← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

١١٤٨- وإن وقعت المخالطة للمتزهدين، فأكثرهم على غير الجادة، وعلى خلاف العلم، قد جعلوا لأنفهسم نواميس، فلا يتنسمون١، ولا يخرجون إلى سوق، ويظهرون التخشع الزائد، وكله نفاق، وفيهم من يلبس الصوف تحت ثيابه، وربما لوح بكمه ليرى! ١١٤٩- وقد حكي عن طاهر بن الحسين: أنه قال لبعض المتزهدين: مذ كم قدمت العراق؟ قال: دخلتها منذ عشرين سنةً، وأنا منذ ثلاثين سنةً صائم! قال: سألناك مسألة، فأجبت عن اثنتين. ١١٥٠- وبنت٢ الصوفية أربطة٣، فهي خوارج على المساجد، وهي دكاكين كريهة، يقعد فيها الكسالى عن الكسب مع القدرة عليه، ويتعرضون بالقعود للصدقات، ولأحوال الظلمة، وقد أراحوا أنفسهم من إعادة العلم، وأكثرهم لا يصلي نافلة، ولا يقوم الليل؛ بل همهم٤ المأكول والمشروب والرقص. وقد اتخذوا سننًا تخالف الشريعة، فهم يلبسون المرقع، لا من فقر، وهذا قبيح؛ لأنه ليس عندهم من أمارات٥ الزهد سوى الملبس الدون، فثيابهم تصيح: نحن زهاد! وباقي أفعالهم المستورة تفضحهم إذا اطلع عليها!! فالمطبخ دائر، والحمام، والحلوى كثيرة، والطيب والدعة والكبر حاصل بذلك الزي! وقد قال النبي ﷺ لمالك بن نضلة٦ وقد رآه أشعث الهيئة: "أما لك مال؟ ". قال: بلى، من كل المال آتاني الله ، قال: "فإن الله إذا أنعم على عبد نعمة، أحب أن يرى عليه"٧. ومن أخلاقهم تنفير الناس عن العلم، ويزعمون ألا حاجة إلى الوسائط، وإنما هو قلب ورب!

стр. 562

ولهم من الأقوال والأفعال المنكرات ما قد ذكرته في تلبيس إبليس، آه لو كان لهذا الزمان عمر، لاحتاج كل يوم إلى مائة درة١، لا بل كان يستعمل السيف في هؤلاء الخوارج، وهم داخل البلد لا قدرة للعلماء عليهم، إذ قولهم فيهم لا يقبل. ١١٥١- فمن رزقه الله سبحانه النظر في سير السلف، ووفقه للاقتداء بهم: آثر أن يعتزل عن أكثر الخلق، ولا يخالطهم، فإنه من خالطهم، أوذي، ومن دارى، لم يسلم من المداهنة، فالنصح اليوم مردود.

стр. 563

٢٤٨- فصل: من البله أن تبادر عدوًّا بالمخاصمة ١١٥٢- من البله أن تبادر عدوًّا أو حسودًا بالمخاصمة؛ وإنما ينبغي إن عرفت حاله أن تظهر له ما يوجب السلامة بينكما، إن اعتذر قبلت، وإن أخذ في الخصومة صفحت، وأريته أن الأمر قريب، ثم تبطن الحذر منه، فلا تثق به في حال، وتتجافاه باطنًا، مع إظهار المخالطة في الظاهر. ١١٥٣- فإذا أردت أن تؤذيه، فأول ما تؤذيه به إصلاحك واجتهادك فيما يرفعك، ومن أعظم العقوبة له العفو عن زلَلِه، وإن بالغ في السب؛ فبالغ في الصفح، تنب عنك العوام في شتمه، ويحمدك العلماء على حلمك! وما تؤذيه به من ذلك، [وتورثه به الكمد ظاهرًا] ، وغيره في الباطن أضعاف، و [خير] مما تؤذيه به من كليمةٍ إذا قلتها له سمعت أضعافها. ١١٥٤- ثم بالخصومة تعلمه أنك عدوه، فيأخذ الحذر، ويبسط اللسان، وبالصفح يجهل ما في باطنك، فيمكنك حينئذ أن تشتفي منه، أما أن تلقاه بما يؤذي دينك، فيكون هو الذي قد اشتفى منك! وما ظفر قط من ظفر به الإثم؛ بل الصفح الجميل، وإنما يقع هذا ممن يرى أن تسليطه عليه: إما عقوبة لذنب، أو لرفع درجة، أو للابتلاء، فهو لا يرى الخصم، وإنما يرى القدرة.

стр. 564

٢٤٩- فصل: الخلاص من المحن بالتوبة والدعاء ١١٥٥- إذا وقعت في محنة يصعب الخلاص منها؛ فليس لك إلا الدعاء، واللجأ إلى الله، بعد أن تقدم التوبة من الذنوب، فإن الزلل يوجب العقوبة، فإذا زال الزلل بالتوبة من الذنوب، ارتفع السبب. ١١٥٦- فإذا تبت ودعوت، ولم تر للإجابة أثرًا، فتفقد أمرك، فربما كانت التوبة ما صحت، فصححها، ثم ادع، ولا تمل من الدعاء، فربما كانت المصلحة في تأخير الإجابة، وربما لم تكن المصلحة في الإجابة، فأنت تثاب، وتجاب إلى منافعك، ومن منافعك ألا تعطى ما طلبت، بل تعوض غيره. ١١٥٧- فإذا جاء إبليس، فقال: كم تدعوه ولا ترى إجابة! فقل: أنا أتعبد بالدعاء، وأنا موقن أن الجواب حاصل، غير أنه ربما كان تأخيره لبعض المصالح على مناسب، ولو لم يحصل، حصل التعبد والذل. ١١٥٨- فإياك أن تسأل شيئًا إلا وتقرنه بسؤال الخيرة، فرب مطلوب من الدنيا كان حصوله سببًا للهلاك، وإذا كنت قد أمرت بالمشاورة في أمور الدنيا لجليسك، ليبين لك في بعض الآراء ما يعجز رأيك، وترى أن ما وقع لك لا يصلح، فكيف لا تسأل الخير ربك، وهو أعلم بالمصالح؟! والاستخارة من حسن المشاورة.

стр. 565

٢٥٠- فصل: العلماء وأقسامهم والجهال وأقسامهم ١١٥٩- نظرت إلى الناس، فرأيتهم ينقسمون بين عالم وجاهل: فأما الجهال، فانقسموا: فمنهم سلطان قد ربي في الجهل، ولبس الحرير، وشرب الخمور، وظلم الناس، وله عمال على مثل حاله، فهؤلاء بمعزل عن الخير بالجملة. ومنهم تجار، همتهم الاكتساب، وجمع الأموال، وأكثرهم لا يؤدي الزكاة، ولا يتحاشى من الربا، فهؤلاء في صور الناس١.

стр. 566

ومنهم أرباب معاشٍ، يطففون المكيال، ويخسرون الميزان، ويبخسون الناس، ويتعاملون بالربا، وهم في الأسواق طول النهار، لا همة لهم إلا ما هم فيه، فإذا جاء الليل، وقعوا نيامًا كالسكارى، فهمة أحدهم ما يأكل، ويلتذ به، وليس عندهم من الصلاة خبر، فإن صلى أحدهم، نقرها، أو جمع بينهما، فهؤلاء في عداد البهائم. ومن الناس ذوو رذالة في جميع أحوالهم، فهذا كناس، وهذا زبال، وهذا نخال، وهذا يكسح الحش١، فهؤلاء أرذل القوم٢. ومنهم من يطلب اللذات، ولا يساعده المعاش، فيخرج إلى قطع الطريق! وهؤلاء أحمق الجماعة، إذ لاعيش لهم، فإن التذوا لحظة بأكل أو شرب، فحركت الريح قصبة، هربوا خوفًا من السلطان، وما أقل بقاءهم! ثم القتل والصلب، مع إثم الآخرة. ومنهم أرباب قرى، قد عمهم الجهل، وأكثرهم لا يتحاشى من نجاسة، فهم في زمرة البقر. ١١٦٠- ورأيت النساء ينقسمن أيضًا، فمنهم المستحسنة التي تبغي٣، ومنهن الخائنة لزوجها في ماله، ومنهن من لا تصلي، ولا تعرف شيئًا من الدين، فهؤلاء حشو النار، فإذا سمعن موعظة، فإنها كما مرت على حجر! وإذا قرئ عندهن القرآن، فكأنهن يسمعن السمر!! ١١٦١- وأما العلماء: فالمبتدئون منهم ينقسمون إلى ذي نيةٍ خبيثةٍ يقصد بالعلم المباهاة لا العمل، ويميل إلى الفسق، ظَنًّا أن العلم يدفع عنه، وإنما هو حجة عليه. وأما المتوسطون والمشهورون، فأكثرهم يغشى السلاطين، ويسكت عن إنكار المنكر. وقليل من العلماء من تسلم له نيته، ويحسن قصده.

стр. 567

١١٦٢- فمن أراد الله به خيرًا، رزقه حسن القصد في طلب العلم، فهو يحصله لينتفع به وينفع، ولا يبالي بعمل، مما يدله عليه العلم، فتراه يتجافى أرباب الدنيا، ويحذر مخالطة العوام، ويقنع بالقليل، خوفًا من المخاطرة في الدنيا في تحصيل الكثير، ويؤثر العزلة، فليس مذكرًا للآخرة مثلها. ١١٦٣- وليس على العالم أضر من الدخول على السلاطين، فإنه يحسن للعالم الدنيا، ويهون عليه المنكر، وربما أراد أن ينكر فلا يصح له! فإن عدم القناعة، وغلبته نفسه في طلب فضول الدنيا، سلم عليه١؛ لأنه يتعرض بأربابها. ١١٦٤- وإن الإنسان ليمشي في السوق ساعة، فينسى بما يرى ما يعلم، فكيف إذا انضم إلى ذلك التردد إلى الأغنياء، والطمع في أموالهم؟! فأما الوحدة، فإنها سبب رجوع القلب، وجمع الهم، والنظر في العواقب، والتهيؤ للرحيل، وتحصيل الزاد، فإذا انضمت إليها القناعة، جلبت الأحوال المستحسنة. ١١٦٥- ولا تحسن اليوم المجالسة إلا لكتاب يحدثك عن أسرار السلف، فأما مجالسة العلماء، فمخاطرة، إذ لا يجتمعون على ذكر الآخرة في الأغلب، ومجالسة العوام فتنة للدين؛ إلا أن يحترز في مجالسهم، ويمنعهم من القول، فيقول هو، ويكلفهم السماع، ثم يستوفز٢ للبعد عنهم. ١١٦٦- ولا يمكن الانقطاع الكلي إلا بقطع الطمع، ولا ينقطع الطمع إلا بالقناعة باليسير، أو يتجر بتجارة، أو أن يكون له عقار يستغله؛ فإنه متى احتاج تشتت الهم ومتى انقطع العالم عن الخلق، وقطع طمعه فيهم وتوفر على ذكر الآخرة؛ فذاك الذي ينفع وينتفع به، والله الموفق.

стр. 568

٢٥١- فصل: السلف تشاغلوا بالقرآن والعلم ١١٦٧- من تأمل بعين الفكر دوام البقاء في الجنة، في صفاء بلا كدر، ولذات بلا انقطاع، وبلوغ كل مطلوب للنفس، والزيادة مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من غير تغيير ولا زوال، إذ لا يقال: ألف ألف سنةٍ، ولا مائة ألف ألف، بل ولو أن الإنسان عد الألوف ألوف السنين لانقضى عدده، وكان له نهاية، وبقاء الآخرة لا نفاد له، إلا أنه لا يحصل ذلك إلا بنقد هذا العمر. ١١٦٨- وما مقدار عمر غايته مائة سنةٍ، منها خمسة عشر صبوة وجهل، وثلاثون بعد السبعين -إن حصلت- ضعف وعجز، والتوسط نصفه نوم، وبعضه زمان أكل وشرب وكسب، والمنتخل منه للعبادات يسير؟! أفلا يشترى ذلك الدائم بهذا القليل؟! ١١٦٩- إن الإعراض عن الشروع في هذا البيع والشراء لغبن فاحش في الغفل، وخلل في الغيمان بالوعد؛ فإن من يدري كيف يعقد البيع بالعلم، هو الذي يدل على الطريق، ويعرف ما يصلح لها، ويحذر من قطاعها١. ١١٧٠- ولقد دخل إبليس على طائفة من المتزهدين بآفات، أعظمها أنه صرفهم عن العلم، فكأنه شرع في إطفاء المصباح ليسرق في الظلمة، حتى إنه أخذ قومًا من كبار العلماء، فسلك بهم من ذلك ما ينهى عنه العلم. ١١٧١- فرأيت أبا حامد الطوسي يحكي عن نفسه في بعض مصنفاته، قال: شاورت متبوعًا مقدمًا من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن؟ فمنعني منه! وقال: السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية، بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال وعلم، بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجود ذلك وعدمه، ثم تخلو بنفسك في زاوية، فتقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب، وتجلس فارغ القلب،

стр. 569

ولا تزال تقول: الله، الله، إلى أن تنتهي إلى حالة، لو تركت١ تحريك اللسان، رأيت كأن الكلمة جارية على لسانك، ثم تنظر ما يفتح عليك مما فتح مثله على الأنبياء والأولياء!! قلت: وهذا أمر لا أتعجب أنا فيه من الموصي به؛ وإنما أتعجب من الذي قبله مع معرفته وفهمه!! وهل يقطع الطريق بالإعراض عن تلاوة القرآن؟! وهل فتح للأنبياء ما فتح بمجاهدتهم ورياضتهم؟! وهل يوثق بما يظهر من هذه المسالك؟! ثم ما الذي يفتح؟! أثم اطلاع على علم الغيب؟ أم هو وحي؟! فهذا كله من تلاعب إبليس بالقوم، وربما كان ما يتخايل لهم من أثر الماليخوليا أو من إبليس. فعليك بالعلم، وانظر في سير السلف، هل فعل أحد منهم من هذا شيئًا أو أمر به؟! وإنما تشاغلوا بالقرآن والعلم، فدلهم على إصلاح البواطن وتصفيتها. نسأل الله علمًا نافعًا، ودفعًا للعدو مانعًا، إنه قادر.

стр. 570

٢٥٢- فصل: الحزم في كتمان الحب والبغض ١١٧٢- من أراد اصطفاء محبوب، فالمحبوب نوعان: امرأة يقصد منها حسن الصورة، وصديق يقصد منه حسن المعنى، فإذا أعجبتك صورة امرأة، فتأمل خلالها١ الباطنة مديدةً٢ قبل أن يتعلق القلب بها تعلقًا محكمًا، فإن رأيتها كما تحب -وأصل ذلك كله الدين، كما قال ﷺ : "عليك بذات الدين" ٣- فمل إليها، واستولدها، وكن في ميلك معتدلًا٤، فإنه من الغلط أن تظهر لمحبوبك المحبة، فإنه يشتط عليك، وتلقى منه الأذى من التجني والهجران، والإدلال وطلب الإنفاق الكثير -وإن كانت تحبك- لأن هذا إنما يجتلبه حب الإدلال والتسلط على المقهور.

стр. 571

١١٧٣- وثم نكتة عجيبة، وهو أنك ربما عملت بمقتضى الحال الحاضرة، وهي تحكم بكمال الحب، ثم إن ذلك لا يثبت إليك، فتقع، وتبقى مقهورًا، ويصعب عليك الخلاص! وربما تمكنت منك بمعرفة سرك، أو بأخذ كثير من مالك. ١١٧٤- ومن أحسن ما بلغني في هذا أن جارية لبعض الخلفاء كانت تحبه حبًّا شديدًا، ولا تظهر له ذلك، فسئلت عن هذا؟ فقالت: لو أظهرت ما عندي، فجفاني، هلكت، قال الشاعر: لا تظهرن مودة لحبيب ... فترى بعينك منه كل عجيبِ أظهرت يومًا للحبيب مودتي ... فأخذت من هجرانه بنصيبِي ١١٧٥- وكذا ينبغي أن تكتم بعض حبك للولد؛ لأنه يتسلط عليك، ويضيع مالك، ويبالغ في الإدلال، ويمتنع عن التعلم والتأدب. ١١٧٦- وكذلك إذا اصطفيت صديقًا وخبرته، فلا تخبره بكل ما عندك، بل تعاهده بالإحسان، كما تتعاهد الشجرة، فإنها إذا كانت جيدة الأصل، حسنت ثمرتها بالتعاهد، ثم كن منه على حذر، فقد تتغير الأحوال، وقد قيل: احذر عدوك مرةً ... واحذر صديقك ألف مرهْ فلربما انقلب الصديْ ... قُ فكان أدرى بالمضرهْ

стр. 572

٢٥٣- فصل: لا تظهر بغضك لمن تبغضه ١١٧٧- وأما إذا أبغضت شخصًا؛ [لأنه يسوؤك] ، فلا تظهرن ذلك؛ فإنك تنبهه على أخذ الحذر منك، وتدعوه إلى المبارزة، فيبالغ في حربك والاحتيال عليك، بل ينبغي أن تظهر له الجميل إن قدرت، وتبره ما استطعت، حتى تنكسر١ معاداته بالحياء٢ من بغضك، فإن لم تطق، فهجر جميل، لا تبين فيه ما يؤذي، ومتى سمعت عنه كلمة قذعة، فاجعل جوابها كلمة جميلة، فهي أقوى في كف لسانه.

стр. 573

وكذلك جميع ما يخاف إظهاره، لا تتكلمن به، فربما وقعت كلمة أسقطت بها عز السلطان، فنقلت إليه، فكانت سبب هلاكك، أو عن صديق، فكانت سبب عداوته، أو صرت رهينًا لمن سمعها، خائفًا أن يظهرها. فالحزم كتمان الحبِّ والبُغْضِ. ١١٧٨- وكذا ينبغي أن تكتم سنك، فإن كنت كبيرًا، استهرموك، وإن كنت صغيرًا، استحقروك، وكذلك مقدار مالك، فإنه إن كان كثيرًا، نسبوك في نفقتك إلى البخل، وإن كان قليلًا، طلبوا الراحة منك، وكذلك المذهب، فإنك إن أظهرته، لم تأمن أن يسمعه مخالف، فيقطع بكفرك، وقد أنشدنا محمد بن عبد الباقي البزاز: احفظ لسانك لاتبح بثلاثَةٍ ... سنٍّ ومالٍ ما استطعت ومذهب فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثةٍ ... بمموِّهٍ وممخرِقٍ ومكذِّبِ

стр. 574

٢٥٤- فصل: خادم السلطان يخشى على دينه ودنياه ١١٧٩- طال تعجبي من مؤمن بالله ، مؤمن بجزائه، يؤثر خدمة السلطان، مع ما يرى منه من الجور الظاهر، فوا عجبًا! ما الذي يعجبه؟! إن كان الذي يعجبه دنيويًّا، ليس ثم إلا أن يصاح بين يديه "بسم الله"، وأن يتصدر في المجالس، ويلوي عنقه كبرًا على النظراء، ويأخذ الأحسات١، وهو يعلم من أين حصل، وربما انبسط في البراطيل٢. ثم يقابل هذا أن يصادر، ويعزل، فتستخرج منه تلك المرارة كل حلاوة كانت في الولاية، وربما كان قريب الحال٣، فافتقر بالمصادرة جدًّا، ثم تنطلق الألسن المادحة بالذم. ثم لو سلم من هذا، فإنه لا يسلم من الرقيب له، والحذر منه، فهو كراكب البحر، إن سلم بدنه من الغرق، لم يسلم قلبه من الخوف. وإن كان دينًا؛ فإنه يعلم أنهم لا يمكنونه في الغالب من العمل بمقتضى الدين،

стр. 575

فإنهم يأمرونه بترك ما يجب، وفعل ما لا يجوز، فيذهب دينه على البارد! ولعقاب الآخرة أشق.

стр. 576

٢٥٥- فصل: من أنف الذل تجافى عن منن الأنذال ١١٨٠- العجب من الذي أنف الذل! كيف لا يصبر على جاف الخبز، ولا يتعرض لمنن الأنذال؟! أتراه ما يعلم أنه ما بقي صاحب مروءة؟! وأنه إن سأل، سأل بخيلًا لا يعطي، فإن أعطى نزرًا، فإنه يستعبد المعطى بذلك العمر؟! ثم ذاك القدر النزر يذهب عاجلًا، وتبقى المنن والخجل ورؤية النفس بعين الاحتقار، إذ صارت سائلة، ورؤية المعطي بعين التعظيم أبدًا، ثم يوجب ذلك السكوت عن معايب المعطي، والبدار إلى قضاء حقوقه، وخدمته فيما يقي١. ١١٨١- وأعجب من هذا من يقدر أن يتسعبد الأحرار بقليل العطاء الفاني ولا يفعل، فإن الحر لا يشتري إلا بالإحسان، قال الشاعر: تفضل على من شئت واعن بأمره ... فأنت، ولو كان الأمير، أميرُهُ وكن ذا غنًى عمن تشاء من الورى ... ولو كان سلطانًا فأنت نظيرُهُ ومن كنت محتاجًا إليه وَوَاقِفًا ... على طَمَعٍ منه فأنت أَسِيْرُهُ

стр. 577

٢٥٦- فصل: يتضمّن وصية للشباب ١١٨٢- ينبغي للصبي إذا بلغ أن يحذر كثرة الجماع، ليبقى جوهره، فيفيده ذلك في الكبر؛ لأنه من الجائز كبره، والاستعداد للجائز حزم، فكيف للغالب؟! كما ينبغي أن يستعد للشتاء بل هجومه، ومتى أنفق الحاصل وقت القدرة، تأذى بالفقر إليه وقت الفاقة. ١١٨٣- وليعلم ذو الدين والفهم أن المتعة إنما تكون بالقرب من الحبيب،

стр. 578

والقرب يحصل بالتقبيل والضم، وذلك يقوي المحبة، والمحبة يلذ وجودها، والوطء ينقص المحبة، ويعدم تلك اللذة!! وقد كان العرب يعشقون، ولا يرون وطء المعشوق! قال قائلهم١: ............................ ... إن نكح الحب فَسَدْ فأما الالتذاذ بنفس الوطء، فشأن البهائم٢. ١١٨٤- ولقد تأملت المراد من الوطء٣، فوجدت فيه معنى عجيبًا يخفى على كثيرٍ من الناس، وهو أن النفس إذا عشقت شخصًا، أحبت القرب منه، فهي تؤثر الضم والمعانقة؛ لأنهما غاية في القرب، ثم تريد قربًا يزيد على هذا، فتقبل الحد. ثم تطلب القرب من الروح، فتقبل الفم؛ لأنه منفذ إلى الروح، ثم تطلب الزيادة، فتمص لسان المحبوب، وقد كان رسول الله ﷺ يتوشح عائشة٤، ويقبلها، ويمص لسانها، فإذا طلبت النفس زيادة في القرب إلى النفس، استعملت الوطء. فهذا سره المعنوي، ويحصل منه الالتذاذ الحسي.

стр. 579

٢٥٧- فصل: ضرر علم الكلام على العوام ١١٨٥- ليس على العوام أضر من سماعهم علم الكلام؛ وإنما ينبغي أن يحذر العوام من سماعه والخوض فيه، كما يحذر الصبي من شاطئ النهر خوف الغرق، وربما ظن العامي أن له قوةً يدرك بها هذا، وهو فاسد، فإنه قد زل في هذا خلق من العلماء، فكيف العوام؟! ١١٨٦- وما رأيت أحمق من جمهور قصاص زماننا، فإنه يحضر عندهم

стр. 580

العوام الغشم، فلا ينهونهم عن خمر وزنا وغيبة، ولا يعلمونهم أركان الصلاة، ووظائف التعبد، بل يملؤون الزمان بذكر الاستواء، وتأويل الصفات، وأن الكلام قائم بالذات، فيتأذى بذلك من كان قلبه سليمًا. ١١٨٧- وإنما على العامي أن يؤمن بالأصول الخمسة١، بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويقنع بما قال السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق، والاستواء حق، والكيف مجهول. ١١٨٨- وليعلم أن رسول الله ﷺ لم يكلف الأعراض سوى مجرد الإيمان، ولم تتكلم الصحابة في الجواهر والأغراض، فمن مات على طريقهم، مات مؤمنًا سليمًا من بدعة، ومن تعرض لساحل البحر، وهو لا يحسن السباحة، فالظاهر غرفة.

стр. 581

٢٥٨- فصل: أشد الناس جهلًا منهوم باللذات ١١٨٩- أشد الناس جهلًا منهوم باللذات. واللذات على ضربين: مباحة ومحظورة: فالمباحة لا يكاد يحصل منها شيء إلا بضياع ما هو مهم من الدين، فإذا حصلت منها حبة، قارنها قنطار من الهم. ثم لا تكاد تصفو في نفسها، بل مكدراتها ألوف، فإذا صور عدمها "بعد انقضائها، وبقاء هذه" الألوف "المكدرة"، صار التصوير مغلصمًا١ للهوى، محزنًا٢ للنفس. فإذا أنفت٣، أنفت من الأسف على الدوام ما لا تحويه صفة، فهي تغر الغر٤، ويهدم العمر، وتديم الأسى.

стр. 582

ومع هذا، فالمنهوم كلما عبَّ من لذة؛ طلب أختها، وقد عرف جناية الأولى وخيانتها -وهذا مرض العقل، وداء الطبع- فلا يزال هذا كذلك إلى أن يختطف بالموت، فيلقى على بساط ندم لا يستدرك. فالعجب ممن همته هكذا مع قصر العمر، ثم لا يهتم بآخرته، التي لذتها سليمة من شائب١، منزهة عن معايب، دائمة إلى الأمد، باقية ببقاء الأبد! وإنما يحصل تقريب هذه بإبعاد تلك، وعمران هذه بتخريب تلك. فوا عجبًا لعاقل حصيف حسن التدبير، فاته النظر في هذه الأحوال، وغفل عن التمييز بين هذين الأمرين! وإن كانت اللذة معصية، انضم إلى ما ذكرناه: عار الدنيا، والفضيحة بين الخلق، وعقوبة الحدود، وعقاب الآخرة، وغضب الحق سبحانه. بالله، إن المباحات تشغل عن تحصيل الفضائل، فذم ذلك لبيان الحزم، فكيف بالمحرمات التي هي غاية الرذائل؟! نسأل الله يقظة تحركنا إلى منافعنا، وتزعجنا عن خوادعنا، إنه قريب.

стр. 583

٢٥٩- فصل: الهوى والتسويف والاغترار بالرحمة ١١٩٠- تأملت على الخلق، وإذا هم في حالة عجيبة، يكاد يقطع معها بفساد العقل! وذلك أن الإنسان يسمع المواعظ، وتذكر له الآخرة، فيعلم صدق القائل، فيبكي وينزعج على تفريطه، ويعزم على الاستدراك، ثم يتراخى عمله بمقتضى ما عزم عليه، فإذا قيل له: أتشك فيما وعدت به؟ قال: لا والله، فيقال له: فاعمل! فينوي ذلك، ثم يتوقف عن العمل، وربما مال إلى لذة محرمة، وهو يعلم النهي عنها! ١١٩١- ومن هذا الجنس تأخر الثلاثة الذين خلفوا١، ولم يكن لهم عذر، وهم يعلمون قبح التأخر، وكذلك كل عاص ومفرط.

стр. 584

فتأملت السبب -مع أن الاعتقاد صحيح، والفعل بطيء- فإذا له ثلاثة أسبابٍ: أحدها: رؤية الهوى العاجل، فإن رؤيته تشغل عن الفكر فيما يجنيه. والثاني: التسويف بالتوبة، فلو حضر العقل، لحذر من آفات التأخير، فربما هجم الموت ولم تحصل التوبة! والعجب ممن يجوز سلب روحه قبل مضي ساعة، ولا يعمل على الحرام! غير أن الهوى يطيل الأمد، وقد قال صاحب الشرع ﷺ : "صل صلاة مودع" ١، وهذا نهاية الدواء لهذا الداء؛ فإنه من ظن أنه لا يبقى إلى صلاة أخرى، جد واجتهد. والثالث: رجاء الرحمة، فيرى العاصي يقول: ربي رحيم! وينسى أنه شديد العقاب!! ولو علم أن رحمته ليست رقة؛ إذ لو كانت كذلك؛ لما ذبح عصفورًا ولا آلم طفلًا -وعقابه غير مأمون- فإنه شرع قطع اليد الشريفة٢ بسرقة خمسة قراريط٣؛ لجد وأناب، فنسأل الله أن يهب لنا حزمًا يبت المصالح جزمًا.

стр. 585

٢٦٠- فصل: الإعراض عما يحرك الفخر والزهو والعجب ١١٩٢- نظرت في قول رسول الله ﷺ لما لبس الخاتم، ثم رمى به، وقال: "شغلني ونظرة إليكن ونظرة إليه" ١، وقوله: "هذا رجل يتبختر في حلته، مرجلًا جمته، خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" ٢، فرأيت أنه لا ينبغي للمؤمن أن يلبس ثوبًا معجبًا، ولا شيئًا من زينة؛ لأن ذلك يوجب النظر إلى النفس بعين الإعجاب، والنفس ينبغي أن تكون ذليلة للخالق.

стр. 586

١١٩٣- وقد كان قدماء الأخبار في بني إسرائيل يمشون على العصي، لئلا يقع منهم بطر في المشي. ١١٩٤- ولبست أم المؤمنين عائشة ﵂ درعًا لها، فأعجبت به، فقال لها رسول الله ﷺ : "إن الله لا ينظر إليك في حالتك هذه" ١. ١١٩٥- ولما لبس رسول الله ﷺ خميصة لها أعلام، قال: "ألهتني هذه عن صلاتي" ٢. وهذا كله يوجب الإعراض عن الزينة، وما يحرك إلى الفخر والزهو والعجب، ولهذا حرم الحرير. ١١٩٦- وأقول على أسباب هذا: إن المرقعات التي يتنوق٣ فيها المتصوفة بالسوارك والتلميع، ربما أوجبت زهو اللابس: إما لحسنها في ذاتها، أو لعلمه أنها تنبئ عنه بالتصوف والزهد، وكذلك الخاتم في اليد، وطول الأكمام، والنعال الضرارة٤. ولا أقول: إن هذه الأشياء تحرم، بل ربما جلبت ما يحرم من الزهو. فينبغي للعاقل أن يتنبه بما قلت في دفع كل ما يحذر من شره. ١١٩٧- وقد ركب ابن عمر نجيبًا٥، فأعجبه مشيه، فنزل، وقال: يا نافع! أخله في البدن٦.

стр. 587

٢٦١- فصل: العزلة حمية ١١٩٨- من أراد اجتماع همه وإصلاح قلبه، فليحذر من مخالطة الناس في هذا الزمان، فإنه قد كان يقع الاجتماع على ما ينفع ذكره، فصار الاجتماع على ما يضر!

стр. 588

١١٩٩- وقد جربت على نفسي مرارًا أن أحصرها في بيت العزلة، فتجتمع هي، ويضاف إلى ذلك النظر في سير السلف، فأرى العزلة حميةً، والنظر في سير القوم دواء، واستعمال الدواء مع الحمية عن التخليط نافع؛ فإذا فسحت لنفسي في مجالسة الناس ولقائهم، تشتت القلب المجتمع، ووقع الذهول عما كنت أراعيه، وانتقش في القلب ما قد رأته العين، وفي الضمير ما تسمعه الأذن، وفي النفس ما تطمع في تحصيله من الدنيا، وإذا جمهور المخالطين أرباب غفلة، والطبع بمجالستهم يسرق من طباعهم، فإذا عدت أطلب القلب، لم أجده، وأروم ذاك الحضور فأفقده، فيبقى فؤادي في غمار ذلك اللقاء للناس أيامًا، حتى يسلو الهوى. ١٢٠٠- وما فائدة تعريض البناء للنقض؟! فإن دوام العزلة كالبناء، والنظر في سير السلف يرفعه؛ فإذا وقعت المخالطة، انتقض ما بني في مدة في لحظة، وصعب التلافي، وضعف القلب! ومن له فهم يعرف أمراض القلب، وإعراضه عن صاحبه، وخروج طائره من قفصه. ولا يؤمن على هذا المريض أن يكون مرضه هذا سبب التلف، ولا على هذا الطائر المحصور أن يقع في الشبكة. ١٢٠١- وسبب مرض القلب أنه كان مَحْمِيًّا عن التخليط، مغذيًا بالعلم وسير السلف، فخلط، فلم يحتمل مزاجه، فوقع المرض. فالجد الجد؛ فإنما هي أيام. وما نرى من يلقى، ولا من يؤخذ منه، ولا من تنفع مجالسته؛ إلا أن يكون نادرًا ما أعرفه. ما في الصحاب أخو وجدٍ نطارحُهُ ... حديث نجدٍ ولا صب نجارِيهِ ١٢٠٢- فالزم خلوتك! وراع ما بقيت! وإذا قلقت النفس مشتاقة إلى لقاء الخلق، فاعلم أنها بعد كردة، فرضها، ليصير لقاؤهم عندها مكروهًا ... ولو كان عندها شغل بالخالق، لما أحبت الزحمة، كما أن الذي يخلو بحبيبه لا يؤثر حضور غيره. ولو أنها عشقت طريق اليمن، لم تلتفت إلى الشام.

стр. 589

٢٦٢- فصل: أسباب الهداية ١٢٠٣- تفكرت في سبب هداية من يهتدي، وانتباه من يتيقظ من رقاد غفلته، فوجدت السبب الأكبر اختيار الحق لذلك الشخص، كما قيل: إذا أرادك لأمر، هيأك له. فتارة تقع اليقظة بمجرد فكر يوجبه نظر العقل، فيتلمح الإنسان وجود نفسه، فيعلم أن لها صانعًا، وقد طالبه بحقه، وشكر نعمته، وخوفه عقاب مخالفته، ولا يكون ذلك بسبب ظاهر. ١٢٠٤- ومن هذا ما جرى لأهل الكهف: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف: ١٤] . وفي التفسير: أن كل واحد منهم ألفى١ في قلبه يقظة، فقال: لا بد لهذا الخلق من خالق، فاشتد كرب بواطنهم من وقود نار الحذر، فخرجوا إلى الصحراء، فاجتمعوا عن غير موعد، فكل واحد يسأل الآخر: ما الذي أخرجك فتصادقوا. ١٢٠٥- ومن الناس من يجعل الخالق -لذلك السبب الذي هو الفكر والنظر- سببًا ظاهرًا، إما من موعظةٍ يسمعها، أو يراها، فيحرك هذا السبب الظاهر فكرة القلب الباطنة. ١٢٠٦- ثم ينقسم المتيقظون: فمنهم: من يغلبه هواه، ويقتضيه طبعه ما يشتهى مما قد اعتاده، فيعود القهقهري، ولا ينفعه ما حصل له من الانتباه، فانتباه مثل هذا زيادة في الحجة عليه، ومنهم: من هو واقف في مقام المجاهدة بين صفين: العقل الآمر بالتقوى، والهوى المتقاضي بالشهوات، فمنهم: من يغلب بعد المجاهدات الطويلة، فيعود إلى الشر، ويختم له به، ومنهم: من يغلب تارة، ويغلب أخرى، فجراحاته لا في مقتل. ومنهم: من يقهر عدوه، فيسجنه في حبس؛ فلا يبقى للعدو من الحيلة إلا الوساوس. ومن الصفوة أقوام، مذ تيقظوا ما ناموا٢، ومذ سلكوا ما

стр. 590

وقفوا، فهمهم صعود وترق، كلما عبروا مقامًا إلى مقام، رأوا نقص ما كانوا فيه، فاستغفروا، ومنهم: من يرقى عن الاحتياج إلى مجاهدة: إما لخسة ما يدعو إليه الطبع عنده، ولا وقع له، وإما لشرف مطلوبه، فلا يلتفت إلى عائق عنه. ١٢٠٧- واعلم أن الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه ليست مما يقطع بالإقدام، وإنما يقطع بالقلوب، والشهوات العاجلة قطاع الطريق، والسبيل كالليل المدلهم؛ غير أن عين الموفق بصر فرس؛ لأنه يرى في الظلمة كما يرى في الضوء، والصدق في الطلب منار١، أين وجد يدل على الجادة؛ وإنما يتعثر من لم يخلص، وإنما يمتنع الإخلاص ممن لا يراد. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 591

٢٦٣- فصل: عجبت لمن يُعْجَبُ بصورته وينسي مبدأ أمره ١٢٠٨- عجبت لمن يعجب بصورته، ويختال في مشيته، وينسى مبدأ أمره! إنما أوله لقمة ضمت إليها جرعة ماء. فإن شئت، فقل: كسيرة خبز، معها ثمرات، وقطعة من لحم، ومذقة١ من لبن، وجرعة من ماء ونحو ذلك، طبخته الكبد، فأخرجت منه قطرات مني، فاستقر في الأنثيين٢، فحركتها الشهوة، فصبت، فبقيت في بطن الأم مدة حتى تكاملت صورتها، فخرجت طفلًا، يتقلب في خرق البول. وأما آخره، فإنه يلقى في التراب، فيأكله الدود، ويصير رفاتًا تسفيه السوافي٣، وكم يخرج تراب بدنه من مكان إلى مكان آخر، ويقلب في أحوال، إلى أن يعود فيجمع! هذا خبر البدن؛ إنما الروح عليها العمل: فإن تجوهرت بالأدب، وتقومت بالعلم، وعرفت الصانع، وقامت بحقه، فما يضرها نقض المركب، وإن هي بقيت على صفتها من الجهالة، شابهت الطين، بل صارت إلى أخس حالة منه.

стр. 592

٢٦٤- فصل: نصائح لأهل العلم وطلابه ١٢٠٩- هيهات أن يجتمع الهم مع التلبس بأمور الدنيا! خصوصًا الشاب الفقير، الذي قد ألف الفقر؛ فإنه إذا تزوج، وليس له شيء من الدنيا، اهتم بالكسب، أو بالطلب من الناس، فتشتت همته، وجاءه الأولاد، فزاد الأمر عليه، ولا يزال يرخص لنفسه فيما يحصل إلى أن يتلبس بالحرام. ومن يفكر، فهمته ما يأكل، وما يأكله أهله، وما ترضى به الزوجة من النفقة والكسوة، وليس له ذلك، فأي قلب يحضر له؟! وأي هم يجتمع؟! هيهات! والله، لا يجتمع الهم، والعين تنظر إلى الناس، والسمع يسمع حديثهم، واللسان يخاطبهم، والقلب متوزع في تحصيل ما لا بد منه. ١٢١٠- فإن قال قائل: فكيف أصنع؟! قلت: إن وجدت ما يكفيك من الدنيا، أو معيشة تكفك، فاقنع بها، وانفرد في خلوة عن الخلق مهما قدرت. وإن تزوجت، فبفقيرة تقنع باليسير، وتصبر أنت على صورتها وفقرها، ولا تترك نفسك تطمح إلى من تحتاج إلى فضل نفقته؛ فإن رزقت امرأة صالحة جمعت همك، [فذاك] ، وإن لم تقدر، فمعالجة الصبر أصلح لك من المخاطرة، وإياك والمستحسنات، فإن صاحبهن -إذا سلمح كعابد صنم، وإذا حصل بيدك شيء، فانفق بعضه، فبحفظ الباقي تحفظ شتات قلبك. ١٢١١- واحذر كل الحذر من هذا الزمان وأهله، فما بقي مواس، ولا مؤثر، ولا من يهتم لسد خلةٍ١ ولا من لو سئل أعطى؛ إلا أن يعطي نزرًا بتضجرٍ ومنةٍ، يستعبد بها المعطى بقية العمر، ويستثقله كلما رآه، أو يستدعي بها خدمته له، والتردد إليه. ١٢١٢- وإنما كان في الزمان الماضي مثل أبي عمرو بن نُجَيْدٍ٢، سمع أبا

стр. 593

عثمان الحيري١ يقول يومًا على المنبر: علي ألف دينار، وقد ضاق صدري. فمضى أبو عمرو إليه في الليل بألف دينار، وقال: اقض دينك! فلما عاد وصعد المنبر، قال: نشكر الله لأبي عمرو؛ فإنه أراح قلبي، وقضى ديني، فقام أبو عمرو، فقال: أيها الشيخ! ذلك المال كان لوالدتي، وقد شق عليها ما فعلت، فإن رأيت أن تتقدم برده، فافعل؛ فلما كان في الليل عاد إليه، وقال له: لماذا شهرتني بين الناس؟! فأنا ما فعلت ذلك لأجل الخلق، فخذه ولا تذكرني! ماتوا وغيب في التراب شخوصهم ... والنشر مسك، والعظام رَمِيْمُ٢ ١٢١٣- فالبعد البعد عمن همته الدنيا، فإن زادهم اليوم إلى أن يحصل أقرب منه إلى أن يؤثر، ولا تكاد ترى إلا عدوًّا في الباطن، صديقًا في الظاهر، شامتًا على الضر، حسودًا على النعمة. فاشتر العزلة بما بيعت، فإن من له قلب إذا مشى في الأسواق، وعاد إلى منزله، تغير قلبه، فكيف إن عرقله بالميل إلى أسباب الدنيا؟! واجتهد في جمع الهم بالبعد عن الخلق، ليخلو القلب بالتفكر في المآب، وتتلمح عين البصيرة خيم الرحيل!

стр. 594

٢٦٥- فصل: زيارة المقابر ومفاوضة الكتب ١٢١٤- كان المريد في بداية الزمان إذا أظلم قلبه أو مرض لبه، قصد زيارة بعض الصالحين، فانجلى ما أظلم. واليوم، متى حصلت ذرة من الصدق لمريد، فردته في بيت عزلة، ووجد نسيمًا من روح العافية، ونورًا في باطن قلبه، وكاد همه يجتمع وشتاته ينتظم، فخرج، فلقي من يومأ إليه بعلم أو زهد، رأى عنده البطالين، يجري معهم في مسلك الهذيان، الذي لا ينفع، ورأى صورته صورة منمس١،

стр. 595

وأهون ما عليه تضييع الأوقات في الحديث الفارغ، فما يرجع المريد عن ذلك الوطن؛ إلا وقد اكتسب ظلمة في القلب، وشتاتًا في العزم، وغفلة عن ذكر الآخرة، فيعود مريض القلب، يتعب في معالجته أيامًا كثيرة، حتى يعود إلى ما كان فيه، وربما لم يعد؛ لأن المريد فيه ضعف؛ فإذا رأى شيخًا قد جرب وعرف، ثم يؤثر البطالة، لم يأمن أن يتبعه الطبع. ١٢١٥- فالأولى للمريد اليوم ألا يزور إلا المقابر، ولا يفاوض إلا الكتب، التي قد حوت محاسن القوم، وليستعن بالله تعالى على التوفيق لمراضيه، فإنه إن أراده؛ هيأه لما يرضيه.

стр. 596

٢٦٦- فصل: صفات أولياء الله ١٢١٦- تأملت الذين يختارهم الحق لولايته والقرب منه؛ فقد سمعنا أوصفاهم، ومن نظنه منهم ممن رأيناه؛ فوجدته سبحانه لا يختار إلا شخصًا كامل الصورة، لا عيب في صورته، ولا نقص في خلقته، فتراه حسن الوجه، معتدل القامة، سليمًا من آفة في بدنه، ثم يكون كاملًا في باطنه، سخيًّا، جوادًا، عاقلًا، غير خب١، ولا خادع، ولا حقود، ولا حسود، ولا فيه عيب من عيوب الباطن؛ فذاك الذي يربيه من صغره. فتراه في الطفولة معتزلًا عن الصبيان، كأنه في الصبا شيخ، ينبو٢ عن الرذائل، ويفزع من النقائص، ثم لا تزال شجرة همته تنمو، حتى يرى ثمرها متهدلًا على أغصان الشباب، فهو حريص على العلم منكمش على العمل، محافظ للزمان، مراع للأوقات، ساع في طلب الفضائل، خائف من النقائص. ولو رأيت التوفيق والإلهام الرباني كيف يأخذ بيده إن عثر، ويمنعه من الخطإ إن هم، ويستخدمه في الفضائل، ويستر عمله عنه حتى لا يراه منه٣.

стр. 597

١٢١٧- ثم ينقسم هؤلاء، فمنهم من تفقه على قدم الزهد والتعبد، ومنهم من تفقه على العلم واتباع السنة. ويندر منهم من يجمع [الله] له الكل، ويرقيه إلى مزاحمة الكاملين. ١٢١٨- وعلامة إثبات الكمال في العلم والعمل الإقبال بالكلية على معاملة الحلق ومحبته، واستيعاب الفضائل كلها، [وسناء الهمة في نشدان الكمال الممكن] ، فلو تصورت النبوة أن تكتسب، لدخلت في كسبه. ومراتب هذا لا يحتملها الوصف، لكونه درة الوجود، التي لا تكاد تنعقد في الصدف إلا في كل ودود، نسأل الله توفيقنا لمراضيه وقربه، ونعوذ به من طرده وإبعاده.

стр. 598

٢٦٧- فصل: يبذلون العرض دون الغرض ١٢١٩- أكثر الخلائق على طبع رديء، لا تقومه الرياضة، لا يدرون لم خلقوا؟! ولا ما المراد منهم؟! وغاية همتهم حصول بغيتهم من أغراضهم! ولا يسألون عند نيلها ما اجتلبت لهم من ذم! يبذلون العرض دون الغرض، ويؤثرون لذة ساعة، وإن اجتلبت زمان مرض! يلبسون عند التجارات ثياب محتال في شعار ويلبسون عند التجارات ثياب محتال في شعار مختال، ويلبسون في المعاملات ويسترون الحال! إن كسبوا، فشبهة، وإن أكلوا، أصبحوا، سعوا في تحصيل شهواتهم، بحرص خنزير، وتبصبص١ كلب، وافتراس أسد، وغارة ذئب، وروغان٢ ثعلب! ويتأسفون عند الموت على فقد الهوى لا على عدم التقوى! ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠] !! كيف يفلح من يؤثر ما يراه بعينه على ما يبصره بعقله، وما يدركه ببصره أعز عنده مما يراه ببصيرته؟! تالله، لو فتحو أسماعهم، لسمعوا هاتف الرحيل في زمان الإقامة يصيح في

стр. 599

عرصات الدنيا: تلمحوا تفويض خيام الأوائل! لكن غمرهم سكر الجهالة؛ فلم يفيقوا إلا بضرب الحد.

стр. 600

٢٦٨- فصل: الإنفاق في بناء المساجد والأربطة ١٢٢٠- رأيت بعض المتقدمين سئل عمن يكتسب حلالًا وحرامًا من السلاطين والأمراء، ثم يبني المساجد والأربطة: هل له فيها ثواب؟ فأفتى بما يوجب طيب قلب المنفق، وأن له في إنفاق ما لا يملكه نوع سمسرة؛ لأنه لا يعرف أعيان المغصوبين فيردها عليهم! فقلت: وا عجبًا من المتصدين للفتوى الذين لا يعرفون أصول الشريعة!! ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أولًا؛ فإن كان سلطانًا، فما يخرج من بيت المال قد عرفت وجوه مصارفه، فكيف يمنع مستحقه، ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة ورباط؟! وإن كان المنفق من الأمراء ونواب السلاطين؛ فإنه يجب أن يرد ما يجب زده إلى بيت المال، وليس له فيه إلا ما فرض من إيجاب يليق به؛ فإن تصرف في غير ذلك، كان مصروفًا فيما ليس له، ولو أذن له ما كان الإذن جائزًا، وإن كان قد أقطع ما لا يقاوم عمله١، كان ما يأخذه فاضلًا من أموال المسلمين، لا حق له فيه، وعلى من أطلقه في ذلك إثم أيضًا، هذا إذا سلم المال، وكان من حله. فأما إذا كان حرامًا أو غضبًا، فكل تصرف فيه حرام، والواجب رده على من أخذ منه، أو على ورثتهم؛ فإن لم يعرف طريق الرد، كان في بيت مال المسلمين، يصرف في مصالحهم، أو يصرف في الصدقة، ولم يحظ آخذه بغير الإثم٢.
следующие страницы →