمين بالعلم من هؤاء الذين ذممتهم، وبالزهد من هؤلاء الذين عبتهم، فإني قد اطلعت من عظمة الخالق

стр. 524

وسير المحققين على ما يخرس لسان الانبساط، ويمحو النظر إلى كل فعل، وكيف أنظر إلى فعلي المستحسن، وهو الذي وهبه لي، وأطلعني على ما خفي عن غيري؟! فهل حصل ذلك بي أو بلطفه؟ وكيف أشكر توفيقي للشكر؟! ١٠٥٧- ثم أي عالم إذا سبر أمور العلماء من القدماء لا يحتقر نفسه١؟! هذا في صورة العلم، فدع معناه. وأي عابد يسمع بالعباد، ولا يجري في صورة التعبد؟! فدع المعنى. نسأل الله معرفة تعرفنا أقدارنا، حتى لا يبقى للعجب بمحتقر ما عندنا أثر في قلوبنا، ونرغب إليه في معرفة لعظمته تخرس الألسن أن تنطق بالإدلال، ونرجو من فضله توفيقًا نلاحظ به آفات الأعمال التي بها تزهو، حتى تثمر الملاحظة لعيوبها الخجل من وجودها! إنه قريب مجيب.

стр. 525

٢٣١- فصل: سبب تنغيص العيش فوات الحظوظ العاجلة ١٠٥٨- سبب تنغيص العيش فوات الحظوظ العاجلة. وليس في الدنيا طيب عيش على الدوام؛ إلا للعارف الذي شغله رضا حبيبه، والتزود للرحيل إليه، فإنه إن وجد راحة في الدنيا، استعان بها على طلب الآخرة، وإن وجد شدة، اغتنم الصبر عليها لثواب الآخرة، فهو راضٍ بكل ما يجري عليه، يرى ذلك من قضاء الخالق، ويعلم أنه مراده، كما قال قائلهم: إن كان رضاكم في سهري ... فسلام الله على وسني ١٠٥٩- فأما من طلب حظه؛ فإنه يقلق لفوت مراده، ويتنغص لبعد ما يشتهي، فلو افتقر، تغير قلبه، ولو ذل، تغير، وهذا؛ لأنه قائم مع غرضه وهواه. ١٠٦٠- وما أحسن قول الحصري١:

стр. 526

إيْش علي مني ... وإيش لي في؟! وهذا كلام عارفٍ؛ لأنه إن ينظر إلى حقيقة الملكية١، فعبد يتصرف فيه مولاه، فاعتراضه لا وجه له، وإرادته أن يقع غير ما يجب فضول في البين٢. وإن نظر أن النفس كالملك له، فقد خرجت عن يده من يوم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾ [التوبة: ١١١] ، أفيحسن لمن باع شاة أن يغضب على المشتري إذا ذبحها، أو يتغير قلبه؟! ١٠٦١- والله، لو قال المالك سبحانه: إنما خلقتكم ليستدل على وجودي، ثم أنا أفنيكم، ولا إعادة؛ لكان يجب على النفوس العارفة به أن تقول: سمعًا لما قلت وطاعة، وأي شيء لنا فينا حتى نتكلم؟! فكيف وقد وعد بالأجر الجزيل، والخلود في النعيم الذي لا ينفد؟! ١٠٦٢- لكن طريق الوصول تحتاج إلى صبر على المشقة، وما يبقى لتعب رمل زرود أثر إذا لاح الحرم. ١٠٦٣- فالصبر الصبر يا أقدام المبتدئين! لاح المنزل. والسرور السرور يا متوسطين! ضربت الخيم. والفرح الكامل يا عارفين! قد تلقيتم بالبشائر ... ١٠٦٤- زالت والله أثقال المعاملات عنكم، فكانت معرفتكم بالمبتلي حلاوة أعقبت شربة المجاهدة، فلم يبق في الفم للمر أثر، تخايلوا قرب المناجاة ولذة الحضور، ودوار كؤوس الرضا عنكم، فقد أخذت شمس الدنيا في الأفول: ما بيننا إلا تصرْ ... رم هذه السبع البواقي ٣ حتى يطول حديثنا ... بصنوف ما كنا نلاقي

стр. 527

٢٣٢- فصل: عُدّ منع الله إياك عطاء لك ١٠٦٥- تفكرت في قول شيبان الراعي١ لسفيان: يا سفيان! عد منع الله إياك

стр. 528

عطاءً منه لك؛ فإنه لم يمنعك بخلًا، إنما منعك لطفًا. فرأيته كلام من قد عرف الحقائق. ١٠٦٦- فإن الإنسان قد يريد المستحسنات الفائقات فلا يقدر، وعجزه أصلح له؛ لأنه لو قدر عليهن، تشتت قلبه، إما بحفظهن، أو بالكسب عليهن. فإن قوي عشقه لهن؛ ضاع عمره، وانقلب هم الآخرة إلى الاهتمام بهن. فإن لم يردنه، فذاك الهلاك الأكبر. وإن طلبن نفقة، لم يطقها؛ كان سبب ذهاب مروءته وهلاك عرضه. وإن أردن الوطء، وهو عاجز، فربما أهلكنه أو فجرن. وإن مات مشعوقه، هلك هو أسفًا. فالذي يطلب الفائق يطلب سكينًا لذبحه، وما يعلم. ١٠٦٧- وكذلك إنفاذ قدر القوت؛ فإنه نعمة، وفي "الصحيحين": أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم! اجعل رزق آل محمد قوتًا". ومتى كثر، تشتت الهم. فالعاقل من علم أن الدنيا لم تخلق للتنعيم، فقنع بدفع الوقت على كل حال.

стр. 529

٢٣٣- فصل: التعلل بالأقدار ١٠٦٨- رأيت جماعة من الخلق يتعللون بالأقدار، فيقول قائلهم: إن وفقت، فعلت! وهذا تعلل بارد١، ودفع للأمر بالراح٢، وهو يشير إلى رد أقوال الأنبياء والشرائع جميعها؛ فإنه لو قال كافر للرسول: إن وفقني، أسلمت! لم يجبه إلا بضرب العنق. وهذا من جنس قول الناس٣ لعلي ﵁: ندعوك إلى كتاب الله. فقال: كلمة حق أريد بها باطل، وكذلك قول الممتنعين عن الصدقة: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ "يس: ٤٧"! ١٠٦٩- ولعمري إن التوفيق أصل الفعل، ولكن التوفيق أمر خفي، والخطاب بالفعل أمر جلي، فلا ينبغي أن يتشاغل عن الجلي بذكر الخفي.

стр. 530

١٠٧٠- ومما يقطع هذا الاحتجاج أن يقال لهذا القائل: إن الله سبحانه لم يكلفك شيئًا إلا وعندك أدوات ذلك الفعل، ولك قدرة عليه؛ فإن كانت القدرة عليه معدومة، والأدوات غير محصلة، فلا أمر، ولا تكليف. وإن كنت تسعى بتلك الأدوات في تحصيل غرضك وهواك، فاسع بها في إقامة مفروضك. ١٠٧١- مثال ذلك: أنك تسافر في طلب الربح، وتسأل الحج، فلا تفعل! ويقل عليك الانتباه بالليل، فلو أردت الخروج إلى العيد، انتبهت سحرًا! وتقف في بعض أغراضك مع صديق تحادثه ساعات، فإذا وقفت في الصلاة، استعجلت، وثقل عليك! ١٠٧٢- فإياك إياك أن تتعلق بأمر لا حجة لك فيه! ثم من نصيبك ينقص، ومن حظك يضيع؛ فإنما تحرك لك، وإنما تحرض لنفعك، فبادر، فإنك مبادر بك! ومما يزيل كسلك -إن تأملته- أن تتخايل ثواب المجتهدين، وقد فاتك! ويكفي ذلك في توبيخ المقصر إن كانت له نفس، فأما الميت الهمة، فـ: .......................... ... ما لجرح بميت إيلام١ ١٠٧٣- كيف بك إذا قمت من قبرك، وقد قربت نجائب٢ النجاة لأقوام وتعثرت، وأسرعت أقدام الصالحين على الصراط وتخبطت؟! هيهات! ذهبت حلاوة البطالة، وبقيت مرارة الأسف، ونضب ماء كأس الكسل، وبقي رسول الندامة! وما قدر البقاء في الدنيا بالإضافة إلى دوام الآخرة؟! ثم ما قدر عمرك في الدنيا، ونصفه نوم، وباقيه غفلة؟ ١٠٧٤- فيا خاطبًا حور الجنة، وهو لا يملك فلسًا من عزيمةٍ! افتح عين الفكر في ضوء العبر، لعلك تبصر مواقع خطابك! فإن رأيت تثبيطًا من الباطن، فاستغث بعون اللطف، وتنبه في الأسحار، لعلك تتلمح ركب الأرباح! وتعلق على
следующие страницы →