← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

إيْش علي مني ... وإيش لي في؟! وهذا كلام عارفٍ؛ لأنه إن ينظر إلى حقيقة الملكية١، فعبد يتصرف فيه مولاه، فاعتراضه لا وجه له، وإرادته أن يقع غير ما يجب فضول في البين٢. وإن نظر أن النفس كالملك له، فقد خرجت عن يده من يوم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾ [التوبة: ١١١] ، أفيحسن لمن باع شاة أن يغضب على المشتري إذا ذبحها، أو يتغير قلبه؟! ١٠٦١- والله، لو قال المالك سبحانه: إنما خلقتكم ليستدل على وجودي، ثم أنا أفنيكم، ولا إعادة؛ لكان يجب على النفوس العارفة به أن تقول: سمعًا لما قلت وطاعة، وأي شيء لنا فينا حتى نتكلم؟! فكيف وقد وعد بالأجر الجزيل، والخلود في النعيم الذي لا ينفد؟! ١٠٦٢- لكن طريق الوصول تحتاج إلى صبر على المشقة، وما يبقى لتعب رمل زرود أثر إذا لاح الحرم. ١٠٦٣- فالصبر الصبر يا أقدام المبتدئين! لاح المنزل. والسرور السرور يا متوسطين! ضربت الخيم. والفرح الكامل يا عارفين! قد تلقيتم بالبشائر ... ١٠٦٤- زالت والله أثقال المعاملات عنكم، فكانت معرفتكم بالمبتلي حلاوة أعقبت شربة المجاهدة، فلم يبق في الفم للمر أثر، تخايلوا قرب المناجاة ولذة الحضور، ودوار كؤوس الرضا عنكم، فقد أخذت شمس الدنيا في الأفول: ما بيننا إلا تصرْ ... رم هذه السبع البواقي ٣ حتى يطول حديثنا ... بصنوف ما كنا نلاقي

стр. 527

٢٣٢- فصل: عُدّ منع الله إياك عطاء لك ١٠٦٥- تفكرت في قول شيبان الراعي١ لسفيان: يا سفيان! عد منع الله إياك

стр. 528

عطاءً منه لك؛ فإنه لم يمنعك بخلًا، إنما منعك لطفًا. فرأيته كلام من قد عرف الحقائق. ١٠٦٦- فإن الإنسان قد يريد المستحسنات الفائقات فلا يقدر، وعجزه أصلح له؛ لأنه لو قدر عليهن، تشتت قلبه، إما بحفظهن، أو بالكسب عليهن. فإن قوي عشقه لهن؛ ضاع عمره، وانقلب هم الآخرة إلى الاهتمام بهن. فإن لم يردنه، فذاك الهلاك الأكبر. وإن طلبن نفقة، لم يطقها؛ كان سبب ذهاب مروءته وهلاك عرضه. وإن أردن الوطء، وهو عاجز، فربما أهلكنه أو فجرن. وإن مات مشعوقه، هلك هو أسفًا. فالذي يطلب الفائق يطلب سكينًا لذبحه، وما يعلم. ١٠٦٧- وكذلك إنفاذ قدر القوت؛ فإنه نعمة، وفي "الصحيحين": أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم! اجعل رزق آل محمد قوتًا". ومتى كثر، تشتت الهم. فالعاقل من علم أن الدنيا لم تخلق للتنعيم، فقنع بدفع الوقت على كل حال.

стр. 529

٢٣٣- فصل: التعلل بالأقدار ١٠٦٨- رأيت جماعة من الخلق يتعللون بالأقدار، فيقول قائلهم: إن وفقت، فعلت! وهذا تعلل بارد١، ودفع للأمر بالراح٢، وهو يشير إلى رد أقوال الأنبياء والشرائع جميعها؛ فإنه لو قال كافر للرسول: إن وفقني، أسلمت! لم يجبه إلا بضرب العنق. وهذا من جنس قول الناس٣ لعلي ﵁: ندعوك إلى كتاب الله. فقال: كلمة حق أريد بها باطل، وكذلك قول الممتنعين عن الصدقة: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ "يس: ٤٧"! ١٠٦٩- ولعمري إن التوفيق أصل الفعل، ولكن التوفيق أمر خفي، والخطاب بالفعل أمر جلي، فلا ينبغي أن يتشاغل عن الجلي بذكر الخفي.

стр. 530

١٠٧٠- ومما يقطع هذا الاحتجاج أن يقال لهذا القائل: إن الله سبحانه لم يكلفك شيئًا إلا وعندك أدوات ذلك الفعل، ولك قدرة عليه؛ فإن كانت القدرة عليه معدومة، والأدوات غير محصلة، فلا أمر، ولا تكليف. وإن كنت تسعى بتلك الأدوات في تحصيل غرضك وهواك، فاسع بها في إقامة مفروضك. ١٠٧١- مثال ذلك: أنك تسافر في طلب الربح، وتسأل الحج، فلا تفعل! ويقل عليك الانتباه بالليل، فلو أردت الخروج إلى العيد، انتبهت سحرًا! وتقف في بعض أغراضك مع صديق تحادثه ساعات، فإذا وقفت في الصلاة، استعجلت، وثقل عليك! ١٠٧٢- فإياك إياك أن تتعلق بأمر لا حجة لك فيه! ثم من نصيبك ينقص، ومن حظك يضيع؛ فإنما تحرك لك، وإنما تحرض لنفعك، فبادر، فإنك مبادر بك! ومما يزيل كسلك -إن تأملته- أن تتخايل ثواب المجتهدين، وقد فاتك! ويكفي ذلك في توبيخ المقصر إن كانت له نفس، فأما الميت الهمة، فـ: .......................... ... ما لجرح بميت إيلام١ ١٠٧٣- كيف بك إذا قمت من قبرك، وقد قربت نجائب٢ النجاة لأقوام وتعثرت، وأسرعت أقدام الصالحين على الصراط وتخبطت؟! هيهات! ذهبت حلاوة البطالة، وبقيت مرارة الأسف، ونضب ماء كأس الكسل، وبقي رسول الندامة! وما قدر البقاء في الدنيا بالإضافة إلى دوام الآخرة؟! ثم ما قدر عمرك في الدنيا، ونصفه نوم، وباقيه غفلة؟ ١٠٧٤- فيا خاطبًا حور الجنة، وهو لا يملك فلسًا من عزيمةٍ! افتح عين الفكر في ضوء العبر، لعلك تبصر مواقع خطابك! فإن رأيت تثبيطًا من الباطن، فاستغث بعون اللطف، وتنبه في الأسحار، لعلك تتلمح ركب الأرباح! وتعلق على

стр. 531

قطار المستغفرين، ولو خطوات، وانزل في رباع١ المجتهدين، ولو منزلًا، أي منزلٍ!

стр. 532

٢٣٤- فصل: الشريعة هي الطريق ١٠٧٥- نظرت في قول أبي الدرداء ﵁: ما أعرف شيئًا مما كنا عليه اليوم إلا القبلة! فقلت: وا عجبًا! كيف لو رآنا اليوم، وما معنا من الشريعة إلا الرسم١؟! والشريعة هي الطريق. وإنما تعرف شريعة رسول الله ﷺ إما بأفعاله أو أقواله. ١٠٧٦- وسبب الانحراف عن طريقه ﷺ : إما الجهل بها، فيجري الإنسان مع الطبع والعادات، وربما اتخذ ما يضاد الشريعة طريقًا، وقد كانت الصحابة شاهدته، وسمعت منه، فقل أن ينحرف أحد منهم عن جادته؛ إلا أن أبا الدرداء ﵁ رأى بعض الانحراف لميل الطباع، فضج، فإنه قد يعرف الإنسان الصواب، غير أن طبعه يميل عنه. ١٠٧٧- وما زالت الأحاديث المنقولة عن الرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، يقل الإسعاد بها، والنظر فيها، إلى أن أعرض عنها بالكلية في زماننا هذا، وجهلت؛ إلا النادر، واتخذت طرائق تضاد الشريعة، وصارت عادات، وكانت أسهل عند الخلق من اتباع الشريعة. وإذا كان عامة من ينسب إلى العلم قد أعرض عن علوم الشريعة، فكيف العوام؟! ولما أعرض كثير من العلماء عن المنقولات، ابتدعوا في الأصول والفروع، فالأصوليون تشاغلوا بالكلام، وأخذوه من الفلاسفة وعلماء المنطق! ودخلت أيدي الفروعيين في ذلك، فتشاغلوا بالجدل، وتركوا الحديث الذي يدور عليه الحكم! ١٠٧٨- ثم رأى القصاص أن النَّفَاق٢ بالنِّفَاق، فأقبل قوم منهم على التلبيس

стр. 533

بالزهد، ومقصودهم الدنيا! ورأى جمهورهم أن القولب تميل إلى الأغاني، فأحضروا المطربين من القراء، وأنشدوا أشعار الغزل، وتركوا الاشتغال بالحديث، ولم يلتفتوا إلى نهي العوام عن الربا والزنا، وأمرهم بأداء الواجبات! وصار متكلمهم يقطع المجلس بذكر ليلى والمجنون، والطور وموسى، وأبي يزيد والحلاج، والهذيان الذي لا محصول له! ١٠٧٩- وانفراد أقوام بالتزهد والانقطاع، فامتنعوا عن عيادة المرضى والمشي بين الناس، وأظهروا التخاشع، ووضعوا كتبًا للرياضات والتقلل من الطعام، وصارت الشريعة عندهم كلام أبي يزيد والشبلي والمتصوفة! ومعلوم أن من سبر١ الشريعة، لم ير فيها من ذاك شيئًا. ١٠٨٠- وأما الأمراء، فجروا مع العادات، وسموا ما يفعلونه من القتل والقطع سياسات، لم يعلموا فيها بمقتضى الشريعة! وتبع الأخير في ذلك المتقدم، فأين الشريعة المحمدية؟! ومن أين تعرف مع الإعراض عن المنقولات؟! نسأل الله التوفيق للقيام بالشريعة، والإعانة على رد البدع! إنه قادر.

стр. 534

٢٣٥- فصل: لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر ١٠٨١- كنت أسمع علي بن الحسين١ الواعظ يقول على المنبر: والله، لقد بكيت البارحة من يد نفسي٢. فبقيت أنا أتفكر وأقول: أي شيء قد فعلت نفس هذا حتى يبكي؟! هذا رجل متنعم، له الجواري التركيات، وقد بلغني أنه تزوج في السر بجملة من النساء، ولا يطعم إلا الغاية من الدجاج والحلوى، وله الدخل الكثير، والمال الوافر، والجاه العريض، والأفضال على الناس، وقد حصل طرفًا من العلم، واستعبد كثيرًا من العلماء بمعروفه، وراحته دائمة الندى، فما الذي يبكيه؟!

стр. 535

١٠٨٢- فتفكرت، فعلمت أن النفس لا تقف عند حد؛ بل تروم١ من اللذات ما لا منتهى له، وكلما حصل لها غرض، برد عندها، وطلبت سواه، فيفنى العمر، ويضعف البدن، ويقع النقص، ويرق الجاه، ولا يحصل المراد. وليس في الدنيا أبله ممن يطلب النهاية في لذات الدنيا، وليس في الدنيا على الحقيقة لذة، إنما هي راحة من مؤلم. ١٠٨٣- فالسعيد من إذا حصلت له امرأة أو جارية، فمال إليها، ومالت إليه، وعلم سترها ودينها: أن يعقد الخنصر٢ على صحبتها. وأكثر أسباب دوام محبتها أن لا يطلق بصره، فمتى أطلق، أو أطمع نفسه في غيرها، فإن الطمع في الجديد ينغص الخلق، وينقص المخالطة، ويستر عيوب الخارج، فتميل النفس إلى المشاهد الغريب، ويتكدر العيش مع الحاضر القريب، كما قال الشاعر: والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين العين موقوف على الخطر٣ يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبًا بسرورٍ عاد بالضرر ثم تصير الثانية كالأولى، وتطلب النفس ثالثة، وليس لهذا آخر. بل الغض عن المشتهيات، ويأس النفوس من طلب المستحسنات: يطيب العيش مع المعاشر. ومن لم يقبل هذا النصح، تعثر في طرق الهوى، وهلك على البارد، وربما سعى لنفسه في الهلاك العاجل، وفي العار الحاضر، فإن كثيرًا من المستحسنات لسن بصينات، ولا يفي التمتع بهن بالعار الحاصل، ومنهن المبذرات في المال، ومنهن المبغضة للزوج، وهو يحبها كعابد صنم.

стр. 536

١٠٨٤- وأبله البله الشيخ الذي يطلب صبية! ولعمري، إن كمال المتعة إنما يكون بالصبا، كما قال القائل١: ................................... ... لقلت: بنفسي النشأ الصغارُ ومتى لم تكن الصبية بالغةً، لم يكمل الاستمتاع! فإذا بلغت، أرادت كثرة الجماع، والشيخ لا يقدر! فإن حمل على نفسه، لم يبلغ مرادها، وهلك سريعًا. ولا ينبغي أن يغتر بشهوته الجماع، فإن شهوته كالفجر الكاذب. وقد رأينا شيخًا اشترى جارية، فبات معها، فانقلب عنها مَيْتًا. وكان في المارستان٢ شاب قد بقي شهرين بالقيام، فدخلت عليه زوجته، فوطئها، فانقلب عنها مَيْتًا. فبان أن النفس باقية بما عندها من الدم والمني، فإذا فرغا، ولم تجد ما تعتمد عليه، ذهبت. وإن قنع الشيخ بالاستمتاع من غير وطء، فهي لا تقنع، فتصير كالعدو له، فربما غلبها الهوى ففجرت، أو احتالت على قتله، خصوصًا الجواري اللواتي أغلبهن قد جئن من بلاد الشرك، ففيهن قسوة القلب. ١٠٨٥- وقبيح بمن عبر الستين أن يتعرض بكثرة النساء! فإن اتفق مع٣ صاحبة دينٍ قبل ذلك فليرع لها معاشرتها، وليتمم نقصه عندها، تارة بالإنفاق، وتارة بحسن الخلق، وليزد في تعريفها أحوال الصالحات والزاهدات، وليكثر من ذكر القيامة وذم الدنيا، وليعرض بذكر محبة العرب، فإنهم كانوا يعشقون، ولا يرون وطء المعشوق٤، كما قال قائلهم: إنما الحب قبلة ... وغمز كف وعَضُدْ

стр. 537

إنما العشق كذا ... إنْ نُكِحَ الحُبُّ فَسَدْ فإن قدر أن يشغلها بحمل أو ولدٍ، عرقلها به، فاستبقى قوته في مدة اشتغالها بذلك. فإن وطئ، فليصر عن الإنزال حفظًا لقوته، وقضاءً لحقها. ١٠٨٦- وقد قيل لبشر: لم لم تتزوج؟ فقال: على ماذا أغر مسلمة، وقد قال الله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . ١٠٨٧- والمسكين من دخل في أمر لم يتلمح عواقبه قبل الدخول، ورأى حبة الفخ، فبادر طالبًا لها، ناسيًا تعرقل الجناح والذبح. ١٠٨٨- ومجموع ما قد بسطته: حفظ البصر عن الإطلاق، ويأس النفس عن التحصيل قنوعًا بالحاصل، خصوصًا من قد علت سنه، وعلم أن الصبية عدو له، متمنية هلاكه، وهو يربيها لغيره. وفي بعض ما ذكرته ما يردع العاقل عن التعرض لهذه الآفات نسأل الله توفيقًا من فضله، وعملًا بمقتضى العقل والشرع، إنه مجيب قريب.

стр. 538

٢٣٦- فصل: ليس للأمل منتهى ولا للاغترار حدّ ١٠٨٩- أعجب الأشياء اغترار الإنسان بالسلامة، وتأميله الإصلاح فيما بعد! وليس لهذا الأمل منتهى، ولا للاغترار [حد] ، فكلما أصبح وأمسى معافى، زاد الاغترار، وطال الأمل. ١٠٩٠- وأي موعظة أبلغ من أن ترى ديار الأقران، وأحوال الإخوان، وقبور المحبوبين، فتعلم أنك بعد أيام مثلهم، ثم لا يقع انتباه حتى ينتبه الغير بك؟! وهذا والله شأن الحمقى! حوشي من له عقل أن يسلك هذا المسلك. ١٠٩١- بلى والله، إن العاقل ليبادر السلامة، فيدخر من زمنها للزمن، ويتزود عند القدرة على الزاد لوقت العسرة، خصوصًا لمن قد علم أن مراتب الآخرة إنما تعلو بمقدار علو العمل لها، وأن التدارك بعد الفوت لا يمكن. وقدر أن العاصي عفي عنه، أينال مراتب العمال؟!

стр. 539

١٠٩٢- ومن أجال على خاطره ذكر الجنة، التي لا موت فيها ولا مرض، ولا نوم ولا غم، بل لذاتها متصلة من غير انقطاع، وزيادتها على قدر زيادة الحد هاهنا، انتهب هذا الزمان، فلم ينم إلا ضرورة، ولم يغفل عن عمره١ لحظة. ١٠٩٣- ومن رأى أن ذنبًا قد مضت لذته، وبقيت آفاته دائمة، كفاه ذلك زاجرًا عن مثله، خصوصًا الذنوب التي تتصل آثارها، مثل أن يزني بذات زوج، فتحمل منه، فتلحق بالزوج، فيمنع الميراث أهله، ويأخذه من ليس من أهله، وتتغير الأنساب والفرش، ويتصل ذلك أبدًا، وكله شؤم لحظة. فنسأل الله توفيقًا يلهم الرشاد، ويمنع الفساد، إنه قريب مجيب.

стр. 540

٢٣٧- فصل: سبب تخليط العقائد قياس الحاضر على الغائب ١٠٩٤- تأملت سبب تخليط العقائد، فإذا هو الميل إلى الحس، وقياس الغائبات على الحاضر؛ فإن أقوامًا غلب عليهم الحس؛ فلما لم يشاهدوا الصانع، جحدوا وجوده، ونسوا أنه قد ظهر بأفعاله، وأن هذه الأفعال لا بد لها من فاعل، فإن العاقل إذا مر على صحراء خالية، ثم عاد وفيها غرس وبناء، علم أنه لا بد من غارس إذ الغرس لا يكون بنفسه ولا البناء. ١٠٩٥- ثم جاء قوم، فأثبتوا وجود الصانع، ثم قاسوه على أحوالهم، فشبهوا، حتى إن قائلهم يقول في قوله ﷺ : "ينزل إلى السماء": ينتقل! ويستدل بأن العرب لا تعرف النزول إلا الانتقال. وضل خلق كثير في صفاته، كما ضل خلق كثير في ذاته، فظن أقوام أنه يتأثر حين سمعوا أنه يغضب ويرضى، ونسوا أن صفته تعالى قديمة، لا يحدث منها شيء. وضل خلق في أفعاله، فأخذوا يعللون، فلم يقنعوا بشيء، فخرج منهم قوم إلى أن تسبوا فعله إلى ضد "الحكمة" تعالى عن ذلك!! ١٠٩٦- ومن رزق التوفيق، فليحضر قلبه لما أقول: أعلم أن ذاته سبحانه لا

стр. 541

تشبه الذوات، وصفاته ليست كالصفات، وأفعاله لا تقاس بأفعال الخلق. أما ذاته سبحانه، فإنا لا نعرف ذاتًا: إلا أن تكون جسمًا، وذاك يستدعي سابقة تأليفٍ، وهو منزه عن ذلك؛ لأن المؤلف، إما أن يكون جوهرًا، فالجوهر متحيز، وله أمثال، وقد جل عن ذلك. أو عرضًا، فالعرض لا يقوم بنفسه، بل بغيره، وقد تعالى عن ذلك. فإذا أثبتنا ذاتًا قديمةً خارجةً عما يعرف، فليعلم أن الصفات تابعة تلك الذات، فلا يجوز لنا أن نقيس شيئًا على ما نفعله ونفهمه، بل نؤمن به، ونسلمه. وكذلك أفعاله، فإن أحدنا لو فعل فعلًا لا يجتلب به نفعًا، ولا يدفع عنه ضرًّا، عد عابثًا، وهو سبحانه أوجد الخلق، لا لنفع يعود إليه ولا لدفع ضر، إذ المنافع لا تصل إليه، والمضار لا تتطرق عليه. ١٠٩٧- فإن قال قائل: إنما خلق الخلق لينفعهن. قلنا: يبطله أنه خلق منهم صنفًا للكفر، وعذبهم، ونراه يؤلم الحيوان والأطفال، ويخلق المضار، وهو قادر أن لا يفعل ذلك. ١٠٩٨- فإن قال قائل: إنه يثيب على ذلك. قلنا: وهو قادر أن يثيب بلا هذه الأشياء، فإن السلطان لو أراد أن يغني فقيرًا، فجرحه، ثم أغناه، ليم على ذلك؛ لأنه قادر أن يغنيه بلا جراح. ١٠٩٩- ثم من يرى ما جرى لرسول الله ﷺ وعلى أصحابه من الجوع والقتل، مع قدرة الناصر، ثم يسأل في أمه فلا يجاب، ولو كان المسؤول بعضنا، قلنا: لم تمنع ما لا يضرك؟! ١١٠٠- غير أن الحق سبحانه لا تقاس أفعاله على أفعالنا، ولا تعلل، والذي يوجب علينا التسليم أن حكمته فوق العقل، فهي تقضي على العقول، والعقول لا تقضي عليها، ومن قاس فعله على أفعالنا، غلط الغلط الفاحش. ١١٠١- وإنما هلكت المعتزلة من هذا الفن، فإنهم قالوا: كيف يأمر بشيء ويقضي بامتناعه؟! ولو أن إنسانًا دعانا إلى داره، ثم أقام من يصد الداخل، لعيب.

стр. 542

ولقد صدقوا فيما يتعلق بالشاهد، فأما من أفعاله لا تعلل، ولا يقاس بشاهد؛ فإنا لا نصل إلى معرفة حكمته. ١١٠٢- فإن قال قائل: فكيف يمكنني أن أقود عقلي إلى ما ينافيه؟ قلنا: لا منافاة؛ لأن العقل قد قطع بالدليل الجلي أنه حكيم، وأنه مالك، والحكيم لا يفعل شيئًا إلا لحكمة، غير أن تلك الحكمة لا يبلغها العقل. ألا ترى أن الخضر ﵇ خرق سفينة، وقتل شخصًا، فأنكر عليه موسى ﵇ بحكم العلم، ولم يطلع على حكمه فعله، فلما أظهر له الحكمة، أذعن؟ ولله المثل الأعلى. ١١٠٣- فإياك إياك أن تقيس شيئًا من أفعاله على أفعال الخلق، أو شيئًا من صفاته، أو ذاته ، فإنك إن حفظت هذا، سلمت من التشبيه الذي وقع فيه من رأى الاستواء اعتمادًا، والنزول نقلة، ونجوت من الاعتراض، الذي أخرج قومًا إلى الكفر، حتى طعنوا في الحكمة. ١١٠٤- وأول القوم١ إبليس، فإنه رأى تقديم الطين على النار ليس بحكمة، فنسي أنه إنما علم ذلك -بزعمه- بالفهم الذي وهب له، والعقل الذي منحه، فنسي أن الواهب أعلم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] ! ١١٠٥- ولقد رأيت لابن الرومي٢ اعتراضًا على من يقول بتخليد الكفار في النار، قال: إن ذلك التأبيد مزيد من الانتقام، ينكره العقل، وينبغي أن يقبل كل ما يقوله العقل، ولا يرد بعضه، إذ ليس رد بعضه بأولى من رد الكل، وتخليط الكفار لا غرض فيه للمعذب ولا للمعذب، فلا يجوز أن يكون. فقلت: العجب من هذا الذي يدعي وجود العقل، ولا عقل عنده! وأول ما أقول له: أصح عندك الخبر عن الخالق سبحانه أنه أخبر بخلود أهل النار، أم لم يصح؟ فإن كان [ما] صح عنده، فالكلام إذن في إثبات النبوة، وصحة القرآن، فما وجه ذكرك الفرع مع جحد الأصل؟!

стр. 543

وإن قال: قد ثبت عندي: فواجب عليه أن يتمحل١ لإقامة العذر؛ إلا أن يقف في وجه المعارضة. ١١٠٦- وإنما ينكر هذا من يأخذ الأمر من الشاهد، وقد بينا أن ذات الحق لا كالذوات، وأن صفاته لا كالصفات، وأن أفعاله لا تعلل. ولو تلمح شيئًا من التعليل لخلود الكفار، لبان؛ إذ من الجائز أن يكون دوام تعذيبهم لإظهار صدق الوعيد، فإنه قال: من كفر بي، خلدته في العذاب، ولا جناية كالكفر، ولا عقوبة كدوام الإحراق، فهو يدوم ليظهر صدق الوعيد٢. ومن الجائز أن يكون ذلك لتتمة تنعيم المؤمنين، فإنهم أعداء الكفار، وقد قال سبحانه: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] ، وكم من قلق في صدر، وحنق على أبي جهل فيما فعل! وكم من غم في قلب عمَّارٍ، وأمه سمية وغيرهم من أفعال الكفار بهم! فدوام عذابهم شقاء لقلوب أهل الإيمان. ومن الجائز أن يدوم العذاب لدوام الاعتراض، وذكر المعذب بما لا يحسن، فكلما زاد عذابهم، زاد كفرهم واعتراضهم، فهم يعذبون لذلك. ودليل دوام كفرهم: ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] ، فإذن كفرهم ما زال، ومعرفتهم به ما حصلت، والشر كامن في البواطن، وعلى ذلك يقع التعذيب: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] .

стр. 544

٢٣٨- فصل: ليكن همّ العاقل إقامة الحق والرضا به ١١٠٧- ينبغي للمؤمن بالله سبحانه إذا نظر في الفصل الذي قد تقدم هذا ألا يعترض على الله سبحانه في شيء، لا في باطنه، ولا في ظاهره، ولا يطلب تعليلات أفعاله كلها، فإن المتكلمين أعرضوا عن السنن، وتكلموا بآرائهم، فما صفا لهم شرب١، بدليل اختلافهم. وكذلك إضمار القياس؛ فإنهم لما أعلموه، جاءت

стр. 545

أحاديث تعكر عليهم. والصواب التعليل لما يمكن، والتسليم لما يخفى. ١١٠٨- وكذلك سؤال الحق سبحانه، فإذا دعاه المؤمن، ولم ير إجابة: سلم، وفوض، وتأول للمنع، فيقول: ربما يكون المنع أصلح، وربما يكون لأجل ذنوبي، وربما يكون التأخير أولى، وربما لم يكن هذا مصلحة. وإذا لم يجد تأويلًا، لم يختلج في باطنه نوع اعتراض، بل يرى أنه قد تعبد بالدعاء، فإن أنعم عليه. فبفضل، وإن لم يجب، فمالك يفعل ما يشاء. على أن أكثر السؤال إنما يقع في طلب أعراض الدنيا التي إذا ردت، كان أصلح! ١١٠٩- فليكن هم العاقل في إقامة حق الحق، والرضا بتدبيره، وإن أساء١!! فمتى أقبلت عليه، أقبل على إصلاح شأنك. وإذا عرفت أنه كريم؛ فلذ به، ولا تسأل٢! ومتى أقبلت على طاعته، فمحال أن يجود صانع، وينصح في العمل، ثم لا يعطى الأجرة.

стр. 546

٢٣٩- فصل: لا تضيع لحظةً من عمرك ١١١٠- والله، إني لأتخايل دخول الجنة، ودوام الإقامة فيها، من غير مرض، ولا بصاق، ولا نوم، ولا آفة تطرأ! بل صحة دائمة، وأغراض متصلة، لا يعتورها منغص، في نعيم متجدد في كل لحظة، إلى زيادة لا تتناهى: فأطيش، ويكاد الطبع يضيق عن تصديق ذلك، لولا أن الشرع قد ضمنه! ١١١١- ومعلوم أن تلك المنازل إنما تكون على قدر الاجتهاد هاهنا. فوا عجبًا من مضيع لحظة فيها! فتسبيحة تغرس له في الجنة نخلة، أكلها دائم وظلها. فيا أيها الخائف من فوت ذلك! شجع قلبك بالرجاء.

стр. 547

ويا أيها المنزعج لذكر الموت! تلمح ما بعد مرارة الشربة١ من العافية؛ فإنه من ساعة خروج الروح، لا بل قبل خروجها، تنكشف المنازل لأصحابها، فيهون سير المجذوب للذة المنتقل إليه. "ثم الأرواح في حواصل طير تعلق في أشجار الجنة". فكل الآفات والمخافات في نهار الأجل، وقد اصفرت شمس العمر، فالبدار البدار قبل الغروب! ولا معين يرافق على تلك الطريق إلا الفكر إذا جلس مع العقل، فتذاكرا العواقب؛ فإذا فرغ ذلك المجلس، فالنظر في سير المجدين، فإنه يعود مستجلبًا للفكر منها شتى الفضائل، والتوفيق من وراء ذلك، ومتى أرادك لشيء هيأك له. ١١١٢- فأما مخالطة الذين ليس عندهم خبر، إلا من العاجلة، فهو من أكبر أسباب مرض الفهم، وعلل العقل، والعزلة عن الشر حمية، والحمية سبب العافية.

стр. 548

٢٤٠- فصل: الإعراض عن الله سبب الهموم والغموم ١١١٣- رأيت سبب الهموم والغموم: الإعراض عن الله ، والإقبال على الدنيا. وكلما فات منها شيء، وقع الغم لفواته. ١١١٤- فأما من رزق معرفة الله تعالى، استراح؛ لأنه يستغني بالرضا بالقضاء، فمهما قدر له، رضي، وإن دعا فلم ير أثر الإجابة، لم يختلج في قلبه اعتراض؛ لأنه مملوك مدبر، فتكون همته في خدمة الخالق. ١١١٥- ومن هذه صفته، لا يؤثر جمع مال، ولا مخالطة الخلق، ولا الالتذاذ بالشهوات: لأنه إما أن يكون مقصرًا في المعرفة، فهو مقبل على التعبد المحض، يزهد في الفاني لينال الباقي. وإما أن يكون له ذوق في المعرفة؛ فإنه مشغول عن الكل بصاحب الكل، فتراه متأدبًا في الخلوة به، مستأنسًا بمناجاته، مستوحشًا من مخالطة خلقه، راضيًا بما

стр. 549

يقدر له، فعيشه معه كعيش محب قد خلا بحبيبه، لا يريد سواه، ولا يهتم بغيره. ١١١٦- فأما من لم يرزق هذه الأشياء، فإنه لا يزال في تنغيص، متكدر العيش؛ لأن الذي يطلبه من الدنيا لا يقدر عليه، فيبقى أبدًا في الحسرات، مع ما يفوته من الآخرة بسوء المعاملة. نسأل الله أن يستصلحنا له، فإنه لا حول ولا قوة إلا به.

стр. 550

٢٤١- فصل: ما العيش إلا في الجنة ١١١٧- تفكرت في نفسي، فرأيتني مفلسًا من كل شيءٍ؟! إن اعتمدت على الزوجة، لم تكن كما أريد: إن حسنت صورتها، لم تكمل أخلاقها، وإن تمت أخلاقها، كانت مريدة لغرضها لا لي، ولعلها تنتظر رحيلي! وإن اعتمدت على الولد، فكذلك! والخادم والمريد لي كذلك، فإن لم يكن لهما مني فائدة، لم يريداني! وأما الصديق، فليس ثم! وأخ في الله كنعقاء مغرب١! ومعارف يفتقدون أهل الخير، ويعتقدون فيهم قد عدموا! وبقيت وحدي، وعدت إلى نفسي، وهي لا تصفوا لي أيضًا، ولا تقيم على حالةٍ سليمةٍ! فلم يبق إلا الخالق سبحانه، فرأيت أني: إن اعتمدت على إنعامه، فما آمن ذلك البلاء، وإن رجوت عفوه، فما آمن عقوبته! فوا أسفًا! لا طمأنينة ولا قرار! واقلقي من قلقي! واحرقي من حرقي! بالله، ما العيش إلا في الجنة، حيث يقع اليقين بالرضا، والمعاشرة لمن لا يخون ولا يؤذي، فأما الدنيا، فما هي دار ذاك٢.

стр. 551

على من صحب سلطان أن يكون ظاهره وباطنه سواء ... ٢٤٢- فصل: على من صحب سلطانًا أن يكون ظاهره وباطنه سواء ١١١٨- ينبغي لمن صحب سلطانًا أو محتشمًا أن يكون ظاهره معه، وباطنه سواء؛ فإنه قد يدس إليه من يختبره١، فربما افتضح في الابتلاء. ١١١٩- وقد كان جماعة من الملوك يقصدون تقريب المنادم، ويجعلون له حجرة في دورهم، فإذا أرادوا أن يختصوه؛ اختبروه باطنًا، وذاك لا يدري، فيظهر منه ما لا يصلح فيطرد! ١١٢٠- ولقد امتحن أبرويز٢ رجلًا من خاصته، فدس إليه جارية، معها ألطاف٣، وأمرها أن لا تقعد عنده، فحملتها. ثم أنفذها مرة أخرى، وأمرها أن تقعد بعد التسليم هنيهة، ففعلت، فلاحظها الرجل. ثم بعثها مرة ثالثة، وأمرها أن تطيل القعود عنده، وتحدثه، فأطالت الحديث معه، فأبدى لها شيئًا من الميل إليها، فقالت: أخاف أن يطلع علينا، ولكن، دعني أدبر في هذا. فذهبت، فأخبرت الملك بذلك! فوجه غيرها من خواص جواريه بمثل ذلك، فلما جاءته، قال: ما فعلت فلانة؟ قالت: مريضة، فاربد٤ لونه. ثم فعلت الجارية الثانية مثل ما فعلت الأولى، فقالت له: إن الملك يمضي إلى بستانه، فيقيم هناك: فإن أرادك على أن تمضي معه، فأظهر أنك عليل، فإن خيرك بين الانصراف إلى دور نسائك أو المقام هاهنا، فاختر المقام هاهنا، وأخبره أنك لا تقدر على الحركة، فإن أجابك إلى ذلك، جئت إليك كل ليلة ما دام الملك غائبًا! فسكن إلى قولها. ثم مضت، وأخبرت الملك بذلك. فلما كان بعد ثلاث، استدعاه الملك، فقال:

стр. 552

إني مريض، فعاد الرسول، فأخبره، فتبسم، وقال: هذا أول الشر، فوجه إليه محفة حمل فيها إليه، فلما بصر به أبرويز: قال: والمحفة الشر الثاني. فرأى العصابة على رأسه، قال: والعصابة الشر الثالث. فقال له الملك: أيهما أحب إليك: الانصراف إلى نسائك ليمرضنك، أو المقام ها هنا إلى وقت رجوعي؟ قال: المقام ها هنا أرفق لي، لقلة الحركة. فتبسم وقال: حركتك هاهنا إن تركت أكثر من حركتك إلى منزلك! ثم أمر له بعصا الزناة، التي كان يوسم١ بها من زنا، فأيقن الرجل بالأمر! وأمر٢ أن يكتب ما كان من أمره حرفًا حرفًا، فيقرأ على الناس حرفًا حرفًا إذا حضروا، وأن ينفى إلى أقصى المملكة، وتجعل العصا على رأس رمح، يكون معه حيث كان، ليحذر منه من لا يعرفه، فلما نفي، أخذ من بعض الموكلين مدية، فجب٣ بها ذكره، وقال: من أطاع عضوًا صغيرًا أفسد عليه جميع أعضائه. ومات من ساعته. ١١٢١- قلت: وقد كان جماعة من الأمراء يتنكرون، ويسألون العوام عن سيرتهم، فيتكلم العامي بما لا يصلح، فيضبطونه عليه، وربما بعثوا دسيسًا [عليه] . ورب كلمات قالها مسترسل، فبلغها فضولي، [فأهلكت صاحبها] . ١١٢٢- ورأى عمر بن عبد العزيز رجلًا من العمال كثير الصلاة، فدس عليه من قال له: إن أخذت لك الولاية الفلانية، فما تعطيني؟ قال: أعطيتك كذا وكذا! قال له عمر، غررتنا بصلاتك. ١١٢٣- وقد بلغت أن رجلًا كلم امرأة، فأجابته، فاستدعته إلى دارها، فلما دخل، أقامت على قتله. ١١٢٤- فقد ينجلي من هذه الحكاية أنه لا ينبغي أن يسكن إلى قول امرأة أو بعل، يجوز أنه يكون جاسوسًا ومختبرًا، وكذلك لا يظهر ما ينبغي إخفاؤه من مال ومذهب أو سب رجل، فربما كان له في الحاضرين قريب، ولا يوثق بمودة لا أصل لها، فربما كانت تحتها آفة تقصده.

стр. 553

١١٢٥- وليحذر من كل أمر يحتمل، ورب كلمة نقلها صديق إلى صديق، فتحدث بها من لا يقصد أذًى للقائل، فبلغت، فتأذى. ورب مظهر للمحبة مبالغ حتى يستمكن من مراده. فالحذر الحذر من الطمانينة إلى أحد، خصوصًا من عدو آذيته، أو قتلت له قريبًا، فربما أظهر الجميل شبكة لاصطيادك، كحديث الزباء١.

стр. 554

٢٤٣- فصل: الحرص والأمل ١١٢٦- رأيت النفس بعد علو السن يقوى أملها، ويزداد حرصها، كما قال النبي ﷺ : "يشيب ابن آدم، وتشب منه خصلتان: الحرص والأمل" ١. ورأيت أكثر أسباب ذلك فراغ اليد من الدنيا، وكثرة العائلة، وقوة الحاجة، فيحتاج الإنسان إلى التعرض بما يشين العرض، ليحصل الغرض! فقلت: إلهي! أبعد رؤية جبال عرفة أضل؟! أبعد مشارفة الحرم تأخذني أعراب البادية؟! وا أسفًا! أيطلع فجر النحر وما وصلت إلى عرفات؟! ويا ضياع سفر العمر وما حصل المقصود! قد كنت أرجوك لنيل المنى ... واليوم لا أطلب إلا الرضا ثم قلت: يا نفس! ما لك ملجأ إلا اللجأ، واستغاثة الغريق؛ فإن رحمت؛ وإلا فكم من حسرة تحت التراب!

стр. 555

٢٤٤- فصل: كبير السن ينكح الصغيرة ١١٢٧- شكا لي بعض الأشياخ، فقال: قد علت سني، وضعفت قوتي، ونفسي تطلب مني شراء الجواري الصغار، ومعلوم أنهن يردن النكاح، وليس في،

стр. 556

ولا تقنع مني النفس بربة البيت، إذ قد كبرت. فقلت له: عندي جوابان: أحدهما: الجواب العامي، وهو أن أقول: ينبغي أن تشتغل بذكر الموت، وما قد توجهت إليه، وتحذر من اشتراء جاريةٍ، لا تقدر على إيفاء حقها، فإنها تبغضك. فإن أجهدت، استعجلت التلف، وإن استبقيت قوتك، غضبت هي، على أنها لا تريد شيخًا كيف كان. وقد أنشدنا علي بن عبيد الله، قال: أنشدنا محمد التميمي: أفق يا فؤادي من غرامك واستمع ... مقالة محزون عليك شفيقِ علقت فتاة قلبها متعلق ... بغيرك، فاستوثقت غير وثيقِ وأصبحت موثوقًا، وراحت طليقَةً ... فكم بين موثوق وبين طليقِ فأعلم أنها تعد عليك الأيام، وتطلب منك فضل المال، لتستعد لغيرك، وربما قصدت حتفك، فاحذر! والسلامة في الترك، والاقتناع بما يدفع الزمان. والجواب الثاني: فإني أقول: لا يخلو أن تكون قادرًا على الوطء في وقت، أو لا تكون. فإن كنت لا تقدر، فالأولى مصابرة الترك للكل، وإن كان يمكن للحازم أن يداري المرأة بالنفقة، وطيب الخلق، إلا أنه يخاطر. وإن كنت تقدر في أوقات على ذلك، ورأيت من نفسك توقًا شديدًا، فعليك بالمراهقات، فإنهن ما عرفن النكاح، وما طلبن الوطء، واغمرهن بالإنفاق، وحسن الخلق، مع الاحتياط عليهن، والمنع من مخالطة النسوة، وإذا اتفق وطء، فتصبر عن الإنزال، ريثما تقضي المرأة حاجتها! واعتمد وعظها وتذكيرها بالآخرة! واذكر لها حكايات العشاق من غير نكاح، وقبح صورة الفعل! والفت قلبها إلى ذكر الصالحين! ولا تخل نفسك من الطيب والتزين، والكياسة، والمداراة، والإنفاق الواسع! فهذا ربما حرك الناقة للمسير، مع خطر السلامة.

стр. 557

٢٤٥- فصل: العاقل من راقب العواقب ١١٢٨- أبله الناس من عمل على الحال الحاضرة، ولم يتصور تغيرها، ولا وقوع ما يجوز وقوعه. ١١٢٩- مثاله: أن يغتر بدولة، فيعمل بمقتضى ملكه، فإذا تغيرت، هلك! وربما عادى خلقًا، اغترارًا بأنه متسلط، أو أنه صاحب سلطان، فإذا تغيرت حاله، أكل كفه ندمًا عند فوات التدارك! ١١٣٠- وكذلك من له مال يبذره، سكونًا إلى وجود المال، وينسى حاله عند العدم! ومن يتناول الشهوات، ويكثر من المآكل والمشارب والنكاح، ثقة بعافيته، وينسى ما يعقب ذلك من الأمراض والآفات! ١١٣١- ومن أظرف الأحوال أن يحب جاريته، فيعتقها، ويهب لها، أو امرأة فيسكن إليها ويهب لها، فتتمكن، ولا تمضي الأيام حتى يسلوها، أو يطلب غيرها، ولا يجد طريقًا للخلاص؛ فإن تخلص منها؛ أخذت ما غنمت منه، فلقي من الغيظ أضاف ما يلتذ به. ١١٣٢- فلا ينبغي أن يوثق بامرأة، ولا بمحبة إنسان! فإنه قد يحب امرأة، ويظن أنه لا يسلوها أبدًا، فيسترسل إليها، والسلو يحدث، وربما أحب غيرها، فينسى الأولى، فيصعب عليه الخلاص من الأولى! ١١٣٣- فالعاقل لا يدخل في شيء حتى يهيئ الخروج منه، فإن الأشياء لا تثبت، والمحبة لا تدوم، والتغير مقرون بكل حال. ١١٣٤- وكذلك يعطي ماله ولده، ثم يبقى كلًّا١ عليه، فيتمنى الولد هلاكه، وربما عل به٢ في النفقة. ١١٣٥- وكذلك قد يثق بالصديق، فيبث أسراره إليه، فربما أظهر ذلك، فكان منها ما يوجب هلاكه.

стр. 558

١١٣٦- وكذلك يغتر الإنسان بالسلامة، وينسى طروق الموت، فيأتيه بغتة، فيبهته١، وقد فات الاستدراك، ولم يبق إلا الندم. ١١٣٧- فالعاقل من كانت عينه مراقبة للعواقب، محترزة مما يجوز وقوعه، عاملة بالاحتياط فهي في كل حال، حافظة للمال والسر، غير واثقة بزوجة ولا ولد ولا صديق، متأهبة للرحيل، متهيئة للنقلة، هذه صفة أهل الحزم، والتفريط الواسع٢ وقت البذر.

стр. 559

٢٤٦- فصل: ليس إلّا المعرفة بالجملة ١١٣٨- من أعجب الأمور طلب الاطلاع على تحقيق العرفان لذات الله ، وصفاته وأفعاله! وهيهات، ليس إلا المعرفة بالجملة، ولقد أوغل المتكلمون، فما وقعوا بشيء، فرجع عقلاؤهم إلى التسليم. ١١٣٩- وكذلك أصحاب الرأي، مالوا إلى القياس، فإذا أشياء كثيرة بعكس مرادهم، فلم يجدوا ملجأ إلا التسليم، فسموا ما خالفهم إستحسانًا. ١١٤٠- فالفقيه من علل بما يمكن، فإذا عجز، استطرح للتسليم، هذا شأن العبيد. ١١٤١- فأما من يقول: لم فعل كذا؟ وما معنى كذا؟ فإنه يطلب الاطلاع على سر الملك، وما يجد إلى ذلك سبيلًا، لوجهين: أحدهما: أن الله تعالى ستر كثيرًا من حكمه عن الخلق. والثاني: أن ليس في قوى البشر إدراك حكم الله تعالى كلها فلا يبقى مع المعترض سوى الإعتراض المخرج إلى الكفر: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [لحج: ١٥] ، والمعنى: من رضي بأفعالي، وإلا، فليخنق نفسه، فما أفعل إلا ما أريد.

стр. 560

٢٤٧- فصل: العجب لمن يترخّص في المخالطة ١١٤٢- من رزقه الله تعالى العلم والنظر في سير السلف، رأى أن هذا العالم ظلمه، وجمهورهم على غير الجادة، والمخالطة لهم تضر ولا تنفع! فالعجب لمن يترخص في المخالطة، وهو يعلم أن الطبع لص١ يسرق من المخالط! ١١٤٣- وإنما ينبغي أن تقع المخالطة للأرفع والأعلى في العلم والعمل، ليستفاد منه، فأما مخالطة الدون، فإنها تؤذي؛ إلا أن يكون عاميًّا يقبل من معلمه، فينبغي أن يخالط بالاحتراز. ١١٤٤- وفي هذا الزمان: إن وقعت المخالطة للعوام، فهم ظلمة مستحكمة؛ فإذا ابتلي العالم بمخالطتهم، فليشمر ثياب الحذر، ولتكن مجالسته إياهم للتذكرة والتأديب فحسب. ١١٤٥- وإن وقعت المخالطة للعلماء، فأكثرهم على غير الجادة، مقصودهم صورة العلم لا العمل به، فلا تكاد ترى من تذاكره أمر الآخرة؛ إنما شغلهم الغيبة، وقصد الغلبة، واجتلاب الدنيا، ثم فيهم من الحسد للنظراء ما لا يوصف! ١١٤٦- وإن وقعت المخالطة للأمراء، فذاك تعرض لفساد الدين؛ لأنه إن تولى لهم ولاية دنيوية، فالظلم من ضروراتها، لغلبة العادة عليهم، والإعراض عن الشرع. وإن كانت ولاية دينية، كالقضاء؛ فإنهم يأمرونه بأشياء لا يكاد يمكنه المراجعة فيها، ولو راجع، لم يقبلوا، وأكثر القوم يخاف على منصبه، فيفعل ما أمر به، وإن لم يجز. ١١٤٧- وربما رأيت في هذا الزمان أقوامًا يبذلون المال ليكونوا قضاة أو شهودًا، ومقصودهم الرفعة، ثم أكثر الشهود يشهد على من لا يعرفه، ويقول: إنه معروف! ويدري أنه كذاب! وإنما عرف لأجل حبة يعطاها. وكم قد وقعت شهادة على غير المشهود عليه وعلى مكره!

стр. 561

١١٤٨- وإن وقعت المخالطة للمتزهدين، فأكثرهم على غير الجادة، وعلى خلاف العلم، قد جعلوا لأنفهسم نواميس، فلا يتنسمون١، ولا يخرجون إلى سوق، ويظهرون التخشع الزائد، وكله نفاق، وفيهم من يلبس الصوف تحت ثيابه، وربما لوح بكمه ليرى! ١١٤٩- وقد حكي عن طاهر بن الحسين: أنه قال لبعض المتزهدين: مذ كم قدمت العراق؟ قال: دخلتها منذ عشرين سنةً، وأنا منذ ثلاثين سنةً صائم! قال: سألناك مسألة، فأجبت عن اثنتين. ١١٥٠- وبنت٢ الصوفية أربطة٣، فهي خوارج على المساجد، وهي دكاكين كريهة، يقعد فيها الكسالى عن الكسب مع القدرة عليه، ويتعرضون بالقعود للصدقات، ولأحوال الظلمة، وقد أراحوا أنفسهم من إعادة العلم، وأكثرهم لا يصلي نافلة، ولا يقوم الليل؛ بل همهم٤ المأكول والمشروب والرقص. وقد اتخذوا سننًا تخالف الشريعة، فهم يلبسون المرقع، لا من فقر، وهذا قبيح؛ لأنه ليس عندهم من أمارات٥ الزهد سوى الملبس الدون، فثيابهم تصيح: نحن زهاد! وباقي أفعالهم المستورة تفضحهم إذا اطلع عليها!! فالمطبخ دائر، والحمام، والحلوى كثيرة، والطيب والدعة والكبر حاصل بذلك الزي! وقد قال النبي ﷺ لمالك بن نضلة٦ وقد رآه أشعث الهيئة: "أما لك مال؟ ". قال: بلى، من كل المال آتاني الله ، قال: "فإن الله إذا أنعم على عبد نعمة، أحب أن يرى عليه"٧. ومن أخلاقهم تنفير الناس عن العلم، ويزعمون ألا حاجة إلى الوسائط، وإنما هو قلب ورب!

стр. 562

ولهم من الأقوال والأفعال المنكرات ما قد ذكرته في تلبيس إبليس، آه لو كان لهذا الزمان عمر، لاحتاج كل يوم إلى مائة درة١، لا بل كان يستعمل السيف في هؤلاء الخوارج، وهم داخل البلد لا قدرة للعلماء عليهم، إذ قولهم فيهم لا يقبل. ١١٥١- فمن رزقه الله سبحانه النظر في سير السلف، ووفقه للاقتداء بهم: آثر أن يعتزل عن أكثر الخلق، ولا يخالطهم، فإنه من خالطهم، أوذي، ومن دارى، لم يسلم من المداهنة، فالنصح اليوم مردود.

стр. 563

٢٤٨- فصل: من البله أن تبادر عدوًّا بالمخاصمة ١١٥٢- من البله أن تبادر عدوًّا أو حسودًا بالمخاصمة؛ وإنما ينبغي إن عرفت حاله أن تظهر له ما يوجب السلامة بينكما، إن اعتذر قبلت، وإن أخذ في الخصومة صفحت، وأريته أن الأمر قريب، ثم تبطن الحذر منه، فلا تثق به في حال، وتتجافاه باطنًا، مع إظهار المخالطة في الظاهر. ١١٥٣- فإذا أردت أن تؤذيه، فأول ما تؤذيه به إصلاحك واجتهادك فيما يرفعك، ومن أعظم العقوبة له العفو عن زلَلِه، وإن بالغ في السب؛ فبالغ في الصفح، تنب عنك العوام في شتمه، ويحمدك العلماء على حلمك! وما تؤذيه به من ذلك، [وتورثه به الكمد ظاهرًا] ، وغيره في الباطن أضعاف، و [خير] مما تؤذيه به من كليمةٍ إذا قلتها له سمعت أضعافها. ١١٥٤- ثم بالخصومة تعلمه أنك عدوه، فيأخذ الحذر، ويبسط اللسان، وبالصفح يجهل ما في باطنك، فيمكنك حينئذ أن تشتفي منه، أما أن تلقاه بما يؤذي دينك، فيكون هو الذي قد اشتفى منك! وما ظفر قط من ظفر به الإثم؛ بل الصفح الجميل، وإنما يقع هذا ممن يرى أن تسليطه عليه: إما عقوبة لذنب، أو لرفع درجة، أو للابتلاء، فهو لا يرى الخصم، وإنما يرى القدرة.

стр. 564

٢٤٩- فصل: الخلاص من المحن بالتوبة والدعاء ١١٥٥- إذا وقعت في محنة يصعب الخلاص منها؛ فليس لك إلا الدعاء، واللجأ إلى الله، بعد أن تقدم التوبة من الذنوب، فإن الزلل يوجب العقوبة، فإذا زال الزلل بالتوبة من الذنوب، ارتفع السبب. ١١٥٦- فإذا تبت ودعوت، ولم تر للإجابة أثرًا، فتفقد أمرك، فربما كانت التوبة ما صحت، فصححها، ثم ادع، ولا تمل من الدعاء، فربما كانت المصلحة في تأخير الإجابة، وربما لم تكن المصلحة في الإجابة، فأنت تثاب، وتجاب إلى منافعك، ومن منافعك ألا تعطى ما طلبت، بل تعوض غيره. ١١٥٧- فإذا جاء إبليس، فقال: كم تدعوه ولا ترى إجابة! فقل: أنا أتعبد بالدعاء، وأنا موقن أن الجواب حاصل، غير أنه ربما كان تأخيره لبعض المصالح على مناسب، ولو لم يحصل، حصل التعبد والذل. ١١٥٨- فإياك أن تسأل شيئًا إلا وتقرنه بسؤال الخيرة، فرب مطلوب من الدنيا كان حصوله سببًا للهلاك، وإذا كنت قد أمرت بالمشاورة في أمور الدنيا لجليسك، ليبين لك في بعض الآراء ما يعجز رأيك، وترى أن ما وقع لك لا يصلح، فكيف لا تسأل الخير ربك، وهو أعلم بالمصالح؟! والاستخارة من حسن المشاورة.

стр. 565

٢٥٠- فصل: العلماء وأقسامهم والجهال وأقسامهم ١١٥٩- نظرت إلى الناس، فرأيتهم ينقسمون بين عالم وجاهل: فأما الجهال، فانقسموا: فمنهم سلطان قد ربي في الجهل، ولبس الحرير، وشرب الخمور، وظلم الناس، وله عمال على مثل حاله، فهؤلاء بمعزل عن الخير بالجملة. ومنهم تجار، همتهم الاكتساب، وجمع الأموال، وأكثرهم لا يؤدي الزكاة، ولا يتحاشى من الربا، فهؤلاء في صور الناس١.
следующие страницы →