← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٢٦٦- فصل: صفات أولياء الله ١٢١٦- تأملت الذين يختارهم الحق لولايته والقرب منه؛ فقد سمعنا أوصفاهم، ومن نظنه منهم ممن رأيناه؛ فوجدته سبحانه لا يختار إلا شخصًا كامل الصورة، لا عيب في صورته، ولا نقص في خلقته، فتراه حسن الوجه، معتدل القامة، سليمًا من آفة في بدنه، ثم يكون كاملًا في باطنه، سخيًّا، جوادًا، عاقلًا، غير خب١، ولا خادع، ولا حقود، ولا حسود، ولا فيه عيب من عيوب الباطن؛ فذاك الذي يربيه من صغره. فتراه في الطفولة معتزلًا عن الصبيان، كأنه في الصبا شيخ، ينبو٢ عن الرذائل، ويفزع من النقائص، ثم لا تزال شجرة همته تنمو، حتى يرى ثمرها متهدلًا على أغصان الشباب، فهو حريص على العلم منكمش على العمل، محافظ للزمان، مراع للأوقات، ساع في طلب الفضائل، خائف من النقائص. ولو رأيت التوفيق والإلهام الرباني كيف يأخذ بيده إن عثر، ويمنعه من الخطإ إن هم، ويستخدمه في الفضائل، ويستر عمله عنه حتى لا يراه منه٣.

стр. 597

١٢١٧- ثم ينقسم هؤلاء، فمنهم من تفقه على قدم الزهد والتعبد، ومنهم من تفقه على العلم واتباع السنة. ويندر منهم من يجمع [الله] له الكل، ويرقيه إلى مزاحمة الكاملين. ١٢١٨- وعلامة إثبات الكمال في العلم والعمل الإقبال بالكلية على معاملة الحلق ومحبته، واستيعاب الفضائل كلها، [وسناء الهمة في نشدان الكمال الممكن] ، فلو تصورت النبوة أن تكتسب، لدخلت في كسبه. ومراتب هذا لا يحتملها الوصف، لكونه درة الوجود، التي لا تكاد تنعقد في الصدف إلا في كل ودود، نسأل الله توفيقنا لمراضيه وقربه، ونعوذ به من طرده وإبعاده.

стр. 598

٢٦٧- فصل: يبذلون العرض دون الغرض ١٢١٩- أكثر الخلائق على طبع رديء، لا تقومه الرياضة، لا يدرون لم خلقوا؟! ولا ما المراد منهم؟! وغاية همتهم حصول بغيتهم من أغراضهم! ولا يسألون عند نيلها ما اجتلبت لهم من ذم! يبذلون العرض دون الغرض، ويؤثرون لذة ساعة، وإن اجتلبت زمان مرض! يلبسون عند التجارات ثياب محتال في شعار ويلبسون عند التجارات ثياب محتال في شعار مختال، ويلبسون في المعاملات ويسترون الحال! إن كسبوا، فشبهة، وإن أكلوا، أصبحوا، سعوا في تحصيل شهواتهم، بحرص خنزير، وتبصبص١ كلب، وافتراس أسد، وغارة ذئب، وروغان٢ ثعلب! ويتأسفون عند الموت على فقد الهوى لا على عدم التقوى! ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠] !! كيف يفلح من يؤثر ما يراه بعينه على ما يبصره بعقله، وما يدركه ببصره أعز عنده مما يراه ببصيرته؟! تالله، لو فتحو أسماعهم، لسمعوا هاتف الرحيل في زمان الإقامة يصيح في

стр. 599

عرصات الدنيا: تلمحوا تفويض خيام الأوائل! لكن غمرهم سكر الجهالة؛ فلم يفيقوا إلا بضرب الحد.

стр. 600

٢٦٨- فصل: الإنفاق في بناء المساجد والأربطة ١٢٢٠- رأيت بعض المتقدمين سئل عمن يكتسب حلالًا وحرامًا من السلاطين والأمراء، ثم يبني المساجد والأربطة: هل له فيها ثواب؟ فأفتى بما يوجب طيب قلب المنفق، وأن له في إنفاق ما لا يملكه نوع سمسرة؛ لأنه لا يعرف أعيان المغصوبين فيردها عليهم! فقلت: وا عجبًا من المتصدين للفتوى الذين لا يعرفون أصول الشريعة!! ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أولًا؛ فإن كان سلطانًا، فما يخرج من بيت المال قد عرفت وجوه مصارفه، فكيف يمنع مستحقه، ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة ورباط؟! وإن كان المنفق من الأمراء ونواب السلاطين؛ فإنه يجب أن يرد ما يجب زده إلى بيت المال، وليس له فيه إلا ما فرض من إيجاب يليق به؛ فإن تصرف في غير ذلك، كان مصروفًا فيما ليس له، ولو أذن له ما كان الإذن جائزًا، وإن كان قد أقطع ما لا يقاوم عمله١، كان ما يأخذه فاضلًا من أموال المسلمين، لا حق له فيه، وعلى من أطلقه في ذلك إثم أيضًا، هذا إذا سلم المال، وكان من حله. فأما إذا كان حرامًا أو غضبًا، فكل تصرف فيه حرام، والواجب رده على من أخذ منه، أو على ورثتهم؛ فإن لم يعرف طريق الرد، كان في بيت مال المسلمين، يصرف في مصالحهم، أو يصرف في الصدقة، ولم يحظ آخذه بغير الإثم٢.

стр. 601

١٢٢١- أنبأنا أحمد بن الحسن بن البنا، قال: أخبرنا محمد بن علي الزجاجي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأسدي، قال: أخبرنا على بن الحسن، قال: حدثنا أبو داود١، قال: حدثنا محمد بن عوف٢ الطائي، قال: حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي٣، قال: حدثني موسى بن سليمان، قال: سمعت القاسم بن مخيمرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "من اكتسب مالًا من مأثم، فوصل به رحمًا، أو تصدق به، أو أنفقه في سبيل الله؛ جمع ذلك جمعًا، فقذف به في جهنم". ١٢٢٢- فأما إذا كان الباني تاجرًا مكتسبًا للحلال، فبنى مسجدًا، أو وقف وقفًا للمتفقهة؛ فهذا مما يثاب عليه، ويبعد من يكتسب الحلال حتى يفضل عنه هذا المقدار، أو يخرج الزكاة مستقصاة، ثم يطيب قلبه بمثل هذا البناء والنفقة، إذ مثل هذا البنيان لا يجوز أن يكون من زكاة، وأين سلامة النية، وخلوص المقصد؟! ١٢٢٣- ثم إن بناء المدارس اليوم مخاطرة٤، إذ قد انعكف أكثر المتفقهة

стр. 602

إلى علم الجدل١، وأعرضوا عن علوم الشريعة، وتركوا التردد إلى المساجد، وقنعوا بالمدارس والألقاب. ١٢٢٤- وأما بناء الأربطة؛ فليس بشيءٍ أصلًا؛ لأن جمهور المتصوفة جلوس على بساط الجهل والكسل، ثم يدعي مدعيهم المحبة والقرب، ويكره التشاغل بالعلم، وقد تركوا سيرة سريٍّ، وعادات الجنيد، واقتنعوا بأداء الفرائض، ورضوا بالمرقعات، فلا تحسن إعانتهم على بطالتهم وراحتهم، ولا ثواب في ذلك.

стр. 603

٢٦٩- فصل: الرياء يضيع العمل ١٢٢٥- عجبت لمن يتصنع للناس بالزهد، يرجو بذلك قربه من قلوبهم، وينسى أن قلوبهم بيد من يعمل له؛ فإن رضي عمله، ورآه خالصًا، لفت القلوب إليه، وإن لم يره خالصًا، أعرض بها عنه. ومتى نظر العامل إلى التفات القلوب إليه؛ فقد زاحم الشرك١؛ لأنه ينبغي أن يقنع بنظر من يعمل له. ومن ضرورة الإخلاص [ألا يقصد] التفات القلوب إليه، فذاك يحصل لا بقصده، بل بكراهته لذلك. ١٢٢٦- وليعلم الإنسان أن أعماله كلها يعلمها الخلق جملة، وإن لم يطلعوا عليها، فالقلوب تشهد للصالح بالصلاح، وإن لم يشاهد منه ذلك. ١٢٢٧- فأما من يقصد رؤية الخلق بعمله؛ فقد مضى العمل ضائعًا؛ لأنه غير مقبول عند الخالق، ولا عند الخلق؛ لأن قلوبهم قد التفتت عنه، فقد ضاع العلم، وذهب العمر! ١٢٢٨- ولقد أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا

стр. 604

حسن بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة١، قال: حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كوة؛ لخرج عمله للناس، كائنًا ما كان" ٢. فليتق الله العبد، ويقصد من ينفعه قصده، ولا يتشاغل بمدح من عن قليلٍ يَبلى هو وهم.

стр. 605

٢٧٠- فصل: متى وقع الترخص حمل إلى غيره ١٢٢٩- قدم علينا بعض فقهاء من بلاد الأعاجم، وكان قاضيًا ببلده، فرأيت على دابته الذهب، ومعه أتوار١ الفضة، وأشياء كثرة من المحرمات، فقلت: أي شيء أفاد هذا العلم؟! بلى والله، قد كثرت عليه الحجج. وأكبر الأسباب قلة علم هؤلاء بسيرة السلف، وما كان عليه رسول الله ﷺ ! لا أنهم يجهلون الجملة؛ ولكنهم يتشاغلون بعلم الخلاف، ويقصدون التقدم بقشور المعرفة، وليس٢ يعنيهم٣ سماع حديث، ولا نظر في سير السلف، ويخالطون السلاطين، فيحتاجون إلى التزيي بزيهم، وربما خطر لهم أن هذا قريب، وإن لم يخطر لهم، فالهوى غالب بلا ضاد، وربما خطر لهم أن [يقولوا] : هذا يحتمل ويغفر في جانب تشاغلنا بالعلم، ثم يرون العلماء يكرمونهم لنيل شيء من دنياهم، ولا ينكرون عليهم. ١٢٣٠- ولقد رأيت من الذين ينتسبون إلى العلم من يستصحب المردان، ويشتري المماليك، وما كان يغفل هذا إلا من قد يئس من الآخرة. ورأيت من قد

стр. 606

بلغ الثمانين من العلماء وهو على هذه الحالة، فالله الله يا من يريد حفظ دينه، ويوقن بالآخرة! ١٢٣١- إياك والتأويلات الفاسدة، والأهواء الغالبة؛ فإنك إن ترخصت بالدخول في بعضها، جرك الأمر إلى الباقي، ولم تقدر على الخروج لموضع ألف الهوى فاقبل نصحي، واقنع بالكسرة، وابعد عن أرباب الدنيا، فإذا ضج الهوى؛ فدعه لهذا، وربما قال لك: فالأمر الفلاني قريب! فلا تفعل؛ فإنه - ولو كان قريبًا- يدعو إلى غيره، ويصعب التلافي. فالصبر الصبر على شظف العيش! والبعد [البعد] عن أرباب الهوى! فما يتم دين إلا بذلك، ومتى وقع الترخص؛ حمل إلى غيره، كالشاطئ إلى اللجة١. وإنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، ووجه أصبح من وجه؛ وإنما هي أيام يسيرة.

стр. 607

٢٧١- فصل: حكمة الخالق وراء العقول ١٢٣٢- من تفكر في عظمة الله ، طاش عقله؛ لأنه يحتاج أن يثبت موجودًا لا أول لوجوده، وهذا شيء لا يعرفه الحس؛ وإنما يقر به العقل ضرورة، وهو متحير بعد هذا الإقرار، ثم يرى من أفعاله ما يدل على وجوده، فلا يخفى وجوده. ١٢٣٣- ثم تجري في أقداره أمور، لولا ثبوت الدليل على وجوده، لأوجبت الجحد؛ فإنه يفرق البحر لبني إسرائيل -وذلك شيء لا يقدر عليه سوى الخالق- ويصير العصا حيَّةً، ثم يعيدها عصا، تلقف ما صنعوا، ولا يزيد فيها شيء، فهل بعد هذا بيان؟! فإذا آمنت السحرة، تركهم مع فرعون يصلبهم، ولا يمنع، والأنبياء يبتلون بالجوع والقتل، وزكريا ينشر، ويحيى تقتله زانية١، ونبينا ﷺ يقول كل عام:

стр. 608

"من يؤويني؟ من ينصرني"، فيكاد الجاهل بوجود الخالق يقول: لو كان موجودًا، لنصر أولياءه! فينبغي للعاقل الذي قد ثبت عنده وجوده بالأدلة الظاهرة الجلية: ألا يمكن عقله من الاعتراض عليه١ في أفعاله، ولا يطلب لها٢ علة؛ إذ قد ثبت أنه مالك وحكيم، فإذا خفي علينا وجه الحكمة في فعله، نسبنا ذلك العجز إلى فهومنا. وكيف لا، وقد عجز موسى ﵇ أن يعرف حكمة خرق السفينة، وقتل الغلام، فلما بان له حكمة ذلك الفساد في الظاهر؛ أقر؟! فلو قد بانت الحكمة في أفعال الخالق، "ما" جحد العقل جحد موسى يوم الخضر. فمتى رأيت العقل يقول: لم؟ فأخرسه بأن تقول له: يا عاجز! أنت لا تعرف حقيقة نفسك، فما لك والاعتراض على المالك؟! وربما قال العقل: أي فائدة في الابتلاء، وهو قادر أن يثيب، ولا بلاء؟! وأي غرض في تعذيب أهل النار، وليس ثم تشف؟! فقل له: حكمته فوق مرتبتك، فسلم لما لا تعلم؛ فإن أول من اعترض بعقله إبليس، رأى فضل النار على الطين، فأعرض "عن السجود". وقد رأينا خلقًا كثيرًا، وسمعنا عنهم أنهم يقدحون في الحكمة؛ لأنهم يحكمون العقول على مقتضاها، وينسون أن حكمة الخالق وراء العقول. فإياك أن تفسح لعقلك في تعليل، أو أن تطلب له جواب اعتراض، وقل له: سلم تسلم، فإنك لا تدري غور البحر، إلا وقد أدركك الغرق قبل ذلك، هذا أصل عظيم، متى فات الآدمي، أخرجه الاعتراض إلى الكفر.

стр. 609

٢٧٢- فصل: من أوغل في السن فليعتبر بما فقد ١٢٣٤- العجب ممن يقول: أخرج إلى المقابر فاعتبر بأهل البلى٣!! ولو فطن؛

стр. 610

علم أنه مقبرة، يغنيه الاعتبار بما فيها عن غيرها؛ خصوصًا من قد أوغل في السن، فإن شهوته ضعفت، وقواه قلت، والحواس كلت، والنشاط فتر، والشعر ابيض؛ فليعتبر بما فقد، وليستغن عن ذكر من فقد، فقد استغنى بما عنده عن التطلع إلى غيره.

стр. 611

٢٧٣- فصل: متى تكامل العقل فُقِدت لذة الدنيا ١٢٣٥- متى تكامل العقل؛ فقدت لذة الدنيا، فتصاءل الجسم، وقوي السقم، واشتد الحزن؛ لأن العقل كلما تلمح العواقب، أعرض عن الدنيا، والتفت إلى ما تلمح، ولا لذة عنده بشيءٍ من العاجل، وإنما يلتذ أهل الغفلة عن الآخرة، ولا غفلة لكامل العقل، ولهذا لا يقدر على مخالطة الخلق؛ لأنهم كأنهم من غير جنسه، كما قال الشاعر ما في الديار أخو وجدٍ نطارحه ... حديث نجدٍ ولا خل نجاريْهِ١

стр. 612

٢٧٤- فصل: من قدح في البعث قدح في الحكمة ١٢٣٦- ادعى الطبائعيون١ أن مادة الموجودات الماء والتراب والنار والهواء؛ فإذا كان في القيامة، أذهب الأصول، ثم أعاد الحيوان٢، ليعلم أنها كانت بالقدرة، لا عن تأثير الكليات! [أَقُوْلُ] : ومن قدح في البعث؛ فقد٣ بالغ في القدح في الحكمة. ١٢٣٧- ومن قال: الروح عرض؟ فقد جحد البعث؛ لأن العرض لا يبقى، والأجساد تصير ترابًا؛ فإن وجد شيء، فهو ابتداء خلق. كلا والله، "بل" يعيد النفس بعينها "روحًا وجسدًا"، بدليل إعادة مذكوراتها: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] .

стр. 613

١٢٣٨- وعزته، إن لطفه في البداية لدليل على النهاية. حنن الوالدين، وأجرى اللبن في الثدي، وأنشأ الأطعمة، وأطلع العقل على العواقب، أفيحسن أن يقال بعد هذا التدبير: إنه يهمل بعد الموت، فلا يبعث؟! أترى من أحب أن يعرف، فأنشأ الخلق، وقال: "كنت كنزًا لا أعرف، فأحببت أن أعرف"، يؤثر أن يعدمهم، فيجهل قدره؟! سبحان من أعمى أكثر القلوب عن معرفته.

стр. 614

٢٧٥- فصل: تجلي الخالق سبحانه ١٢٣٩- سبحان من ظهر لخلقه حتى لم يبق خفاء، ثم خفي حتى كأنه لا ظهور. أي ظهور أجلى من هذه المصنوعات التي تنطق كلها بأن لي صانعًا صنعني، ورتبني على قانون الحكمة؟! خصوصًا هذا الآدمي الذي أنشأه من قطرة، وبناه على أعجب فطرة، ورزقه الفهم والذهن، واليقظة والعلم، وبسط له المهاد، وأجرى له الماء والريح، وأنبت له الزرع، ورفع له من فوقه السماء، فأوقد له مصباح الشمس بالنهار، وجاء بالظلمة ليسكن إلى غير ذلك، مما لا يخفى، وكله ينطق بصوت فصيح يدل على خالقه، وقد تجلى الخالق سبحانه بهذه الأفعال، فلا خفاء. ١٢٤٠- ثم بعث الرسل فقراء من الدنيا، ضعاف الأبدان، فقهر بهم الجبابرة، وأظهر على أيديهم من المعجزات ما لا يدخل تحت مقدور بشر، وكل ذلك ينطق بالحق، وقد تجلى سبحانه بذلك لعباده. ١٢٤١- ثم يأتي موسى ﵇ إلى البحر، فينفرق؛ فلا يبقى شك في أن الخالق فعل هذا، ويكلم عيسى ﵇ الميت، فيقوم، ويبعث طيرًا أبابيل، تحفظ بيته، فيهلك قاصديه. وهذا أمر يطول ذكره كله، يدل على تجلي الخالق سبحانه بغير خفاء. ١٢٤٢- فإذا ثبت عند العقلاء ذلك من غير ارتياب ولا شك، [ثم] جاءت أشياء كأنها تستر الظاهر، مثل ما سبق من تسليط الأعداء على الأولياء، وإذا ثبت التجلي بأدلة لا تحتمل التأويل، علمت أن لهذا الخفاء سرًّا لا نعلمه، يفترض على العقل فيه التسليم للحكيم، فمن سلم سلم، ومن اعترض هلك.

стр. 615

٢٧٦- فصل: عالم معاند وجاهل مهمل ١٢٤٣- قد يدعي أهل كل مذهب الاجتهاد في طلب الصواب، وأكثرهم لا يقصد إلا الحق، فترى الراهب يتعبد، ويتجوع، واليهودي يذل، ويؤدي الجزية، وصاحب كل مذهب يبالغ فيه، ويحتمل الضيم والأذى طلبًا للهدى، وتحصيل الأجر في اعتقاده، ومع هذا، فيقطع العقل بضلال الأكثرين. وهذا قد يشكل؛ وإنما كشفه أنه ينبغي أن يطلب الهدى بأسبابه، ويستعمل الاجتهاد بالإبانة، فأما من فاتته الأسباب، أو فقد بعض الآلات، فلا يقال له مجتهد. ١٢٤٤- فاليهود والنصارى بين عالم قد عرف صدق نبينا ﷺ ؛ لكنه يجحد [إبقاء] لرئاسته، فهذا معاند، وبين مقلد لا ينظر بعقله؛ فهذا مهمل، فهو يتعبد مع إهمال الأصل، وذاك١ لا ينفع، وبين ناظر منهم لا ينظر حق النظر، فيقول: في "التوراة" إن ديننا لا ينسخ! [ونسخ الشرائع لاختلاف الأزمنة حق، ولكنه] ٢ يقول: النسخ بداء٣! ولا ينظر في الفرق [بينهما] ، فينبغي أن ينظر حق النظر. ١٢٤٥- ومن هذا الجنس تعبد الخوارج٤، مع اقتناعهم بعلمهم القاصر، وهو قولهم: لا حكم إلا لله، ولم يفهموا أن التحكيم من حكم الله، فجعلوا قتال علي ﵁ وقتله مبنيًّا على ظنهم الفاسد. ١٢٤٦- ولما نهب مسلم بن عقبة٥ المدينة، وقتل الخلق، قال: إن دخلت

стр. 616

النار بعد هذا إنني لشقي، فظن بجهله أنهم لما خالفوا بيعة يزيد، يجوز استباحتهم وقتلهم. ١٢٤٧- فالويل لعامي قليل العلم، لا يتهم نفسه في واقعة، ولا يذاكر من هو أعلم منه؛ بل يقطع بظنه ويقدم. وهذا أصل ينبغي تأمله، فقد هلك في إهماله خلق لا تحصى، وقد رأينا خلقًا من العوام إذا وقعت لهم واقعة، لم يقبلوا فتوى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية] .

стр. 617

٢٧٧- فصل: للنفس ذخائر في البدن ١٢٤٨- للنفس ذخائر في البدن، منها الدم والمني، وأشياء تتقوى بها؛ فإذا فقدت الذخائر، ولم يبق منها شيء، ذهبت. ١٢٤٩- ومن ذخائرها التقوي بالمال والجاه، وما يوجب الفرح فإذا فقدت ذلك، وكانت عزيزة ذات أنفة، حرجت، وقد يهجم عليها الخوف، فلا تجد ذخيرة من الرجاء يقاومه، فتذهب، ويغلب عليها الفرح، فلا تجد من الحزن ما يقاومه، فتذهب. ١٢٥٠- فاجتهد في حفظ ذخائرها، وخصوصًا الشيخ، فإنه ينبغي له ألا يفرح بإخراج الدم، ولا بإخراج المني، وإن وجد شبقًا؛ إلا أن يكون الشبق زائدًا في الحد، فيخرج المؤذي في كل حين، وعلامة أن يكون مؤذيًا: وجود الراحة عند خروجه، فمتى وجد ضعفًا؛ فقد آذى خروجه. ١٢٥١- وليحفظ ذو الأنفة على نفسه حشمته، بألا يقف في موقف يعاب به، فإنه يتمتع بذخيرة العز والأنفة، ويضاد النفس وجود ضد ذلك. ١٢٥٢- وكذلك ينبغي أن يستعد لآخر عمره بالمال، مخافة أن يحتاج فيذل أو يسعى، وقد كلت٢ الآلة؛ ولأن يخلف لعدوه أولى من أن يحتاج إلى صديقه، ولا يلتفت إلى من يذم المال؛ فإنهم الحمقى الجهال الذين اتكلوا على خبر الراحة،

стр. 618

فاستطابوا الكسل والدعة، ولم يأنفوا من تناول الصدقة، ولا التعرض للسؤال، وقد كان لكل نبي معاش، ولجميع الصحابة، وخلفوا أموالًا كثيرة، فافهم هذا الأصل، ولا تلتفت إلى كلام الجهال.

стр. 619

٢٧٨- فصل: زهاد زماننا أهل رياء ونفاق ١٢٥٣- رأيت في زهاد زماننا من الكبر، وحفظ الناموس، ورتبة الجاه في قلوب العامة ما كدت أقطع به على أنهم أهل رياء ونفاق! فترى أحدهم يلبس الثوب الذي يرى بعين الزهد، ويأكل أطايب الطعام، ويتكبر على أبناء الجنس، ويصادق الأغنياء، ويباعد الفقراء، ويحب الخطاب بمولانا، والمشي بجانبه، ويضيع الزمان في الهذيان، ويتقوت بخدمة الناس له والتسليم عليه. ولو أنه لبس ثوبًا يخلطه بالفقهاء؛ لذهب الجاه، ولم يبق له متعلق! ولو أن أفعاله ناسبت ثيابه لهان الأمر، لكنهم بهرجوا على من لا يخفى أمرهم عليه من الخلق، فكيف الخالق ؟!

стр. 620

٢٧٩- فصل: على المؤمن أن يصون نفسه ١٢٥٤- كثيرًا ما أعيد هذا المعنى الذي أنا ذاكره في هذا الكتاب بعبارات شتى: ينبغي للمؤمن أن يتشاغل بمعاشه، ويرفق في نفقته، فإنه قد كان للعلماء شيء من بيت المال، ورفق من الإخوان، ومعونة من العوام، فانقطع الكل، وبقي المتشاغل بالعلم أو التعبد مسكينًا، خصوصًا ذو١ العائلة. ١٢٥٥- وما رأينا مثل هذا الزمان القبيح؛ فما بقي من يومأُ إليه بمعونةٍ، ولا باستقراض، فيحتاج الإنسان المؤمن أن يدخل في مداخل لا تليق به، وأن يتعرض بما لا يصلح. فينبغي تقليل العائلة، وتقويت القوت٢، وترقيع الخلق. وإن أمكن معاش،

стр. 621

فهو أولى من التشاغل بالتعبد، والتعلم لفضول العلم؛ وإلا ضاع الدين في مداخل لا تصلح، أو التعرض لبذل نذلٍ.

стр. 622

٢٨٠- فصل: على المؤمن أن يحترز مما يمكن وقوعه ١٢٥٦- ينبغي للعاقل أن يحترز غاية ما يمكنه؛ فإذا جرى القدر مع احترازه، لم يلم، والاحتراز ينبغي من كل شيء يمكن وقوعه، وأخذ العدة لذلك واجب، وهذا يكون في كل حال. فقد قص رجل ظفره؛ فجار عليه، فخبثت يده فمات. ومر شيخنا أحمد الحربي١، وهو راكب بمكان ضيق، فتطأطأ على السرج، فانعصر فؤاده، فمرض، فمات. وكان يحيى بن نزار شيخًا يحضر مجلسي، قد طرق عليه ثقل الأذن، فاستدعى طرقيًّا٢، فمص أذنه، فجرى شيء من مخه، فمات. وانظر إلى احتراز رسول الله ﷺ حين مر على حائط مائل فأسرع٣. ١٢٥٧- وينبغي أن يحترز بالكسب في زمن شبابه، ادخارًا لزمن شيبه، ولا ينبغي أن يثق بمعامل إلا بوثيقة، ويبادر بالوصية، مخافة أن يطرقه الموت، ويحترز من صديقه فضلًا عن عدوه، ولا يثق بمودة من قد آذاه هو؛ فإن الحقد في القلوب قلما يزول، وليحترز من زوجته، فربما أطلعها على سره، ثم طلقها، فيتأذى بما تفعل به. وقد كان ابن أفلح٤ الشاعر يكاتب رئيسًا في زمن المسترشد، فعلم بذلك بوابه، واتفق أنه صرف بوابه، فنم عليه، ونقضت داره٥. فهذه المذكورات٦ أمثلة تنبه على ما لم يذكر، وأهم الكل أن يحترز بأخذ

стр. 623

العدة، وتحقيق التوبة، قبل أن يهجم عليه ما لا يؤمن هجومه، وليحذر من لص الكسل؛ فإنه محتال على سرقة الزمان.

стр. 624

٢٨١- فصل: السعيد من اهتم لحفظ دينه وقنع من الدنيا باليسير ١٢٥٨- تأملت خصومات الملوك، وحرص التجار، ونفاق المتزهدين: فوجدت جمهور ذلك على لذات الحس، وإذا تفكر العاقل في ذلك، علم أن أمر الحسيات قريب، يندفع بأقل شيء، وأن الغاية منه لا يمكن نيلها، وإن بالغ عاد بالأذى على نفسه أضعاف ما ناله من اللذة، كمن يأكل كثيرًا أو ينكح كثيرًا، فالسعيد من اهتم لحفظ دينه، وأخذ من ذلك بمقدار الحاجة. ١٢٥٩- وا عجبًا! هذا الملبوس: إذا كان وسطًا، خدم، وإذا كان مرتفعًا؛ خدم؛ فإن نظر اللابس إليه معجبًا به، فإن الله لا ينظر إليه حينئذ، وفي "الصحيح": "بينما رجل يتبختر في بردته، خسف به". ١٢٦٠- والمشروب: إن كان حرامًا، فعقابه أضعاف لذته، وهتكه العرض بين الناس عقاب آخر، وإن كان مباحًا، فالشره فيه يؤذي البدن. ١٢٦١- وأما المنكوح، فمداراة المستحسن يؤذي فوق كل أذى، ومقاساة المستقبح أشد أذى، فعليك بالتوسط. ١٢٦٢- وتفكر في أحوال السلاطين، كم قتلوا ظلمًا؟ وكم ارتكبوا حرامًا؟ وما نالوا إلا يسيرًا من لذات الحس، فانقشع غيم العمر عن حسرات الفضائل وحصول العقاب. ١٢٦٣- فليس في الدنيا أطيب عيشًا من منفرد عن العالم بالعلم، فهو أنيسه وجليسه، قد قنع بما سلم به دينه من المباحات الحاصلة، لا عن تكلف، ولا تضييع دين، وارتدى بالعز عن الذل للدنيا وأهلها، والتحف بالقناعة باليسير، إذا لم يقدر على الكثير، فوجدته يسلم دينه ودنياه.

стр. 625

واشتغاله بالعلم يدله على الفضائل، ويفرجه في البساتين، فهو يسلم من الشيطان والسلطان والعوام بالعزلة، ولكن، لا يصلح هذا إلا للعالم؛ فإنه إذا اعتزل الجاهل، فاته العلم، فتخبط.

стр. 626

٢٨٢- فصل: الموفق من طلاب العلم ١٢٦٤- تأملت حالة تدخل على طلاب العلم توجب الغفلة عن المقصود، وهو حرصهم على الكتابة، خصوصًا المحدثين، فيستغرق ذلك زمانهم عن أن يحفظوا ويفهموا، فيذهب العمر وقد عروا١ عن العلم إلا اليسير. فمن وفق، جعل معظم الزمان مصروفًا في الإعادة والحفظ، وجعل وقت التعب من التكرار للنسخ، فيحصل له المراد. والموفق من طلب المهم؛ فإن العمر يعجز عن تحصيل الكل، وجمهور العلوم الفقه، وفي الناس من حصل له العلم، وغفل عن العمل بمقتضاه، وكأنه ما حصل شيئًا، نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 627

٢٨٣- فصل: التثبت والمشاورة ١٢٦٥- ما اعتمد أحد أمرًا إذا هم بشيء مثل التثبت؛ فإنه متى عمل بواقعة من غير تأمل للعواقب، كان الغالب عليه الندم، ولهذا أمر بالمشاورة؛ لأن الإنسان بالتثبت يفتكر، فتعرض على نفسه الأحوال، وكأنه شاور، وقد قيل: "خمير الرأي خير من فطيره". ١٢٦٦- وأشد الناس تفريطًا من عمل مبادرة في واقعة، من غير تثبت ولا استشارة، خصوصًا فيما يوجبه الغضب، فإنه طلب الهلاك أو الندم العظيم. وكم مَنْ غَضِبَ، فقتل، وضرب، ثم لما سكن غضبه؛ بقي طول دهره في الحزن والبكاء والندم! والغالب في القاتل أنه يقتل، فتفوته الدنيا والآخرة.

стр. 628

١٢٦٧- فكذلك من عرضت له شهوة، فاستعجل لذتها، ونسي عاقبتها، فكم من ندم يتجرعه في باقي عمره، وعتاب يستقبله من بعد موته، وعقاب لا يؤمن وقوعه، كل ذلك للذة لحظة كانت كبرقٍ. فالله الله! التثبت التثبت في كل الأمور! والنظر في عواقبها! خصوصًا الغضب المثير للخصومة وتعجيل الطلاق.

стр. 629

٢٨٤- فصل: من لم يحترز بعقله هلك بعقله ١٢٦٨- سألني سائل: قد قال بعض الحكماء: "من لم يحترز بعقله، هلك بعقله" فما معنى هذا؟ فبقيت مدة لا ينكشف لي المعنى، ثم اتضح؛ وذلك أنه إذا طلبت معرفة ذات الخالق سبحانه من العقل، فزع إلى الحس، فوقع التشبيه، فالاحتراز من العقل بالعقل هو: أن ينظر، فيعلم أنه لا يجوز أن يكون جسمًا ولا شبهًا لشيءٍ. ١٢٦٩- وإذا نظر العاقل إلى أفعال الباري سبحانه؛ رأى أشياء لا يقتضيها العقل، مثل الآلام، والذبح للحيوان، وتسليط الأعداء على الأولياء، مع القدرة على المنع، والابتلاء بالمجاعة للصالحين، والمعاقبة على الذنب بعد البعد بزلة، وأشياء كثيرة من هذا الجنس، يعرضها العقل على العادات في تدبيره، فيرى أنه لا حكمة تظهر له فيها. فالاحتراز من العقل به أن يقال له: أليس قد ثبت عندي أنه مالك، أنه حكيم، وأنه لا يفعل شيئًا عبثًا؟ فيقول: بلى. فيقال: فنحن نحترز من تدبيرك الثاني بما ثبت عندك في الأول؛ فلم يبق إلا أنه خفي عليك وجه الحكمة في فعله، فيجب التسليم له، لعلمنا أنه حكيم، حينئذ يذعن ويقول: قد سلمت. ١٢٧٠- وكثير من الخلق نظروا لمقتضى واقع العقل الأول، فاعترضوا! حتى إن العامي يقول: كيف قضى علي بسوء١ عاقبتي؟! ولم ضيق رزقي؟! وما وجه

стр. 630

الحكمة في ابتلائي بفنون البلاء؟! ولو أنه تلمح أنه مالك حكيم، لم يبق إلا التسليم لما خفي. ١٢٧١- ولقد أنس ببديهة العقل خلق من الأكابر١، أولهم إبليس، فإنه رأى تفضيل النار على الطين، فاعترض. ورأينا خلقًا ممن نسب إلى العلم قد زلوا في هذا، واعترضوا، ورأوا أن كثيرًا من الأفعال لا حكمة تحتها. والسبب ما ذكرنا، وهو الأنس بنظر العقل في البديهة والعادات، والقياس على أفعال المخلوقين. ولو استخرجوا علم العقل الباطن، وهو أنه قد ثبت الكمال للخالق، وانتفت عنه النقائض، وعلم أنه حكيم لا يعبث، لبقي التسليم لما لا يعقل. ١٢٧٢- واعتبر هذا بحال الخضر وموسى ﵉، لما فعل الخضر أشياء تخرج عن العادات أنكر موسى، ونسي إعلامه له بأني أنظر فيما لا تعلمه من العواقب؛ فإذا خفيت مصلحة العواقب على موسى ﵇ مع مخلوق، فأولى أن يخفى علينا كثير من حكمة الحكيم. وهذا أصل، إن لم يثبت عند الإنسان؛ أخرجه إلى الاعتراض والكفر، وإن ثبت، استراح عند نزول كل آفة.

стр. 631

٢٨٥- فصل: بإنعامك المتقدم أتوسل إليك ١٢٧٣- بلغني عن بعض الكرماء أن رجلًا سأله، فقال: أنا الذي أحسنت [إلي] ٢ يوم كذا وكذا. فقال: مرحبًا بمن يتوسل إلينا بنا، ثم قضى حاجته. ١٢٧٤- فأخذت من ذلك إشارة، فناجيت بها، فقلت: أنت الذي هديته من زمن الطفولة، وحفظته من الضلال، وعصمته عن كثير من الذنوب، وألهمته طلب العلم، لا بفهم لشرفه، لموضع الصغر، ولا بحب والده، ورزقته فهما لتفقهه وتصنيفه، وهيأت له أسباب جمعه، وقمت برزقه من غير تعب منه، ولا ذل للخلق بالسؤال.

стр. 632

وحاميت عنه الأعداء، فلم يقصده جبار، وجمعت له ما لم تجمع لأكثر الخلق من فنون العلم، التي لا تكاد تجتمع في شخص، وأضفت إليها تعلق القلب بمعرفتك ومحبتك، وحسن العبارة١ ولطفها في الدلالة عليك، ووضعت له في القلوب القبول، حتى إن الخلق يقبلون عليه، ويقبلون ما يقوله، ولا يشكون فيه، ويشتاقون إلى كلامه، ولا يدركهم الملل منه، وصنته بالعزلة عن مخالطة من لا يصلح، وآنسته في خلوته بالعلم تارة، وبمناجاتك أخرى، وإن ذهبت أعد؛ لم أقدر على إحصاء عشير العشير: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] ، فيا محسنًا إلي قبل أن أطلب! لا تخيب أملي فيك وأنا أطلب، فبإنعامك المتقدم أتوسل إليك.

стр. 633

٢٨٦- فصل: المحمود من الأشياء المتوسط ١٢٧٥- سبحان من جعل الخلق بين طرفي نقيض، والمتوسط منهم يندر! منهم من يغضب، فيقتل ويضرب، ومنهم: من هو أبله بقوة الحلم، لا يؤثر عنده السب! ومنهم: شره يتناول كل ما يشتهي، ومنهم: متزهد يتجفف، فيمنع النفس حقها! وكذلك سائر الأشياء، المحمود منها المتوسط: فالمنفق كل ما يجد مبذر، والبخيل يخبئ المال، ويمنع نفسه حظها. ١٢٧٦- ومعلوم أن المال لا يراد لنفسه، بل للمصالح؛ فإذا بذر الإنسان فيه، احتاج إلى بذل وجهه ودينه ومنة البخلاء عليه، وهذا لا يصلح؛ ولأن يخلف الإنسان لعدوه أحسن من أن يحتاج إلى صديقه. ١٢٧٧- ومن الناس من يبخل، ثم يتفاوتون في البخل، حتى ينتهي بالبخلاء الأمر إلى عشق عين المال، فربما مات أحدهم هزالًا، وهو لا ينفقه، فيأخذه الغير، ويندم المخلف!! ولقد بلغني في هذا ما ليس فوقه مزيد، ذكرته لتعتبر به: ١٢٧٨- فحدثني شيخنا أبو الفضل بن ناصر١، عن شيخه عند المحسن

стр. 634

الصوري١، قال: كان بصورٍ تاجر في غرفةٍ له، يأخذ كل ليلة من البقال رغيفين وجوزة، فيدخل إلى غرفته وقت المغرب، فيضرم النار في الجوزة، فتضيء بمقدار ما ينزع ثوبه، وفي زمان إحراق القشر تكون قد استوت٢، فيمسح بها الرغيفين ويأكلهما، فبقي على هذا مدة، فمات، فأخذ منه ملك صور ثلاثين ألفًا!! ١٢٧٩- ورأيت أنا رجلًا من كبار العلماء قد مرض، فاستلقى عند بعض أصدقائه، ليس له من يخدمه، ولا "من"٣ يرافقه، وهو مضر٤، فلما مات، وجدوا بين كتبه خمسمائة دينار!! ١٢٨٠- وحدثني أبو الحسن الراندسي، قال: مرض رجل عندنا، فبعث إلى، فحضرت، فقال: قد ختم القاضي على مالي، فقلت: إن شئت قمت وفتحت الختم، وأعطيتك الثلث تفرقه، وتعمل به ما تشاء، فقال: لا والله، ما أريد أن أفرقه، بل أريد مالي يكون عندي فقلت: ما يعطونك، بل٥ أنا آخذ لك الثلث كي تكون حرًّا فيه، فقال: لا أريده، فمات، وأخذ ماله!! ١٢٨١- قال: وجاء رجل، فحدثني بعجيبة، قال: مرضت حماتي، فقالت لي: أريد أن تشتري لي خبيصًا٦، فاشتريت لها، وكانت ملقاة في صفة٧، ونحن في صفة أخرى، فجاءني ولدي الصغير، وقال: يا سيدي! إنها تبلع الذهب!! فقمت، وإذا بها تجعل الدينار في شيء من الخبيص فتبلعه! فأمسكت يدها، وزجرتها عن هذا، فقالت: أنا أخاف أن تتزوج على ابنتي، فقلت: ما أفعل، فقالت: احلف لي! فحلفت، فاعطتني باقي الذهب، ثم ماتت، فدفنتها، فلما كان بعد أشهر، مات لنا طفل، فحملناه إليها، وأخذت معي خرقة خام، وقلت للحفار: اجمع لي عظام

стр. 635

تلك العجوز في الخرقة، فجئت بها إلى البيت، وتركتها في إجانة١، وصببت عليها الماء، وحركتها، فأخرجت ثمانين دينارًا أو نحوها، كانت قد ابتلعتها٢!! ١٢٨٢ وحكى لي صديق لنا: أن رجلًا مات، ودفن في الدار، ثم نبش بعد مدة ليخرج، فوجد تحت رأسه لبنة مُقَيَّرةٌ٣، فسئل أهله عنها؟ فقالوا: هو قير هذه اللبنة، وأوصى أن تترك تحت رأسه في قبره، وقال: إن اللبن يبلى سريعًا، وهذه لموضع القار لا تبلى، فأخذوها، فوجدوها رزينةً٤، فكسروها، فوجدوا فيها تسعمائة دينارٍ، فتولاها أصحاب التركات!! ١٢٨٣- وبلغني أن رجلًا كان يكنس المساجد، ويجمع ترابها، ثم ضربه لبنًا، فقيل له: هذا لأي شيء؟ فقال: هذا تراب مبارك، وأريد أن يجعلوه على لحدي؛ فلما مات، جعل على لحده، ففضل منه لبنات، فرموها في البيت، فجاء المطر، فتفسخت اللبنات، فإذا فيها دنانير، فمضوا، وكشفوا اللبن عن لحده، وكله مملوء دنانير!! ١٢٨٤- ولقد مات بعض أصدقائنا، وكنت أعلم [أن] له مالًا كثيرًا، وطال مرضه، فما أطلع أهله على شيء، ولا أكاد أشك أنه من شحه وحرصه على الحياة ورجائه أن يبقى لم يعلمهم بمدفونه، خوفًا أن يؤخذ، فيحيا هو، وقد أخذ المال، وما يكون بعد هذا الخزي شيء!! ١٢٨٥- وحدثني بعض أصحابنا عن حالة شاهدها من هذا الفن، قال: كان فلان له ولدان ذكران وبنت، وله ألف دينار مدفونة، فمرض مرضًا شديدًا، فاحتوشته٥ أهله، فقال لأحد ابنيه: لا تبرح من عندي! فلما خلا به، قال له: إن أخاك مشغول باللعب بالطيور، وإن أختك لها زوج تركي، ومتى وصل من مالي
следующие страницы →